حوكمة الإنترنت: مقدمة ونظرة عامة

شارك:

Facebook
Twitter

 

ما الذي يبقي اﻹنترنت عاملة؟

اﻹنترنت بالنسبة لمعظمنا ليست أبعد من نقرة على زر فأرة متصلة بحاسوب أو شاشة هاتف ذكي. لا تكاد تتساءل مطلقا كيف أنك عندما تشغل برنامج المحادثة المفضل لديك، بمجرد استيقاظك في الصباح، يقوم بجلب كل تلك الرسائل التي أرسلها إليك أفراد عائلتك، أو أصدقائك، أو زملائك بالعمل، أو عملائك إلخ. هذا بالنسبة لك طبيعي للغاية. فقط عندما يقع ما ليس طبيعيا، عندما يفشل التطبيق في جلب هذه الرسائل، تبدأ في التساؤل “ما المشكلة؟” تراجع إذا ما كان هاتفك متصل بالإنترنت، وتسأل نفسك “هل نسيت تجديد باقة اﻹنترنت؟” أو هل ثمة خطأ ما بالتطبيق نفسه؟ “أغلب الظن في هذه الحالة أن المشكلة في خدمة الرسائل نفسها.“ ومن ثم تتجه إلى تطبيق شبكة التواصل الاجتماعي وتنشر سؤالا يقول “هل واتساب به مشكلة أم أن اﻷمر يتعلق بي وحدي؟” ولكن، ماذا لو أن تطبيق التواصل الاجتماعي (فيسبوك أو تويتر أو غيرهما)، لم يكن يعمل هو اﻵخر؟ ماذا لو كل التطبيقات المتصلة باﻹنترنت قد توقفت عن العمل؟ ماذا لو أنك في صباح ما صحوت لتجد أن اﻹنترنت قد اختفت ببساطة؟ هذا أمر يمكن أن تتوقف أمامه.

نحن نأخذ اﻹنترنت العاملة كأمر مسلم به. إنها هناك وهي تعمل 24/7، كل يوم، طيلة الوقت، ولا تتوقف مطلقا. أحيانا نعتقد أنها تعمل بمجرد تواجدها هناك ولا شيء آخر. كما لو أنها كائن حي. فهي لا تحتاج ﻷحد أو لشيء لتشغيلها وﻹبقائها عاملة. هذا بالطبع سيبدو تصورا ساذجا بمجرد أن تتوقف لتفكر فيه للحظات. فبغض النظر عما تجعلنا كل هذه التطبيقات على حاسباتنا وهواتفنا نظنه، ليست الإنترنت كائنا يعيش في سحابة. في الواقع ليست اﻹنترنت شيئا، بمعنى أنها ليست كيانا محدد الملامح.. وحتى نكون دقيقين بقدر اﻹمكان، اﻹنترنت هي أثر جانبي لتريليونات من عمليات الإتصال تؤدى على عدد كبير من الشبكات السلكية واللاسلكية المتصلة ببعضها البعض، ويتصل بها مليارات الأجهزة المختلفة. كل ما نفكر فيه على أنه ينتمي إلى اﻹنترنت، هو في الحقيقة مجموعة من عمليات نقل البيانات الرقمية إلكترونيا عبر هذه الشبكات. وتلك الشبكات لها وجود مادي، أسلاك، كوابل، أبراج إرسال، أقمار صناعية تدور في الفضاء حول اﻷرض، ومئات فوق مئات من أنواع الأجهزة والمعدات اﻷخرى. ليس من تلك ما يعمل تلقاء ذاته. وحتى يعمل أي منها، ولتعمل جميعها معا، لابد لآلاف التقنيات من أن يتم خلقها، وتطبيقها، والتفاوض حولها، وصيانتها، وتشغيلها. كل هذه العمليات يؤديها فاعلون مختلفون. وهؤلاء قد يكونوا حكومات دول، أو منظمات دولية ما بين حكومية، مؤسسات مستقلة، محلية وإقليمية ودولية، شركات قطاع خاص، وحتى أفراد في مناصب مختلفة.

هذا العدد الذي لا نهاية له من العمليات الفعلية هي ما يبقى اﻹنترنت عاملة، ويبقيها تحت السيطرة أيضا. فكر في هذه التقنيات وعملياتها كأنها آلاف من نقاط التحكم التي تحكم اﻹنترنت. والسيطرة على أكبر عدد من هذه النقاط يسمح بسلطة أكبر على مجمل عمل اﻹنترنت. ومع نمو أهمية اﻹنترنت، أصبحت السيطرة على هذه النقاط موضعا للمنافسة، والمواجهة، والخلاف، والصراع، وحتى الحرب. الحلبة التي يدور بها ذلك كله هي ذلك العدد الكبير من السياسات التي يقترحها ويروج لها، ويتفاوض حولها، ويقرها، وينفذها فاعلون ومجموعات فاعلين، يسعى كل منهم لحفظ ودفع المصالح الخاصة به. وعندما نضع التقنيات التي تبقي اﻹنترنت عاملة، والسياسات المنفذة حول هذه التقنيات معا، نحصل على هذا الشيء الذي لا يمكن تعريفه بشكل دقيق والذي نسميه “حوكمة اﻹنترنت”. وبكلمات لورا دينارديس، حوكمة اﻹنترنت “يمكن تعريفها بشكل عام بأنها إدارة تصميم التقنيات التي تبقى اﻹنترنت عاملة وتنفيذ السياسات المختلفة حول هذه التقنيات.(DeNardis et al. 2020)

ما يدور على اﻹنترنت هو ما يهم

في حين أن الصورة السابقة لحوكمة الإنترنت دقيقة إلا أنها مبسطة أكثر مما ينبغي. فصحيح أن إبقاء الإنترنت عاملة هي مصلحة مشتركة ومن ثم هدف مشترك لكل الفاعلين ذوي الصلة، ولكن هذا هو الظاهر فقط عندما ننظر إلى الصورة الأكبر.. من الناحية التقنية، ما يدور على الإنترنت هو فقط حزمة البيانات Data Packets، حزم من اﻷرقام تسافر عبر الشبكة. ولكن في هذه الأرقام تتم ترجمة أي شيء يمكن رقمنته، وهو ما يكاد يكون اليوم أي شيء يمكنك التفكير به. ويتصادف أن كل طرف قد تكون لديه مصلحة في منع وصول بعض هذه الحزم إلى مقصدها المحدد لها. اﻷمثلة على ذلك كثيرة، ولكن باﻹمكان أن نذكر: البيانات الحساسة التي لا يرغب طرف أو آخر في كشفها، والمواد ذات حقوق النشر التي لا يرغب ملاك هذه الحقوق في تداولها خارج القنوات الخاصة بهم، وكذلك البيانات التي تمثل في حد ذاتها جرائم ضد اﻷفراد، المؤسسات، أو الدول، والقائمة تطول بلا نهاية. ومع اعتبار الطبيعة العابرة للحدود للإنترنت، فتكاد جميع الأدوات التقليدية للحوكمة ألا تكون فعالة بقدر مرض في التعامل مع الحالات التي تتجول فيها حزم البيانات بحرية خلال الشبكة. ثمة حاجة إلى أدوات حوكمة جديدة، ومعظمها يمكن أن يكون فعالا فقط عندما يتفق فاعلون متعددون على سياسات استعمالها. مثل هذه اﻷدوات هي أيضا موزعة عبر مجالات مختلفة للعمل، تتراوح ما بين العلاقات الدولية والدبلوماسية، وصولا إلى السياسات المنظمة لتصميم واستخدام بروتوكولات وتقنيات نقل البيانات.

من الواضح إذن أن تعريف حوكمة اﻹنترنت الذي قدمناه في القسم السابق مختزل ومحدود أكثر مما ينبغي. ويقدم كورباليجا في كتابه “مقدمة في حوكمة اﻹنترنت” تعريفًا قد يلتقط صورة مركبة أكثر وهو أن حوكمة الإنترنت هي “تطوير وتطبيق، الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني، كل في الدور الخاص به، لمبادئ ومعايير وقواعد وإجراءات ﻹتخاذ القرار وبرامج، تشكل تطور واستخدام اﻹنترنت.” (كورباليجا 2016، ص 6) هذا التعريف ينتقل إلى مستوى أعلى من التكنولوجيات التي تبقي الإنترنت عاملة، ويأخذ في الاعتبار أسئلة “من؟” أي الفاعلين ذوي الصلة، و”ماذا؟” أي اﻷدوات التي يستخدمها هؤلاء الفاعلون في حوكمة اﻹنترنت. وتدور جهود هؤلاء الفاعلين والسياسات التي يتفاوضون حولها ويقرونها حول آلاف من نقط التحكم التي من خلالها يمكن حكم اﻹنترنت. نقاط التحكم هذه يمكن تصنيفها حسب الوظائف التالية:

  • إدارة الموارد الحرجة للإنترنت مثل اﻷسماء واﻷرقام، المميزة للنطاقات والعناوين والتي لا يمكن تكرارها.
  • إقرار المعايير التقنية للإنترنت (مثل، بروتوكولات العنونة، التوجيه، التشفير، ضغط الملفات، كشف اخطاء، نظم الهوية، والمصادقة).
  • تنسيق الوصول والربط المتبادل (مثل نقاط اتصال اﻹنترنت (IXPs)، حيادية الشبكة (Network Neutrality)، سياسات الوصول).
  • حوكمة اﻷمن السيبراني Cypersecurity.
  • دور وسطاء المعلومات بالقطاع الخاص في صنع السياسات (مثلا من خلال حوكمة المنصات، التنظيم الجوريثمي، شروط الاستخدام، التنظيم الحسابي وقرارات الذكاء الاصطناعي، وسياسات اﻷمن، حرية الكلام، السمعة، والخصوصية).
  • فرض حقوق الملكية الفكرية من خلال البنية التقنية لتطبيقات الشبكة (أي دون الحاجة إلى الاعتماد على القوانين).(DeNardis et al. 2020)

توضح هذه الوظائف الخطوط العامة للقضايا المختلفة التي يتعامل معها فاعلون مختلفون تحت عنوان حوكمة اﻹنترنت. وستكون هذه القضايا موضع تركيز مناقشاتنا التالية في أجزاء هذه السلسلة. ولكن الطريقة التي سيتم جمعها ومقاربتها بها ستختلف عن الخطوط العامة السابقة وفق الهدف والغاية من هذه السلسلة كما يوضحها القسم التالي.

الغايات والأهداف

الغرض من هذه السلسلة هو أن تكون مقدمة شاملة في حوكمة اﻹنترنت، نقطة انطلاقها هي المستخدم العادي. هذا المستخدم للشبكة في ظل تزايد اعتماده عليها في مناحي حياته المختلفة قد تحول إلى فرد في مجتمع عابر لحدود الدول، هذا المجتمع تؤثر في حياته اليومية السياسات المختلفة التي يضعها وينفذها عدد كبير من الفاعلين، تحت العنوان الكبير لحوكمة اﻹنترنت. وما يعنينا هنا هو أن نقدم صورة واضحة للسياسات القائمة بالفعل والتي تخلق أوضاعا تؤثر على استخدامه اليومي للإنترنت، وكذلك على الوضع الحالي لمسارات تفاوض الفاعلين المختلفين حول تعديل السياسات القائمة أو خلق أخرى جديدة، وكيف يمكن لذلك أن ينعكس على استخدامه للإنترنت وتطبيقاتها المختلفة، وعلى قدر ما يتوفر من حماية لحقوقه وحرياته اﻷساسية التي يمارسها من خلال اﻹنترنت أو قد تتعرض للانتهاك من خلال استخدامه لها.

أثبتت وقائع سابقة أن لمستخدمي اﻹنترنت إذا ما اجتمعت كتلة كبيرة منهم على موقف موحد ما، قدرة كبيرة على تعديل سياسات هامة. في هذه الوقائع أمكن لشركات اﻹنترنت الكبرى أن تحشد المستخدمين للضغط على صاحب القرار لتمرير أو وقف سن تشريعات تؤثر على عمل اﻹنترنت بصفة عامة. المثال الأبرز هو الحشد في عام 2012 لرفض تمرير قانون “وقف القرصنة على الإنترنت”، وقانون “حماية حقوق الملكية الفكرية على الإنترنت”. لم يكن الرفض للغرض المعلن للقانونين، ولكن للإجراءات التي نصا عليها لتحقيق هذا الغرض، وهي إجراءات تنتهك خصوصية المستخدمين وحقهم في التعبير. وقد نجحت الاحتجاجات وكذلك عمليات المقاطعة والامتناع عن العمل لمواقع بارزة على الإنترنت في وقف مناقشة القانونين ومنع تمريرهما.(DeNardis 2014; Kurbalija 2016) رؤيتنا في هذه السلسلة تتجه إلى إمكانية أن يكون لمستخدمي اﻹنترنت أدوات للفعل الجماعي التي تجعل منهم طرفا مستقلا فاعلا في التفاوض على تعديل وخلق سياسات حوكمة اﻹنترنت، مما يضع اﻷجندة الخاصة بهم على طاولة المفاوضات ويضمن ألا تمس أية سياسات جديدة بحقوقهم ومصالحهم. الطريق إلى خلق أدوات كهذه قد يكون طويلا، ولكن البداية الضرورية هي أن يكون أكبر عدد ممكن من مستخدمي الإنترنت على دراية بكيف تدار وكيف يتم التحكم فيها، وهذه المعرفة هي تحديدا ما تسعى هذه السلسلة لتقديمه.

ستتعرض السلسلة لعدد من الموضوعات الرئيسية التي تندرج تحت عنوان حوكمة اﻹنترنت، في كل هذه الموضوعات ثمة أدوار مختلفة لثلاثة مجموعات رئيسية من الفاعلين، وتختلف مصالح وأدوات هذه المجموعات ومدى ثقل تأثيرها الحالي حسب كل موضوع، ومن الهام هنا اﻹشارة بإيجاز إليها:

  • حكومات الدول وعملها المشترك: في الوقت الذي تدرك فيه حكومات الدول باختلاف مواقعها ونظم الحكم فيها اﻷهمية الكبرى لشبكة اﻹنترنت كمحفز رئيسي للاقتصاد العالمي والاقتصادات المحلية، فهي تواجه مشاكل رئيسية مع فقدانها للسيطرة على هذا المجال المتسع والمنفتح على خارج كل منها بشكل غير مسبوق. تكتشف هذه الحكومات أن أدوات الحكم التقليدية من خلال تشريعاتها السارية على أراضيها ليست كافية لحماية مصالحها سواء التي تتحقق أو يتم تهديدها من خلال اﻹنترنت، ومن ثم فقد بدأت في الانخراط في جهود مشتركة لمحاولة فرض رؤاها على حوكمة الإنترنت على نطاق دولي. الانقسام بين هذه الدول بين الشمال المتقدم والجنوب النامي يجعل مصالحها تتعارض فيما يتعلق بالعديد من القضايا، كذلك تختلف رؤى وأهداف الدول حسب مدى ديموقراطية أنظمة الحكم فيها ومدى احترامها للحريات والحقوق اﻷساسية لمواطنيها.
  • شركات القطاع الخاص: تمتلك شركات التقنية الكبرى، وكذلك العديد من الشركات اﻷصغر العاملة في مجال تقديم خدمات الوصول إلى اﻹنترنت والبنية التحتية لها، قدرا كبيرا من النفوذ نتيجة سيطرتها على نسبة كبيرة من نقاط التحكم في عمل اﻹنترنت، هذه السيطرة تتعرض بشكل متزايد لضغوط من حكومات الدول سواء بشكل منفرد أو من خلال مبادرات جماعية تحت مظلة اﻷمم المتحدة، وتستخدم الشركات ثقلها الاقتصادي، وفي أحيان أخرى قدرتها على حشد دعم مستخدمي اﻹنترنت في محاولتها الحفاظ على نفوذها وحماية مكاسبها الاقتصادية، وتعمل على ألا يغيب صوتها عن أي إطار عمل دولي لحوكمة اﻹنترنت.
  • المجتمع المدني: بتعريف أكثر شمولا، المجتمع المدني هنا يشير إلى المنظمات والمؤسسات المستقلة والحركات الجماهيرية التي لا تخضع للسيطرة المباشرة لحكومات الدول ولا تسعى لتحقيق أرباح اقتصادية. تسعى فعاليات المجتمع المدني بصفة عامة إلى حماية حقوق وحريات مستخدمي اﻹنترنت وضمان العدالة في الحق في الوصول إلى الشبكة وحرية استخدام خدماتها المختلفة. بعض هذه الفعاليات تدير عددا من الموارد الهامة للإنترنت، وتسعى إلى الحفاظ على استقلالها وعدم تدخل الحكومات في عملها. وتسعى فعاليات المجتمع المدني بدورها إلى ألا يتم استبعادها من أي إطار عمل دولي لحوكمة اﻹنترنت، في مواجهة رغبة حكومات عديد من الدول في إبقاء هذه اﻷطر محصور في نطاق التعاون بينها مع استبعاد اﻷطراف اﻷخرى.

يدور التفاوض والصراع بين هذه المجموعات من الفاعلين وداخل كل مجموعة أيضا حول عدد من الموضوعات الرئيسية التي ستتناولها هذه السلسلة في أجزائها التالية منها: إدارة موارد اﻹنترنت، استخدام القوانين والتشريعات المحلية والاتفاقيات الدولية للتدخل في حوكمة اﻹنترنت، انتهاك وحماية حقوق اﻹنسان من خلال حوكمة اﻹنترنت، الأمن السيبراني وحوكمته. في مقابل عمل هذه اﻷطراف على توجيه حوكمة اﻹنترنت نحو تعظيم مكاسبها وتوسيع نفوذها، يغيب طرف رئيسي عن التأثير على مسارات العمل الحالية لرسم سياسات حوكمة اﻹنترنت، وهو المستخدم العادي، وتفرد هذه السلسلة في نهايتها محاولة لطرح إجابة على سؤال: كيف يمكن لك كمستخدم للإنترنت أن تحدد مصالحك التي يمكن لسياسات حوكمة اﻹنترنت أن تؤثر فيها بالسلب أو اﻹيجاب؟ وكيف يمكن أن تكون هناك سبل لمشاركة مستخدمي اﻹنترنت بشكل فعال في رسم سياسات حوكمتها؟

خلفية تاريخية

في حين أن مصطلح حوكمة اﻹنترنت قد استخدم في وقت مُتأخّر، إلا أن التقنيات والسياسات الحاكمة للإنترنت قد تطورت منذ ما قبل تاريخ اﻹنترنت المبكر، وبعضها كان ضروريا لإنشاء اﻹنترنت في اﻷصل. لا يمكن فصل تاريخ حوكمة اﻹنترنت عن تاريخ اﻹنترنت ذاتها. فالتقنيات، والبروتوكولات، والقواعد القياسية للإنترنت قد طورت حسبما نشأت الحاجة إلى كل منها. والسياسات التي تحكم اﻹنترنت كانت- في عديد من الحالات – متضمنة في هذه التكنولوجيات وتعكس التفضيلات السائدة بين مطوريها.

لاحقا صيغت السياسات وشُرعت استجابة للقضايا الناشئة عن التطور الفعلي، وأنماط الاستخدام الجديدة مع نضج اﻹنترنت؛ كاشفة عن الفرص وكذلك المخاطر المحتملة لها. مع ميلاد تقنيات اﻹنترنت والسياسات المصاغة حولها، كذلك ولدت مؤسسات بأنواع مختلفة لتولي العمليات المطلوبة لتنسيق وإدارة تطورها.

يستكشف هذا الجزء الخلفية التاريخية للمشهد المتغير لحوكمة اﻹنترنت. وهو يتبع خطوطًا عريضة مختصرة لتاريخ اﻹنترنت مًقسّمة إلى ثلاث فترات تشمل على التوالي: البدايات المبكرة في السبعينات والثمانينات، تتجير الإنترنت وازدهارها السريع في التسعينات، وعولمة حوكمة اﻹنترنت في العقدين اﻷولين من الألفية وحتى اليوم. ويلقي هذا الجزء الضوء على القضايا الرئيسية المتصلة بحوكمة اﻹنترنت والتي برزت في كل فترة. وفي الخاتمة نُركّز على ملخص لملامح حوكمة اﻹنترنت التي تبلورت خلال رحلتها من حيث الفاعلين والقضايا، والتي ستكون موضع تركيز الأجزاء التالية من السلسلة.

البدايات المبكرة

المفاهيم والتكنولوجيات المبكرة التي جعلت اﻹنترنت أمرًا ممكناً وأدت إلى إنشائها كانت أيضا ذات أثر بالغ في تشكليها. فقد سبقت فكرة الشبكة الموزعة (Distributed Networks) أي تطبيق فعلي لها. هذا المفهوم قد دعا له أولا “بول باران” (Paul Baran)، الذي كان حينها باحثا في مركز بحث أمريكي يسمى “راند”(RAND)، في بدايات الستينات. واقترح باران أن شبكة الاتصالات الموزعة هي فقط التي يمكن أن يعتمد عليها بالقدر الكافي لضمان استمرار اتصالات التحكم والسيطرة العسكرية في ظل ظروف حرب نووية.

طور باران أيضا فكرة “التنقل بين حزم البيانات” (Packet Switching)، و”التوجيه الديناميكي” (Dynamic Routing)، والتي استخدمها كل من “روبرت كاهن Robert Elliot Kahn، وفينتون سيرف” Vinton Gray Cerf لتطوير “بروتوكول التحكم في نقل البيانات” (Transmission Control Protocol – TCP) في 1973. عمل كل من كاهن وسيرف لصالح “وكالة مشروعات البحث المتقدم اﻷمريكية – آربا” (ARPA)، وهو مشروع مولته وزارة الدفاع اﻷمريكية. وفي 1977 استخدم بروتوكول (TCP)، في شبكة آربانت (ARPANET)، وهي سلف اﻹنترنت الذي نعرفه اليوم. وفي العام التالي أضيف “بروتوكول اﻹنترنت” (IP)، ومن ثم ظهرت البنية اﻷساسية للإنترنت. وأخيرا في عام 1983 ولد اﻹنترنت بحق عندما انتهى العمل على خطة لتحديث 400 مضيف (Host) على شبكة آربانت (ARPANET)، لتستخدم بروتوكول (TCP/IP). وفي السنة نفسها اخترع “نظام تسمية النطاقات” (DNS).

استعانت آربا بعدد كبير من الأكاديميين في فريق عملها وإلى جانب ذلك سمحت لعدد كبير من المتطوعين من طلبة الجامعات والدراسات العليا بالعمل في مشروعاتها كما سمحت لهم بالوصول إلى الشبكة بحرية شبه تامة. وكون هؤلاء جميعا المجتمع الأول للإنترنت، ومعا بدأوا تطوير الأدوات التنظيمية التي تسمح بتبادل المعلومات من خلال الشبكة، وفي إطار هذا التعاون طوروا عملية مفتوحة وديموقراطية لإقرار أية بروتوكولات أو قواعد قياسية جديدة أو تعديل أي منها. سميت هذه العملية “طلبات التعليق” (Request for Comments – RFCs)، فهي تتم بأن يقوم واحد أو أكثر من المشاركين بطرح اقتراح أو موضوع للمناقشة طالبا من الآخرين التعليق على ما طرحه. هذه العملية استمرت لاحقا عندما تبناها “فريق هندسة الإنترنت” (Internet Engineering Task Force – IETF) وهو الجهة المسؤولة حتى اليوم عن إقرار أية بروتوكولات أو قواعد قياسية جديدة للإنترنت أو تعديل القائم منها، ولا يزال الإجراء القياسي لاتخاذ القرارات بها هو “طلبات التعليق”.

الهيئة اﻷولى التي كان له نوع من السلطة المركزية على عمل اﻹنترنت هي “هيئة اﻷرقام المخصصة للإنترنت – إيانا” (IANA ) والتي ظلت طوال 30 عاما، حتى عام 1998، مجرد مصطلح يشير إلى مجموعة من الوظائف التي أدارها في العموم شخص واحد هو “جون بوستيل” (John Postel) وهو عالم كمبيوتر وأحد آباء اﻹنترنت. بعد وفاة بوستيل في 1998، أصبحت إيانا فرعًا تابعا “لشركة اﻹنترنت للأسماء والأرقام المخصصة آيكان” (ICANN).

في هذه الفترة المبكرة من تاريخ الإنترنت لم يكن مصطلح “حوكمة الإنترنت” مستخدما بعد، ولكن كثيرا من أهم الوظائف والعمليات التي تندرج تحت هذا المصطلح اليوم كانت قائمة بالفعل، والملامح المميزة لها كانت أولا: تركز الاهتمام على الجوانب الفنية لعمل الشبكة، ثانيا: الفاعلون الأكثر تأثيرا على عمل الإنترنت في هذه الفترة كانوا هم المتخصصون الذين شكلوا أيضا غالبية مستخدميها حينها. هؤلاء أداروا عمل الإنترنت بأدوات مفتوحة وديموقراطية، وصبغوا البروتوكولات والقواعد القياسية لعمل الشبكة بتطلعاتهم لإنشاء شبكة مفتوحة يمكن للجميع الوصول إليها بشكل متساو ولا تتركز السيطرة عليها في يد جهة واحدة. ثالثا: تميزت هذه الفترة بأدوار كبيرة ومؤثرة لأفراد بارزين مثل جون بوستيل، وفيتون سيرف، وتيم بيرنرز-لي مبتكر الوب.

تتجير اﻹنترنت

مع بداية التسعينات أصبحت اﻹنترنت تجارية أكثر، وأصبح كثيرٌ من أدوات حوكمتها في أيدي القطاع الخاص. أتت الدفعة اﻷولى نحو خصخصة اﻹنترنت من الحكومة اﻷمريكية، والتي اختارت أن تعهد ببعض الوظائف التي كانت لا تزال تحت إشرافها إلى شركات بالقطاع الخاص. أدى ذلك إلى في وقت لاحق إلى توتر على جانب الدول الأخرى وكذلك لدى منظمات المجتمع المدني التي تمثل مصالح مستخدمي اﻹنترنت. وهذا التوتر هو ما يكاد يفسر مجمل تاريخ ICANN، التي بدأت كشركة غير ربحية في ظل إشراف تعاقدي للحكومة اﻷمريكية، ممثلة بوزارة التجارة في نهاية التسعينات، ثم طورت بنية أكثر انفتاحًا على تدخل أصحاب مصلحة متعددين في إقرار سياساتها، وانتهت بتخلي اﻹدارة اﻷمريكية عن علاقتها التعاقدية بها وتركها لوظائف إدارة موارد اﻹنترنت لتكون تحت إشراف مجتمع انترنت، وهو مسمى يطلق على تجمعات تضم في عضويتها ممثلين لأصحاب المصلحة في عمل شبكة اﻹنترنت.

تحول الإنترنت إلى عمل تجاري أبرز قضايا تخصيص أسماء النطاقات (Domain Names)، وتعارض مصالح أصحاب العلامات التجارية (Trade Marks)، ومشكلة الاستيلاء على أسماء النطاقات المطابقة (Domain Squatting) أو المشابهة ﻷسماء مؤسسات أو شركات أو علامات تجارية معروفة. على صلة وثيقة بذلك كانت الحروب الطويلة لمالكي حقوق النشر ضد التبادل الحر للمواد والمصنفات ذات الحقوق المحفوظة عبر اﻹنترنت. وأخيرًا، ولكن ليس آخرًا بأي حال، صعود تطبيقات الوب 2.0، ومواقع التواصل الاجتماعي التي فتحت مجموعة كاملة من القضايا تتعلق بإدارة المحتوى وحماية حقوق اﻹنسان والمسؤوليات القانونية للوسطاء المعلوماتيين (Information Intermediaries). ورسخت المادة الشهيرة رقم 230 من القانون امريكي للاتصالات عام 1996 سيطرة القطاع الخاص بأن منحت الشركات الوسيطة في نشر المحتوى سلطة وضع قواعد سلوك المستخدمين للإنترنت.

أثبتت كل هذه القضايا أنه ليس باﻹمكان حلها باستخدام أدوات الحكم التقليدية وبخاصة القضاء. ومن ثم التفتت كل اﻷطراف المعنية إلى أدوات حوكمة اﻹنترنت للسعي إلى حماية مصالحها. وهو ما ثبت أنه أمر مراوغ بدوره نتيجة لتعارض المصالح داخل القطاع الخاص نفسه. فعلى سبيل المثال يواجه منتجي المحتوى الفني واﻹعلامي واﻷدبي، المهتمون بتوظيف أدوات فنية لمحاربة القرصنة بشكل مباشر، معارضة شركات أبرزها صاحبة مواقع التواصل الاجتماعي، التي تفضل مبدأ حيادية اﻹنترنت، أي أن تُعامل حزم البيانات جميعها على السواء دون تفرقة على أساس محتواها.

صعود ونمو نفوذ شركات الإنترنت الكبرى، جعلها الطرف الأكثر نشاطا في تطوير بروتوكولات وقواعد قياسية، وتطبيقات جديدة للإنترنت. إضافة إلى ذلك أدت طبيعة اﻹنترنت العالمية العابرة للحدود، إلى منح الفاعلين من القطاع الخاص وزنا أكبر في المبادرات التي تجمع الأطراف المختلفة لمناقشة قضايا حوكمة اﻹنترنت. في الحالتين يأتي هذا النفوذ على حساب سلطة الدول مما تتسبب في توتر مستمر لها تجاه شبكة الإنترنت بصفة عامة كمجال تتضاءل فيه قدرتها على ممارسة سيادتها بشكل كامل. وتستخدم الدول عادة المنظمات الدولية مثل اﻷمم المتحدة وهيئاتها، والمنظمات بين-الحكومية (Inter-governmental Organizations)، للتعبير عن رفضها للوضع القائم لعمليات حوكمة اﻹنترنت متعددة-أصحاب- المصالح التي يقودها القطاع الخاص. وفي المقابل تقف شركات التقنية الكبرى، والدول الغربية وكذلك معظم منظمات المجتمع المدني التي تفضل الحفاظ على نموذج تعددية-أصحاب-المصالح.

عولمة حوكمة اﻹنترنت

اﻹنترنت كشبكة عالمية أصبحت حقيقة بشكل سريع في التسعينات، اجتذبت حكومات الدول حول العالم إلى حلبة جدالات حوكمة اﻹنترنت. وخلال العقدين اﻷولين من اﻷلفية الجديدة أصبحت قيمة السيطرة على البنية التحتية للإنترنت أعلى فأعلى، حيث رأت الحكومات الشبكة كمصدر خرق أمني محتمل، وكذلك كفرصة للمراقبة الشاملة. ومن ثم فعلى رأس أجندة حوكمة اﻹنترنت في هذين العقدين اﻷخيرين يأتي كل من الأمن السيبراني، والخصوصية في مقابل المراقبة، والسؤال الكبير: من له الحق الشرعي في حكم اﻹنترنت؟ وهو سؤال يمتد إلى حفظ مبدأ سيادة الدولة، ومن ثم إلى مجمل النظام الدولي المبني على التبادل الدبلوماسي بين دول ذات سيادة.

في عام 2003 بدأت اﻷمم المتحدة ما أصبح يعرف بعملية القمة العالمية حول مجتمع المعلومات (WSIS). عقدت القمة في مرحلتين: في جنيف (من 10 إلى 12 ديسمبر 2003)، ثم في تونس (من 16 إلى 18 نوفمبر 2005). واجتذبت في المرحلة اﻷولى 11 ألف مشارك، ثم أكثر من 19 ألف مشارك في المرحلة الثانية. بين الحضور كان رؤساء دول ووزراء أغلبهم من الدول النامية. وكانت القضية المحورية للنقاش، دون التوصل إلى اتفاق، هي الاختيار بين السيطرة الحكومية وبين قيادة القطاع الخاص. دعمت روسيا والصين وأغلب الدول النامية الدفع نحو سيطرة المنظمات بين-حكومية على حوكمة اﻹنترنت. بينما دعمت الولايات المتحدة والاتحاد اﻷوروبي وشركات تكنولوجيا المعلومات، وأغلب منظمات المجتمع المدني إدارة متعددة-أصحاب-المصالح للإنترنت، وهو ما يعني بصورة غير مباشرة استمرار قيادة القطاع الخاص. (Radu 2019; Kurbalija 2016)

لم تتوصل القمة في أي من مرحلتيها إلى الاتفاق بين المشاركين حول القضايا الرئيسية، ولكنهم توافقوا على أن ثمة حاجة إلى منتدى مفتوح لمواصلة النقاشات حول موضوعات حوكمة اﻹنترنت، ومن ثم ألزمت “أجندة تونس” الصادرة عن القمة، السكرتير العام للأمم المتحدة بإنشاء هذا المنتدى. وبالفعل، أعلن عن في يوليو 2006 عن إنشاء منتدى حوكمة اﻹنترنت (IGF)، وعقد اجتماعه الافتتاحي في اليونان في نوفمبر من نفس العام. كان التزام منتدى حوكمة اﻹنترنت (IGF) لمدة 5 أعوام، وتم تمديده أولا لخمسة أعوام أخرى ثم في 2016، لعشرة أعوام. ويستمر منتدى حوكمة اﻹنترنت في الانعقاد سنويا إلى جانب عدد من اﻷنشطة بين تواريخ انعقاده.

الفاعلون والقضايا

في كتابهم حول عملية انتقال IANA، يعبر نيكولا بالادينو، وماورو سانتانيللو، عن قلقهما ﻷن “مبدأ تعددية أصحاب المصلحة هو مفهوم غير واضح الملامح وقد أدى إلى ممارسات متناقضة ونتائج محبطة.”(Palladino and Santaniello 2021) على وجه التحديد، يصور خطاب تعددية-أصحاب-المصلحة عمليات التفاوض حول حوكمة الإنترنت على أنها تتم بين أطراف لها أوزان متساوية في إطار منفتح وديموقراطية، وهو بذلك “تعبير بلاغي يرسخ الوضع المهيمن للفاعلين اﻷكثر سلطة في مختلف ساحات صنع سياسات اﻹنترنت.” فهو في الحقيقة يخفي الانعدام الحقيقي للمساواة بين الفاعلين المختلفين، وعمليا يساعد على إقصاء الأكثر عرضة للضرر بينهم.

ليس ثمة شك في أن تعددية أصحاب المصلحة هي الملمح الرئيسي لحوكمة اﻹنترنت في يومنا هذا. وهي موضع معرضة شديدة للأسباب المشار إليها سابقا، ولكن هذا فقط وجه واحد لقصة متعددة اﻷوجه. من وجهة نظر المستخدم تعطى تعددية أصحاب المصلحة شركات التقنية الكبرى التي لا تكاد تكون قابلة للمساءلة، حرية كاملة لتقرير كيف تتطور اﻹنترنت، بحيث يحفظ مصالحها ويعززها، عادة على حساب الحد اﻷدنى من الحماية لحقوق المستخدمين، والضمانات المحدودة لمصالحهم. على الجانب اﻵخر، تعددية أصحاب المصلحة هي خط الدفاع الوحيد أمام حصول الحكومات على سيطرة كاملة على المجال الوحيد الذي يمارس فيه مستخدمون كثيرون بعضا من حقوقهم وهم آمنون نسبيا من التدخل الحكومي الخشن، وبالنسبة لبعض هؤلاء قد تكون تلك مسألة حياة أو موت.
في المشهد الحالي لحوكمة اﻹنترنت الفاعلون الأساسيون هم: الحكومات، مع احتفاظ حكومة الولايات المتحدة بسلطة أكبر من مثيلاتها على اﻹنترنت؛ و القطاع الخاص مع وزن غير متناسب في تشكيل خبرة المستخدمين ومستقبل تطور اﻹنترنت؛ والمجتمع المدني الذي برغم جهوده المستمر لا يملك النفوذ الكافي حتى يكون له صوت مسموع في تحديد أجندة منتديات حوكمة اﻹنترنت؛ وأخيرا المنظمات الدولية حيث تفرض الحكومات ضغطا غير متناسب مستغلة مبدأ الصوت الواحد لكل عضو بالمنظمة، مما يعني أن جميع الأعضاء لهم نفس الوزن في التصويت النهائي. وفي حين أن المستخدمين هم بالتأكيد من أصحاب المصلحة إلا أنهم أبعد عن اعتبارهم فاعلا حقيقيا. وتعكس القضايا على أجندة حوكمة الإنترنت اليوم الضغوط التي يبذلها كل مجموعة من الفاعلين. اﻷبرز بين تلك القضايا: إدارة ا لموارد (الافتراضية) الحرجة للإنترنت (Internet Critical Resources)، نطاق السلطة القانونية وتشريع القوانين المحلية والدولية للإنترنت، اﻷمن السيبراني، وحماية حقوق اﻹنسان على شبكة اﻹنترنت. هذه القضايا هي مداخل المناقشات في اﻷجزاء التالية من هذه السلسلة.

المصادر

DeNardis, Laura. 2009. Protocol Politics: The Globalization of Internet Governance. Information Revolution and Global Politics. Cambridge, Mass: MIT Press.

———. 2012. “Hidden Levers of Internet Control: An Infrastructure-Based Theory of Internet Governance.” Information, Communication & Society 15 (5): 720–38. https://doi.org/10.1080/1369118X.2012.659199.

———. 2014. The Global War for Internet Governance. New Haven: Yale University Press.

DeNardis, Laura, Derrick Cogburn, Nanette S. Levinson, and Francesca Musiani. 2020. Researching Internet Governance: Methods, Frameworks, Futures. The MIT Press. https://doi.org/10.7551/mitpress/12400.001.0001.

Doria, Avri. 2008. “Internet Governance Forum (IGF)The First Two Years.” Geneva: UN.

Dutton, William H., ed. 2013. The Oxford Handbook of Internet Studies. 1st ed. Oxford Handbooks in Business and Management. Oxford: Oxford University Press.

Dutton, William H., and Malcolm Peltu. 2007. “The Emerging Internet Governance Mosaic: Connecting the Pieces.” Information Polity 12 (1–2): 63–81.

Kleinwachter, Wolfgang. 2004. “Beyond ICANN Vs ITU?: How WSIS Tries to Enter the New Territory of Internet Governance.” Gazette (Leiden, Netherlands) 66 (3–4): 233–51. https://doi.org/10.1177/0016549204043609.

Kurbalija, Jovan. 2016. An Introduction to Internet Governance. 7th edition. Msida, Malta Geneva Belgrade: DiploFoundation.

Mueller, Milton. 2010. Networks and States: The Global Politics of Internet Governance. Information Revolution and Global Politics. Cambridge, Mass: MIT Press.

Musiani, Francesca, Derrick Cogburn, Laura DeNardis, and Nanette Levinson. 2016. Turn to Infrastructure in Internet Governance. Place of publication not identified: Springer Nature. http://link.springer.com/openurl?genre=book&isbn=978-1-349-57846-7.

Palladino, Nicola, and Mauro Santaniello. 2021. Legitimacy, Power, and Inequalities in the Multistakeholder Internet Governance: Analyzing IANA Transition. Cham, Switzerland: Palgrave Macmillan.

Radu, Roxana. 2019. Negotiating Internet Governance. First edition. Oxford, United Kingdom ; New York, NY: Oxford University Press.

Raymond, Mark, and Laura DeNardis. 2015. “Multistakeholderism: Anatomy of an Inchoate Global Institution.” International Theory 7 (3): 572–616. https://doi.org/10.1017/S1752971915000081.

Weber, Rolf H., Mirina Grosz, and Romana Weber. 2010. Shaping Internet Governance: Regulatory Challenges. Publikationen Aus Dem Zentrum Für Informations- Und Kommunikationsrecht Der Universität Zürich, Bd. 46. Berlin: Springer.

شارك:

Facebook
Twitter