قضايا النساء على منصات التواصل الاجتماعي في مصر: ديناميكيات الجدل وحدوده

القسم:

تاريخ النشر:

أغسطس 10, 2026

تاريخ النشر:

أغسطس 10, 2026

مقدمة

تتيح منصات التواصل الاجتماعي مساحة واسعة للتعبير والمشاركة في المجال العام. ويُقصد بالمجال العام هنا المساحة التي يمكن أن تصل فيها التعبيرات التي ينتجها الأفراد، بمختلف صورها، إلى عدد كبير من الناس. حتى وقت قريب، كان وصول تعبيرات الأفراد إلى هذا المجال يتطلب استخدام وسائل مثل الصحف والإذاعة والتلفزة، والأعمال الأدبية وغير الأدبية المنشورة، والأعمال الفنية التي يتاح عرضها في المتاحف والمعارض العامة. وكان نطاق الجمهور الذي تصل إليه هذه التعبيرات يتفاوت تبعًا لحدود اقتصادية واجتماعية وثقافية وجغرافية ولغوية.

وسّعت شبكة الإنترنت نطاق الوصول إلى المجال العام، إذ تتيح لمليارات البشر استخدام منصات التواصل الاجتماعي، كما تتيح لكل مستخدم إنتاج تعبيراته الخاصة باستخدام وسائط وأدوات متعددة. ويمكن لهذه التعبيرات، نظريًا على الأقل، أن تصل إلى جميع مستخدمي المنصة نفسها.

مع ذلك، لا تصل التعبيرات التي ينتجها مستخدم على إحدى منصات التواصل الاجتماعي إلى مجمل مستخدمي المنصة. فاللغة والاختلافات الثقافية، إلى جانب عوامل أخرى، تسهم في تقسيم المجال العام على هذه المنصات إلى فضاءات فرعية. كما تؤثر طريقة عمل المنصات في رسم الحدود بين هذه الفضاءات، إذ ترشّح المحتوى للمستخدمين استنادًا إلى عوامل من بينها اللغة والموقع الجغرافي والاهتمامات المشتركة.

يسمح ذلك بتمييز مجالات عامة رقمية ترتبط بوحدات جغرافية أو ثقافية معينة. ويمكن، على سبيل المثال، الحديث عن فضاء رقمي عربي تجمع مستخدميه اللغة المشتركة وإمكانية فهم المحتوى المنتج بها، إلى جانب قدر من التقارب الثقافي. ويمكن كذلك تمييز فضاء رقمي مصري يرتبط بالثقافة المشتركة والاهتمامات اليومية والقضايا التي تشغل المجتمع.

يتشكل هذا الفضاء الرقمي المصري من المحتوى الذي ينتجه المصريون ويستهلكونه عبر منصات التواصل الاجتماعي، ويتيح لهم مناقشة القضايا التي تهمهم. وتشغل قضايا النساء مساحة بارزة من النقاش والجدل داخل هذا الفضاء، مقارنة بكثير من القضايا الأخرى. ترتبط قضايا النساء في مصر والعالم بحساسيات خاصة، إذ تتصل القضايا الجندرية بهوية الأفراد وبالأدوار والتوقعات الاجتماعية المرتبطة بها. وتكتسب هذه القضايا في الحالة المصرية حساسيات إضافية نتيجة تداخل عوامل اجتماعية وثقافية واقتصادية تراكمت عبر فترات زمنية مختلفة.

أتاحت منصات التواصل الاجتماعي في السياق المصري مساحة واسعة لظهور هذه الحساسيات والتعبير عنها والتفاعل حولها بصورة يصعب أن تتوافر بالقدر نفسه في مساحات عامة أخرى. وأسهم ذلك في تشكيل طبيعة خاصة للنقاش والجدل حول قضايا النساء. وتتكون هذه الطبيعة من تفاعل موقع قضايا النساء داخل ثقافة المجتمع مع آليات عمل منصات التواصل الاجتماعي، إضافة إلى أنماط استخدام المصريين لهذه المنصات. وينتج عن هذا التفاعل مشهد مركب تتداخل فيه عوامل اجتماعية وثقافية وتقنية ومؤسسية تؤثر في اتجاهات الجدل وحدوده.

تتناول هذه الورقة ثلاثة عناصر رئيسية تؤثر في الجدل حول قضايا النساء على منصات التواصل الاجتماعي في مصر. يتعلق العنصر الأول بديناميكيات استخدام المصريين لهذه المنصات وتفاعل أنماط الاستخدام مع آليات عملها. ويتناول العنصر الثاني المحددات الخاصة بقضايا النساء في مصر والحدود التي تفرضها على إمكانات الحوار المجتمعي حولها. أما العنصر الثالث فيتناول دور مؤسسات الدولة في التعامل مع قضايا النساء، وتأثير هذا الدور في رسم حدود النقاش حولها.

وتبحث الورقة كذلك خصائص التفاعل حول قضايا النساء على منصات التواصل الاجتماعي في السياق المصري من خلال ثلاثة ملامح رئيسية. يتمثل الأول في قدرة بعض آليات التفاعل على تعميق الانحيازات المسبقة، إلى جانب ما تتيحه المنصات من فرص لتقريب وجهات النظر المختلفة. ويتعلق الثاني بجهود المناصرة الرامية إلى تحسين ظروف النساء في مصر وتعزيز المساواة الجندرية، في مواجهة الخطابات المضادة للنسوية ولحقوق المرأة، أو المعادية للنساء بصفة عامة. أما الملمح الثالث فيتمثل في استخدام منصات التواصل الاجتماعي لاستدعاء مؤسسات الدولة ومطالبتها بالتدخل لحماية النساء ومواجهة صور التمييز والعنف التي يتعرضن لها.

كما تعرض الورقة الجوانب الإيجابية والسلبية للجدل حول قضايا النساء على منصات التواصل الاجتماعي في مصر، ثم تناقش الاتجاهات المحتملة لتطوره مع استمرار التغيرات في التكنولوجيا الرقمية. ومن المتوقع أن تؤثر هذه التغيرات في تجربة استخدام منصات التواصل الاجتماعي وفي آليات إنتاج المحتوى وتوزيعه والتفاعل معه، بما ينعكس على طبيعة الجدل حول قضايا النساء ومساراته وحدوده.

ديناميكيات التفاعل على منصات التواصل الاجتماعي في مصر

يتشكل التفاعل على منصات التواصل الاجتماعي في مصر من تداخل عوامل اجتماعية وثقافية مع آليات عمل المنصات نفسها. وترتبط المجموعة الأولى من هذه العوامل بطبيعة المجتمع المصري وتركيبته الاجتماعية والثقافية، وباختلاف حضور الفئات الاجتماعية ونشاطها على المنصات. أما آليات المنصات فتشمل خوارزميات ترشيح المحتوى، التي تحدد بدرجات متفاوتة ما يظهر للمستخدمين استنادًا إلى بيانات واهتمامات وتفاعلات سابقة، إلى جانب الاعتبارات المرتبطة بالترويج والإعلانات المدفوعة.

تؤثر خصائص المحتوى وأنماط التفاعل بدورها في شكل النقاشات التي تجري عبر هذه المنصات. ويعتمد جانب كبير من المحتوى المتداول على الصور ومقاطع الفيديو القصيرة، إلى جانب إعادة نشر محتوى أنتجه آخرون والتعليق عليه أو إعادة استخدامه في سياقات مختلفة. كما تتيح المنصات أشكالًا سريعة من التفاعل، مثل التعليقات وإشارات التفاعل وإعادة النشر، بما يسمح للمستخدمين بالمشاركة في نقاش قائم دون الحاجة إلى إنتاج محتوى مستقل أو طرح مفصل.

تتفاعل هذه الأنماط مع أنظمة توصية المحتوى التي تعتمد، من بين عوامل أخرى، على تفاعلات المستخدمين وانتشار المنشورات. يسهم هذا التفاعل بين خصائص المجال الاجتماعي المصري، وآليات عمل المنصات، وأنماط إنتاج المحتوى وتداوله، في تشكيل البيئة التي يدور داخلها الجدل حول قضايا النساء. وتساعد هذه البيئة في تفسير بعض السمات التي تتناولها الأقسام التالية، ومنها تعميق الانحيازات، وانتشار الخطابات المؤيدة أو المعادية لحقوق النساء، وتحول بعض الوقائع إلى موضوعات تحظى باهتمام واسع على المنصات.

قضايا النساء في مصر: حدود الحوار والجدل

يتأثر النقاش حول قضايا النساء في مصر بعوامل اجتماعية وثقافية ودينية وقانونية تؤثر في مساحته وفي اللغة المستخدمة فيه. وتسهم البنى الأبوية والتصورات الذكورية في تشكيل بعض المواقف من أدوار النساء وحقوقهن، كما تحضر المرجعيات الدينية في عدد من النقاشات المتعلقة بهذه القضايا. وقد تفرض هذه العوامل قيودًا على بعض مسارات الحوار، خصوصًا عندما تُقدَّم مواقف معينة باعتبارها متعارضة مع أحكام دينية أو أعراف اجتماعية مستقرة.

تختلف طبيعة النقاش بحسب القضية المطروحة. فالقضايا المرتبطة بمشاركة النساء في المجال العام، مثل العمل والدراسة والتحرش، تتداخل فيها اعتبارات اجتماعية وقانونية، وقد تحضر فيها المرجعيات الدينية أيضًا. ويزداد حضور هذه المرجعيات في النقاشات المتعلقة بالزواج والأسرة، حيث ترتبط جوانب من التشريعات المنظمة للأحوال الشخصية بأحكام الشريعة الإسلامية. ويظهر ذلك في النقاش حول قضايا مثل الخلع والنفقة والعنف داخل الأسرة، إذ تُستدعى آراء فقهية ومواقف مؤسسات دينية، مثل دار الإفتاء المصرية، لتأييد مواقف مختلفة، بينما يعترض بعض المشاركين على هذه الآراء أو على تطبيقها في قضايا بعينها.

تنتقل هذه المحددات إلى منصات التواصل الاجتماعي وتؤثر في طبيعة النقاش حول قضايا النساء عليها. فقد يتعرض المشاركون، وبصفة خاصة المدافعون عن حقوق النساء، للوصم بمخالفة الدين أو لمزاعم مخالفة القانون. وقد يصاحب ذلك عنف لفظي أو تهديدات تمس أمن الأفراد وسلامتهم. يساعد فهم هذه القيود على تفسير جانب من الاستقطاب والعنف الرقمي الذي يظهر في التفاعلات حول قضايا النساء على المنصات، وهو ما تتناوله الأقسام التالية من الورقة.

دور مؤسسات الدولة في التعامل مع قضايا النساء في مصر

لا يقتصر تعامل مؤسسات الدولة مع قضايا النساء في مصر على الدور التشريعي، وإنما يشمل ممارسات وإجراءات على أرض الواقع، إلى جانب الخطاب الذي تقدمه هذه المؤسسات عبر وسائل التواصل المختلفة. وتمثل منصات التواصل الاجتماعي إحدى الساحات التي تمارس من خلالها مؤسسات الدولة بعض هذه الأدوار، بما يمكن أن يؤثر في مسارات النقاش حول قضايا النساء على المنصات.

تتدخل مؤسسات مختلفة في القضايا المرتبطة بوضع النساء في المجتمع والأسرة. ويختص بعضها بصورة مباشرة بقضايا النساء، مثل المجلس القومي للمرأة. ويرتبط اختصاص بعضها الآخر، مثل المجلس القومي للأمومة والطفولة، بقضايا الأمومة والطفولة، وهو ما يعكس حضور التصور التقليدي الذي يربط أدوار النساء بمسؤولية رعاية الأطفال.

وتتدخل الأجهزة الأمنية أيضًا في قضايا مرتبطة بالنساء، سواء تعلقت بأفعال مجرَّمة قانونًا، مثل التحرش والعنف ضد النساء، أو بسلوكيات يجري تكييفها قانونيًا لتندرج تحت نصوص عقابية بصورة تعسفية. ويشمل النوع الثاني إجراءات تستهدف ضبط سلوك النساء في المجال العام وفق معايير أخلاقية محافظة، مع تفاوت في تطبيق هذه الإجراءات بين الفئات الاجتماعية. ومن أمثلة ذلك القبض على صانعات محتوى على منصة تيك توك بتهمة «الاعتداء على قيم الأسرة المصرية».

تسهم هذه الأدوار في تشكيل حدود النقاش حول قضايا النساء في مصر. ويظهر ذلك في الخطاب الذي يعيد التأكيد على الأدوار التقليدية للمرأة كزوجة وأم وربة أسرة، وكذلك في إجراءات ضبط السلوك في المجال العام التي تستهدف النساء، مع وجود تفاوت طبقي في تطبيقها. ويؤثر حضور مؤسسات الدولة بهذه الصور في طبيعة النقاش الدائر حول قضايا النساء، بما في ذلك النقاش الذي يجري عبر منصات التواصل الاجتماعي.

تسهم أدوار مؤسسات الدولة في التعامل مع قضايا النساء في مصر في رسم وتأكيد حدود ومحددات الحوار حول هذه القضايا، بداية من التأكيد على الدور التقليدي للمرأة في المجتمع كزوجة وأم وربة أسرة وصولًا إلى خضوع النساء بصفة حصرية لإجراءات الضبط السلوكي في المجال العام مع التأكيد على التفاوت الطبقي عند تطبيق هذه الإجراءات.

خصائص التفاعل حول قضايا النساء على منصات التواصل الاجتماعي

يتناول هذا القسم، من خلال نماذج مرتبطة بقضايا النساء، أنماط التفاعل حول هذه القضايا على منصات التواصل الاجتماعي في مصر. كما يناقش بعض خصائص عمل المنصات وتأثيرها في هذا التفاعل، وطبيعة حضور مؤسسات الدولة في فضاء التواصل الاجتماعي، وكيف تتعامل الأطراف المختلفة مع هذا الحضور باستخدام الأدوات التي تتيحها المنصات.

تعميق الانحيازات وإمكانات تقريب وجهات النظر

تؤثر آليات ترشيح المحتوى في نوعية المواد التي يتعرض لها المستخدمون، وقد تسهم في تعزيز الانحيازات القائمة لديهم وتقليل تعرضهم لمواقف مختلفة. وترتبط بذلك ظاهرة «غرف الصدى» ، وهي بيئات رقمية يتعرض فيها المستخدم بصورة متكررة لآراء ومحتوى ينسجم مع مواقفه السابقة، بينما تقل فرص تعرضه لوجهات نظر مختلفة، بما قد يسهم في تعزيز الانحيازات القائمة. وتعتمد خوارزميات ترشيح المحتوى، ضمن عوامل أخرى، على التفضيلات التي تستنتجها من تفاعلات المستخدم السابقة. لذلك قد يؤدي التفاعل المتكرر مع محتوى معادٍ للنسوية، على سبيل المثال، إلى ظهور مزيد من المحتوى المشابه للمستخدم.

يظهر أثر هذه الديناميكيات أيضًا في المجموعات التي تنشأ حول مواقف محددة من قضايا النساء عمومًا أو من قضايا بعينها. وفي الوقت نفسه، تبدو المساحات التي تجمع أفرادًا يتبنون مواقف مختلفة وتتيح لهم نقاشًا مشتركًا حول هذه القضايا محدودة إلى حد كبير.

وقد تتسم بعض النقاشات بالحدة في المفردات والتوصيفات المستخدمة، بما يسمح بإعادة استخدام منشورات أحد الأطراف لتعزيز المواقف العدائية لدى الطرف الآخر. كما قد تزيد فرص انتشار المحتوى الأكثر حدة عندما يجذب قدرًا أكبر من التفاعلات، تبعًا لآليات التوصية والترشيح التي تستخدمها المنصات.

تواجه خوارزميات المنصات كذلك صعوبة في تفسير الدلالة المقصودة من بعض أشكال التفاعل، إذ لا يعكس نوع التفاعل دائمًا موقف المستخدم من المحتوى بصورة دقيقة. فعلى سبيل المثال، يمكن لعدد كبير من التفاعلات باستخدام رمز «أغضبني» أن يخفض معدل ترشيح منشور وربما يؤدي إلى الحد من ظهوره، رغم أن المستخدمين قد يقصدون التعبير عن غضبهم من الواقعة التي يتناولها المنشور، لا من المنشور نفسه. كما يُستخدم رمز «أضحكني» في بعض الحالات للسخرية من المنشور أو صاحبه. وقد يتحول الإغراق المتعمد لمنشور بتفاعلات ساخرة إلى شكل من أشكال العنف المعنوي، بحسب طبيعة المحتوى والسياق الذي نُشر فيه. ويظهر هذا السلوك بصفة خاصة في التفاعل مع منشورات تتناول حالات التحرش أو العنف ضد النساء.

تتيح منصات التواصل الاجتماعي أشكالًا من التفاعل العدائي لا تتطلب من المستخدم سوى قدر محدود من الوقت أو الجهد. وقد يشجع ذلك على التفاعل السريع والسطحي مع المحتوى، ويحد من فرص تطوير نقاش أكثر تفصيلًا بين أصحاب المواقف المختلفة، بما قد يسهم في تعزيز الانحيازات القائمة بينهم.

جهود المناصرة والخطاب المضاد

تستخدم منظمات ومجموعات نسوية، إلى جانب ناشطات نسويات مستقلات، منصات التواصل الاجتماعي كوسيلة رئيسية، وأحيانًا وحيدة، لإثارة قضايا النساء في مصر. وتعتمد بعض المنظمات والمجموعات النسوية على حملات منظمة للمناصرة حول قضايا محددة، من بينها المطالبة بتعديل قانون الأحوال الشخصية ومواجهة التحرش في الأماكن العامة.

وتميل الناشطات النسويات المستقلات إلى تناول قضايا النساء من خلال الوقائع التي تتجدد بصورة مستمرة، مثل حالات قتل النساء على أيدي أزواجهن أو آبائهن أو غيرهم من أفراد أسرهن. وتُستخدم هذه الوقائع للفت الانتباه إلى تزايد العنف ضد النساء، وإلى أشكال الحماية الاجتماعية التي قد يتمتع بها بعض الرجال عند ممارسة العنف ضد نساء من أسرهم، فضلًا عما يُنظر إليه باعتباره تساهلًا في بعض الأحكام القضائية الصادرة بحق مرتكبي جرائم العنف ضد النساء عندما يكون الجناة من ذويهن.

يبدو نشاط المنظمات النسوية المؤسسية على منصات التواصل الاجتماعي أقل مرونة من حيث الصيغ والأدوات المستخدمة مقارنة بنشاط الناشطات المستقلات. وتميل الناشطات المستقلات إلى استخدام أدوات تساعد على توسيع نطاق انتشار المحتوى، ومنها مقاطع الفيديو. يتيح ذلك لهن النشر على منصات تعتمد بدرجة كبيرة على هذا النوع من المحتوى، مثل تيك توك، وكذلك على منصات أخرى أصبح الفيديو عنصرًا أساسيًا فيها، مثل إنستجرام وفيسبوك. كما تتيح لهن القدرة على التفاعل اليومي مع الوقائع المستجدة نشر محتوى بوتيرة أكبر، بما قد يزيد من فرص وصوله وتأثيره.

أتاحت منصات التواصل الاجتماعي أيضًا مساحة لتشكل مجموعات معادية للنسوية. وتنشط هذه المجموعات من خلال صفحات مخصصة لهذا الغرض، يهاجم بعضها النسوية بصورة عامة، بينما يستهدف بعضها فئات محددة من النساء، وتركز صفحات أخرى على قضايا خلافية بعينها، مثل حقوق حضانة الأطفال، ورفض حق الزوجة في الحصول على الطلاق عن طريق الخلع.

وتعلّق هذه الصفحات على الوقائع اليومية المرتبطة بموضوعات اهتمامها، كما تتابع منشورات الناشطات النسويات والمنظمات والمؤسسات المعنية بقضايا النساء، مثل المجلس القومي للمرأة، إلى جانب مواقف جهات رسمية ودينية في الدولة، مثل دار الإفتاء المصرية ومشيخة الأزهر. وتستخدم بعض هذه الصفحات السخرية وقد يصل الخطاب المنشور عليها إلى السباب وتوجيه الاتهامات وأشكال أخرى من العنف اللفظي.

وينشط أفراد يحملون مواقف معادية للنسوية أو للنساء من خلال حساباتهم الشخصية، سواء عبر نشر محتوى خاص بهم أو متابعة منشورات الناشطات والمنظمات النسوية والتعليق عليها بكثافة. ويستخدم بعضهم الأساليب نفسها، بما في ذلك السخرية والتعريض والعنف اللفظي.

استدعاء مؤسسات الدولة

تزايد حضور مؤسسات الدولة على منصات التواصل الاجتماعي من خلال الصفحات الرسمية، إلى جانب تخصيص موارد بشرية لمتابعة ما يُنشر على هذه المنصات لأسباب وأغراض مختلفة. وقد شجع ذلك عددًا من المستخدمين على الاستفادة من المنصات كوسيلة سريعة للفت انتباه المؤسسات إلى وقائع بعينها ومطالبتها بالتعامل معها، مع توقع أن يؤدي الانتشار الواسع للمحتوى إلى زيادة فرص الاستجابة. ويساعد على ذلك تزايد استخدام المواطنين والمواطنات للهواتف الذكية في تصوير مقاطع فيديو توثق وقائع قد تمثل جرائم أو انتهاكات جسيمة، سواء وقعت لهم أو لغيرهم، ونشر هذه المقاطع عبر منصات التواصل الاجتماعي.

وأصبح النشر عبر منصات التواصل الاجتماعي في مصر وسيلة للضغط على مؤسسات الدولة لاتخاذ إجراءات تجاه وقائع محددة. ويسعى المعنيون بهذه الوقائع إلى توسيع نطاق انتشارها من خلال تكثيف النشر، واستخدام الوسوم، والجمع بين وسائط مختلفة للوصول إلى عدد أكبر من المستخدمين. وتأتي وزارة الداخلية المصرية في مقدمة مؤسسات الدولة التي تتابع ما يُنشر على منصات التواصل الاجتماعي وتتخذ إجراءات بشأن بعض الوقائع التي تحظى بالانتشار عليها، مع السعي إلى الاستجابة لها بسرعة.

ومن أكثر الوقائع المرتبطة بقضايا النساء التي يُستدعى تدخل مؤسسات الدولة بشأنها حالات التحرش والعنف ضد النساء في الأماكن والمواصلات العامة، وكذلك حالات العنف داخل المنازل. وتفضل كثير من النساء اللاتي يتعرضن لهذه الوقائع لفت انتباه المؤسسة المعنية من خلال منصات التواصل الاجتماعي على اللجوء إلى المسارات التقليدية، مثل الإبلاغ في قسم الشرطة أو الاتصال بالنجدة. ويرتبط هذا التفضيل أساسًا بشيوع عدم الثقة في حصول البلاغ المقدم بالطرق المعتادة على الاهتمام الكافي، أو التخوف من التعامل معه بطريقة قد تهدر حقوق المعتدى عليها أو تعرضها للخطر.

ويترتب على متابعة بعض مؤسسات الدولة للمحتوى المنشور عبر المنصات آثار مختلفة على قضايا النساء. فمن صور هذه المتابعة ملاحقة صانعات المحتوى، خصوصًا على منصة تيك توك، بتهم من بينها «التعدي على قيم الأسرة المصرية»، استنادًا إلى تقييمات محافظة لملابسهن وسلوكياتهن. ومع تزايد أعداد الفتيات والنساء اللاتي يواجهن هذه الاتهامات، أصبحت هذه الملاحقات إحدى القضايا المرتبطة بحقوق النساء في مصر، كما يظهر في تطبيقها بعد طبقي يرتبط باختلاف الفئات الاجتماعية المستهدفة بهذه الإجراءات.

كما يمكن للنشر عن وقائع مرتبطة بقضايا النساء أن يحول الواقعة إلى قضية تحظى باهتمام عام واسع. وقد يؤدي ذلك إلى سرعة استجابة المؤسسات واتخاذ إجراءات بشأن بعض الوقائع، لكنه قد يعرض النساء المعتدى عليهن أيضًا لهجمات من مستخدمين آخرين. وقد يشمل ذلك تعقب حسابات الشاكيات على منصات التواصل الاجتماعي والبحث في محتواها الشخصي عن مواد يمكن استخدامها للإساءة إلى سمعتهن، مستفيدين من أحكام اجتماعية محافظة تتعلق بسلوك النساء وسمعتهن.


بين الإيجابيات والسلبيات ومؤشرات المستقبل


الجوانب الإيجابية

تتيح منصات التواصل الاجتماعي مساحة مشتركة يمكن أن تصل من خلالها آراء الأطراف المختلفة إلى بعضها بعضًا. وبرغم الحدود والعوائق التي ناقشتها الأقسام السابقة، تظل هناك إمكانية لتقريب وجهات النظر بين بعض الأفراد المختلفين في مواقفهم من قضايا النساء. كما تتيح هذه المنصات لفئات اجتماعية مختلفة المشاركة في النقاش، بما يوفر فرصًا لتلاقي أصحاب الآراء المختلفة والمتعارضة، وإن ظلت هذه الفرص محدودة.

وتجمع منصات التواصل الاجتماعي أفرادًا وجماعات ومنظمات معنية بقضايا النساء في مصر، إلى جانب حضور مؤسسات الدولة ذات الصلة بهذه القضايا. ويتيح ذلك إمكانية التواصل مع هذه المؤسسات بصورة مباشرة أو غير مباشرة. ويمكن استخدام هذه المساحة أيضًا لمحاولة التأثير في مواقف المؤسسات من بعض قضايا النساء، سواء من خلال الضغط لزيادة اهتمامها بهذه القضايا أو المطالبة بتعديل بعض الممارسات المرتبطة بها.

وتشير تجارب سابقة إلى إمكانية تحقيق هذا النوع من التأثير بدرجات متفاوتة. ومن أمثلة ذلك حصول سيدة على حكم بإدانة إدارة أحد الفنادق بالتمييز ضدها بسبب رفض استضافتها دون مرافق. وقد أسهم طرح الواقعة على منصات التواصل الاجتماعي والتفاعل الواسع معها في لفت الانتباه إليها ودعم انتقالها إلى المسار القضائي.

الجوانب السلبية

تشمل الجوانب السلبية تعميق الانحيازات، وزيادة حدة العنف الرقمي ضد النساء، وإعادة إنتاج الصور النمطية، ودعم بعض التوجهات المحافظة والمعارضة لحقوق النساء، إلى جانب استخدام منصات التواصل الاجتماعي للضغط على مؤسسات الدولة لاتخاذ مواقف قد تؤثر سلبًا في حقوق النساء أو في المكتسبات القائمة.

وتسهم آليات مثل غرف الصدى في تعميق الانحيازات المسبقة وتقليل فرص التفاعل بين أصحاب المواقف المختلفة من قضايا النساء. وقد يصبح جانب من هذا التفاعل مقتصرًا على السخرية والإهانات المتبادلة بدلًا من النقاش حول القضايا المطروحة. ويمكن أن تسهم هذه البيئة في زيادة العنف الرقمي الموجه ضد النساء على منصات التواصل الاجتماعي في مصر، كما تساعد على إعادة إنتاج صور نمطية تنتقص من النساء أو تقدمهن بصورة سلبية.

ويمكن كذلك استخدام استدعاء مؤسسات الدولة عبر منصات التواصل الاجتماعي في اتجاهات مختلفة. فبينما يثمن المدافعون عن حقوق النساء تدخل الأجهزة الأمنية في حالات التحرش والعنف ضد النساء، يؤيد أصحاب الخطابات المعادية للنساء إجراءات ضبط السلوك التي تتخذها الأجهزة نفسها ضد بعض النساء. وقد يسعى بعض هؤلاء إلى لفت انتباه المؤسسات الأمنية إلى محتوى منشور على المنصات بهدف اتخاذ إجراءات قانونية ضد النساء على أساس سلوكهن أو ملابسهن.

مؤشرات المستقبل والتطلعات والمحاذير

شهدت منصات التواصل الاجتماعي منذ ظهورها تغيرات متتالية في خصائصها وطريقة استخدامها. ويرتبط جانب من هذه التغيرات بتطور التكنولوجيا الرقمية، الذي يؤثر في تصميم المنصات وأدواتها وآليات توزيع المحتوى عليها خلال فترات زمنية متقاربة.

أسهم ارتفاع سرعات الاتصال بالإنترنت واتساع نطاق الوصول إليه في زيادة حضور المحتوى المرئي ومقاطع الفيديو مقارنة بالمحتوى النصي. كما أدى تطور الأجيال الأولى من خوارزميات الذكاء الاصطناعي إلى استخدامها على نطاق واسع في ترشيح المحتوى وجمع البيانات المتعلقة بتفضيلات المستخدمين وتوجهاتهم. وأدت هذه التطورات إلى تغير تجربة استخدام منصات التواصل الاجتماعي مقارنة بما كانت عليه قبل عدة أعوام، كما أثرت في إمكان استخدام هذه المنصات مساحات للنقاش حول القضايا المختلفة.

ويبرز حاليًا انتشار نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي وإدماجها ضمن الأدوات المتاحة للمستخدمين، سواء داخل بعض منصات التواصل الاجتماعي أو من خلال خدمات وأدوات تعمل خارجها. ويصاحب ذلك تزايد المحتوى المنشور على المنصات الذي تُستخدم نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي في إنتاجه أو المساهمة في إنشائه.

ويمكن توظيف نماذج الذكاء الاصطناعي في إنتاج أشكال جديدة من التعبير الفردي والجماعي وفي حملات التوعية المتعلقة بالدفاع عن حقوق النساء والمطالبة بالمساواة الجندرية. وقد تساعد بعض أشكال هذا المحتوى على الوصول إلى جمهور أوسع، بما يزيد فرص وصول الخطابات المؤيدة لحقوق النساء إلى مستخدمين لا يتعرضون لها عادة، ويسهم في تقليل العزلة بين أطراف النقاش حول قضايا النساء في مصر.

وقد يُستخدم الذكاء الاصطناعي التوليدي أيضًا بطريقة تعزز بعض الانحيازات القائمة، كما تتيح هذه النماذج إمكانات أوسع لإساءة الاستخدام، خاصة في تشويه السمعة ونشر المعلومات الكاذبة. وتظهر هذه الممارسات بالفعل في النقاشات والصراعات المرتبطة بقضايا النساء، ويمكن أن تترتب عليها مخاطر خاصة في السياق الاجتماعي المصري، إذ قد تؤدي الشائعات أو المواد المصطنعة التي تتناول السلوك الشخصي أو الأخلاقي للنساء إلى تعريضهن لأشكال من العنف أو الإساءة.

ويمكن كذلك استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في إدارة المحتوى على منصات التواصل الاجتماعي للكشف عن بعض أشكال العنف الجندري الرقمي وتشويه السمعة والحد من انتشارها. وقد يسهم تطبيق هذه الأدوات بصورة فعالة ودقيقة في تقليل المحتوى المسيء والعنيف، بما يتيح مساحة أكبر للنقاش حول قضايا النساء ويحد من بعض العوائق التي تعوق مشاركة أطراف مختلفة فيه.