
أثر زيادات أسعار الإنترنت والاتصالات في مصر بين عامي 2016 و2026
مقدمة
خلال العقدين الأخيرين، تحولت تكلفة البقاء متصلًا إلى مسألة تمس شروط الوصول الفعلي إلى التعليم والعمل والمعلومات والخدمات الحكومية والمالية الرقمية. وكانت الدولة المصرية قد توسعت في الوقت نفسه في نطاق الخدمات الرقمية، من المنصات التعليمية الرسمية إلى منصة مصر الرقمية التي أُضيفت إليها خدمات تقدم حصريًا عبر الإنترنت منذ يناير 2026. في هذا السياق، لا تُعد أي زيادة في أسعار الاتصال شأنًا تجاريًا محضًا لأنها تمس خدمة باتت لازمة عمليًا لممارسة حقوق قائمة أصلًا.
يعتمد هذا التقرير على تتبع وثائقي للمسار الزمني لزيادات أسعار خدمات الاتصالات والإنترنت في مصر، استنادًا إلى بيانات رسمية وتقارير صحفية منشورة. وهو لا يدعي، في هذه الصيغة، إثبات أثر كمي نهائي على كل فئة اجتماعية، لأن ذلك يحتاج إلى مقابلات ميدانية وبيانات إنفاق ودخل أكثر تفصيلًا. لكنه يثبت أن سياسات التسعير انتقلت تدريجيًا من تحميل ضريبي وإعادة هيكلة فنية للباقات إلى زيادات مباشرة ومتكررة، بما نقل جزءًا متزايدًا من تكلفة الاتصال إلى المستخدم النهائي، من دون أن يصاحب ذلك، في حدود ما هو منشور علنًا، تقييم كافٍ ومفصل لأثر هذا التحول على من يعتمدون على الباقات الصغيرة وكروت الفكة وأرخص شرائح الاتصال.
من العبء الضريبي إلى العبء المباشر
يصعب فهم ما جرى في أسعار خدمات الاتصالات والإنترنت في عامي 2024 و2026 إذا عُزل عن المسار الذي سبقه. في يوليو 2015، قُدِّمت التحولات في الإنترنت الأرضي كإعادةَ هيكلة للباقات والسرعات، لا زيادات سعرية مباشرة. وجاء ذلك عبر إلغاء سرعات منخفضة وسعة استهلاك غير محدودة، وطرح باقات جديدة محدودة تبدأ من سرعة 1 ميجابت، قبل إطلاق باقات WE Space في بداية 2020 بسرعات أعلى وبنية تسعير مختلفة ونقل العملاء إليها.
لم تقتصر المشكلة على تغيّر الخدمة؛ إذ أصبحت المقارنة بين “قبل” و”بعد” أكثر صعوبة، لأن المنتج نفسه تغيّر في السرعة والسعة وشروط الاستخدام. ما جرى كان إعادةُ تعريف لما يشتريه المستخدم أصلًا، وما إذا كان ما يزال قادرًا على اختيار باقة أرخص وأبطأ أو أبسط.
في المحمول، كان المسار أوضح. بعد تطبيق ضريبة القيمة المضافة، صدر بيان مشترك في سبتمبر 2016 يوضح أن كارت 10 جنيهات سيباع بـ11 جنيهًا، وكارت 50 جنيهًا بـ55، وكارت 100 جنيه بـ110. وفي يوليو 2017، مع استكمال رفع ضريبة القيمة المضافة إلى 14%، لم يرتفع السعر الاسمي للكارت، لكن تراجعت القيمة الإضافية في الرصيد. ثم جاءت النقلة الأهم في سبتمبر 2017، إذ صار الكارت نفسه يعطي رصيدًا فعليًا يساوي 70% من قيمته الاسمية. أصبح هنا العبء الضريبي أو التنظيمي ظاهرًا في رقم البيع، وأيضًا في القيمة الفعلية التي يحصل عليها المستخدم بعد الدفع.
من منظور حقوقي، حين يدفع المستخدم مبلغًا معلومًا لكنه يحصل على قيمة استخدامية أقل بكثير مما يوحي به الاسم التجاري للكارت، تصبح الشفافية نفسها موضع مساءلة. ولم يعد السؤال فقط “كم دفع المستخدم؟” بل “ماذا حصل فعليًا مقابل ما دفع؟” وهذا مهم خصوصًا في سوق يعتمد فيه ملايين المستخدمين على الشحنات الصغيرة والاتصال قصير الأجل، وليس على الفواتير أو الباقات الكبيرة.


2024 و2025: الزيادة تصبح سياسة صريحة
إذا كان العقد السابق قد شهد خليطًا من الضرائب وإعادة الهيكلة والخصم من الرصيد، فإن يناير 2024 مثّل لحظة أوضح: زيادة مباشرة في باقات الإنترنت الأرضي. ارتفعت باقة 140 جيجابايت من 120 إلى 160 جنيهًا، و200 جيجابايت من 170 إلى 225، و250 من 210 إلى 280، و400 من 340 إلى 440، و600 من 500 إلى 650، و1 تيرابايت من 800 إلى 1050 جنيهًا، قبل إضافة الضريبة بحسب الصياغات المنشورة آنذاك. لم تعد هذه الزيادة قابلة للاختباء وراء تغيير في الرصيد أو تعديل فني في هيكل السرعات فقط. إنها زيادة سعرية صريحة على اشتراك شهري هو، بالنسبة لكثير من الأسر، اشتراك منزلي أساسي للتعلم والعمل والخدمات.
ثم جاءت موجة جديدة في ديسمبر 2024 وبداية يناير 2025، شملت الإنترنت الأرضي وكروت الفكة وبعض الباقات المحمولة. وفي كروت الفكة تحديدًا، ظهرت حساسية المسألة الطبقية بوضوح أكبر: كارت 10 جنيهات صار 13 جنيهًا، و12.5 صار 16.5، و15 صار 19.5، و20 صار 26، و29 صار 38 جنيهًا. يظهر تأثير هذه الزيادات بشدة على بوابة الاستخدام الأدنى والأكثر تقطعًا. المستخدم الذي يشتري كارتًا صغيرًا لا يفعل ذلك عادةً لأنه يفضل هذا الشكل من الاستهلاك، بل لأن قدرته المالية لا تسمح له بتحمل تكلفة شهرية أكبر دفعة واحدة. لهذا تبدو كروت الفكة، أكثر من غيرها، مرآة للفقر الرقمي لا مجرد منتج فرعي في السوق.
من السهل على الخطاب الرسمي أو التجاري أن يعرض هذه الزيادات باعتبارها استجابة لارتفاع التكلفة. لكن المشكلة الحقوقية تبدأ حين يجري نقل هذه التكلفة إلى المستخدمين من دون تمييز كافٍ بين من يستطيعون استيعابها ومن قد تعني لهم انقطاعًا متكررًا عن الاتصال. فالسعر الموحد لا ينتج أثرًا موحدًا. زيادة 30 أو 50 أو 80 جنيهًا على باقة منزلية، أو 3 أو 6 أو 9 جنيهات على كارت فكة، قد تبدو محدودة من منظور الجداول السعرية، لكنها لا تكون كذلك لمن يديرون إنفاقًا يوميًا متشظيًا، أو لمن يعتمد دخلهم نفسه على الاتصال.

مايو 2026: اعتراف ضمني بالمشكلة من دون اختبار كافٍ للحماية
في 6 مايو 2026 أعلن الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات الموافقة على تحريك أسعار بعض خدمات الاتصالات بنسبة تتراوح بين 9% و15% شاملة الضرائب، مع ثبات سعر دقيقة الصوت للهاتف الثابت والمحمول، وأسعار كروت شحن الرصيد، وأسعار المحافظ الإلكترونية. وفي الوقت نفسه، وجّه الجهاز القومي الشركات لإتاحة باقة إنترنت أرضي جديدة بسعر 150 جنيهًا بدلًا من أقل باقة حالية قدرها 210 جنيهات، وباقة محمول جديدة بسعر 5 جنيهات بدلًا من أقل باقة حالية تقترب من 13 جنيهًا. وبحسب تفاصيل الأسعار المنشورة بعد القرار، ظهرت قوائم جديدة للباقات الأرضية والمحمولة لدى الشركات المختلفة.
تُظهر الزيادات الأخيرة مشكلتين: الأولى أن الدولة، عبر جهازها التنظيمي، لم تكن مراقبًا خارجيًا محايدًا، بل طرفًا يقر الزيادات ويعيد هيكلة المجال السعري ويصيغ في الوقت نفسه “مخارج اجتماعية” لها. والثانية أن الإعلان عن باقات منخفضة السعر يمثل اعترافًا ضمنيًا بأن التسعير يمكن أن يُنتج استبعادًا رقميًا إن تُرك بلا ضوابط. لكن هذا الاعتراف لا يكفي بذاته. فالحماية لا تُقاس باسم الباقة وسعرها فقط، لكن بسعتها، وسرعتها، ومدة صلاحيتها، وقدرتها الفعلية على تمكين الاستخدام اليومي المعقول.
هنا تضح إحدى أهم ثغرات الشفافية. فبينما أوضح الجهاز وجود باقة إنترنت أرضي بـ150 جنيهًا وباقة محمول بـ5 جنيهات، لم يقدّم في بيانه، بالوضوح نفسه، اختبارًا علنيًا يثبت أن هذه الباقات قادرة على تعويض أثر الزيادات العامة على الفئات الأكثر تأثرًا. هل تكفي السعة؟ هل تصلح الباقة للاستخدام التعليمي والعملي، أم للاستخدام الرمزي فقط؟ هل تسمح السرعة بمشاهدة المحاضرات والاجتماعات، أم أنها مجرد غطاء تنظيمي لإظهار “بعد اجتماعي” دون فاعلية حقيقية؟ هذه الأسئلة لا يجيب عنها السعر وحده.

ويزيد من أهمية هذا السؤال أن الزيادة جاءت بعد أسابيع من تقارير عنطلب شركات الاتصالات رفع الأسعار بنسبة 30%، وهو ما نفاه الجهاز لاحقًا في17 مارس 2026. وحتى لو انتهى الأمر بزيادة أقل، فإن هذا التسلسل يوضح أن المسألة صارت مجال تفاوض منظم حول من يتحمل تكلفة التشغيل والاستثمار والتضخم وتقلبات سعر الصرف والطاقة. يُثير ذلك بدوره سؤال آخر: من الذي يُطلب منه، في النهاية، تحمل هذه التكاليف.
القدرة على التحمل ليست رقمًا مجردًا
القول إن الاتصال صار شرطًا لممارسة حقوق أخرى لم يعد مبالغة. في مصر، تتسع الخدمات الحكومية الرقمية المقدمة على منصة مصر الرقمية، وتستمر وزارة التعليم في تشغيل المنصات التعليمية الإلكترونية. كما يربط الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات نفسه قرار مايو 2026 بارتفاع الاعتماد على الإنترنت، مشيرًا في بيانه إلى نمو استخدام الإنترنت الأرضي بنسبة 36% خلال عام. يعني هذا أن الطلب على الاتصال يعكس تزايد الاعتماد اليومي عليه.
كان التحالف من أجل الإنترنت الميسور (A4AI) قد اعتبر لسنوات أن معيار القدرة على التحمل يتمثل في ألا تتجاوز تكلفة 1 جيجابايت 2% من الدخل الشهري، ثم طوّر هذا النقاش لاحقًا نحو معايير أوسع للبيانات الثابتة والمحمولة في مبادرة Journey from 1 to 5. لا يعني ذلك أن هذا المعيار ملزم قانونًا للدولة المصرية، لكنه يقدم مرجعًا مهمًا: الاتصال لا يقاس بتوافر الخدمة فقط، بل بكونها قابلة للاستخدام دون أن تُقصي الشرائح الأقل دخلًا.
في مصر، حيث رُفع الحد الأدنى للأجور في القطاعين الحكومي والخاص إلى 7000 جنيه في عام 2025 قبل أن يُرفع مرة أخرى بداية من يوليو 2026 إلى 8000 جنيه، تبدو المقارنة الأولية كاشفة حتى قبل الدخول في تفصيلات الإنفاق الأسري. فحين تصبح باقة إنترنت أرضي أساسية بعد زيادة مايو 2026 في حدود 296.4 جنيهًا، أو حين تباع كروت الفكة الصغيرة بأسعار ارتفعت بصورة متتالية منذ 2024، فإن العبء لا يقع على جميع المستخدمين بالتساوي. من يتقاضى الحد الأدنى، أو أقل منه فعليًا في القطاع غير الرسمي، أو يعتمد على دخل غير ثابت، يتعرض لضغط مختلف تمامًا عن مستخدم أعلى دخلًا يشتري باقة أكبر أو يستخدم الفاتورة الشهرية.
وتزداد أهمية هذه المقارنة لأن الحد الأدنى للأجور، حتى عند رفعه، لا يضمن بالضرورة حماية موحدة لكل العاملين؛ إذ تظل هناك فجوة بين القرار وتطبيقه الفعلي، خاصة في القطاع الخاص والعمالة غير الرسمية، مع غياب آليات إلزام ورقابة وشكاوى كافية تمنع التحايل أو عدم التنفيذ.
كما تتجاوز المشكلة النسبة من الدخل إلى طبيعة البنود التي تنافسها خدمة الاتصال. الأسرة الأقل دخلًا لا تقارن الإنترنت بسلعة ترفيهية أخرى، بل قد تقارنه بالمواصلات، أو الطعام، أو الدرس، أو العلاج، أو شحن الهاتف الضروري للتواصل والعمل. لذلك، يظهر أثر الزيادات في أنماط من التقشف الرقمي، مثل تقليل الاستهلاك، أو تأخير الشحن، أو الاعتماد على واي فاي خارجي، أو التخلي عن بعض الاستخدامات التعليمية أو المهنية، أو الانتقال إلى اتصال متقطع لا يسمح بالمشاركة المنتظمة.
من الأكثر تأثرًا؟
يسطّح الخطاب العام عن “المستخدمين” تأثير زيادة أسعار الخدمات. فالأكثر تأثرًا هم أولئك الذين لا يملكون بدائل. الطالب الذي يحتاج اتصالًا منتظمًا للبحث واستخدام المنصات وإنجاز الواجبات لا يواجه الزيادة باعتبارها ترفًا يمكن تأجيله. والعامل المستقل أو مقدم الخدمة عبر المنصات أو البائع الصغير الذي يدير زبائنه عبر واتساب وفيسبوك والدفع الرقمي يتعامل مع الاتصال بالإنترنت باعتباره تكلفة عمل مباشرة.
كما تحتاج الأسرة التي لديها أبناء في التعليم أو معاملات حكومية إلكترونية إلى اتصال منزلي مستقر لا إلى حضور رمزي على الشبكة. وقد يضطر سكان الأطراف أو المناطق التي تكون فيها جودة الإنترنت الأرضي أضعف إلى الاعتماد على المحمول، أي على الخدمة الأعلى تكلفة والأكثر هشاشة من حيث السعة.
أما مستخدمو كروت الفكة، فهم الفئة الأكثر وضوحًا في هذا التقرير، حتى لو كانت البيانات الرسمية عن خصائصهم الاجتماعية محدودة. ليس لأنهم الفئة الوحيدة المتضررة، لكن لأن بنية المنتج نفسه تكشف شيئًا عن موقع مستخدمه: دفع صغير، واستخدام قصير، وانكشاف مباشر لأي زيادة مهما بدت طفيفة في الجداول. حين يرتفع كارت 10 إلى 13 جنيهًا، أو 20 إلى 26، يؤدي ذلك إلى ارتفاع في “ثمن الدخول” ذاته إلى الخدمة. وهذا النوع من الزيادات أكثر قسوة على من يشترون الخدمة على دفعات صغيرة، مرة بعد مرة، لأنهم عاجزون عن شراء باقة أكبر أو دفع اشتراك شهري مريح.
يظهر في هذه المرحلة بوضوح الأثر غير المتناسب لزيادات أسعار خدمات الاتصالات والإنترنت. فالزيادات الموحّدة اسميًا تقع في مجتمع غير متساوٍ أصلًا من حيث الدخل، والعمل المستقر، والوصول إلى البدائل، وجودة الخدمة، والقدرة على الدفع المسبق. من ثم، فإن المساواة الشكلية في التسعير قد تنتج عدم مساواة فعلية في الوصول.
الشفافية والتنظيم: أين تقف مسؤولية الدولة؟
قد يُقال إن الشركات تواجه تكاليف تشغيل واستثمار حقيقية، وإن الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات لم يفعل سوى الاستجابة لواقع اقتصادي ضاغط. هذا صحيح جزئيًا فقط. فالبيان الرسمي للجهاز في مايو 2026 أحال بوضوح إلى ارتفاع تكاليف التشغيل والعمالة والطاقة وسلاسل الإمداد والرقائق الإلكترونية، وربط القرار بالحفاظ على جودة الخدمة واستدامة الاستثمار. لكن هذا التبرير، حتى لو كان صحيحًا، لا يُسقط واجب التنظيم الحقوقي. وظيفة الجهة المنظمة ليست فقط تمكين السوق من الاستمرار، بل أيضًا ضبط توزيع أعبائه وحماية المستخدمين، خصوصًا عندما تكون الخدمة ذات صلة مباشرة بالحقوق الأساسية.
المفارقة هنا أن الدولة ليست فقط منظمًا فوق السوق؛ فهي مرتبطة أيضًا بأحد أكبر الفاعلين فيه. فبحسب الأسئلة المتكررة في موقع علاقات المستثمرين للشركة المصرية للاتصالات، تملك الحكومة 70% من أسهم الشركة، بينما تُظهر نتائجها المالية لعام 2025 والعرض التقديمي لنتائجها أن صافي الربح تضاعف إلى نحو 22.6 مليار جنيه. لا يعني هذا أن كل زيادة سعرية غير مبررة لأن الشركة رابحة، ولا أن التكاليف غير موجودة، لكنه يمنع اختزال النقاش في صورة “شركات خاسرة ضد مستخدمين غاضبين”. وهناك أيضًا سؤال عن كيفية توزيع عوائد القطاع وأعبائه، وعن موقع الدولة عندما تكون في آن واحد مشرعًا ومنظمًا ومساهمًا رئيسيًا.
كما أن الشفافية نفسها بقيت محدودة. ففي كثير من موجات زيادة الأسعار السابقة كان هناك التباس بين الأسعار الشاملة وغير الشاملة للضريبة، وبين كروت الشحن وكروت الفكة، وبين الزيادة الصريحة وإعادة الهيكلة الفنية. وحتى في 2026، لم يصاحب القرار المنشور تقييم علني مفصل لأثره الاجتماعي، ولا منهجية واضحة تشرح كيف تقرر أن باقة 150 جنيهًا أو 5 جنيهات تكفي كآلية حماية. يغفل هذا الغياب آثار القرار المتوقعة على الفئات المختلفة.
وتزداد هذه الحاجة إلى الشفافية حين توضع بجوار واقع شكاوى الجودة والخدمة. فوفق التقرير نصف السنوي لجهاز تنظيم الاتصالات عن شكاوى المستخدمين في النصف الثاني من 2022، تصدرت جودة الخدمة جزءًا معتبرًا من شكاوى الإنترنت الثابت، وفرض الجهاز غرامات على المشغلين، وأقر آليات تعويض لمشتركي الإنترنت الثابت في حال الانقطاع. أي أن العلاقة بين السعر والجودة ليست افتراضية. إذا كان المستخدم يُطلب منه دفع المزيد، فإن المساءلة عن جودة الخدمة والإنصاف عند الانقطاع يجب أن تصبح أكثر صرامة لا أقل.
الحق في الاتصال ليس رفاهية مؤجلة
لا تحتاج الحجة الحقوقية هنا إلى الزعم بوجود “حق مستقل في الإنترنت” حتى تكون قوية. الأقوى قانونيًا وماديًا هو النظر إلى الاتصال باعتباره شرطًا تمكينيًا لممارسة حقوق معترف بها بالفعل: حرية التعبير والوصول إلى المعلومات، والتعليم، والعمل، والمساواة، والوصول إلى الخدمات العامة. حين ترتفع تكلفة الاتصال في بيئة يتحول فيها التعليم والخدمات والإجراءات والمعلومات والفرص الاقتصادية إلى صيغ رقمية متزايدة، فإن أثر ذلك لا يبقى داخل سوق الاتصالات، فهو ينتقل إلى المجال الاجتماعي بأكمله.
لهذا فإن جوهر المشكلة ليس أن الأسعار ارتفعت فحسب. المشكلة أن سياسة تسعير الاتصال في مصر، عبر موجات متتالية من 2016 إلى مايو 2026، أعادت توزيع جزء متزايد من تكلفة البنية التحتية والأزمة الاقتصادية على المستخدمين النهائيين، من دون أن يُنشر، في حدود المصادر المتاحة، ما يكفي لإثبات أن هذا التحول جرى وفق تقييم حقوقي علني يحمي الإتاحة والقدرة على التحمل وعدم التمييز. وما دامت الدولة نفسها تدفع المجتمع نحو مزيد من الاعتماد الرقمي، فإن التعامل مع الاتصال على أنه سلعة عادية خاضعة فقط لمنطق التكلفة التجارية يصبح أقل قابلية للدفاع.
التوصيات
انطلاقًا من أن الاتصال بالإنترنت أصبح شرطًا فعليًا لممارسة حقوق أساسية، وعلى رأسها التعليم والعمل والوصول إلى المعلومات والخدمات العامة، توصي الورقة بما يلي:
- الاعتراف القانوني الصريح بالاتصال بالإنترنت كخدمة أساسية، وليس كخدمة تجارية عادية، وإخضاع سياسات تسعيره لمعايير الإتاحة، والقدرة على تحمل التكلفة، وعدم التمييز، بما يضمن ألا تتحول تكلفة الاتصال إلى قيد مادي على ممارسة الحقوق.
- تجميد أي زيادات جديدة في أسعار خدمات الإنترنت والاتصالات إلى حين إجراء تقييم حقوقي واجتماعي مستقل وعلني لآثار الزيادات السابقة، خاصة على الأسر منخفضة الدخل، والطلاب، والعاملين غير المنتظمين، ومستخدمي كروت الفكة، وسكان المناطق الريفية.
- إقرار تعريفة اجتماعية إلزامية للإنترنت الأرضي والمحمول، تتيح اتصالًا كافيًا للاستخدام التعليمي والمهني والخدمي اليومي، وليس مجرد باقات رمزية محدودة الأثر. ويجب أن تشمل هذه التعريفة الأسر منخفضة الدخل، والطلاب، والعاطلين، وأصحاب المعاشات، والعاملين في الاقتصاد غير الرسمي، من خلال آلية تسجيل بسيطة لا تنتهك الخصوصية ولا تتحول إلى أداة بيروقراطية للإقصاء.
- ربط الحد الأدنى المقبول لتكلفة الاتصال بالدخل الفعلي للمستخدمين، وليس بتكاليف الشركات وحدها، عبر وضع سقف تنظيمي يمنع أن تتجاوز تكلفة حد أدنى كافٍ من البيانات نسبة عادلة من الحد الأدنى للأجور، مع مراعاة أوضاع العاملين الذين لا يحصلون فعليًا على هذا الحد، خاصة في القطاع غير الرسمي والعمل غير المنتظم.
- إلغاء أو خفض الضرائب والرسوم المفروضة على الباقات الأساسية وكروت الشحن الصغيرة، وتمويل الفارق من خلال أدوات أكثر عدالة، مثل الضرائب التصاعدية على أرباح الشركات الكبرى أو على شرائح الاستهلاك الأعلى، بدل تحميل الفئات الأقل دخلًا تكلفة تشغيل القطاع واستثماره.
- حظر الممارسات التسعيرية المضللة في كروت الشحن وكروت الفكة، وإلزام الشركات بالإعلان الواضح عن السعر النهائي، والقيمة الفعلية التي يحصل عليها المستخدم، وتكلفة الجيجابايت أو الدقيقة أو الوحدة، شاملة الضرائب والخصومات، وبصيغة قابلة للمقارنة بين الشركات.
- وقف تحويل الخدمات الحكومية والتعليمية إلى صيغ رقمية حصرية قبل ضمان اتصال مجاني أو ميسور للوصول إليها. ويجب أن تظل لكل خدمة عامة قناة غير رقمية متاحة، أو أن تتحمل الدولة تكلفة الاتصال اللازم للحصول عليها، حتى لا تصبح الرقمنة أداة فعلية لاستبعاد الفقراء.
- إلزام الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات بنشر منهجية تفصيلية قبل إقرار أي زيادة سعرية، تشمل بيانات التكلفة، وهوامش الربح، وأثر الزيادة المتوقع على الفئات الاجتماعية المختلفة، والبدائل التي جرى بحثها، وأسباب قبول أو رفض كل بديل، مع فتح باب حقيقي للاعتراض العام قبل اعتماد القرار.
- وضع قواعد صارمة لتضارب المصالح الناتج عن موقع الدولة المزدوج كمنظم للسوق ومساهم رئيسي في الشركة المصرية للاتصالات، بما يضمن خضوع قرارات التسعير لرقابة برلمانية وقضائية مستقلة، ونشر البيانات اللازمة لإثبات أن التنظيم لا يخدم ربحية الفاعل المملوك للدولة على حساب المستخدمين.
- إعادة توجيه عوائد قطاع الاتصالات وصناديق الخدمة الشاملة نحو دعم الاتصال للفئات الأكثر تضررًا، بدل استخدامها في توسعات أو استثمارات لا تنعكس مباشرة على قدرة الفقراء على الوصول. ويجب أن يصبح تمويل الاتصال الميسور التزامًا عامًا دائمًا، لا إجراءً مؤقتًا أو دعائيًا.
- دعم نماذج الاتصال غير الربحية والمجتمعية، بما في ذلك الشبكات المحلية التعاونية، ونقاط الاتصال العامة المجانية في المدارس والمكتبات ومراكز الشباب والوحدات الصحية، خاصة في القرى والمناطق الطرفية، مع ضمان عدم ربط هذه الخدمات بمراقبة مفرطة أو جمع غير ضروري للبيانات الشخصية.
- توسيع قواعد التعويض الإلزامي عند ضعف الخدمة أو انقطاعها، بحيث يحصل المستخدم تلقائيًا على تعويض مالي أو بيانات إضافية عند تراجع الجودة عن المعايير المعلنة، من دون الحاجة إلى إجراءات شكوى فردية معقدة. فارتفاع الأسعار يجب أن يقابله مستوى أعلى من المساءلة لا هامش أوسع للإفلات من المسؤولية.
- إطلاق مسح وطني مستقل ودوري عن الفقر الرقمي في مصر، يقيس انتظام الاتصال، وسعته، وجودته، وتكلفته كنسبة من الدخل، وأثره على التعليم والعمل والخدمات العامة، بدل الاكتفاء بمؤشرات عامة عن عدد الاشتراكات أو نسب الاستخدام.
- الانتقال من منطق “إتاحة باقة أرخص” إلى منطق “ضمان اتصال كافٍ للجميع”. فالحماية الحقوقية لا تتحقق بمجرد وجود باقة منخفضة السعر، إذا كانت سرعتها أو سعتها أو مدة صلاحيتها لا تسمح بالاستخدام اليومي الفعلي. يجب أن يكون معيار السياسة العامة هو قدرة الناس على التعلم والعمل والحصول على الخدمات والمعلومات عبر اتصال مستقر وميسور، لا مجرد وجود خيار سعري أدنى في جداول الشركات.
ليست القضية أن الإنترنت في مصر صار أغلى فقط. القضية أن البقاء متصلًا صار أكثر كلفة في اللحظة نفسها التي صار فيها الانفصال عن الشبكة أكثر عقابًا. وبين هذين المسارين يتحدد، عمليًا، من يظل قادرًا على الوصول إلى المجال العام والخدمة والعمل والمعرفة، ومن يبدأ في التسرب منه بصمت.
الخط الزمني لزيادات وإعادة تسعير الإنترنت والاتصالات في مصر
