مذكرة دفع بعدم دستورية جريمة تعمد إزعاج الغير بإساءة استعمال أجهزة الاتصال

 

“مسار” تصدر مذكرة دفع بعدم دستورية المادة 76 من قانون تنظيم الاتصالات

أصدرت “مسار” مذكرة دفع بعدم دستورية المادة 76 من قانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لعام 2003. تتعلق المادة 76 بجريمة تعمد الإزعاج أو المضايقة باستخدام وسائل الاتصالات.

تهدف المذكرة إلى مناقشة الآثار المترتبة على توسع النيابة العامة في توجيه الاتهامات بموجب المادة 76 فيما يتعلق بالنشر على منصات التواصل الاجتماعي. كما تسلط المذكرة الضوء على القيود التي يمكن أن تُفرَض على حرية التعبير، خاصة مع توجيه الاتهام بنص المادة مقترنة بجرائم أخرى مثل السب او القذف أو جرائم النشر بشكل عام. وتشير المذكرة أيضًا إلى تأثير تضمين المادة 76 ضمن مواد القيد والوصف أو قرارات الإحالة في جرائم النشر، وكيف يمكن أن يتعارض ذلك مع الدستور المصري.

بالإضافة إلى ذلك، تستعرض المذكرة شبهات عدم الدستورية التي تتعلق بغموض وعدم وضوح نص المادة، وعدم التناسب بين الجريمة والعقوبة المفروضة، وانتهاك حق المساواة، وتطبيق عقوبات سالبة للحرية في جرائم النشر. كما وتهدف المذكرة إلى زيادة الوعي العام بأهمية فهم هذا القانون والمخاطر المحتملة لتطبيق المادة 76 بشكل غير صحيح، وتشجيع المشرعين والمختصين في مجال القانون على إجراء التعديلات اللازمة.

كانت مسار قد أصدرت في نفس السياق “مذكرة دفوع موضوعية – جريمة تعمد إزعاج الغير بإساءة استعمال أجهزة الاتصال“، بالإضافة إلى ورقة بعنوان “إشكاليات جريمة تعمد الإزعاج باستخدام وسائل الاتصالات في مصر” تناولت فيها شرح للجريمة من خلال بيان التطور التشريعي لمفهوم الإزعاج بداية من قانون العقوبات المصري، مرورًا بقانون تنظيم الاتصالات، ووصولًا إلى قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات.


محكمة ……………… الاقتصادية

الدائرة …………

مذكرة دفاع

مقدمة من:
السيد/ …………………… (متهم)
ضد
النيابــــــــة العامـــــــة (سلطة اتهام)
في الدعوى رقم …………… لسنة ………… جنح اقتصادية، المحدد لنظرها جلسة ………… الموافق ………………


الموضوع

الدفع بعدم دستورية نص المادة رقم (76) من قانون تنظيم الاتصالات الصادر بالقانون رقم 10 لسنة 2003 فيما تضمنه من توقيع عقوبة سالبة للحرية في الجريمة المنصوص عليها في البند (2) من نص المادة، وهي ذات الجريمة محل إسناد الاتهام الوارد بقرار الإحالة للمحاكمة أمام المحكمة، وذلك لمخالفته نصوص المواد 4، 9، 51، 53، 54، 65، 71، 92، 95، 96 من الدستور الساري لجمهورية مصر العربية.

وقائع الدعوى

أحالت النيابة العامة المتهم للمحاكمة في الدعوى الماثلة، بعد أن وجهت إليه الاتهام – على حد زعمها بارتكاب الجرائم الآتية ………………..، وطلبت معاقبته بالمواد 166 مكرر من قانون العقوبات، والمادتين 70، 76/2 من القانون رقم 10 لسنة 2003 بشأن تنظيم الاتصالات، وتحدد لنظر الدعوى جلسة اليوم أمام المحكمة الموقرة.

الدفاع

مع تمسك الدفاع الحاضر بأصل البراءة المفترض في المتهم الماثل، ومع تمسكه بكافة دفوعه وأوجه دفاعه الشكلية والإجرائية والموضوعية، فإنه يلتمس من المحكمة الموقرة؛ وقف الدعوى تعليقيًا، وإحالة أوراقها إلى المحكمة الدستورية العليا، أو التصريح للدفاع بإقامة دعوى أمام المحكمة الدستورية للفصل في مسألة مدى دستورية نص المادة رقم (76) من قانون تنظيم الاتصالات الصادر بالقانون رقم 10 لسنة 2003 فيما تضمنه من توقيع عقوبة سالبة للحرية في الجريمة المنصوص عليها في البند (2) من نص المادة، لمخالفته نصوص المواد 4، 9، 51، 53، 54، 65، 71، 92، 95، 96 من الدستور الساري لجمهورية مصر العربية، وذلك على النحو الآتي:

من الناحية الشكلية:

أولًا: السند القانوني للدفع بعدم دستورية النص القانوني

تنص المادة ١٩٢ من دستور جمهورية مصر العربية الساري على أن تتولى المحكمة الدستورية العليا دون غيرها الرقابة القضائية على دستورية القوانين، واللوائح، وتفسير النصوص التشريعية، والفصل فى المنازعات المتعلقة بشئون أعضائها، وفى تنازع الاختصاص بين جهات القضاء، والهيئات ذات الاختصاص القضائي، والفصل فى النزاع الذى يقوم بشأن تنفيذ حكمين نهائيين متناقضين صادر أحدهما من أية جهة من جهات القضاء، أو هيئة ذات اختصاص قضائي، والآخر من جهة أخرى منها، والمنازعات المتعلقة بتنفيذ أحكامها، والقرارات الصادرة منها. ويعين القانون الاختصاصات الأخرى للمحكمة، وينظم الإجراءات التى تتبع أمامها“.

وتنص المادة الرابعة عشر من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية في فقرتها الأولى على أن الناس جميعًا سواء أمام القضاء. ومن حق كل فرد، لدى الفصل في أية تهمة جزائية توجه إليه أو في حقوقه والتزاماته في أية دعوى مدنية، أن تكون قضيته محل نظر منصف وعلني من قبل محكمة مختصة مستقلة حيادية، منشأة بحكم القانون“.

وتطبيقًا لذلك، نصت المادة 29 من القانون رقم ٤٨ لسنة ١٩٧٩ بإصدار قانون المحكمة الدستورية العليا وفقًا لآخر تعديل صادر في ١٥ أغسطس عام ٢٠٢١ على أن تتولى المحكمة الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح على الوجه التالي: (أ) إذا تراءى لإحدى المحاكم أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي أثناء نظر إحدى الدعاوى عدم دستورية نص فى قانون أو لائحة لازم للفصل فى النزاع، أوقفت الدعوى وأحالت الأوراق بغير رسوم إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل فى المسألة الدستورية. (ب) إذا دفع احد الخصوم أثناء نظر دعوى أمام إحدى المحاكم أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي بعدم دستورية نص فى قانون أو لائحة ورأت المحكمة أو الهيئة أن الدفع جدي أجلت نظر الدعوى وحددت لمن أثار الدفع ميعادًا لا يجاوز ثلاثة أشهر لرفع الدعوى بذلك أمام المحكمة الدستورية العليا، فإذا لم ترفع الدعوى فى الميعاد اعتبر الدفع كأن لم يكن“.

كما تنص المادة ٣٠ من ذات القانون على أنه يجب أن يتضمن القرار الصادر بالإحالة إلى المحكمة الدستورية العليا أو صحيفة الدعوى المرفوعة إليها وفقًا لحكم المادة السابقة بيان النص التشريعي المطعون بعدم دستوريته والنص الدستوري المدعى بمخالفته وأوجه المخالفة“.

وحيث أن المقرر في قضاء المحكمة الدستورية العليا أن الرقابة على دستورية القوانين واللوائح من حيث مطابقتها للقواعد الموضوعية التى تضمنها الدستور إنما تخضع لأحكام الدستور القائم دون غيره، إذ إن هذه الرقابة إنما تستهدف أصلًا صون هذا الدستور وحمايته من الخروج على أحكامه، لكون نصوصه تمثل القواعد والأصول التى يقوم عليها نظام الحكم، ولها مقام الصدارة بين قواعد النظام العام التى يتعين التزامها، ومراعاتها، وإهدار ما يخالفها من التشريعات، باعتبارها أسمى القواعد الآمرة.(1)

ومن المقرر أيضاً في قضاءها أن المصلحة الشخصية المباشرة، وهى شرط لقبول الدعوى الدستورية، مناطها أن يكون الحكم فى المسألة الدستورية لازمًا للفصل فى الطلبات الموضوعية المرتبطة بها والمطروحة على محكمة الموضوع.(2)

ثانيًا: النص القانوني محل الطعن بعدم الدستورية

يطعن الدفاع الحاضر مع المتهم بعدم دستورية نص المادة رقم (76) من قانون تنظيم الاتصالات الصادر بالقانون رقم 10 لسنة 2003 فيما تضمنه من توقيع عقوبة سالبة للحرية في الجريمة المنصوص عليها في البند (2) من نص المادة؛ والتي تنص على الآتي:
مع عدم الإخلال بالحق فى التعويض المناسب، يعاقب بالحبس وبغرامة لا تقل عن خمسمائة جنيه ولا تجاوز عشرين ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من: ١ – استخدم أو ساعد على استخدام وسائل غير مشروعة لإجراء الاتصالات. ٢ – تعمد إزعاج أو مضايقة غيره بإساءة استعمال أجهزة الاتصالات.

ثالثًا: النصوص الدستورية موضوع المخالفة

قد خالف النص القانوني المطعون بعدم دستوريته كل من نصوص المواد 4، 9، 51، 53، 54، 59، 62، 65، 67، 71، 92، 94، 95، 96 من دستور جمهورية مصر العربية الساري3 الآتي بيانهم:

  • المادة (4):السيادة للشعب وحده، يمارسها ويحميها، وهو مصدر السلطات، ويصون وحدته الوطنية التى تقوم على مبادئ المساواة والعدل وتكافؤ الفرص بين جميع المواطنين، وذلك على الوجه المبين فى الدستور“.

  • المادة (9):تلتزم الدولة بتحقيق تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين، دون تمييز“.

  • المادة (51):الكرامة حق لكل إنسان، ولا يجوز المساس بها، وتلتزم الدولة باحترامها وحمايتها“.

  • المادة (53):المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون فى الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين، أو العقيدة، أو الجنس، أو الأصل، أو العرق، أو اللون، أو اللغة، أو الإعاقة، أو المستوى الاجتماعى، أو الانتماء السياسى أو الجغرافى، أو لأى سبب آخر…”.

  • المادة (54):الحرية الشخصية حق طبيعى، وهى مصونة لا تُمس، وفيما عدا حالة التلبس، لا يجوز القبض على أحد، أو تفتيشه، أو حبسه، أو تقييد حريته بأى قيد إلا بأمر قضائى مسبب يستلزمه التحقيق…

  • المادة (65):حرية الفكر والرأى مكفولة. ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه بالقول، أو بالكتابة، أو بالتصوير، أو غير ذلك من وسائل التعبير والنشر“.

  • المادة (71):يحظر بأى وجه فرض رقابة على الصحف ووسائل الإعلام المصرية أو مصادرتها أو وقفها أو إغلاقها. ويجوز إستثناء فرض رقابة محددة عليها في زَمن الحرب أو التعبئة العامة. ولا توقع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التى ترتكب بطريق النشر أو العلانية، أما الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو بالتمييز بين المواطنين أو بالطعن في أعراض الأفراد، فيحدد عقوبتها القانون“.

  • المادة (92):الحقوق والحريات اللصيقة بشخص المواطن لا تقبل تعطيلاً ولا إنتقاصًا. ولا يجوز لأى قانون ينظم ممارسة الحقوق والحريات أن يقيدها بما يمس أصلها وجوهرها“.

  • المادة (95):العقوبة شخصية، ولا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون، ولا توقع عقوبة إلا بحكم قضائى، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لتاريخ نفاذ القانون“.

  • المادة (96):المتهم برئ حتى تثبت إدانته فى محاكمة قانونية عادلة، تكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه…”.

ولما كان ما تقدم؛ وحيث أن المحكمة الدستورية هي المختصة بالفصل في الطعن بعدم دستورية النص القانوني محل الطعن وقد تحققت المصلحة الشخصية المباشرة للمتهم في هذه الدعوى، وحيث أن الفصل في عدم دستورية هذا النص القانوني، له أثر مباشر على موقفه من الإتهام المسند إليه في الدعوى، وعلى طبيعة العقوبة الجنائية التي عسى أن يحكم عليه به، وعلى حديها الأدنى والأقصى، إن ثبت للمحكمة الموقرة صحة ما أسند إليه من إتهامات، ورأت أن تقضي بإدانته؛ من ثم يكون الدفع بعدم دستورية كامل الفقرة الثانية من نص المادة رقم (76) من قانون تنظيم الاتصالات الصادر بالقانون رقم 10 لسنة 2003 مقبول من ناحية الشكل.

ومن الناحية الموضوعية:

نوجز أوجه الدفع بعدم دستورية النص المطعون عليه في الآتي:

الوجه الأول لعدم دستورية النص: مخالفة مبدأ عدم توقيع عقوبة سالبة للحرية في جرائم النشر أو العلانية.

  • أولاً: طبيعة العقوبة المقررة قانوناً في جريمة تعمد إزعاج الغير بإساءة استخدام وسائل الاتصالات.

  • ثانياً: أثر توقيع عقوبة سالبة للحرية في جريمة تعمد إزعاج الغير بإساءة استخدام وسائل الاتصالات.

  • ثالثاً: الأساس الدستوري والقانوني لمبدأ عدم توقيع عقوبة سالبة للحرية في جرائم النشر أو العلانية.

  • رابعاً: تطبيقات تشريعية تؤكد صحة الدفع بعدم دستورية النص المطعون فيه وتعكس التزام المشرع بمبدأ حظر توقيع عقوبة سالبة للحرية في جرائم النشر أو العلانية.

  • خامساً أثر مخالفة النص المطعون عليه لمبدأ عدم توقيع عقوبة سالبة للحرية في جرائم النشر أو العلانية.

الوجه الثاني لعدم دستورية النص: غموض النص التجريمي المطعون فيه ومخالفته مبدأ شرعية التجريم والعقاب.

  • أولاً: السياق التشريعي للنص المطعون عليه

  • ثانياً:مظاهر الغموض في النص المطعون عليه

  • ثالثاً: التطبيقات والتفسيرات القضائية المتناقضة الناتجة عن غموض النص المطعون عليه ومخالفته لشرعية التجريم والعقاب

  • رابعاً: الأساس الدستوري والقانوني لمبدأ شرعية التجريم والعقاب

  • خامساً: أثر غموض النص المطعون عليه ومخالفته لشرعية التجريم والعقاب


الوجه الأول لعدم دستورية النص: مخالفة مبدأ عدم توقيع عقوبة سالبة للحرية في جرائم النشر أو العلانية

خالف النص القانوني المطعون عليه حظرًا دستوريًا يتمثل في عدم توقيع أي عقوبة سالبة للحرية في جرائم النشر أو العلانية، وهذا الموقع الذي شابه الحظر هو العقوبة المقررة للجريمة المنصوص عليها في النص المطعون عليه، وذلك على النحو الآتي:

أولاً: طبيعة العقوبة المقررة قانوناً في جريمة تعمد إزعاج الغير بإساءة استخدام وسائل الاتصالات

قرر المشرع في الفقرة الأولى من النص المطعون عليه عقوبتي الحبس والغرامة التي لا تقل عن خمسمائة جنيه ولا تجاوز عشرين ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين، كجزاء جنائي على ارتكاب جريمة تعمد إزعاج الغير بإساءة استخدام، وقد سبق أن عرف المشرع عقوبة الحبس في المادة (18) من قانون العقوبات بأنها وضع المحكوم عليه فى أحد السجون المركزية أو العمومية المدة المحكوم بها عليه ولا يجوز أن تنقص هذه المدة عن أربع وعشرين ساعة ولا أن تزيد على ثلاث سنين إلا فى الأحوال الخصوصية المنصوص عليها قانوناً(4) وقد نظمت المواد من التاسعة عشر حتى الحادية والعشرون من ذات القانون تطبيق عقوبة الحبس باعتبارها أحد العقوبات السالبة لحرية المحكوم عليه، ومن ثم تكون عقوبة الحبس المنصوص عليها في النص المطعون عليه هي الحبس مدة لا تقل عن أربع وعشرين ساعة ولا تزيد عن ثلاث سنوات، سواء كان حبساً بسيطاً أو مع الشغل، وذلك وفقاً للسلطة التقديرية لمحكمة الموضوع إذا قضت بالإدانة.

ثانياً: أثر توقيع عقوبة سالبة للحرية في جريمة تعمد إزعاج الغير بإساءة استخدام وسائل الاتصالات

لا يقتصر أثر توقيع النص المطعون عليه على مجرد عقوبة سالبة للحرية حال إدانة المتهم بحكم قضائي، بل يمتد إلى ما يجاوز احتمال ذلك؛ فيترتب عليه توافر أحد مبررات الحبس الاحتياطي لحبس المتهم بهذه الجريمة احتياطياً لحين الفصل في موضوع الدعوى، نظراً لكون العقوبة السالبة للحرية المقررة بموجب هذا النص قد تصل إلى الحبس مدة ثلاث سنوات، حيث تنص المادة (134) من قانون الإجراءات الجنائية على أن يجوز لقاضي التحقيق، بعد استجواب المتهم أو في حالة هربه، إذا كانت الواقعة جناية أو جنحة معاقبًا عليها بالحبس لمدة لا تقل عن سنة، والدلائل عليها كافية، أن يصدر أمرًا بحبس المتهم احتياطيًا، وذلك إذا توافرت إحدى الحالات أو الدواعى الآتية: …”(5)

مما يترتب عليه إمكانية المساس بحرية المتهم الشخصية كأحد حقوقه الدستورية تعسفاً وتقييدها، وكذلك أيضاً المساس التعسفي بحقوقه الدستورية في التنقل، والإقامة، وذلك من خلال سلطة الحبس الاحتياطي المخولة قانوناً لجهة لسلطة التحقيق الابتدائي، ولمحكمة الموضوع، واحتمال تعرضه لسلب حريته الشخصية، وحريته في التنقل والإقامة، لمدة ربما تصل إلى ثلاث سنوات، إن قضي بإدانته بحكم نهائي.

ثالثاً: الأساس الدستوري والقانوني لمبدأ عدم توقيع عقوبة سالبة للحرية في جرائم النشر أو العلانية

نص الدستور الساري لجمهورية مصر العربية الصادر في 2014 وتعديلاته، في المادة (65) على أن حرية الفكر والرأى مكفولة. ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه بالقول، أو بالكتابة، أو بالتصوير، أو غير ذلك من وسائل التعبير والنشر، كما نص أيضاُ في المادة (67) على أن حرية الإبداع الفنى والأدبى مكفولة، وتلتزم الدولة بالنهوض بالفنون والآداب، ورعاية المبدعين وحماية إبداعاتهم، وتوفير وسائل التشجيع اللازمة لذلك. ولا يجوز رفع أو تحريك الدعاوى لوقف أو مصادرة الأعمال الفنية والأدبية والفكرية أو ضد مبدعيها إلا عن طريق النيابة العامة، ولا توقع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التى ترتكب بسبب علانية المنتج الفنى أو الأدبى أو الفكرى، أما الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو التمييز بين المواطنين أو الطعن في أعراض الأفراد، فيحدد القانون عقوباتها…ونص في المادة (70) على أن حرية الصحافة والطباعة والنشر الورقي والمرئي والمسموع والإلكتروني مكفولة، وللمصريين من أشخاص طبيعية أو اعتبارية، عامة أو خاصة، حق ملكية وإصدار الصحف وإنشاء وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، ووسائط الإعلام الرقمي. وتصدر الصحف بمجرد الإخطار على النحو الذي ينظمه القانون. وينظم القانون إجراءات إنشاء وتملك محطات البث الإذاعى والمرئى والصحف الإلكترونية“. ونص في المادة (71) من ذات الدستور على أن يحظر بأى وجه فرض رقابة على الصحف ووسائل الإعلام المصرية أو مصادرتها أو وقفها أو إغلاقها. ويجوز إستثناء فرض رقابة محددة عليها في زَمن الحرب أو التعبئة العامة. ولا توقع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التى ترتكب بطريق النشر أو العلانية، أما الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو بالتمييز بين المواطنين أو بالطعن في أعراض الأفراد، فيحدد عقوبتها القانون، ونص أيضاً في المادة (92) على أن الحقوق والحريات اللصيقة بشخص المواطن لا تقبل تعطيلاً ولا إنتقاصًا. ولا يجوز لأى قانون ينظم ممارسة الحقوق والحريات أن يقيدها بما يمس أصلها وجوهرهاكما نص في المادة (227) على أن يشكل الدستور بديباجته وجميع نصوصه نسيجاً مترابطاً، وكلاً لا يتجزأ، وتتكامل أحكامه في وحدة عضوية متماسكة“.

وحيث أنه من المقرر في قضاء المحكمة الدستورية العليا أن نصوص الدستور لا تنفصل عن بعضها وتكمل بعضها بعض، فلا تعارض أو تتهادم أو تتنافر فيما بينها، ولكنها تتكامل في إطار الوحدة العضوية التي تنظمها من خلال التوفيق بين مجموع أحكامها وربطها بالقيم العليا التي تؤمن بها الجماعة في مراحل تطورها المختلفة ويتعين دوماً أن يعتد بهذه النصوص بوصفها متآلفة فيما بينها لا تتماحى أو تتآكل بل تتجانس معانيها وتتضافر توجهاتها ولا محل بالتالي لقالة إلغاء بعضها البعض بقدر تصادمها، ذلك أن إنفاذ الوثيقة الدستورية وفرض أحكامها على المخاطبين بها يفترض العمل بها في مجموعها، وشروط ذلك اتساقها وترابطها والنظر إليها باعتبار أن لكل نص منها مضموناً ذاتياً لا ينعزل به عن غيره من النصوص وينافيها أو يسقطها، بل يقوم إلى جوارها متسانداً معها مقيداً بالأغراض النهائية والمقاصد الكلية التي تجمعها.(6)

ويتبين من النصوص الدستورية سالفة البيان أن المشرع الدستوري قد أكد أن الأصل الدستوري العام هو حق الأفراد في في التعبير عن آراءهم بأي وسيلة من وسائل التعبير والنشر العلني أو غير العلني، وهو القاعدة العامة المنظمة للتعبير والنشر بجميع صورهم، والتي أضفى عليها الحماية الدستورية، وأن ما يرد خلاف ذلك من قواعد دستورية أخرى في ذات الدستور، يكون محض استثناء في حدود ضيقة، لا يجوز التوسع فيها، كما أكد على ذلك مرة أخرى في التأكيد على ذلك من خلال تأكيده على كفالة وضمان الحريات المتفرعة من ذلك الحق، ومنها حرية الإبداع الفنى والأدبى، وحرية الصحافة والطباعة والنشر الورقي والمرئي والمسموع والإلكتروني، وحظر التعدي عليهم بأي صورة من الصور، وامتد ذلك الحظر لحصر حق التقاضي لطلب وقف أو مصادرة الأعمال الفنية أو الفكرية أو الأدبية في النيابة العامة دون غيرها، وإضافة لما تقدم ولإضفاء المزيد من الحماية الدستورية على تلك الحريات، فقد وضع المشرع الدستوري قيداً على مبدأ التجريم والعقاب؛ فحظر على المشرع العادي توقيع أي عقوبة جنائية تنال من الحرية الشخصية للأفراد، نتيجة ممارستهم لحرياتهم في التعبير عن آراءهم أو أفكارهم بأي من الصور سالفة البيان؛ فحظر توقع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التى ترتكب بسبب علانية المنتج الفنى أو الأدبى أو الفكرى، والجرائم التى ترتكب بطريق النشر أو العلانية، وذلك كأًصل عام، واستثنى من ذلك فقط ثلاثة صور من الجرائم على سبيل الحصر، هم: الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف، أو بالتمييز بين المواطنين، أو بالطعن في الأفراد. كما أضفى أيضاً الحماية الدستورية على الحق في استخدام وسائل الاتصال العامة بكافة أشكالها، وحظر التعسف في حرمان المواطنين من استخدامها.

وحيث أنه من المقرر في قضاء المحكمة الدستورية العليا أن الجزاء الجنائي كان عبر أطوار قاتمة في التاريخ أداة طيعة للقهر والطغيان، محققا للسلطة المستبدة أطماعها، ومبتعداً بالعقوبة عن أغراضها الاجتماعية، وكان منطقيا وضرورياً أن تعمل الدول المتمدينة على أن تقيم تشريعاتها الجزائية وفق أسس ثابتة تكفل بذاتها انتهاج الوسائل القانونية السليمة في جوانبها الموضوعية والإجرائية، لضمان ألا تكون العقوبة أداة قامعة للحرية عاصفة بها بالمخالفة للقيم التي تؤمن بها الجماعة في تفاعلها مع الأمم المتحضرة واتصالها بها، وكان لازما في مجال دعم هذا الاتجاه وتثبيته أن تقرر الدساتير المعاصرة القيود التي ارتدتها على سلطان المشرع في مجال التجريم تعبيرا عن إيمانها بأن حقوق الإنسان وحرياته لا يجوز التضحية بها في غير ضرورة تمليها مصلحة اجتماعية لها اعتبارها، واعترافا منها بأن الحرية في أبعادها الكاملة لا تنفصل عن حرمة الحياة، وأن الحقائق المريرة التي عايشتها البشرية على امتداد مراحل تطورها تفرض نظاما متكاملا يكفل للجماعة مصالحها الحيوية، ويصون في إطار أهدافه حقوق الفرد وحرياته الأساسية بما يحول دون اساءة استخدام العقوبة تشويها لأغراضها.(7)

ولما كانت تلك الطوائف الثلاث من الجرائم هي المستثناة على سبيل الحصر من حظر توقيع العقوبات السالبة للحرية في جرائم النشر أو العلانية، فأجاز الدستور للمشرع العادي في هذه الجرائم دون غيرها من جرائم النشر أو العلانية أن يقرر العقاب الجنائي الملائم، كجزاء على ارتكاب أي من هذه الجرائم المنصوص عليها في الطوائف الثلاث، دون التقيد بالحظر المشار إليه على النحو سالف البيان.

وقد بات من المسلم به أن وسائل الاتصال العامة التقليدية والمستحدثة بكافة أشكالها وصورها، هي أدوات للتعبير عن الرأي بالنشر أو بالقول، أو بالكتابة، أو بالتصوير، وكانت غاية المشرع الدستوري من حظر توقيع العقوبات السالبة للحرية على جرائم النشر والعلانية كأصل عام هي حماية للأفراد المخاطبين بأحكام الدستور من أي استبداد أو طغيان أو ترهيب أو تهديد لحرياتهم الشخصية قد يتعرضوا له من جانب السلطة التنفيذية، أو التشريعية، نتيجة للتعبير عن آرائهم.

رابعاً: تطبيقات تشريعية تؤكد صحة الدفع بعدم دستورية النص المطعون فيه وتعكس التزام المشرع بمبدأ حظر توقيع عقوبة سالبة للحرية في جرائم النشر أو العلانية

يمكننا التدليل على الالتزام بالسياسة التشريعية التي انتهجها المشرع الدستوري لإضفاء المزيد من الحماية لحرية التعبير بجميع صورها، التي من بينها النشر والعلانية، من خلال مبدأ حظر توقيع عقوبة سالبة للحرية في جرائم النشر أو العلانية، وذلك عبر عدة أمثلة لتطبيقات تشريعة التزمت بهذا المبدأ، وهي على النحو الآتي:

  1. أثناء مناقشات لجنة الخمسين، التي أنيط بها تعديل الدستور عام 2014، تزامنت مناقشاتها المشار إليها لإعداد المشروع النهائي للدستور، مع مبادرة من رئيس الجمهورية آنذاك الرئيس/ عدلي منصور باستعمال الصلاحيات التشريعية المخولة إليه آنذاك في إصدار قرار بقانون رقم 77 لسنة 2013 فى شأن تعديل بعض أحكام قانون العقوبات، الذي بموجبه عدل نص المادة (179) من قانون العقوبات باعتبارها أحد الجرائم التي تقع بواسطة الصحف أو غيرها من وسائل النشر أو العلانية في الباب الرابع عشر من قانون العقوبات، التي يكون المجني عليه فيها هو من يشغل منصب رئيس الجمهورية وألغى العقوبة السالبة للحرية عقوبة الحبس التي كانت مقررة لجريمة إهانة رئيس الجمهورية بإحدى طرق النشر أو العلانية المنصوص عليها في المادة 171 من قانون العقوبات، وجعل العقوبة المقررة للجريمة هي الغرامة التي لا تقل عن عشرة آلاف جنيه ولا تزيد على ثلاثين ألف جنيه.(8)

  2. التزم المشرع بمبدأ عدم توقيع عقوبة سالبة للحرية في جرائم النشر أو العلانية بعد إقرار وسريان الدستور الحالي _ ولعل أحد أهم الأمثلة على هذا الالتزام يتمثل في قانون مكافحة الإرهاب الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 94 لسنة 2015، والذي تضمن بعض جرائم النشر والعلانية، ومن بينها المادة (35) من هذا القانون، التي جاء نصها يجرم نشر أو إذاعة أو عرض أو ترويج أخبار أو بيانات غير حقيقية عن أعمال إرهابية وقعت داخل البلاد، أو عن العمليات المرتبطة بمكافحتها بما يخالف البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الدفاع، بأية وسيلة كانت، وعاقب المشرع من تعمد ارتكابها، بعقوبة غير سالبة للحرية، وهي الغرامة التي لا تقل عن مائتى ألف جنيه ولا تجاوز خمسمائة ألف جنيه.(9)

  3. التزم المشرع أيضاً بمبدأ عدم توقيع عقوبة سالبة للحرية في جرائم النشر أو العلانية، في القانون سالف البيان، في جريمة أخرى من جرائم النشر أو العلانية، المنصوص عليها في المادة (36) من هذا القانون، التي جاء نصها يجرم تصوير أو تسجيل أو بث أو عرض أية وقائع من جلسات المحاكمة فى الجرائم الإرهابية إلا بإذن من رئيس المحكمة المختصة، وعاقب المشرع مرتكبها، بعقوبة غير سالبة للحرية، وهي الغرامة التي لا تقل عن عشرين ألف جنيه ولا تجاوز مائة ألف جنيه كل من خالف هذا الحظر.

  4. التزم المشرع بمبدأ عدم توقيع عقوبة سالبة للحرية في جرائم النشر أو العلانية بعد إقرار وسريان الدستور الحالي في إصدار القانون رقم 149 لسنة 2021 بتعديل بعض أحكام قانون مكافحة الإرهاب الصادر بالقانون رقم 94 لسنة 2015، والذي تضمن تشديد العقوبة المقررة للمادة (36) من القانون المشار إليها بالفقرة السابقة، إلا أن هذا التشديد جاء ملتزماً بهذا الحظر الدستوري المشار إليه فزاد من مقدار العقوبة المالية لتصبح الغرامة التي لا تقل عن مائة ألف جنيه ولا تجاوز ثلاثمائة ألف جنيه.(10)

  5. التزم المشرع بمبدأ عدم توقيع عقوبة سالبة للحرية في جرائم النشر أو العلانية بعد إقرار وسريان الدستور الحالي في إصدار القانون رقم 71 لسنة 2021 بتعديل بعض أحكام قانون العقوبات، والذي تضمن استحداث مادة جديدة تضاف للباب الرابع عشر من الكتاب الثاني لقانون العقوبات، وهو الباب الخاص بالجرائم التي تقع بواسطة الصحف أو غيرها من وسائل النشر أو العلانية، وهي المادة (186 مكرر) والتي جاء نصها يجرم تصوير أو تسجيل كلمات أو مقاطع أو بث أو نشر أو عرض بأى طريق من طرق العلانية لوقائع جلسة محاكمة مخصصة لنظر دعوى جنائية دون تصريح من رئيس المحكمة المختصة بعد أخذ رأى النيابة العامة، وعاقب المشرع مرتكبها بعقوبة غير سالبة للحرية، وهي الغرامة التي لا تقل عن مائة ألف جنيه ولا تزيد على ثلاثمائة ألف جنيه، حتى في حالة العود كظرف مشدد، التزم المشرع بهذا الحظر وقرر مضاعفة عقوبة الغرامة دون أي عقوبة سالبة للحرية.(11)

خامساً: أثر مخالفة النص المطعون عليه لمبدأ عدم توقيع عقوبة سالبة للحرية في جرائم النشر أو العلانية

لما كان المقرر في قضاء المحكمة الدستورية العليا أن الدستور ليس مجرد تنظيم إجرائي يحدد لكل سلطة تخوم ولايتها وقواعد الفصل بينها وبين غيرها من السلطات، وإنما يبلور الدستور أصلا قيماً وحقوقاً لها مضامين موضوعية كفل حمايتها وحرص على أن يرد عنها كل عدوان حتى لاتفقد قيمتها أو تنحدر أهميتها، ولا تنفصل هذه القيم وتلك الحقوق عن الديمقراطية في أشكالها الأكثر تطوراً، ولكنها تقارنها وتقيم أسسها وتكفل إنفاذ مفاهيمها،(12) ولا يجوز في إطار هذه المفاهيم مصادرة الحقوق أو تهميشها أو انتقاصها من أطرافها أو الهبو بمستوياتها إلى حدود لا تقبلها الدول الديمقراطية.(13)

وإنطلاقاً من ذلك؛ وجب الحرص في إعداد التشريعات على أن تراعي أحكامها الحقوق الأساسية للإنسان دون الاقتصار في شأن هذه الحقوق ورصدها على ما هو منصوص عليه في الدستوري منها، بل يتجاوزها إلى ما استقر منها في المواثيق الدولية وفي مفاهيم الدول الديمقراطية، وهي الحقوق التي عبرت عنها المحكمة الدستورية العليا في مصر بأنها من الحقوق الطبيعية التي لا يجوز الإخلال بها أو تقييدها، وبخاصة تلك التي تنطلق من إيمان الدول المتحضرة بحرمة الحياة الحياة ووطأة القيود التي تنال من الحرية الشخصية، ومن ثم يجب أن تكون هذه الحقوق بالمعنى الواسع المشار إليه الذي يستوعب ما كان وراداً منها في الدستور وما استقر في المواثيق الدولية وفي مفاهيم الدول الديمقراطية بمنأى عن أي انتهاك تشريعي.(14)

وحيث أن سلوك إزعاج الغير المشار إليه في الجريمة المنصوص عليها في النص المطعون عليه وحسبما استقرت تطبيقات القضاء على تفسيره يقصد به كـل قـول أو فـعل تعمّده الجـانى يضيـق به صـدر المجني عليه(15) وهو أيضاً ذات التعريف الذي أسند إليه أحد أكثر التفسيرات الفقهية شيوعاً في أحكام المحاكم الجنائية،(16) وتواترت أحكامها وعلى نحو خاص أحكام محكمة القاهرة الاقتصادية في تسبيب أحكامها بشأن جريمة تعمد إزعاج الغير باستخدام وسائل الاتصالات استنادًا إلى التفسير السابق.(17)

واستناداً لما تقدم يكون سلوك الإزعاج في النص المطعون عليه بعدم الدستورية، هو ذلك السلوك الذي يضيق به صدر المجني عليه، وتضطرب به سكينته، وهو بطبيعة الحال، لا يتصور فيه أن يكون صورة من صور التحريض على العنف، ولا صورة من صور التمييز بين المواطنين، كذلك أيضاً لا يتصور أن يشكل هذا السلوك أي صورة من صور الطعن في أعراض الأفراد، إنما هو محض إنزعاج للمجني عليه نتج عن إساءة استخدام الجاني لوسائل الاتصالات.

ولما كان المقرر في قضاء المحكمة الدستورية العليا أن تقدير العقوبة وتقرير أحوال فرضها هو مما يدخل في نطاق السلطة التقديرية التي يمارسها المشرع في مجال تنظيم الحقوق وفق الأسس الموضوعية التي يراها أصون لمصالح الجماعة وأحفظ لقيمها، إلا أن هذه السلطة حدها قواعد الدستور، ويندرج تحتها ألا يكون آمر التجريم فرطاً (18)

ومن ثم فإن توقيع عقوبة الحبس الذي لا يقل عن أربع وعشرون ساعة ولا يزيد على ثلاث سنوات كأحد العقوبات السالبة للحرية على مرتكب هذه الجريمة، يشكل مخالفة صريحة لنصوص الدستور، وعدوان على حريات الأفراد وعلى وجه خاص الحرية الشخصية المنصوص عليها في المادة (54) من الدستور، وحرية التنقل والإقامة المنصوص عليها في المادة (62) من الدستور، وهو تعطيلاً وانتقاصاً وتقيداً يمس أصل وجوهر الحقوق اللصيقة بشخص المواطن المنصوص عليها في المادة (92) من الدستور.، وهو ما يجعل النص المطعون عليه مشوباً بعدم الدستورية، بما يوجب عرضه على المحكمة الدستورية العليا للفصل في مدى دستوريته إعمالاً للسلطة المخولة لها وفقاً للدستور والقانون.


الوجه الثاني لعدم دستورية النص: غموض النص التجريمي للمادة ومخالفته مبدأ شرعية التجريم والعقاب

شاب النص القانوني المطعون عليه بعدم دستوريته الغموض والإبهام في موقع رئيس، يمثل ركناً لا تقوم الجريمة إلا بتوافره، وبانعدامه تنتفي الجريمة، ويخرج السلوك من دائرة التأثيم إلى دائرة الإباحة باعتبارها الأصل العام؛ وهذا الموقع الذي شابه الغموض في النص المطعون عليه هو السلوك محل التجريم، أحد عناصر الركن المادي للجريمة.

أولاً: السياق التشريعي للنص المطعون عليه

جريمة تعمد الازعاج الغير بإساءة استخدام وسائل الاتصالات موضوع النص المطعون عليه من الجرائم التي نص عليها في قوانين مختلفة، وشهد مفهوم الجريمة تطورًا تشريعيًا يمكن ملاحظته من خلال قراءة وفهم سياقات إقرار الجريمة في كل قانون على حدا.

أ) سياق ومفهوم تعمد الإزعاج وفقًا لقانون العقوبات

لم تعرف القوانين المصرية جريمة تعمد إزعاج الغير حتى تم تعديل قانوني العقوبات والإجراءات الجنائية في مارس عام 1955، حيث استحدث المشرع جرائم جديدة من بينها جريمة التسبب عمداً في إزعاج غيره بإساءة استعمال أجهزة المواصلات التليفونيةوالتي تم النص عليها بالمادة 166 مكرر.19

وقد أعدت وزارة العدل مذكرة إيضاحية لمشروع تعديل قانون العقوبات الذي استحدث نص المادة 166 مكرر، وذلك لعرضها على مجلس الوزراء آنذاك للموافقة عليه وإصداره، وتضمنت هذه المذكرة تبريراً لاستحداث المادة 166 مكرراً، فعللت رغبتها في إقرار هذا القانون بالعبارات الآتية:

كثرت أخيرا الاعتداءات على الناس بالسب والقذف بطريق التليفون و استفحلت مشكلة إزعاجهم في بيوتهم ليلا ونهارا وأسماعهم أقذع الألفاظ وأقبح العبارات واحتمى المعتدون بسرية المحادثات التليفونية واطمأنوا إلى أن القانون لا يعاقب على السب والقذف بعقوبة رادعة إلا إذا توافر شرط العلانية وهو غير متوافر طبقا للنصوص الحالية الأمر الذي يستلزم تدخل المشرع لوضع حد لهذا العبث وللضرب على أيدي هؤلاء المستهترين. وقد رؤى إضافة مادتين إلى قانون العقوبات برقمي 166 مكررا و308 مكررا تعاقب الأولى منهما كل من تسبب عمدا في إزعاج غيره بإساءة استعمال أجهزة المواصلات التليفونية وتعاقب المادة الثانية منهما على القذف بطريق التليفون بالعقوبات المنصوص عليها في المادة 303 كما تعاقب على السب بالطريق المذكور بالعقوبة المنصوص عليها في المادة 306 فإذا تضمن العيب أو القذف أو السب الذي ارتكب بطريق التليفون طعنا في عرض الأفراد أو خدشا لسمعة العائلات يعاقب بالعقوبة المنصوص عليها في المادة 308 ومن البديهي أنه لا تشترط العلانية لتوافر أركان الجريمة المنصوص عليها في المادة 308 مكررا“.20

وقد تزامن مع إصدار القانون رقم 97 لسنة 1955 – الذي استحدثت بموجبه المادتين 166 مكرر و308 مكرر إصدار قانون آخر، وهو القانون رقم 98 لسنة 1955، وذلك في ذات اليوم الذي صدر فيه القانون الأول، وتضمن إضافة المادة رقم 95 مكرراً إلى قانون الإجراءات الجنائية، وهي أول تنظيم تشريعي في القانون الجنائي المصري لمسائلة مراقبة المكالمات الهاتفية، ليتسنى لسلطة التحقيق المختصة كشف جريمتي تعمد إزعاج الغير بإساءة استعمال أجهزة المواصلات التليفونية، والقذف بطريق التليفون، المنصوص عليهما في المادتين رقمي 166 مكررا ًو 308 مكررًا المضافتين لقانون العقوبات، باعتبارهما من الجرائم التي تحدث في غير علانية، ويتعذر إثبات الدليل على ارتكاب أي منهما إلا باستثناء محدود يرد على الحق في الخصوصية وحرمة المكالمات الخاصة؛ فمنحت الحق لرئيس المحكمة الابتدائية المختصة أن يأمر بناء على تقرير مدير عام مصلحة التلغرافات والتليفونات، وشكوى المجني عليه، بوضع جهاز التليفون المذكور تحت الرقابة، للمدة التي يحددها، فى حالة قيام دلائل قوية على أن مرتكب إحدى الجرائم المنصوص عليها فى هاتين المادتين، قد استعان فى ارتكابها بجهاز تليفوني معين21.

أما فيما يتعلق بتحديد مفهوم الإزعاج، نجد أن المشرع لم يحدد تعريفاً محدداً للإزعاج المنصوص عليه في المادة 166 مكرر من قانون العقوبات، كما جاء نص المادة خالياً من أي ضوابط يمكن الاستناد إليها في تعريفه، أو لبيان مدى تحققه، إلا أن محكمة النقض في محاولة منها لوضع تعريف لمفهوم الإزعاج وتمييز جريمة تعمد الإزعاج عن غيرها من الجرائم الأخرى، فقد رأت أن تعريف الإزعاج وفقاً لنص المادة 166 مكرر لا يقتصر على السب والقذف لأن المشرع عالجهما بالمادة ٣٠٨ مكرراً، وعرف الإزعاج بأنه يتسع لكل قول أو فعل تعمده الجاني يضيق به صدر المواطن.22

وقد استندت محكمة النقض في هذا التعريف إلى ما جاء في المذكرة الإيضاحية للقانون رقم 97 لسنة 1955- بإضافة المادتين 166 مكرراً، 308 مكرراً إلى قانون العقوبات، ويظهر ذلك بوضوح في أحد أحكامها التي تصدت لتفسير نص المادة 166 مكرر من قانون العقوبات، فقد رأت أن البين من هذه المذكرة الإيضاحية أن إضافة هاتين المادتين كان بسبب كثرة الاعتداءات على الناس بالسب والقذف بطريق التليفون واستفحال مشكلة إزعاجهم ليلاً ونهاراً وإسماعهم أقذع الألفاظ وأقبح العبارات واحتماء المعتدين بسرية المحادثات التليفونية واطمئنانها إلى أن القانون لا يعاقب على السب والقذف بعقوبة رادعة إلا إذا توافر شرط العلانية وهو غير متوافر فقد تدخل المشرع لوضع حد لهذا العبث وللضرب على أيدي هؤلاء المستهترين، ولما كان ذلك وكان الإزعاج وفقاً لنص المادة 166 مكرراً من قانون العقوبات لا يقتصر على السب والقذف لأن المشرع قد عالجها بالمادة 308 مكرراً بل يتسع لكل قول أو فعل تعمده الجاني يضيق به صدر المواطن.23

ب) سياق ومفهوم تعمد الإزعاج وفقًا لقانون تنظيم الاتصالات

ظلت أحكام المادة 166 مكرر من قانون العقوبات مستقرة وقائمة حتى صدر قانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003، الذي وضع تنظيماً تشريعياً كاملاً لكل ما يتعلق بالاتصالات آنذاك، وتضمن مجموعة من التعريفات، من بينها تعريفاً محدداً للاتصالات، وتضمن الباب السابع من هذا القانون مجموعة من العقوبات الجنائية جزاء على مخالفة أحكامه، ومن بينها النص المطعون عليه.

وعلى الرغم من أن المادة (76) – المطعون بعدم دستوريتها من هذا القانون قد نسخت أحكام المادة 166 مكرر من قانون العقوبات، بمجرد سريان أحكام قانون تنظيم الاتصالات، إلا أنها لم تختلف كثيراً عنها، فأعادت صياغة ذات النص مع تعديل في مقدار العقوبة المقررة، سواء عقوبة الحبس التي زاد حدها الأقصى ليصل إلى ثلاثة سنوات، أو الغرامة التي أصبح لها حد أدني وزاد حدها الأقصى ليصل إلى عشرين ألف جنيه، وكان التغير الأهم في هذا النص هو استبدال عبارة أجهزة الاتصالاتبعبارة أجهزة المواصلات التليفونية، اتساقاً مع تعريفه لمفهوم الاتصالات، وبذلك توسع المشرع في هذا القانون في تجريم وسائل ارتكاب الجريمة لتشمل كافة وسائل الاتصالات سواء التليفونية التقليدية أو غيرها من وسائل الاتصالات السلكية واللاسلكية التي استحدثت آنذاك.

وقد ورد نص المادة (76) – المطعون بعدم دستوريته ضمن مواد الباب السابع تحت عنوان العقوباتمن القانون رقم 10 لسنة 2003 في شأن تنظيم الاتصالات، ويفهم من هذا السياق التشريعي أن تفسير هذا النص وفهم معانيه يخضع بداية للتعريفات الواردة في الباب الأول الأحكام العامةمن هذا القانون.

وقد عرف – هذا القانون في مادته الأولى الاتصالات بأنها أية وسيلة لإرسال أو استقبال الرموز أو الإشارات أو الرسائل أو الكتابات أو الصور أو الأصوات وذلك أيا كان طبيعتها وسواء كان الاتصال سلكيا أو لاسلكياً، كما عرف أيضاً أجهزة الاتصالات الطرفية بأنها أجهزة الاتصالات الخاصة بالمستخدم والتي تتصل بشبكة اتصالات عامة أوخاصة“.

ومما تقدم يكون المشرع قد عرف أجهزة الاتصالات بأنها الأجهزة الخاصة بالمستخدم، التي تتصل بشبكة اتصالات عامة أو خاصة، وتستخدم لإرسال أو استقبال الرموز أو الإشارات أو الرسائل أو الكتابات أو الصور أو الأصوات، أيا كان طبيعتها، سواء كان الاتصال سلكيا أو لاسلكياً.

ومن ثم فقد أصبح من المسلم به أنه يشترط لمساءلة الفرد جنائياً عن الجريمة المنصوص عليها في البند الثاني من نص المادة (76) من هذا القانون، أن تكون الوسيلة المستخدمة في ارتكاب السلوك الإجرامي لهذه الجريمة، هي وسيلة اتصال مباشرة بين طرفين، أحدهما مرسل والآخر مستقبل، وذلك حسب التعريف سالف البيان؛ فبات توافر هذه الوسيلة وفق ما تقدم بيانه عنصراً مفترضاُ، ولازماً لقيام هذه الجريمة؛ فلا تقوم إلا بتوافره، والتأكد من تحققه قبل ارتكابها، ولا يتصور أن ترتكب بأي وسيلة أخرى غيرها.

ثانياً: مظاهر الغموض في النص المطعون عليه

لم تختلف رؤية المشرع لمفهوم الإزعاج في قانون تنظيم الاتصالات عن تفسيره في قانون العقوبات الذي نعتقدبأن نسخت مادته بموجب هذا القانون، وكذلك لم يختلف تفسير محكمة النقض لمفهوم تعمد الإزعاج والمضايقة في هذا القانون عن تفسيرها له في القانون العقوبات، ورددت ذات التفسير، وانتهت في أحكامها إلى أن جريمـة إساءة استعمال أجهزة الاتصالات وفقـاً لنص المادة ٧٦ من القانون رقم ١٠ لسنة ٢٠٠٣ بإصدار قانون الاتصـالات لا يقتصر على الازعاج فقـط بل يتسـع إلى كـل قـول أو فـعل تعمّده الجـانى يضيـق به صـدر المواطـن وأيـاً كـان نـوع أجهـزة الاتصـالات المستعملة أو الوسيلة المستخدمة بهـا“.24

ومع ظهور بعض المحاولات الفقهية والأكاديمية لتفسير مفهوم الإزعاج في هذا القانون، استندت الدوائر الجنائية بدرجتيها في المحاكم العادية والمحاكم الاقتصادية كل حسب اختصاصها إلى أحد التفسيرات، وصار الأكثر شيوعاً بين قضاتها والأكثر استخدماً في تسبيب أحكامها، وانتهي هذا التفسير إلى أن المقصود بالإزعاج أو المضايقة هنا هو أن يقوم أحد الأشخاص باستعمال أجهزة الاتصالات بطريقة يزعج بها الطرف الآخر أو يضايقه وجرم المشرع هذا الفعل إذا ما وقع عن طريق أي جهاز اتصالات سواء كان التليفون أو جهاز الحاسب الآلي المستقبل للبيانات والمعلومات أو البريد الإلكتروني أو الرسائل الإلكترونية أو الإنترنت أو الاتصال التليفزيوني أو غيرها من وسائل الاتصالات الأخرى، فأي إزعاج أو مضايقة يتم عبر جميع هذه الأجهزة يشكل جريمة طبقاً للمادة 76 في فقرتها الثانية من قانون الاتصالات، فمن يقوم بإرسال رسائل عبر شبكة الإنترنت أو على التليفون المحمول تتضمن إزعاجاً أو مضايقة لمستقبلها يكون مرتكباً لهذه الجريمة وعلى القاضي تحديد ما إذا كان الفعل المرتكب يشكل إزعاجاً أو مضايقة للمتلقي من عدمه، فهي مسألة موضوعية تختلف من حالة إلى حالة أخرى25

ومن ثم فقد صار هناك اتجاه يرى أن النص المطعون عليه يشمل كل صور الاتصال بما فيها الاتصال باستخدام تقنية المعلومات، وهي وسيلة استحدث بعد صدور قانون تنظيم الاتصالات، واستحدث لها المشرع تنظيما خاصاً ينظمها وهو قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، وإضافة ذلك يرى هذا الاتجاه أن أحكام النص المطعون عليه لا تقتصر على الاتصال المباشر في غير علانية باستخدام وسائل الاتصالات، بين طرفين أحدهما مرسل والآخر متلقي، إنما تمتد أحكامه إلى استخدام وسائل الاتصالات في النشر والعلانية بجميع صورها.

وذلك على الرغم من أنه وفقاً لأحكام قانون تنظيم الاتصالات يشترط لمساءلة الفرد جنائياً عن الجريمة المنصوص عليها في البند الثاني من نص المادة (76) من هذا القانون، أن تكون الوسيلة المستخدمة في ارتكاب السلوك الإجرامي لهذه الجريمة، هي وسيلة اتصال مباشرة بين طرفين، أحدهما مرسل والآخر مستقبل، وذلك حسب التعريفات المشار إليها في المادة الأولى من هذا القانون على النحو المتقدم بيانه؛ فبات توافر هذه الوسيلة وفق ما تقدم بيانه عنصراً مفترضاُ، ولازماً لقيام هذه الجريمة؛ فلا تقوم إلا بتوافره، والتأكد من تحققه قبل ارتكابها، ولا يتصور أن ترتكب بأي وسيلة أخرى غيرها.

ومن ثم فقد انطوى النص المطعون عليه على غموض وإبهام في شأن بيان تلك الوسيلة، فهل هي مجرد وسيلة اتصال سلكي أو لا سلكي في حدود التعريفات المنصوص عليها في هذا القانون، أم تمتد إلى تقنية المعلومات التي صار قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات المشار إليه هو المنظم لأحكامها باعتبارها إحدى وسائل الاتصالات اللاسلكية.

كما أنطوى على غموض وإبهام أيضاً في شأن بيان طبيعة استخدام تلك الوسيلة؛ فلم يوضح على نحو قاطع وجازم وواضح هل المقصود بالاستخدام هو الاتصال المباشر غير العلني حسبما تقدم بيانه، أم أنه يتمد إلى مجرد الإذاعة أو النشر أو العلانية بأي صورة من صورهم، دون الحاجة لوجود اتصال مباشر، ودون الحاجة لوجود متلقي مباشر محدد ومميز.

وحيث أن المشرع لم يجري أي تعديلات على النص المطعون فيه لإزالة هذا الغموض والإبهام وعلى وجه خاص بعد صدور قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات وسريان أحكامه وهو ما ترتب عليه سقوط نص المادة المطعون عليه في غموض شديد؛ فبات مضمونه مجهلاً، وخافياً، ومبهماً، وغابت حقيقة ما يرمي إليه؛ فأضحى تطبيقه مرتبطاً بمعان وأهواء وتفسيرات شخصية، نابعة من الفهم الخاص للقائمين على تطبيقه.

ثالثاً: التطبيقات والتفسيرات القضائية المتناقضة الناتجة عن غموض النص المطعون عليه ومخالفته لشرعية التجريم والعقاب

تعددت وتنوعت التطبيقات القضائية الناتجة عن غموض نص المادة (76) من قانون تنظيم الاتصالات، وامتدت من النيابة العامة في مرحلتي الاستدلال والتحقيق، مروراً بالمحاكم الجنائية بدرجتيها، حتى لمحكمة النقض، وذلك على النحو الآتي بيانه:

أ) توسع النيابة العامة في توجيه الإتهام بارتكاب جريمة تعمد الإزعاج باستخدام وسائل الاتصالات

مع صدور قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات ظهر ازدواج في التشريعات الجنائية نتيجة لتعدد التشريعات التي تنظم موضوع واحد والتعدد في النصوص العقابية المجرمة لذات الفعل في أكثر من قانون. أدى ذلك إلى حالة من عدم الوضوح انعكست على أداء النيابة العامة، باعتبارها السلطة المختصة بالتحقيق في جرائم الاتصالات وتقنية المعلومات. وظهر ذلك في توجيه الاتهامات وإحالة الدعاوى الجنائية للمحاكم؛ فتوسعت النيابة العامة كثيرًا في إسناد الاتهام بارتكاب جريمة تعمد إزعاج الغير بإساءة استخدام وسائل الاتصالات، المنصوص عليها في المادة 76 من قانون الاتصالات، ومعها أيضًا جريمة إرسال العديد من الرسائل الإلكترونية بكثافة لشخص معين دون موافقته، المنصوص عليها بالمادة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات. ذلك لأن النيابة العامة اعتبرت أن إرسال الرسائل بكثافة هو أحد صور الإزعاج. واقترنت الجريمتين ببعضهما البعض كجريمتين مرتبطتين، تدور كل منهما مع الأخرى وجودًا وعدمًا وتتحققا معًا إذا ارتُكِب أي سلوك يرى فيه المجني عليه أنه تسبب في إزعاجه واضطراب سكينته، وذلك على الرغم من أن كل جريمة منهما لها ضوابط موضوعية وإجرائية تختلف عن الأخرى.26

وقد جاء التوسع من جانب النيابة العامة في إسناد الاتهام بارتكاب جريمة تعمد إزعاج الغير بإساءة استخدام أجهزة الاتصالات يأتي بغض النظر عن التحقق من توافر الشرط اللازم لقيام هذه الجريمة. يتمثل هذا الشرط في ارتكاب الجريمة عبر اتصال مباشر بين طرفين في غير علانية، فالعبرة دائمًا بانتفاء العلانية ليتحقق النموذج القانوني لهذه الجريمة، بحيث لا يدرك ارتكابها أحد سوى الجاني والمجني عليه؛ ويظهر ذلك التوسع في توجيه الاتهام بارتكاب هذه الجريمة لمن ارتكب سلوك في علانية، أو لمن ارتكب سلوك لا يتصور ارتكابه إلا في علانية، وكذلك مثل كتابة المنشورات ونشر الصور على مواقع التواصل الاجتماعي بطريق العلانية، ويمكننا استعراض ذلك عدة قضايا على سبيل المثال، منها:

  1. القضية رقم 1592 لسنة 2021 جنح اقتصادي القاهرة، أسندت النيابة العامة للمتهم فيها ارتكاب عدة جرائم من بينها جريمة تعمد إزعاج المجني عليه بإساءة استعمال أجهزة الاتصالات، لاستخدامه الحساب الخاص به على موقع فيسبوك، والآخر الخاص به على موقع تويتر في كتابة ونشر منشورات علانية، تتضمن عبارات انطوت على إهانة للهيئة الوطنية للانتخابات، وعلى أخباراً وإشاعات كاذبة، من شأنها تكدير السلم العام وإلحاق الضرر بالمصلحة العامة، وطلبت محاكمته على جرائم مؤثمة بعدة نصوص عقابية من بينها نص المادة 76 من قانون تنظيم الاتصالات، وأحالته للمحاكمة الجنائية.

  2. القضية رقم 433 لسنة 2022 جنح اقتصادي القاهرة، أسندت النيابة العامة للمتهم فيها ارتكاب عدة جرائم من بينها جريمة تعمد إزعاج المجني عليه بإساءة استعمال أجهزة الاتصالات، لاستخدامه الحساب الخاص به على موقع فيسبوك في كتابة إحدى المنشورات ونشره، ونشر صور خاصة للمجني عليه، والتعدي عليه بالقذف علانية، وطلبت محاكمته على جرائم مؤثمة بعدة نصوص عقابية من بينها نص المادة 76 من قانون تنظيم الاتصالات، وأحالته للمحاكمة الجنائية.

  3. القضية رقم 444 لسنة 2022 جنح اقتصادي القاهرة، أسندت النيابة العامة للمتهم فيها ارتكاب عدة جرائم من بينها جريمة تعمد إزعاج المجني عليه بإساءة استعمال أجهزة الاتصالات، لاستخدامه صفحته الشخصية المتاحة للكافة على موقع فيسبوك في كتابة ونشر أحد المنشورات يتضمن عبارات انطوت على خدش لاعتبار المجني عليه، وطلبت محاكمته على جرائم مؤثمة بعدة نصوص عقابية من بينها نص المادة 76 من قانون تنظيم الاتصالات، وأحالته للمحاكمة الجنائية.

  4. القضية رقم 525 لسنة 2022 جنح اقتصادي القاهرة، أسندت النيابة العامة للمتهم فيها ارتكاب عدة جرائم من بينها جريمة تعمد إزعاج المجني عليه بإساءة استعمال أجهزة الاتصالات، لاستخدامه أحد الحسابات الشخصية على موقع فيسبوك على موقع فيسبوك في انتحال صفة زوجة المجني عليه ووضع صورة لها متضمنة عبارات تشهير، وطلبت محاكمته على جرائم مؤثمة بعدة نصوص عقابية من بينها نص المادة 76 من قانون تنظيم الاتصالات، وأحالته للمحاكمة الجنائية.

  5. القضية رقم 697 لسنة 2022 جنح اقتصادي القاهرة، أسندت النيابة العامة للمتهمة فيها ارتكاب عدة جرائم من بينها جريمة تعمد إزعاج المجني عليه بإساءة استعمال أجهزة الاتصالات، لاستخدامها أحد الحسابات على موقع فيسبوك في نشر صور خاصة للمجني عليها، وانتهاك حرمة حياتها الخاصة وطلبت محاكمته على جرائم مؤثمة بعدة نصوص عقابية من بينها نص المادة 76 من قانون تنظيم الاتصالات، وأحالته للمحاكمة الجنائية.

ويعد هذا التوسع في توجيه الإتهام بارتكاب جريمة تعمد الإزعاج على سلوكيات ارتكبت في علانية، ناتجاً عن اضطراب في تفسير النص المطعون عليه لما شابه من غموض وإبهام في شأن بيان تلك الوسيلة، وفي بيان طبيعة استخدامها.

ب) توسع المحاكم في تفسير الإزعاج وتجاوزها للغرض التجريم

سبق أن أشرنا إلى أن حدوث يشترط لقيام جريمة تعمد إزعاج الغير باستخدام وسائل الاتصالات أن تحدث في غير علانية، باستخدام إحدى وسائل الاتصال المنصوص عليها، وذلك قبل أن نتعرض لطبيعة السلوك ومدى ما يتضمنه من إزعاج، ولكن هذا الشرط اللازم لقيام الجريمة أو المعيار المحدد لركنها المادي، قد أغفلته التطبيقات القضائية في تفسيرها لهذه الجريمة، وانصب اهتمامها على طبيعة الوسيلة بغض النظر عن توافر حالة العلانية من عدمها، والتي تبنتها المحاكم المصرية، سواء كانت المحاكم الجنائية بدرجاتها أو محكمة النقض.ن وذلك نتيجة اضطراب في تفسير النص المطعون عليه لما شابه من غموض وإبهام في شأن بيان تلك الوسيلة، وفي بيان طبيعة استخدامها.

  1. توسع المحاكم الجنائية تفسير الإزعاج وتجاوزها للغرض من التجريم

استندت المحاكم الجنائية بدرجتيها في المحاكم العادية والمحاكم الاقتصادية، كل حسب اختصاصها، إلى أحد التفسيرات. التفسير الأكثر شيوعاً والأكثر استخدامًا في تسبيب الأحكام هو أن المقصود بالإزعاج أو المضايقة أن يقوم أحد الأشخاص باستعمال أجهزة الاتصالات بطريقة يزعج بها الطرف الآخر أو يضايقه. وجرم المشرع هذا الفعل إذا ما وقع عن طريق أي جهاز اتصالات سواء كان التليفون، أو جهاز الحاسب الآلي المستقبل للبيانات والمعلومات، أو البريد الإلكتروني، أو الرسائل الإلكترونية، أو الإنترنت، أو الاتصال التليفزيوني، أو غيرها من وسائل الاتصالات الأخرى، فأي إزعاج أو مضايقة يتم عبر جميع هذه الأجهزة يشكل جريمة طبقًا للمادة 76 في فقرتها الثانية من قانون الاتصالات. فمن يقوم بإرسال رسائل عبر شبكة الإنترنت أو على التليفون المحمول تتضمن إزعاجًا أو مضايقة لمستقبلها يكون مرتكبًا لهذه الجريمة وعلى القاضي تحديد ما إذا كان الفعل المرتكب يشكل إزعاجًا أو مضايقة للمتلقي من عدمه، فهي مسألة موضوعية تختلف من حالة إلى حالة أخرى27

وتواترت أحكام القضاء، وعلى نحو خاص أحكام محكمة القاهرة الاقتصادية، في تسبيب أحكامها بالإدانة على ارتكاب جريمة تعمد إزعاج الغير باستخدام وسائل الاتصالات استنادًا إلى التفسير السابق. الاستناد على هذا التفسير يأتي على الرغم من أن وقائع تلك الدعاوى تضمنت نشر باستخدام وسائل الاتصالات بصورة علانية، وهي وقائع لا ينطبق عليها النموذج القانوني للجريمة المنصوص عليها في المادة 76 من قانون الاتصالات، ولم يكن أي منها في غير علانية؛ ويمكننا للتدليل على ذلك على سبيل المثال لا الحصر بالأمثلة الآتية من واقع الدعاوى الجنائية والأحكام الصادرة فيها، وذلك على النحو الآتي:

  1. الحكم الصادر بجلسة 19-4-2022 في الدعوى رقم 525 لسنة 2022 جنح اقتصادي القاهرة، قضت فيه المحكمة بإدانة المتهم لارتكابه عدة جرائم من بينها تعمد إزعاج المجني عليه بإساءة استعمال أجهزة الاتصالات، لاستخدامه أحد الحسابات الشخصية على موقع فيسبوك في انتحال صفة زوجة المجني عليه ووضع صورة لها متضمنة عبارات تشهير.

  2. الحكم الصادر بجلسة 28-2-2022 في الدعوى رقم 73 لسنة 2022 جنح اقتصادي القاهرة، قضت فيه المحكمة بإدانة المتهم لارتكابه عدة جرائم من بينها تعمد إزعاج المجني عليه بإساءة استعمال أجهزة الاتصالات، لاستخدامه أحد الحسابات الشخصية على موقع فيسبوك في نشر منشور يتضمن عبارات سب وقذف للمجني عليه.

  1. توسع محكمة النقض في تفسير الإزعاج وتجاوزها للغرض من التجريم

لم تختلف محكمة النقض كثيرًا عن المحاكم الجنائية في الالتفات عن التحقق من توافر الاتصال المباشر في غير علانية اللازم لقيام جريمة تعمد إزعاج الغير باستخدام وسائل الاتصالات. توسعت محكمة النقض كثيرًا في إطلاق نص التجريم فجعلته يتضمن جميع وسائل الاتصالات، بما فيها الوسائل التي لا يتصور أن يكون استخدامها في غير علانية، ومنها على سبيل المثال النشر والعلانية باستخدام وسائل تقنية المعلومات على وسائل التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر.

و يظهر ذلك التوسع في العديد من أحكام محكمة النقض. على سبيل المثال، قررت المحكمة في أحد أحدث أحكامها أن: “الإزعاج وفقاً لنص المادة 76 من القانون 10 لسنة 2003 بشأن تنظيم الاتصالات لا يقتصر على السب والقذف اللذان وردا بنص المادة 308 مكرراً من قانون العقوبات، بل يتسع لكل قول أو فعل تعمده الجاني يضيق به صدر المجني عليه، أيا كان نوع أجهزة الاتصالات المستعملة أو الوسيلة المستخدمة. وكانت المحكمة قد أفصحت عن اطمئنانها إلى أقوال المجني عليها وما أثبته محرر محضر الضبط وتحريات الشرطة ومحضر الفحص الفني في قسم المساعدات الفنية بإدارة مباحث مكافحة جرائم الحاسبات وشبكات المعلومات من تعمد الطاعن إزعاج المجني عليها بإساءة استعماله لأجهزة الاتصال المملوكة له بإنشاء حسابين على موقع فيسبوك والقيام بمشاركات تتضمن تشهير بها وإساءة لسمعتها، وهو ما تتحقق به أركان الجريمة التي دان الطاعن بها، ويضحى معه النعي على الحكم بالقصور في التسبيب في غير محله28

ثالثاً: الأساس الدستوري والقانوني لمبدأ شرعية التجريم والعقاب

لما كانت الجريمة الجنائية هي كل سلوك غير مشروع، صدر عن إرادة إجرامية، قرر له الشارع جزاءً جنائياً في صورة عقوبة أو تدبير احترازي،(29) وقد نص المشرع الدستوري في المادة ٩٥ من الدستور الساري على أن العقوبة شخصية، ولا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون، ولا توقع عقوبة إلا بحكم قضائى، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لتاريخ نفاذ القانونوتنص أيضاً المادة ٩٦ – من الدستور على أن المتهم برئ حتى تثبت إدانته فى محاكمة قانونية عادلة، تكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه…”.

وحيث أن مبدأ الشرعية الجنائية باعتباره إحدى ضمانات حماية الحريات الفردية، وضمان لحقوق الأفراد في مواجهة تحكم السلطات العامة واستبدادها، قد أوجد لنفسه أساساً في مبدأ الفصل بين سلطتي التشريع والقضاء، فباتت معه السلطة التشريعية وحدها صاحبة الاختصاص التشريعي الأصيل، وأدى ذلك إلى وحدة القانون ووضوحه، دون أن يطلق العنان للقضاء في التجريم والعقاب؛ فتتعدد اتجاهات المحاكم بالنسبة للواقعة الواحدة، وتختلف في تكييفها، فتعتبر إحداها جريمة جنائية، بينما تعتبرها الأخرى فعلاً مشروعاً، وتتضارب أحكامها، فيترتب على ذلك عدم المساواة بين الأفراد أمام ذات القاعدة القانونية الواحدة.(30)

وإنطلاقاً من ذلك؛ وجب الحرص في إعداد التشريعات على أن تراعي أحكامها الحقوق الأساسية للإنسان دون الاقتصار في شأن هذه الحقوق ورصدها على ما هو منصوص عليه في الدستوري منها، بل يتجاوزها إلى ما استقر منها في المواثيق الدولية وفي مفاهيم الدول الديمقراطية، وهي الحقوق التي عبرت عنها المحكمة الدستورية العليا في مصر بأنها من الحقوق الطبيعية التي لا يجوز الإخلال بها أو تقييدها، وبخاصة تلك التي تنطلق من إيمان الدول المتحضرة بحرمة الحياة الحياة ووطأة القيود التي تنال من الحرية الشخصية، ومن ثم يجب أن تكون هذه الحقوق بالمعنى الواسع المشار إليه الذي يستوعب ما كان وراداً منها في الدستور وما استقر في المواثيق الدولية وفي مفاهيم الدول الديمقراطية بمنأى عن أي انتهاك تشريعي.(31)

كما يجب عند وضع الأحكام العقابية أن تتم صياغة الأفعال المجرمة على نحو ضيق محكم. فلا يجب أن تكون الصياغة فضفاضة في بيانها الفعل المنهي عنه، كما لا يجب أن يشوبها إبهام، أو إجمال، أو تميًع، أو تداخل مع صور أفعال مشروعة، ومن ثم يتعين صياغة الأحكام العقابية بأعلى درجات الحرفية والدقة على النحو الذي يضمن أن تكون جليًة، ومحددة وقاطعة، بما يسمح للمخاطب بها أن يعي ما جرمته من أفعال من غير حاجة لإعمال تقديره الشخصي، ويتيح للقاضي استخلاص أركان الجرم المقترف.(32)

ويتعين أن تراعى في إعداد نصوص وأحكام التشريعات الجزائية خاصية الوضوح واليقين، وأن يتم الركون في إعداد التشريع الجنائي على مناهج دقيقة في الصياغة لا تنزلق إلى التعبيرات الفضفاضة أو المتعمية المحملة بأكثر من معنى، بما يوقع المحاكم الجزائية في محاذير تخل بالضوابط الجوهرية التي تقوم عليها المحاكمة المنصفة التي تنص عليها المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، و تكفلها الدساتير، كما يجب أن يتجنب المشرع الجنائي تقييد سلطة القاضي في اختيار بدائل للجزاءات والتدابير، وفي استعمال موجبات الرأفة، وأن تكون أحكام التشريعات الجنائية في هذا النطاق في حدود مبدأ المساواة أمام القضاء لا تتخطاه، ممتثلة مبدأ تكافؤ الفرص لا تتجاوز تخومه.(33)

وحيث أن النص القانوني إذا كان بالغ الغموض، وينقصه التحديد، فيجعل مهمة القاضي في التفسير مستحيلة. وفي هذه الحالة لا نكون بصدد مجرد شك في تحديد إرادة القانون، وإنما نكون حيال تعذر كامل في تحديد هذه الإرادة، وأمام غموض النص وعدم تحديده لا يمكن نسب الجريمة إلى المتهم أو الحكم عليه بعقوبة ما، لأنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص؛ وهذا المبدأ يفترض الوضوح والتحديد في النص، حتى يكون مصدراً للتجريم والعقاب، ويسري ذات المبدأ إذا كان النص متعلقاً بإجراء ماس بالحرية؛ فإن عدم تحديد إرادة المشرع حول المساس بالحرية يتطلب إهدار إرادة هذا المساس، تأكيداً للأصل العام في الإنسان وهو البراءة.(34)

ومن المقرر والمستقر عليه فى قضاء المحكمة الدستورية العليا أن القيود التى تفرضها القوانين الجزائية على الحرية الشخصية تقتضي أن تصاغ أحكامها بما يقطع كل جدل فى شأن حقيقة محتواها ليبلغ اليقين بها حدًا يعصمها من الجدل، وبما يحول بين رجال السلطة العامة وتطبيقها بصورة انتقائية ، وفق معايير شخصية ، تخالطها الأهواء، وتنال من الأبرياء لافتقارها إلى الأسس الموضوعية اللازمة لضبطها.(35)

ومن المقرر أيضاً أن غموض النصوص العقابية يعنى انفلاتها من ضوابطها وتعدد تأويلاتها، فلا تكون الأفعال التى منعها المشرع أو طلبها محددة بصورة يقينية ، بل شباكاً أو شراكاً يلقيها المشرع متصيداً باتساعها أو خفائها من يقعون تحتها أو يخطئون مواقعها.(36)

وحيث أن تأثيم المشرع لأفعال بذواتها حال وقوعها في مكان معين، مؤداه: أن تعيين حدود هذا المكان بما ينفى التجهيل بأبعاده شرط أولى لصون الحرية الفردية التي أعلى الدستور قدرها، واعتبرها من الحقوق الطبيعية التى تكمن فى النفس البشرية ولا يتصور فصلها عنها أو انتهاكها inherent, inalienable and inviolable right إذ هى من مقوماتها، وكانت القيود التى تفرضها القوانين الجزائية على تلك الحرية سواء بطريق مباشر أو غير مباشر تقتضي أن تصاغ أحكامها بما يقطع كل جدل فى شأن حقيقة محتواها ليبلغ اليقين بها legal certainty حداً يعصمها من الجدل، وبما يحول بين رجال السلطة العامة وتطبيقها بصورة انتقائية وفق معايير شخصية تخالطها الأهواء وتنال من الأبرياء لافتقارها إلى الأسس الموضوعية اللازمة لضبطها، وكان ماتقدم مؤداه: أن النصوص العقابية لا يجوز من خلال انفلات عباراتها أو تعدد تأويلاتها أو انتفاء التحديد الجازم لضوابط تطبيقهاأن تعرقل حقوقاً كفلها الدستور كالحق فى التنقل، فقد تعين ألا تكون هذه النصوص شباكاً أو شراكاً يلقيها المشرع متصيداً باتساعها أو بخفائها المتهمين المحتملين ليكون تصنيفهم وتقرير من يجوز احتجازه من بينهم عبئاً على السلطة القضائية لتحل إرادتها بعدئذ محل إرادة السلطة التشريعية، وهو ما لا يجوز أن تنزلق إليه القوانين الجنائية باعتبار أن ما ينبغى أن يعنيها هو أن تحدد بصورة جلية مختلف مظاهر السلوك التي لا يجوز التسامح فيها على ضوء القيم التي تبنتها الجماعة واتخذتها أسلوباً لحياتها وحركتها، وركائز لتطورها، وبما يكفل دوماً ألا تكون هذه القوانين مجرد إطار لتنظيم القيود على الحرية الشخصية، بل ضماناً لفعالية ممارستها.(37)

رابعاً: أثر غموض النص المطعون عليه ومخالفته لشرعية التجريم والعقاب

حيث أن القاضي الجنائي يلتزم باحترام قواعد الدستور أثناء تفسيره للقواعد الجنائية، حتى يكون تفسيره مطابقاً للدستور، ولا يتقصر الأمر على مجرد تحقيق هذه المطابقة، بل يتجاوزه إلى تحقيق مصداقية التفكير التي تعبر عن إرادة المشرع الواعية المتطورة، فالحقوق والحريات تتلقى مظلة حمايتها من الدستور ذاته، وما التشريع إلا منظم لهذه الحماية؛ ولهذا فإنه من المقرر أن القاضي حين يطبق النصوص التشريعية يجب عليه تفسيرها وفقا للمعنى المطابق للدستور، طالما أن نصوص التشريع تتسع لذلك، فإذا خلا نص تشريعي من ذكر ضمان أورده الدستور، فلا يفسر هذا الخلو بعيداً عن النص الدستوري، بل يجب تطبيق نصوص الدستور مباشرة لتوفير هذا الضمان.(38)

ذلك أن دستورية النصوص الجنائية تحكمها مقاييس صارمة تتعلق بها وحدها، ومعايير حادة تلتئم مع طبيعتها ولا تزاحمها فى تطبيقها ما سواها من القواعد القانونية؛ فقد أعلى الدستور قدر الحرية الشخصية، فاعتبرها من الحقوق الطبيعية الكامنة في النفس البشرية، الغائرة في أعماقها، والتي لا يمكن فصلها عنها، ومنحها بذلك الرعاية الأوفى والأشمل توكيداً لقيمتها، وبما لا إخلال فيه بالحق في تنظيمها، وبمراعاة أن القوانين الجنائية قد تفرض على هذه الحرية بطريق مباشر أو غير مباشرأخطر القيود وأبلغها أثراً؛ وكان لازماً بالتالى ألا يكون النص العقابى محملاً بأكثر من معنى، مرهقاً بأغلال تعدد تأويلاته، مرناً مترامياً على ضوء الصيغة التي أفرغ فيها، متغولاً من خلال إنفلات عباراتهحقوقاً أرساها الدستور، مقتحماً ضماناتها، عاصفاً بها، حائلاً دون تنفسها بغير عائق؛ ويتعين بالتالي أن يكون إنفاذ القيود التى تفرضها القوانين الجنائية على الحرية الشخصية، رهناً بمشروعيتها الدستورية، ويندرج تحت ذلك، أن تكون محددة بصورة يقينية لا إلتباس فيها؛ ذلك أن هذه القوانين تدعو المخاطبين بها إلى الامتثال لها كي يدفعوا عن حقهم فى الحياة، وكذلك عن حرياتهم، تلك المخاطر التى تعكسها العقوبة؛ ومن ثم كان أمراً مقضياً، أن تصاغ النصوص العقابية بما يحول دون إنسيابها أو تباين الآراء حول مقاصدها، أو تقرير المسئولية الجنائية فى غير مجالاتها عدواناً على الحرية الشخصية التى كفلها الدستور.(39)

ولما كان ضمان الدستور للحرية الشخصية في إطار دولة القانون، ووفق المفاهيم الديمقراطية، يفترض شخصية المسئولية الجنائية وشخصة العقوبة، وألا يبتدع القاضي عقوبة بطريق القياس، وألا يجعل المشرع أشخاصاً بذواتهم مسئولين عن فعل أو أفعال لا شأن لهم بها، وألا يتخذ من القرائن القانونية التحكمية سبيلاً على إعفاء النيابة من إثبات ركن في الجريمة لا تقوم إلا به، أو من توافر أحد الظروف المشددة لعقوبتها، وألا يقرر المشرع جزاءً جنائياً رجعياً، وألا يعطل سريان قانون اصلح للمتهم منذ صدوره، ولم لم يحن وقت العمل به، وألا يقيد الحرية الشخصية بغير الوسائل القانونية السليمة وألا يعاقب على الفعل الواحد أكثر من مرة، وألا يفرض عقوبة من شأنها الحط من قدر الإنسان سواء بالنظر إلى قسوتها أو منافتها للقيم الخلقية، وألا يحدد عقوبة الجريمة بما يفقدها تناسبهما معاً، وألا يخل كذلك بحق الدفاع، أو يؤثر بوجه عام في الشروط الموضوعية والإجرائية التي تتوافر بها لكل محاكمة منصفة متطلباتها، حتى لا تختل موازينها؛ فإذا أغفل في دائرة الجريمة والعقاب سيئاً مما تقدم، أخل ها القانون بنطاق الضمانة التي أحاط بها الدستور الحرية الشخصية التي ارتقى بها إلى حد وصفها بأنها من الحقوق الطبيعية، وصار ذلك القانون بالتالي مخالفاً للدستور، وباطلاً.(40)

ومما تقدم يكون النص القانوني – المطعون عليه – قد لحق به عواراً تشريعاً، فشابه الغموض، والإبهام، والتجهيل في شأن تحديد الوسيلة المستخدمة في ارتكاب السلوك الإجرامي، فأصبح لا يفهم ما يرمي إليه المشرع القانوني ومقصده منه، وأصبح تطبيقه مرتبطاً بالأهواء والتفسيرات الشخصية، النابعة من الفهم الخاص للقائمين على تطبيقه، فاختلف القضاء في أمره، وتعددت اتجاهات المحاكم، وتفسيراتها، على نحو ما تقدم بيانه، وأثم بعضها الفعل ما دام الفعل أجرى في غير علانية عبر اتصال مباشر بين طرفين مرسل ومستقبل واُثمه البعض الآخر منها، في جرائم النشر والعلانية باستخدام تقنية المعلومات كوسيلة اتصال سبق أن أفرد لها المشرع تنظيما تشريعا خاضاً ينظمها وهو قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، واستند الاتجاه الأخير في ذلك إلى غموض النص المطعون عليه وإبهامه مدعياً أن النص خاطب الكافة ولم يقتصر على وسيلة بعينها، أو اشتراط عدم العلانية من عدمها، أو اشتراط اتصال مباشر من عدمه ليسأل عن ارتكاب الجريمة المؤثمة بموجبه.

وجاء بذلك مخالفاً للدستور من ناحية أن الأصل فى النصوص العقابية، أن تصاغ فى حدود ضيقة narrowly tailored تعريفاً بالأفعال التي جرمها المشرع، وتحديداً لما هيتها، لضمان ألا يكون التجهيل بها موطئاً للإخلال بحقوق كفلها الدستور للمواطنين.41

فخالف بذلك ما ينص عليه الدستور الساري في المادتين 95، 96 وما نصت عليه المادتين 11، 29 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وما استقرت عليه الدساتير السابقة، ودساتير ومفاهيم الدول الديمقراطية، وكافة المواثيق الدولية، وما استقر عليه قضاء المحكمة الدستورية العليا بشأن الحقوق الطبيعية التي يجوز الإخلال بها أو تقييدها؛ لذلك فقد صار مرجحاً القضاء بعدم دستوريته، لما شابه من عوار تشريعي، جعله مخالفاً للدستور.

بناء عليه

مع تمسك الدفاع الحاضر بأصل البراءة المفترض في المتهم، وتمسكه بجميع دفوعه وأوجه دفاعه الشكلية والإجرائية والموضوعية، فإنه يلتمس من المحكمة الموقرة في شأن ما تقدم بيانه في هذه المذكرة الآتي:

  • إحالة أوراق الدعوى إلى المحكمة الدستورية العليا، أو التصريح للدفاع بإقامة دعوى أمام المحكمة الدستورية للفصل في مسألة مدى دستورية نص المادة رقم (76) من قانون تنظيم الاتصالات الصادر بالقانون رقم 10 لسنة 2003 فيما تضمنه من توقيع عقوبة سالبة للحرية في الجريمة المنصوص عليها في البند (2) من نص المادة، لمخالفته نصوص المواد 4، 9، 51، 53، 54، 65، 71، 92، 95، 96 من الدستور الساري لجمهورية مصر العربية.

وكيل المتهم

………………….

المحامي

الهوامش

1 حكم المحكمة الدستورية العليا، جلسة 6 يونيو 2020، الدعوى رقم 248 لسنة 30 قضائية دستورية“.

2 حكم المحكمة الدستورية العليا، جلسة 6 يونيو 2020، الدعوى رقم 248 لسنة 30 قضائية دستورية“.

3 تنص المادة (18) من قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937 وتعديلاته على أن عقوبة الحبس هى وضع المحكوم عليه فى أحد السجون المركزية أو العمومية المدة المحكوم بها عليه ولا يجوز أن تنقص هذه المدة عن أربع وعشرين ساعة ولا أن تزيد على ثلاث سنين إلا فى الأحوال الخصوصية المنصوص عليها قانونا .لكل محكوم عليه بالحبس البسيط لمدة لا تتجاوز ستة أشهر أن يطلب بدلا من تنفيذ عقوبة الحبس عليه تشغيله خارج السجن طبقا للقيود المقررة بقانون الإجراءات الجنائية إلا إذا نص الحكم علي حرمانه من هذا الخيار .

4 تنص المادة رقم (134) من قانون الإجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950 على أنه يجوز لقاضي التحقيق، بعد استجواب المتهم أو في حالة هربه، إذا كانت الواقعة جناية أو جنحة معاقبًا عليها بالحبس لمدة لا تقل عن سنة، والدلائل عليها كافية، أن يصدر أمرًا بحبس المتهم احتياطيًا، وذلك إذا توافرت إحدى الحالات أو الدواعى الآتية: ١إذا كانت الجريمة في حالة تلبس، ويجب تنفيذ الحكم فيها فور صدوره. ٢الخشية من هروب المتهم. ٣خشية الإضرار بمصلحة التحقيق سواء بالتأثير على المجني عليه أو الشهود، أو بالعبث في الأدلة أو القرائن المادية، أو بإجراء اتفاقات مع باقي الجناة لتغيير الحقيقة أو طمس معالمها. ٤توقى الإخلال الجسيم بالأمن والنظام العام الذي قد يترتب على جسامة الجريمة. ومع ذلك يجوز حبس المتهم احتياطيًا إذا لم يكن له محل إقامة ثابت معروف في مصر، وكانت الجريمة جناية أو جنحة معاقبًا عليها بالحبس.

5 حكم المحكمة الدستورية العليا، جلسة 5 فبراير 1994، الدعوى رقم 23 لسنة 15 قضائية دستورية” – حكم المحكمة الدستورية العليا، جلسة 2 يناير 1999 الدعوى رقم 15 لسنة 18 قضائية دستورية” – حكم المحكمة الدستورية العليا، جلسة 8 يوليو 2000، الدعوى رقم 11 لسنة 13 قضائية دستورية“.

6 حكم المحكمة الدستورية العليا، جلسة 12 فبراير 1994، الدعوى رقم 105 لسنة 12 قضائية دستورية

7 قرار قرار رئيس جمهورية مصر العربية بالقانون رقم 77 لسنة 2013 فى شأن تعديل بعض أحكام قانون العقوبات الجريدة الرسمية العدد 31 مكرر في 5 أغسطس 2013.

8 قرار قرار رئيس جمهورية مصر العربية بالقانون رقم 94 لسنة 2015 بإصدار قانون مكافحة الإرهاب الجريدة الرسمية 33 مكرر في 15 أغسطس 2015.

9 قانون رقم 149 لسنة 2021 بتعديل بعض أحكام قانون قانون مكافحة الإرهاب الجريدة الرسمية العدد 45 تابع في 11 نوفمبر 2021.

10 قانون رقم 71 لسنة 2021 بتعديل بعض أحكام قانون العقوبات الجريدة الرسمية العدد 23 مكرر في 13 يونية 2021.

11 حكم المحكمة الدستورية العليا، جلسة 15 نوفمبر 1997، الدعوى رقم 56 لسنة 18 قضائية دستورية

12 حكم المحكمة الدستورية العليا، جلسة 3 يناير 1998، الدعوى رقم 132 لسنة 18 قضائية دستورية

13 القاضي د. سري محمود صيام، صناعة التشريع، الكتاب الأول، الهيئة العامة المصرية للكتاب، ط 2018، ص 151.

14 الطعن بالنقض رقم ٢٢٨٤ لسنة ٨٩ ق جنح اقتصادي بجلسة ٢٠٢٠/٠٦/١٠، والطعن بالنقض رقم ١١٤٥٦ لسنة ٩٠ ق جنح النقض جلسة ٢٠٢١/٠٩/١١، والطعن بالنقض رقم 22201 لسنة 88 ق جلسة 27-2-2019 – المبادئ القانونية التي قررتها محكمة النقض في جرائم الاتصالات ص 61.

15 شرح أحكام ومبادئ قوانين الاتصالات للمستشار الدكتور/ عمر الشريف الطبعة الأولى 2008 ص 124.

16 على سبيل المثال لا الحصر الحكم الصادر بجلسة 19-4-2022 في الدعوى رقم 525 لسنة 2022 جنح اقتصادي القاهرة

17 حكم المحكمة الدستورية العليا، جلسة 12 فبراير 1994، الدعوى رقم 105 لسنة 12 قضائية دستورية

18 مضافة بالقانون رقم 97 لسنة 1955 – الوقائع المصرية العدد 18 مكرر – الصادر فى 3 مارس سنة 1955.

19 مضافة بالقانون رقم 97 لسنة 1955 – الوقائع المصرية العدد 18 مكرر – الصادر فى 3 مارس سنة 1955.

20 المادة 95 من قانون الإجراءات الجنائية المضافة بالقانون رقم 98 لسنة 1955- الوقائع المصرية – العدد رقم 18 مكرر غير اعتيادي الصادر في 3/3/1955.

21 الطعن بالنقض رقم ٩٩٢٥ لسنة ٥ ق جنح النقض جلسة ٢٠١٦/٠٩/٢٤

22 الطعن بالنقض رقم 25064 لسنة 59 ق جلسة 1/1/1995 – مكتب فني 46 – جزء 1 – ق 1- ص 24

23 الطعن بالنقض رقم ٢٢٨٤ لسنة ٨٩ ق جنح اقتصادي بجلسة ٢٠٢٠/٠٦/١٠، والطعن بالنقض رقم ١١٤٥٦ لسنة ٩٠ ق جنح النقض جلسة ٢٠٢١/٠٩/١١.

24 شرح أحكام ومبادئ قوانين الاتصالات للمستشار الدكتور/ عمر الشريف الطبعة الأولى 2008 ص 124.

25 القضية رقم 141 لسنة 2022 جنح اقتصادي القاهرة، أسندت النيابة العامة للمتهم فيها ارتكاب عدة جرائم من بينها جريمتي إرسال العديد من الرسائل الإلكترونية بكثافة للمجني عليه دون موافقته، وتعمد إزعاجه بإساءة استعمال أجهزة الاتصالات، وطلبت محاكمته على جرائم مؤثمة بعدة نصوص عقابية من بينها نص المادة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات والمادة 76 من قانون تنظيم الاتصالات، وأحالته للمحاكمة الجنائية، والقضية رقم 2260 لسنة 2021 جنح اقتصادي القاهرة، أسندت النيابة العامة للمتهم فيها ارتكاب عدة جرائم من بينها جريمتي إرسال العديد من الرسائل الإلكترونية بكثافة للمجني عليه دون موافقته، وتعمد إزعاج المجني عليه بإساءة استعمال أجهزة الاتصالات، وطلبت محاكمته على جرائم مؤثمة بعدة نصوص عقابية من بينها نص المادة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات والمادة 76 من قانون تنظيم الاتصالات، وأحالته للمحاكمة الجنائية.

26 شرح أحكام ومبادئ قوانين الاتصالات للمستشار الدكتور/ عمر الشريف الطبعة الأولى 2008 ص 124.

27 الطعن بالنقض رقم 22201 لسنة 88 ق جلسة 27-2-2019 – المبادئ القانونية التي قررتها محكمة النقض في جرائم الاتصالات ص 6

28 د.إبراهيم عيد نايل، قانون العقوبات، القسم العام، النظرية العامة للجريمة، 2013، ص 15.

29 د.إبراهيم عيد نايل، المرجع السابق، ص 36 وما بعدها د. السعيد مصطفى السعيد، الأحكام العامة في قانون العقوبات، ص 89

30 القاضي د. سري محمود صيام، صناعة التشريع، الكتاب الأول، الهيئة العامة المصرية للكتاب، ط 2018، ص 151.

31 دليل جمهورية مصر العربية لإعداد وصياغة مشروعات القوانين، وزارة العدل، الإصدار الأول، يوليو 2018، ص51

32 القاضي د. سري محمود صيام، المرجع السابق، ص 151.

33 د. أحمد فتحي سرور، الحماية الدستورية للحقوق والحريات، دار الشروق، ط 2000، ص 453.

34 حكم المحكمة الدستورية العليا، جلسة 4 نوفمبر 2012، الدعوى رقم 183 لسنة 29 قضائية دستورية.

35 حكم المحكمة الدستورية العليا، جلسة 15 سبتمبر 1997، الدعوى رقم 48 لسنة 18 قضائية دستورية.

36 حكم المحكمة الدستورية العليا، جلسة 1 أكتوبر 1994، الدعوى رقم 20 لسنة 15 قضائية دستورية“.

37 د. أحمد فتحي سرور، المرجع السابق، ص 447 – Crime,29 des.1990,siery,1901-1-108

Louis Favoreu; La constitutionnalisation du droit pénal et de la procédure pénale; Dorit penal contemporain, Melanges en I honnour dAndre Vitu, Edition cujas, 1989, p.201.

38 حكم المحكمة الدستورية العليا، جلسة 3 يوليو 1995، الدعوى رقم 25 لسنة 16 قضائية دستورية“.

39 القاضي د. عوض المر، الرقابة القضائية على دستورية القوانين في ملامحها الرئيسية، مركز رينيه جان دبوي للقانون والتنمية، ص 1420 – القاضي د. عبد العزيز سالمان، الرقابة القضائية على قصور التنظيم التشريعي، 8 يونيو 2020، موقع منشورات قانونية، رابط https://manshurat.org/node/66837#_ftn4، تاريخ الزيارة 10 مارس 2022.

40 حكم المحكمة الدستورية العليا، جلسة 3 يوليو 1995، الدعوى رقم 25 لسنة 16 قضائية دستورية“.

41 الجريدة الرسمية العدد ٣ مكرر (أ) في ١٨ يناير سنة ٢٠١٤، والمعدل بموجب قرار الهيئة العليا للانتخابات رقم 38 لسنة 2019 – المنشور بالجريدة الرسمية – العدد 16 مكرر (و) في 23 إبريل 2019،