أثر التحول الرقمي على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية

مقدمة

لم يسبق في تاريخ البشرية أن تطورت التكنولوجيا بالمعدل الذي تتطور به اليوم. وربما يكون اﻷهم هو أنه لم يسبق أن كان انتشار التكنولوجيا الأحدث متسعًا واستغلالها سريعًا، بنفس القدر. فأحدث ما تتوصل إليه التكنولوجيا اليوم أصبح باﻹمكان أن تجده مستغلًا بصور عديدة بعد وقت قصير من التوصل إليه.

تُغير التكنولوجيا المتطورة العالم في كل نواحيه بشكل متزايد في كل يوم وكل مكان. يمكن تسمية هذا التحول الهائل الذي شهده ولا يزال يشهده العالم خلال العقود القليلة السابقة ب”التحول الرقمي” (Digital Transformation).

التكنولوجيات الرقمية تقود بتطورها المتزايد والمتسارع كل يوم تحولًا هائلًا للطريقة التي يمارس بها البشر كافة أنشطة حياتهم اليومية. أكثر من نصف سكان العالم اليوم يستخدمون الهواتف المحمولة. أغلب هؤلاء يظلون على اتصال من خلال هذه الهواتف والعديد من اﻷجهزة اﻷخرى بشبكة اﻹنترنت طيلة اليوم وكل يوم. هذه الحقيقة في حد ذاتها كافية ﻷن نعتبر عصرنا الحالي عصرًا رقميًا. لكن توغل التكنولوجيات الرقمية في كل مجال من مجالات الممارسات اليومية للبشر أعمق كثيرًا من مجرد امتلاك غالبية الناس كأفراد ﻷجهزة تستخدم هذه التكنولوجيات لتربطهم بشبكة اﻹنترنت.

تناقش هذه الورقة أثر التحول الرقمي على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. في سبيل ذلك، تركز الورقة على ثلاثة حقوق رئيسية، وهي الحق في التعليم، والحق في العمل، والحق في الصحة. كما تتناول الورقة بالنسبة لكل حق إمكانيات مساهمة التحول الرقمي في حل مشاكل توفيره، وما قد يكون للتحول الرقمي من آثار سلبية عليه، وكذلك مدى تأثير السياسات الحكومية الحالية بالسلب أو اﻹيجاب في كل حالة.

التحول الرقمي والحقوق الاقتصادية والاجتماعية

التحول الرقمي في مفهومه العام يتمثل في التقدم المطرد نحو استخدام التكنولوجيات الرقمية في شتى مناحي الحياة والعمل. ويكاد هذا التقدم أن يحدث تلقائيًا دون تخطيط مسبق له. بالإضافة إلى ذلك، التحول الرقمي هو عنوان لمجموعة من الاستراتيجيات والسياسات التي تضعها الدول والمؤسسات المختلفة بهدف توجيه هذه العملية بالشكل الذي يخدم أهدافها ومصالحها. 

يعني ذلك أن التحول الرقمي هو تغير يفرضه التطور التكنولوجي على المجتمعات التي يتبنى أفرادها ومؤسساتها استخدام التكنولوجيا الرقمي بشكل شبه تلقائي، وحسب ما تقتضيه الحاجة، وتسمح به الظروف المختلفة. وهو أيضًا توجه استراتيجي مخطط له. ويمكن فهم التحول الرقمي وأثره في حياة الأفراد من خلال المفهومين السابقين.

على جانب آخر، الحقوق الاقتصادية والاجتماعية هي مجموعة من الحقوق التي تتعلق بضمان الحد اﻷدنى من متطلبات الحياة الكريمة، والمشاركة الفعالة والكاملة في المجتمع لكل إنسان. اﻷمثلة الرئيسية لهذه الحقوق هي الحق في العمل، التعليم، الصحة، الضمان الاجتماعي، الغذاء، الماء، المأوى، والبيئة النظيفة. 

تتضمن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان العديد من الأدوات القانونية التي تضمن الاعتراف بهذه الحقوق، مثل المعاهدات، والمواثيق، والعهود الدولية. كما تُلزِم تلك الأدوات الدول بضمان وحماية الحقوق وحصول مواطنيها عليها. أهم اﻷدوات القانونية هي: 

  • اﻹعلان العالمي لحقوق اﻹنسان، الذي تم تبنيه عام 1948. ينص الإعلان على أن لكل شخص الحق في الضمان الاجتماعي، العمل، الراحة والترفيه، التعليم، الصحة، الغذاء، الكساء، المأوى، والمشاركة في الحياة الثقافية.
  • العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الذي تم تبنيه في عام 1966. يُلزِم العهد الدول باحترام وحماية وضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وأن تحقق وصول مواطنيها إلى تلك الحقوق بشكل مطرد وحتى الحد اﻷقصى من الموارد المتاحة لها.
  • خطة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة لعام 2030، التي تم تبنيها في عام 2015. تضع الخطة 17 هدفًا من خلال 169 خطوة بغرض القضاء على الفقر، وحماية البيئة، وضمان السلام والرفاهية للجميع بحلول عام 2030. يتعلق كثير من أهداف الخطة وخطوات تنفيذها إما بشكل مباشر أو غير مباشر بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية. على سبيل المثال، الهدف اﻷول (القضاء على الفقر)، والهدف الثالث (الصحة الجيدة والمستوى المعيشي اللائق)، والهدف الرابع (التعليم الجيد)، والهدف الثامن (النمو الاقتصادي وتوفير فرص العمل اللائق)، والهدف العاشر (تخفيف حدة اللا مساواة).

يؤثر التحول الرقمي، بوجهيه التلقائي والمخطط له، بشكل بالغ العمق والاتساع على إمكانية حصول المواطنين على حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية. فنظرًا لاعتماد هذه الحقوق باﻷساس على عمليات استغلال الموارد المادية والبشرية لتوفير الاحتياجات اﻷساسية، فإن تحويل هذه العمليات لتعتمد على التكنولوجيات الرقمية يؤدي إلى تغييرات جذرية بها.

يمكن توقع أن معظم هذه التغييرات ستكون إيجابية نتيجة ﻷن استخدام التكنولوجيات الرقمية يؤدي إلى رفع كفاءة العمليات المعتمدة عليها. لكن ثمة بالتأكيد أيضًا آثار جانبية سلبية قد يعود بعضها إلى طبيعة التحول الرقمي ذاته. فيما قد يعود البعض اﻵخر إلى السياسات والإجراءات التي تضعها وتنفذها الدول لتنظيم هذا التحول أو لدفعه بصورة مباشرة.

التحول الرقمي في مصر والحق في التعليم 

واقع التعليم في مصر 

يواجه التعليم في مصر أزمات متراكمة وممتدة عبر عقود. التراجع في مستوى الخدمات التعليمية خلال الأعوام السابقة أدى إلى تدني ترتيب مصر على المستوى العالمي، حسب مؤشرات التنافسية العالمية التي يصدرها المنتدى الاقتصادي العالمي. تراجع هذا الترتيب بصفة مستمرة وصولًا إلى المركز 93 في عام 2019.

من المظاهر الرئيسية للأزمة التعليمية في مصر هي ارتفاع كثافة الفصول الدراسية في التعليم قبل الجامعي. ارتفعت تلك الكثافة بنسبة 5.11% في الفترة من 2015 وحتى 2020 في المدارس الحكومية، وبنسبة 3% في المدارس الخاصة. كذلك ارتفعت نسبة المناطق المحرومة من التعليم بنسبة 6.5% من إجمالي القرى وتوابعها. بالإضافة إلى ارتفاع معدلات التسرب من التعليم اﻹلزامي، وبصفة خاصة في المحافظات الريفية.

في بلد نام يواجه العديد من اﻷزمات الاقتصادية وارتفاعًا في معدلات الفقر فإن قدرة الغالبية العظمى من اﻷسر المصرية على توفير تعليم جيد ﻷبنائها اعتمادًا على مواردها هي ما بين المنعدمة إلى بالغة الضعف. يؤدي ذلك إلى الاعتماد بصفة تامة على الخدمات التعليمية التي يُفترض أن تقدمها الدولة بالمجان. 

نص الدستور المصري في المادة (19) منه على أن التعليم حق لكل مواطن. كما ألزم الدستور الدولة بضمان مجانية التعليم ما قبل الجامعي، وبتخصيص نسبة لا تقل عن 4% من الناتج القومي اﻹجمالي من اﻹنفاق العام للتعليم. على الرغم من ذلك، لم تلتزم الحكومات المصرية منذ صدور الدستور عام 2014 بهذا النص حتى اليوم. من ثم، يشكل انخفاض الاستثمار الحكومي في التعليم أحد العوائق الرئيسية لمواجهة المشاكل المتراكمة في هذا القطاع.

ما يمكن للتحول الرقمي تقديمه لتحسين ضمانات الحق في التعليم 

يتيح استخدام التكنولوجيات الرقمية في الجوانب المختلفة من العملية التعليمية كثيرًا من الفرص لتحسين الخدمات التعليمية بتكاليف منخفضة. أحد أهم سبل استغلال التكنولوجيات الرقمية في العملية التعليمية هو حلول التعليم عن بعد. 

تتيح حلول التعليم عن بعد فرصًا للتغلب على عديد من المشاكل التي تواجه التعليم في مصر، من بينها: 

  • تدني مستوى جودة الخدمة التعليمية: يمكن من خلال التعليم عن بعد توفير محتوى تعليمي عالي الجودة، وتقديمه من خلال معلمين على كفاءة عالية. كما يمكن تطوير المناهج التعليمية وتدريب العدد الكافي من المعلمين لتقديم المحتوى التعليمي بصورة أكثر جاذبية بالاعتماد على اﻷدوات التفاعلية التي توفرها التكنولوجيات الرقمية. 
  • حرمان بعض المناطق الريفية والنائية من الخدمات التعليمية: يعتبر التعليم عن بعد هو الحل المثالي واﻷقل تكلفة لتوصيل الخدمات التعليمية إلى الطلاب في المناطق الريفية والنائية. يُغني ذلك عن الحاجة إلى بناء مزيد من المدارس وتوفير المعلمين، والكوادر الإدارية، والعمالة اللازمة لها. هذا بخلاف التجهيزات المختلفة ونففات التشغيل والصيانة الدورية المطلوبة للمدارس. 
  • تكدس الفصول المدرسية: يتيح التعليم عن بعد إمكانية نقل بعض اﻷنشطة التعليمية من داخل المدارس. يسمح ذلك بخفض الحاجة إلى الحضور اليومي لكل من الطلبة والمعلمين في المدارس، وبالتالي يساهم في التعامل مع مشاكل إعاقة تكدس الطلاب في الفصول المدرسية. يُمكِّن ذلك الطلاب من الاستفادة مما يقدمه معلموهم من شرح للمحتوى التعليمي داخل هذه الفصول.
  • ضعف اﻹنفاق على قطاع التعليم: يسمح استخدام حلول التعليم عن بعد بتوجيه الموارد المالية والبشرية المتاحة نحو حلول منخفضة التكلفة وذات عائد مرتفع، سواء من حيث عدد الطلاب وتغطية الخدمة لكامل النطاق الجغرافي للدولة، ومن حيث مستوى الخدمة المقدمة. 

يتضح مما سبق أن التحول الرقمي يمكن أن يحمل حلولًا عملية لأغلب المشاكل التي تواجه التعليم في مصر اليوم. فيمكن استخدام وتوظيف التحول الرقمي بطرق مبتكرة وخارج الحدود التقليدية للشكل الذي كانت عليه العملية التعليمية طوال الأعوام الماضية. يستلزم ذلك قدرًا كبيرًا من المرونة التي تسمح بتغيير هذا الشكل لتعظيم الاستفادة من اﻹمكانيات التي يتيحها التحول الرقمي. 

الاستراتيجية الحكومية للتحول الرقمي في التعليم 

صرح وزير التربية والتعليم الحالي، دكتور رضا حجازي، في إطار ورشة عمل موضوعها “فهم مدى استعداد مصر الحالي للاستفادة من التكنولوجيا الرقمية لتحسين التعليم،” أن التوجه الاستراتيجي لوزارته هو العمل على أن يكون التحول الرقمي منخرطًا في العملية التعليمية وليس موازيًا لها. المقصود بذلك هو العمل على استخدام التكنولوجيا الرقمية في إطار البنية القائمة للعملية التعليمية بشكلها التقليدي، والمتمثلة في مثلث “المدرسة، المعلم، التلميذ”. 

كما أضاف الوزير أنه يمكن استخدام الحلول الرقمية في الآتي:

  • تدريب المعلمين على إنتاج مواد تعليمية رقمية.
  • استخدام منصات رقمية لتدريب المعلمين.
  • استبدال الكتب المطبوعة بمواد رقمية على الحواسيب اللوحية (التابلت) التي يتم توزيعها على طلاب المدارس الثانوية.
  • إجراء امتحانات الطلاب وعملية تصحيحها إلكترونيًا.
  • استخدام التكنولوجيا الرقمية في عمليات انتقاء المعلمين الجدد وفي ترقيتهم. 

تجربة استخدام الحواسيب اللوحية في مصر هي الملمح الأكثر بروزًا، وفي نفس الوقت، الأكثر إثارة للجدل لسياسات التحول الرقمي في التعليم خلال السنوات اﻷخيرة. كان لهذه التجربة حظوظًا مختلطة من النجاح والفشل، وإن كان الانطباع السائد لدى الرأي العام المصري حولها سلبيًا في معظمه.

تسبب استخدام الحواسيب اللوحية في المدارس في عدد من المشاكل. تعلقت أهم المشاكل بإجراء الامتحانات باستخدام الحواسيب اللوحية. يعتمد ذلك على الاتصال بشبكة الإنترنت واستخدام المواقع الإلكترونية التي خصصتها وزارة التربية والتعليم لهذا الغرض. أدى ضعف قدرة هذه المواقع على تحمل الضغط الهائل لاتصال عدد كبير من الطلاب بها في نفس الوقت، وكذلك عدم استقرار شبكات الواي فاي WiFi في المدارس إلى عرقلة عملية إجراء الامتحانات.

في المقابل، أبرزت دراسة أجريت حول تأثير استخدام الطلاب للحواسيب اللوحية أثرًا إيجابيًا في تنمية مهاراتهم التعليمية والتربوي. كما انعكس ذلك في معدلات التفاعل والاستيعاب. وأكدت دراسة أخرى، أجريت لتقييم تلقي كل من المعلمين والطلاب للتجربة، أن غالبية هؤلاء كانت لهم تصورات إيجابية حول التجربة.

توجد مشكلة رئيسية تحول دون أن يكون التحول الرقمي في التعليم أداة لضمان وصول أكبر للمواطنين إلى الحق في التعليم. تلك المشكلة هي الاستراتيجية القائمة على التمسك بالبنية التقليدية للعملية التعليمية مع استخدام التكنولوجيات الرقمية في إطارها. يؤدي ذلك إلى تقييد اﻹمكانيات التي تتيحها التكنولوجيات الرقمية وحصر الاستفادة منها في حدود ضيقة لا تمثل أفضل ما يمكن لهذه التكنولوجيات أن تقدمه.

على جانب آخر، تؤدي هذه الاستراتيجية إلى أن تكون تجارب ومبادرات التحول الرقمي ضحية للعديد من المشاكل الأخرى. يشمل ذلك المشاكل الهيكلية المزمنة للبنية القائمة للعملية التعليمية، وضعف اﻹمكانيات في هذه البنية وافتقادها إلى المرونة. كما تعاني تلك البنية من انخفاض كفاءة أغلب المنخرطين فيها، وهو ما يجعل حظوظ هذه المبادرات من النجاح محدودة.

التحول الرقمي والحق في العمل 

الحق في العمل هو مظلة واسعة لعديد من الحقوق التفصيلية. يتعلق ذلك بحق المواطنين في الحصول على فرصة عادلة ﻷن يستفيدوا من قدراتهم الطبيعية والمكتسبة في توفير دخل يسمح لهم بتغطية احتياجاتهم اﻷساسية، وكذلك بتحقيق تطلعاتهم لتنمية ذواتهم وللسعي إلى حياة سعيدة. 

توفير هذه الفرصة العادلة يتمثل أولًا في وجود فرص عمل مناسبة يتوافر لها شروط العائد العادل، وكذلك اشتراطات الاستقرار واﻷمان الوظيفي. وثانيًا في عدالة إمكانية الوصول إلى هذه الفرص دون تمييز بين المؤهلين لأداء الوظائف المتعلقة بها.

لكن، في ظل المنظومة الاقتصادية الرأسمالية السائدة عالميًا فإن اﻷنشطة الاقتصادية المختلفة تخلق علاقات عمل غير متكافئة بين أصحاب العمل وبين العاملين بأجر. لذلك، يحتاج ضمان أن يتحقق لفرص العمل شروط العائد العادل، والاستقرار، واﻷمان الوظيفي إلى استعادة التوازن بين طرفي علاقات العمل.

يمكن السعي إلى تحقيق ذلك من خلال جانبين:

  • أولًا: تشريع قوانين للعمل تلزم أصحاب العمل بتحقيق هذه الاشتراطات من خلال فرض حد أدنى للأجور، وحظر الفصل التعسفي، والمساهمة في صناديق التأمينات الاجتماعية.
  • ثانيًا: ضمان حق العمال في التعاون الجماعي للمطالبة بحقوقهم والسعي إلى تحسين ظروف عملهم من خلال تشكيل تنظيمات نقابية تنسق جهودهم الجماعية لتحقيق ذلك.

واقع الحق في العمل في مصر

شهد تمتع العمال بحقوقهم المختلفة في مصر تراجعًا كبيرًا مع انتهاج الدولة لسياسات ما سمي بالانفتاح في نهاية سبعينيات القرن الماضي. لحق ذلك توجه الدولة إلى الخصخصة والحد من تدخلها لتنظيم حركة السوق، وخاصة سوق العمل. أدت تلك السياسات إلى تراجع دور الدولة في خلق وتوفير فرص العمل، وإلى انخفاض كبير في نسبة العمالة التي تتمتع بالانتماء إلى كيانات نقابية.

كما أدى ذلك إلى تزايد نسبة الوظائف غير اﻵمنة، لتتخطى أكثر من نصف الوظائف في القطاعات الرسمية. وأخيرًا، انخفضت نسبة التزام أصحاب اﻷعمال بالمشاركة في الضمان الاجتماعي للعمال إلى أقل من النصف في جميع القطاعات الاقتصادية.

في اﻷقسام التالية تتناول الورقة جوانب مختلفة لعلاقة التحول الرقمي في مصر بالحق في العمل. تناقش الورقة إمكانية إسهام هذا التحول في حل المشاكل المتراكمة لسوق العمل المصري وتردي أحوال العمال وتراجع الضمانات المختلفة لحقوقهم. كما تتطرق إلى إمكانية إسهام التحول الرقمي في مفاقمة بعض المشاكل، وربما دفع ضمانات حقوق العمال نحو مزيد من التراجع.

التحول الرقمي والتغير الهيكلي لسوق العمل

يؤدي التحول الرقمي بمعناه العام إلى تعديل ملحوظ وبالغ العمق لعمليات اﻹنتاج والاستهلاك، وبالتالي لسوق العمل الذي يقوم على هذه العمليات. أدت إمكانية تداول السلع والخدمات من خلال اﻹنترنت إلى توافر فرص ﻷنشطة إنتاجية يمكن أن تمارسها كيانات اقتصادية متناهية الصغر، وأخرى فردية بمعدل أكبر كثيرًا من أي وقت سبق.

خلقت الإنترنت شكلًا جديدًا للإنتاج الصغير والحرفي يتحول مع الوقت إلى توجه نحو الصناعات متناهية الصغر. يعزز هذا التوجه تنامي سوق العمل الحر (Freelancing) من خلال اﻹنترنت. يعتمد ذلك على أن يوفر مهنيون في تخصصات مختلفة خدماتهم لعملاء نهائيون (end users) أو لجهات عمل دون الدخول في علاقة عمل مستديمة.

إضافة إلى ما سبق، تخلق اﻹنترنت بنفسها نوعًا جديدًا من اﻹنتاج، وهو ما يسمى بإنتاج المحتوى. يمكن لهذا المحتوى أن يتعلق بأي مجال؛ فهو قد يكون خبريًا، أو تعليميًا، أو ترفيهيًا، أو خليطا مما سبق. كما يمكن أن يٌقدَّم في عديد من الصور؛ فقد يكون مكتوبًا، أو مسموعًا، أو مرئيًا أو خليطًا من تلك الصور.

تتيح الإنترنت إمكانية تحويل المحتوى المقدم عليها إلى سلعة يمكن تسويقها والحصول على عائد مادي مقابل ذلك. قد يكون ذلك من خلال المواد اﻹعلانية المصاحبة، أو رعاية شركات معلنة بشكل مباشر، أو في صورة اشتراكات مباشرة. يخلق هذا مجالًا متسعًا من فرص العمل والتي لا تقتصر بأية حال على المتخصصين في مجالات بعينها أو على الحاصلين على مؤهلات تعليمية بأي مستوى.

يمكن ملاحظة التغيرات المشار إليها سابقًا في عمليات الإنتاج والتسويق وسوق العمل بشكل متزايد خلال العقد الأخير في مصر.

على الرغم من غياب دراسات إحصائية بهذا الخصوص إلا أن أعداد اﻷفراد والكيانات متناهية الصغر الذين يعرضون سلعًا للبيع من خلال اﻹنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي قد تزايدت بمعدل كبير. كذلك فإن أعداد منتجي المحتوى من المصريين على يوتيوب وتيك توك وغيرها قد تزايدت بمعدلات كبيرة.

موقف مؤسسات الدولة المصرية من مظاهر هذا التغير الهيكلي لسوق العمل يمكن القول بأنه سلبي في معظمه. تتعامل المؤسسات مع الأنشطة الممارسة على الإنترنت بقدر كبير من عدم الثقة نتيجة شعورها بصعوبة إحكام سيطرتها عليها. فتتراوح سياساتها تجاه هذه المظاهر ما بين محاولة فرض قدر من السيطرة عليها وإخضاعها للقواعد التي تخضع لها الممارسات الاقتصادية التقليدية، وما بين حرمان ممارسيها من تغطية الضمانات التي توفرها القوانين للممارسات التقليدية.

التحول الرقمي وسوق العمل التقليدي

ما تشير إليه هذه الورقة بسوق العمل التقليدي هو ذلك القائم على علاقات عمل تقليدية، حيث تخلق المؤسسات الاقتصادية، الصغيرة والمتوسطة والكبيرة الحجم، وظائف يلتحق بها العاملون مقابل أجور دورية. يلقى هذا السوق الاهتمام الأكبر من صناع السياسات الحكومية. ذلك ﻷنه لا يزال الأكثر تأثيرًا في المؤشرات الاقتصادية العامة، ومنها المتعلقة بمعدلات خلق الوظائف الجديدة. أحدث التحول الرقمي تغييرات هامة في هذا السوق من خلال التغييرات التي طالت عمليات اﻹنتاج، وعمليات إدارة اﻷعمال، والعمليات البنكية.

تزايد اعتماد اﻷعمال في شتى المجالات الاقتصادية على التكنولوجيات الرقمية خلق عديدًا من فرص العمل للمتخصصين في تطويع هذه التكنولوجيات للاستخدامات المختلفة، والقائمين على تشغيل وصيانة المكونات المادية والبرمجية. أصبح لهؤلاء مكان في العديد من المنشآت الاقتصادية التي أصبحت في حاجة إلى خدماتهم بشكل يومي في علمياتها الداخلية. كما أصبح لهم مكان بالضرورة في المنشآت الاقتصادية الجديدة التي تقدم خدمات مختلفة تتعلق بتشغيل وإدارة متطلبات استخدام التكنولوجيات الرقمية.

يؤدي التحول الرقمي المتسارع إلى نمو قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمعدلات مرتفعة في جميع أنحاء العالم. كما أنه القطاع الاقتصادي الأسرع نموًا في مصر حاليًا، وبالتالي المسؤول عن خلق عدد كبير من الوظائف الجديدة سنويًا. بلغ معدل نمو القطاع في مصر نحو 16.3٪، متجاوزًا بذلك جميع قطاعات الدولة المختلفة خلال العام المالي 2021/2022. ويوفر القطاع في الوقت الحالي 280 ألف وظيفة. لكن ما تمثله هذه الوظائف كنسبة إلى إجمالي حجم سوق العمل المصري يظل ضئيلًا، برغم نمو هذه النسبة من 1.4% في عام 2009 إلى 1.9% في عام 2021.

في مقابل الأثر المباشر للتحول الرقمي في نمو فرص التوظيف في قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات فإن أثره على نمو هذه الفرص في بقية القطاعات الاقتصادية ليس إيجابيًا في جميع الحالات. أحد المميزات الاقتصادية للتحول الرقمي هو جعل اﻷعمال أكثر كفاءة من حيث استخدام الموارد البشرية. يعني ذلك تحقيق عائد أعلى باستخدام موارد أقل، أي إنتاجية أكبر بعدد أقل من العمال. لذلك، ففي عديد من مجالات العمل يؤدي التحول الرقمي إلى خفض عدد الوظائف المتاحة.

كما يخلق التحول الرقمي من حيث نوع الوظائف فرص توظيف أكثر للعمالة المتخصصة أولًا والماهرة ثانيًا. في حين أنه لا يخلق إلا عددًا محدودًا من الوظائف للعمالة غير الماهرة، ويخفض الحاجة إليها بنسبة عالية.

بالنسبة لسوق العمل المصري، والذي قد اعتمد لفترة طويلة على خلق وظائف أكثر للعمالة غير الماهرة، فإن التوجه العام إلى التحول الرقمي يؤدي إلى تغير هيكلي في بنية سوق العمل ومتطلباته. من المتوقع أن يكون لذلك آثار سلبية كبيرة في المدى القصير، على أقل تقدير. ويمكن أن تمتد هذه اﻵثار إلى المدى البعيد إن لم يتم الدفع بسياسات وإجراءات تسمح بتوفير العمالة الملائمة للمتطلبات الجديدة لسوق العمل.

التحول الرقمي وحقوق العمال

يمكن للتحول الرقمي أن يسهم في عمليات حماية أكثر كفاءة لحقوق العمال. يشمل ذلك توفير قدرة أعلى لحفظ ومعالجة البيانات المتعلقة بعلاقات العمل، والتي تسمح بدورها للجهات الرقابية بقدرة أكبر على إلزام المنشآت الاقتصادية باحترام الحقوق القانونية للعاملين بها.

يعاني العمال في مصر ضعف واضح للراقبة على التزام جهات العمل في القطاع الخاص بحقوق قانونية، يشمل ذلك:

  • التثبيت والتعاقدات القانونية
  • الحد اﻷدنى للأجور والتأمينات الاجتماعية
  • معدل اﻹجازات الدورية والسنوية
  • ضبط معدلات ساعات العمل اﻹضافية ودفع مقابل عادل لها

استخدام التكنولوجيات الرقمية يمكن أن يساعد الجهات الرقابية في الحصول على معلومات عن مدى التزام جهات العمل بضمان هذه الحقوق.

بالإضافة إلى ذلك، يمكن للتحول الرقمي أن يمنح العمال سبل تواصل وتعاون أكثر مرونة تسمح لهم بتشكيل كيانات نقابية. العمل التنظيمي القائم على التواصل وتبادل المعلومات من خلال وسائل تتيحها التكنولوجيات الرقمية يمكنه مساعدة العمال في المجالات المختلفة على تنظيم سبل الدفاع عن حقوقهم بصورة أفضل. كما أنه قد يساعد العمال في قطاعات لم تكن بها تشكيلات نقابية قوية في وقت سابق على تجاوز عقبات إنشاء مثل هذه التشكيلات النقابية.

على جانب آخر، يسمح التحول الرقمي لعديد من مؤسسات الأعمال بالاعتماد على الصور التعاقدية المؤقتة للحصول على خدمات المهنيين المتخصصين في مجالات مختلفة. قد ينتج عن هذا انخفاض في عدد الوظائف الدائمة التي تخلقها تلك المؤسسات لهؤلاء المهنيين. يتسبب ذلك بدوره في خفض عدد الوظائف الخاضعة لقوانين العمل في مقابل تحويل هذه الوظائف إلى تعاقدات خالية من الضمانات لمن يقومون بأعمالها.

التحول الرقمي في مصر والحق في الصحة

يشمل الحق في الصحة في صورته الأساسية التزام الدولة بتوفير الحد اﻷدنى الكافي من خدمات الرعاية الصحية لجميع مواطنيها. يمثل هذا عبئًا كبيرًا بالنسبة للدول النامية ومنخفضة الدخل. ذلك نظرًا لارتفاع تكلفة توفير هذه الخدمات التي تتطلب توفير موارد بشرية عالية التخصص، وموارد مادية مثل المستشفيات، والوحدات الصحية، والتي يتطلب إنشاؤها وتجهيزها نفقات باهظة. كما تشمل الرعاية الصحية توفير الدواء، واتخاذ الإجراءات المطلوبة لمواجهة اﻷوبئة واﻷمراض المتوطنة والمزمنة ونشر التوعية الصحية بين المواطنين.

شهد قطاع الصحة في مصر تراجعًا كبيرًا في العقود اﻷخيرة، خاصة فيما يتعلق بالخدمات الصحية الحكومية والتأمين الصحي. يعتمد على تلك الخدمات غالبية المواطنين من ذوي الدخول المنخفضة الذين لا يمكنهم تحمل نفقات الخدمات التي يقدمها القطاع الخاص. تعاني المستشفيات الحكومية بصفة خاصة من معدلات عالية لتكدس المرضى، سواء المقيمين أو في أقسام الطوارئ والعيادات المتخصصة، ونقص فادح في التجهيزات والدواء والمستلزمات الطبية المختلفة.

يمكن للتحول الرقمي أن يساعد في حل عديد من المشاكل المزمنة لقطاع الصحة في مصر، خاصة إذا أمكن استغلال التكنولوجيات الرقمية بشكل مرن وخلاق في هذا القطاع. استخدام التكنولوجيات الرقمية في توفير الخدمات الطبية عن بعد، عندما يكون ذلك مناسبًا، يمكن أن يحد من معدلات التكدس في المستشفيات. يخفف ذلك من الضغط على أقسام الاستقبال والطوارئ في المستشفيات، ويخفف أيضًا من معاناة المرضى الذين يحتاجون إلى الانتقال إلى المستشفيات والانتظار لفترات طويلة.

يوجد في مصر توجه نحو رقمنة الخدمات الصحية. اتخذ هذا الأمر زخمًا أكبر مع أزمة جائحة كوفيد-19. بعض الشركات الناشئة بدأت العمل بالفعل خلال اﻷعوام الماضية في تقديم خدمات مثل إدارة الحالات المرضية المزمنة بمتابعة احتياجاتها الدوائية وغيرها باستخدام تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي والنظام الدولي لتحديد المواقع GPS. تتوجه مثل تلك المبادرات في القطاع الخاص إلى تقديم مستوى أعلى من الخدمات الصحية إلى شريحة ضيقة من المستفيدين ممن تتوفر لديهم القدرات المالية المناسبة.

التوجه اﻷكثر بروزًا لاستخدام التكنولوجيات الرقمية في مجال توفير الخدمات الصحية هو ما تقوده شركات ناشئة تقدم خدمات حجز زيارات المرضى لعيادات اﻷطباء من خلال تطبيقات الهاتف المحمول. كذلك تتجه عدة سلاسل كبرى للصيدليات لتوفير خدمات شراء الدواء من خلال تطبيقات الهاتف المحمول أيضًا.

في حين أن مثل تلك الخدمات بلا شك تجعل حصول بعض المرضى على احتياجاتهم من الخدمات الصحية أكثر سهولة إلا أن القطاع المستفيد منها من المواطنين يظل محدودًا. لكن يمكن الاستفادة من تجاربها لمحاولة تقديم خدمات مشابهة لقطاع أوسع من المواطنين من خلال خدمات صحية منخفضة التكلفة تمكن المرضى محدودي الدخل من الحصول على الاستشارات الطبية والدواء بتكلفة منخفضة.

خاتمة

الحقيقة الواضحة أن التوجه نحو التحول الرقمي هو الصفة الغالبة على عالمنا اليوم. سيمضي هذا التحول في طريقه، سواء تم ذلك بشكل تلقائي أو كنتيجة لتدخل الدولة لتوجيهه وتنظيمه والرقابة عليه لتحقيق استفادة أكبر منه. في ذلك اﻹطار، فإن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين المصريين ستتأثر لا محالة بهذا التحول. هذا اﻷثر هو خليط من اﻹيجابيات والسلبيات. 

تعرضت هذه الورقة لتعريف التحول الرقمي وكذلك الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. كما ناقشت الجوانب اﻹيجابية والسلبية للتحول الرقمي في مصر من حيث أثره على ثلاث من الحقوق الاقتصادية الرئيسية وهي الحق في التعليم والحق في الصحة والحق في العمل. وفي المحصلة، يمكن القول بأن ثمة إمكانيات هائلة لتسخير التكنولوجيات الرقمية لرفع مستوى تمتع المواطنين المصريين بحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية. لكن، يظل هذا الأمر متوقفًا على مدى توفر إرادة سياسية واضحة لتوجيه التحول الرقمي نحو تحقيق ذلك الهدف، وكذلك لإحداث التغييرات الهيكلية اللازمة على الخدمات الحكومية بحيث يمكن للتحول الرقمي أن يحقق اﻷثر المأمول منه.