مذكرة دفوع موضوعية في جريمة الانتفاع بدون حق بخدمات الاتصالات والبث
القسم:
التقنية والقانون
تاريخ النشر:
يوليو 20, 2026

مقدمة
يُعدّ الحق في الانتفاع بخدمات الاتصالات وتقنية المعلومات امتدادًا لحقوق دستورية أوسع، في مقدمتها الحق في الاتصال، والحق في الخصوصية، وحرية تداول المعلومات، وضمانات المحاكمة العادلة. وقد عالج الدستور المصري الصادر عام 2014 هذه الحقوق في مواده (57، 65، 68، 92، 93)، مؤكدًا أن حماية الحياة الخاصة، والاتصالات، وبيانات الأفراد حق لا يجوز المساس به إلا في الحدود التي رسمها الدستور، وبالقدر اللازم لتحقيق غرض مشروع، وبموجب إذن قضائي مسبب.
ورغم هذا الإطار الدستوري، استحدث قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 نموذجًا جنائيًا في المادة (13) تحت عنوان: “الانتفاع بدون حق بخدمات الاتصالات والمعلومات وتقنيتها”.
ويقوم هذا النص على تجريم فعل محدد الوسيلة، إذ يشترط أن يتحقق الانتفاع بغير حق عن طريق شبكة أو نظام معلوماتي أو إحدى وسائل تقنية المعلومات، بما يجعل الوسيلة التقنية عنصرًا جوهريًا من عناصر الركن المادي للجريمة، فلا تقوم في غيابها.
إلا أن التطبيق العملي للمادة (13) كشف عن إشكاليات، من أبرزها التوسع في تطبيقها على صور من المنازعات أو المخالفات التقليدية، مثل عرض محتوى مشفر داخل منشآت أو استخدام اشتراكات غير مرخصة، دون التحقق من استخدام الوسيلة التقنية التي يتطلبها النص. ويؤدي هذا التوسع إلى الإخلال بمبدأ الشرعية الجنائية، وفتح المجال لمساءلة جنائية تستند إلى الافتراض بدلًا من دليل فني يقيني، فضلًا عن المساس بالضمانات الدستورية المتعلقة بالتفتيش الرقمي وحجية الأدلة الإلكترونية.
وتزداد هذه الإشكاليات عندما يُبنى الاتهام على محاضر ضبط تخلو من تقرير فني مختص، أو على إجراءات فحص أو نفاذ إلى محتوى الأجهزة أُجريت دون إذن قضائي مسبب. ففي هذه الحالة، لا يقتصر الأمر على ضعف الدليل، وإنما يمتد إلى مخالفة الضمانات الدستورية التي تحكم جمع الأدلة الرقمية، بما يمس الحق في الخصوصية وضمانات المحاكمة العادلة.
في هذا السياق، تصدر مسار هذه المذكرة الاسترشادية لتقديم قراءة منضبطة لجريمة “الانتفاع بدون حق بخدمات الاتصالات والمعلومات وتقنيتها”، وبيان حدودها القانونية، وشروط قيام ركنها المادي، ومعيار القصد الجنائي فيها، مع التركيز على ضرورة توافر الدليل الفني بوصفه شرطًا لازمًا لإثبات الجريمة، وعلى بطلان إجراءات التفتيش الرقمي التي تُجرى بالمخالفة للضمانات القانونية. وتهدف المذكرة إلى توضيح أن تطبيق المادة (13) يقتضي إثبات استخدام وسيلة تقنية معلومات، والاستناد إلى دليل رقمي جُمع وفقًا للضمانات التي قررها الدستور والقانون.
وقائع الدعوى
بتاريخ (…)، وأثناء مرور مأمور الضبط القضائي في دائرة القسم، لاحظ وجود منشأة مفتوحة للجمهور يُعرض بداخلها محتوى مرئي لقنوات فضائية مشفرة مملوكة لإحدى الشركات مقدمة الخدمة أو خاضعة لإدارتها، دون أن يثبت له، بحسب تصوره، وجود ترخيص أو اشتراك تجاري يجيز عرض هذا المحتوى داخل منشأة عامة. وبناءً على ذلك، اعتبر مأمور الضبط أن الواقعة تنطوي على انتفاع غير مشروع بخدمات الاتصالات والمعلومات وتقنيتها.
وعقب هذه المشاهدة، توجه مأمور الضبط إلى داخل المنشأة، وتعامل مع المتهم بوصفه شخصًا موجودًا في مكان الواقعة، فاستوقفه وسأله عن طبيعة العرض القائم. وتثبت الأوراق أن المتهم ليس صاحب المنشأة، ولا مالكًا لها، ولا مديرًا مسؤولًا عنها، وإنما كان موجودًا في المكان بصفته عاملًا لدى الغير. ولا تنهض هذه الصفة، في حد ذاتها، دليلًا على سيطرته على المنشأة أو إدارته لها أو اتخاذه القرارات المتعلقة بتشغيل الخدمة محل الاتهام.
ودون أن يسبق ذلك صدور إذن قضائي مسبب من النيابة العامة، ضبط مأمور الضبط جهاز حاسب آلي منسوبًا إلى المتهم، باعتباره، في تقديره، وسيلة ارتكاب الجريمة. ثم أجرى تفتيشًا وفحصًا لمحتوى الجهاز، ونفذ إلى البيانات والمعلومات المخزنة عليه، وتحفظ على ما استخلصه من بيانات، بوصفها دليلًا رقميًا على الانتفاع بغير حق بخدمات القنوات المشفرة.
وعقب ذلك، حُرر محضر الضبط متضمنًا ما أثبته مأمور الضبط من مشاهدات وأقوال، وأسند إلى المتهم أنه انتفع دون حق بخدمات بث مشفر مملوكة للشركة الشاكية. كما اعتبر أن هذا الانتفاع تم باستخدام وسيلة تخضع لأحكام قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات.
وبناءً على محضر الضبط وما انتهى إليه، باشرت النيابة العامة التحقيق، ثم أحالت المتهم إلى المحاكمة الجنائية، طالبة معاقبته استنادًا إلى المادة (13) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، على سند من القول إنه «انتفع بدون وجه حق بخدمات الاتصالات والمعلومات وتقنيتها» المتعلقة بالقنوات المشفرة.
الدفوع:
دفوع إجرائية:
- بطلان ضبط وتفتيش جهاز الحاسب الشخصي الخاص بالمتهم وبطلان النفاذ لمحتواه المعلوماتي وبطلان ما تلى ذلك من إجراءات لعدم صدور إذن قضائي مسبب من النيابة العامة.
- بطلان ضبط وتفتيش جهاز الحاسب الشخصي الخاص بالمتهم وبطلان النفاذ لمحتواه المعلوماتي وبطلان ما تلى ذلك من إجراءات لعدم اختصاص مأمور الضبط القضائي بإجراءات ضبط الأدلة الرقمية.
دفوع الفحص الفني والدليل الرقمي:
- خلو الأوراق من تقرير فحص فني يفيد ارتكاب الواقعة على النحو المبين بالأوراق.
- بطلان تقرير الفحص الفني لخلوه من بيان التقنيات المستخدمة في فحص الدليل الرقمي.
- بطلان تقرير الفحص الفني لعدم بيانه للتقنية المستخدمة من جانب المتهم في ارتكاب الجريمة.
دفوع موضوعية:
- انتفاء الركن المادي للجريمة لعدم استخدام أي وسيلة من وسائل تقنية المعلومات في ارتكابها.
- انتفاء الركن المادي للجريمة لخلو الجهاز المضبوط من أي وسيلة أو تقنية معلوماتية يمكن استخدامها في ارتكاب الجريمة.
- خلو الأوراق من بيان ماهية تقنية المعلومات أو النظام المعلوماتي المستخدم في ارتكاب الجريمة.
- انتفاء الركن المعنوي للجريمة لعدم توافر قصد الانتفاع دون وجه حق.
بطلان ضبط وتفتيش جهاز الحاسب الشخصي الخاص بالمتهم، وبطلان النفاذ إلى محتواه المعلوماتي، وبطلان ما تلا ذلك من إجراءات؛ لعدم صدور إذن قضائي مسبب من النيابة العامة
أحالت النيابة العامة المتهم إلى المحاكمة على سند من القول إن مأمور الضبط القضائي، وأثناء تفقده الحالة الأمنية ومروره بدائرة قسم الشرطة، لاحظ وجود منشأة مفتوحة للجمهور تعرض قنوات فضائية مشفرة بالمخالفة للقانون. واعتبر أن الواقعة تشكل إحدى الجرائم المنصوص عليها في قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، وهي جريمة الانتفاع دون وجه حق بخدمات قنوات البث المسموع والمرئي التابعة لإحدى الشركات دون موافقتها.
وعلى إثر ذلك، تعامل مأمور الضبط مع المتهم بوصفه شخصًا موجودًا في مكان الواقعة، فاستوقفه وسأله عن طبيعة العرض القائم. وتثبت الأوراق أن المتهم ليس صاحب المنشأة، ولا مالكًا لها، ولا مديرًا مسؤولًا عنها، وإنما كان موجودًا فيها بصفته عاملًا لدى الغير.
وعلى الرغم من ذلك، ضبط مأمور الضبط جهاز الحاسب الشخصي المنسوب إلى المتهم، ثم قام بنفسه بفحصه وتفتيشه، والنفاذ إلى البيانات والمعلومات المخزنة عليه، والتحفظ عليها، دون الحصول على إذن قضائي مسبب، وذلك بالمخالفة للضوابط التي أوجبتها المادة (6) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018. وزعمت النيابة العامة أن البيانات والمعلومات والمراسلات الخاصة بالمتهم تمثل دليلًا على ارتكابه الجريمة المنصوص عليها في المادة (13) من القانون ذاته، وأسندت إليه هذا الاتهام، وأقامت الدعوى الجنائية الماثلة.
وحيث إن المادة (57) من دستور جمهورية مصر العربية تنص على أن:
“للحياة الخاصة حرمة، وهي مصونة لا تمس. وللمراسلات البريدية، والبرقية، والإلكترونية، والمحادثات الهاتفية، وغيرها من وسائل الاتصال حرمة، وسريتها مكفولة، ولا تجوز مصادرتها، أو الاطلاع عليها، أو رقابتها إلا بأمر قضائي مسبب، ولمدة محددة، وفي الأحوال التي يبينها القانون. كما تلتزم الدولة بحماية حق المواطنين في استخدام وسائل الاتصال العامة بكافة أشكالها، ولا يجوز تعطيلها أو وقفها أو حرمان المواطنين منها، بشكل تعسفي، وينظم القانون ذلك.”
يُفهم من النص الدستوري أن المشرّع كفل حرمة الحياة الخاصة بوصفها حقًا إنسانيًا ودستوريًا، وتشمل هذه الحماية حرمة المراسلات الإلكترونية وسائر وسائل الاتصال، وضمان سريتها، وحظر مصادرتها أو الاطلاع عليها أو رقابتها. وقد ورد نص المادة (57) من الدستور عامًا ومطلقًا، ولم يجز المساس بهذه الحماية إلا في حالة واحدة، هي صدور أمر قضائي مسبب ولمدة محددة، وفي الأحوال التي يبينها القانون.
وحيث عرّفت المادة (1) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 عددًا من المصطلحات ذات الصلة بهذه الدعوى، ومن بينها:
تقنية المعلومات: “أي وسيلة أو مجموعة وسائل مترابطة أو غير مترابطة تُستخدم لتخزين، واسترجاع، وترتيب، وتنظيم، ومعالجة، وتطوير، وتبادل المعلومات أو البيانات، ويشمل ذلك كل ما يرتبط بالوسيلة أو الوسائل المستخدمة سلكيًا أو لاسلكيًا.”
الحاسب: “كل جهاز أو معدة تقنية تكون قادرة على التخزين، وأداء عمليات منطقية أو حسابية، وتستخدم لتسجيل بيانات أو معلومات، أو تخزينها، أو تحويلها، أو استرجاعها، أو معالجتها، أو تطويرها، أو تبادلها، أو تحليلها، أو للاتصالات.”
الدليل الرقمي: “أي معلومات إلكترونية لها قوة أو قيمة ثبوتية، مخزنة أو منقولة أو مستخرجة أو مأخوذة من أجهزة الحاسب أو الشبكات المعلوماتية وما في حكمها، ويمكن تجميعها وتحليلها باستخدام أجهزة أو برامج أو تطبيقات تكنولوجية خاصة.”
وحيث تنص المادة (6) من القانون ذاته على أن:
“لجهة التحقيق المختصة، بحسب الأحوال، أن تصدر أمرًا مسببًا، لمأموري الضبط القضائي المختصين، لمدة لا تزيد على ثلاثين يومًا قابلة للتجديد لمرة واحدة، متى كان لذلك فائدة في ظهور الحقيقة على ارتكاب جريمة معاقب عليها بمقتضى أحكام هذا القانون بواحد أو أكثر مما يأتي: ١- ضبط أو سحب أو جمع أو التحفظ على البيانات والمعلومات أو أنظمة المعلومات، وتتبعها في أي مكان أو نظام أو برنامج أو دعامة إلكترونية أو حاسب تكون موجودة فيه. ويتم تسليم أدلتها الرقمية للجهة مصدرة الأمر على ألا يؤثر ذلك على استمرارية النظم وتقديم الخدمة أن كان لها مقتضٍ. ٢- البحث والتفتيش والدخول والنفاذ إلي برامج الحاسب وقواعد البيانات وغيرها من الأجهزة والنظم المعلوماتية تحقيقًا لغرض الضبط. ٣- أن تأمر مقدم الخدمة بتسليم ما لديه من بيانات أو معلومات تتعلق بنظام معلوماتي أو جهاز تقني، موجودة تحت سيطرته أو مخزنة لديه، وكذا بيانات مستخدمي خدمته وحركة الاتصالات التي تمت على ذلك النظام أو الجهاز التقني. وفي كل الأحوال، يحب أن يكون أمر جهة التحقيق المختصة مسببًا. ويكون استئناف الأوامر المتقدمة أمام المحكمة الجنائية المختصة منعقدة في غرفة المشورة في المواعيد، ووفقًا للإجراءات المقررة بقانون الإجراءات الجنائية.”
ومن المقرر في قضاء المحكمة الدستورية العليا أن:
“المشرّع الدستوري – توفيقًا بين حق الفرد في الحرية الشخصية وفي حرمة مسكنه وحياته الخاصة، وبين حق المجتمع في عقاب الجاني وجمع أدلة إثبات الجريمة ونسبتها إليه – قد أجاز تفتيش الشخص أو المسكن كإجراء من إجراءات التحقيق، بعد أن أخضعه لضمانات معينة لا يجوز إهدارها، تاركًا للمشرّع العادي أن يحدد الجرائم التي يجوز فيها التفتيش والإجراءات التي يتم بها”.
(المحكمة الدستورية العليا – الدعوى رقم 5 لسنة 4 ق دستورية – جلسة 2-6-1984)
وقد نظم المشرّع العادي هذا الاستثناء في المادة (6) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات. فأجاز ضبط أو تفتيش الأجهزة الإلكترونية وغيرها من وسائل الاتصالات وما تحتويه من مراسلات، أو التحفظ على البيانات والمعلومات الموجودة فيها، في حالة وحيدة دون غيرها. تتمثل تلك الحالة في صدور أمر قضائي مسبب من جهة التحقيق المختصة (النيابة العامة / قاضي التحقيق/ محكمة الموضوع) لمأموري الضبط القضائي المختصين وفقًا لأحكام هذا القانون فقط دون غيرهم، وألا تزيد مدة الأمر/ الإذن عن ثلاثين يومًا، ويجوز تجديدها لمرة واحدة، وأن يتضمن هذا الأمر إجراء واحد أو أكثر من الإجراءات الآتية على سبيل الحصر:
- ضبط أو سحب أو جمع أو التحفظ على البيانات والمعلومات أو أنظمة المعلومات، وتتبعها في أي مكان أو نظام أو برنامج أو دعامة إلكترونية أو حاسب تكون موجودة فيه. وتسليم أدلتها الرقمية للجهة مصدرة الأمر على ألا يؤثر ذلك على استمرارية النظم وتقديم الخدمة أن كان لها مقتضٍ.
- البحث والتفتيش والدخول والنفاذ إلى برامج الحاسب وقواعد البيانات وغيرها من الأجهزة والنظم المعلوماتية تحقيقًا لغرض الضبط.
- أمر مقدم الخدمة بتسليم ما لديه من بيانات أو معلومات تتعلق بنظام معلوماتي أو جهاز تقني، موجودة تحت سيطرته أو مخزنة لديه، وكذا بيانات مستخدمي خدمته وحركة الاتصالات التي تمت على ذلك النظام أو الجهاز التقني.
استنادًا لتلك الضمانات الدستورية والقانونية يكون المشرِّع الدستوري ومن بعده المشرع العادي قد أقر استثناء وحيد على الحق في الخصوصية وما يتضمنه من حرمة المراسلات الإلكترونية وجميع وسائل الاتصالات، وسريتها وحظر مصادرة أي منها، أو الاطلاع عليها، أو رقابتها. هذا الاستثناء هو صدور أمر قضائي مسبب على النحو سالف البيان، دون أن يمتد ذلك إلى أي استثناء آخر، كحالة التلبس أو غيرها، والتي هي استثناء يرد على الحق في الحرية الشخصية فقط، دون أن يمتد إلى حرمة المسكن أو حرمة المراسلات ووسائل الاتصالات.
وقد استثنى الدستور الساري في المادة (54) حالة التلبس بالجريمة من الحق في الحرية الشخصية وصونها وعدم المساس بها؛ فأباح بموجبها القبض على الشخص وتفتيشه، بالإضافة إلى الاستثناء الآخر المتمثل في صدور أمر قضائي مسبب يستلزمه التحقيق. بينما لم ينص المشرِّع الدستوري في المادة (57) من الدستور على اعتبار حالة التلبس استثناءً على من الحماية المقررة للحياة الخاصة وحرمة المراسلات الإلكترونية وجميع وسائل الاتصالات، وسريتها وحظر مصادرة أي منها، أو الاطلاع عليها، أو رقابتها. اقتصر الاستثناء فقط على الأمر القضائي المسبب وفقًا للضوابط المنصوص عليها، وجاء نص هذه المادة عامًا مطلقًا دون أي قيد أو تخصيص.
يعني هذا أن النص الدستوري يستلزم في جميع الأحوال صدور أمر قضائي مسبب وفقًا للضوابط القانونية للدخول أو النفاذ أو التفتيش أو الضبط أو الاطلاع أو الرقابة أو جمع أو سحب البيانات أو مصادرة أي من وسائل الاتصال أو المراسلات أو المحادثات الإلكترونية دون استثناء. وذلك صونًا للحق الدستوري في الخصوصية وحرمة المراسلات والمحادثات ووسائل الاتصال.
ويؤيد هذا التفسير ما انتهت إليه المحكمة الدستورية العليا عند قضائها بعدم دستورية المادة (47) من قانون الإجراءات الجنائية، التي كانت تجيز لمأمور الضبط القضائي تفتيش مسكن المتهم في حالة التلبس دون صدور أمر قضائي مسبب. وقد قررت المحكمة أن:
“المشرع الدستوري -توفيقًا بين حق الفرد في الحرية الشخصية وفي حرمة مسكنه وحياته الخاصة وبين حق المجتمع في عقاب الجاني وجمع أدلة إثبات الجريمة ونسبتها إليه قد أجاز تفتيش الشخص أو المسكن كإجراء من إجراءات التحقيق بعد أن أخضعه لضمانات معينة لا يجوز إهدارها تاركًا للمشرع العادي أن يحدد الجرائم التي يجوز فيها التفتيش والإجراءات التي يتم بها. ولذلك نصت الفقرة الأولى من المادة 41 من الدستور على أنه الحرية الشخصية حق طبيعي وهي مصونة لا تمس وفيما عدا حالة التلبس لا يجوز القبض على أحد أو تفتيشه أو حبسه أو تقييد حريته بأي قيد أو منعه من التنقل إلا بأمر تستلزمه ضرورة التحقيق وصيانة أمن المجتمع. ويصدر هذا الأمر من القاضي المختص أو النيابة العامة، وذلك وفقًا لأحكام القانون”.
ثم نصت المادة 44 من الدستور على أن للمساكن حرمة فلا يجوز دخولها أو تفتيشها إلا بأمر قضائي مسبب وفقًا لأحكام القانون. وهذا النص الأخير وإن كان قد ميز بين دخول المساكن وبين تفتيشها إلا أنه جمعهما في ضمانات واحدة متى كانا يمثلان انتهاكًا لحرمة المساكن التي قدسها الدستور. وحيث أنه يبين من المقابلة بين المادتين 41، 44 من الدستور سالفتي الذكر أن المشرع الدستوري قد فرق في الحكم بين تفتيش الأشخاص وتفتيش المساكن فيما يتعلق بضرورة أن يتم التفتيش في الحالين بأمر قضائي ممن له سلطة التحقيق أو من القاضي المختص كضمانة أساسية لحصول التفتيش تحت إشراف مسبق من القضاء.
فقد استثنت المادة 41 من الدستور من هذه الضمانة حالة التلبس بالجريمة بالنسبة للقبض على الشخص وتفتيشه فضلًا عن عدم اشتراطها تسبيب أمر القاضي المختص أو النيابة العامة بالتفتيش. في حين أن المادة 44 من الدستور لم تستثن حالة التلبس من ضرورة صدور أمر قضائي مسبب ممن له سلطة التحقيق أو من القاضي المختص بتفتيش المسكن سواء قام بالأمر بنفسه أم أذن لمأمور الضبط القضائي بإجرائه. فجاء نص المادة 44 من الدستور المشار إليه عامًا مطلقًا لم يرد عليه ما يخصصه أو يقيده مما مؤداه أن هذا النص الدستوري يستلزم فى جميع أحوال تفتيش المساكن صدور الأمر القضائي المسبب وذلك صونًا لحرمة المسكن التي تنبثق من الحرية الشخصية التي تتعلق بكيان الفرد وحياته الخاصة ومسكنه الذي يأوي إليه وهو موضع سره وسكينته.
ولذلك حرص الدستور – في الظروف التي صدر فيها- على التأكيد على عدم انتهاك حرمة المسكن سواء بدخوله أو بتفتيشه ما لم يصدر أمر قضائي مسبب دون أن يستثن من ذلك حالة التلبس بالجريمة التى لا تجيز- وفقًا للمادة 41 من الدستور- سوى القبض على الشخص وتفتيشه أينما وجد. يؤكد ذلك أن مشروع لجنة الحريات التي شكلت بمجلس الشعب عند إعداد الدستور كان يضمن نص المادة 44 استثناء حالة التلبس من حكمها غير أن هذا الاستثناء قد أسقط في المشروع النهائي لهذه المادة وصدر الدستور متضمنًا نص المادة 44 الحالي حرصًا منه على صيانة حرمة المساكن على ما سلف بيانه.
لما كان ما تقدم وكان نص المادة 44 من الدستور واضح الدلالة – على ما سبق ذكره- على عدم استثناء حالة التلبس من الضمانتين اللتين أوردهما- أي صدور أمر قضائي وأن يكون الأمر مسببًا- فلا يحق القول باستثناء حالة التلبس من حكم هاتين الضمانتين قياسًا على إخراجها من ضمانة صدور الأمر القضائي فى حالة تفتيش الشخص أو القبض عليه، ذلك بأن الاستثناء لا يقاس عليه كما أنه لا محل للقياس عند وجود النص الدستوري الواضح الدلالة .
ولا يغير من ذلك ما جاء بعجز المادة 44 من الدستور بعد إيرادها هاتين الضمانتين سالفتي الذكر من أن ذلك وفقًا لأحكام القانون لأن هذه العبارة لا تعني تفويض المشرع العادي في إخراج حالة التلبس بالجريمة من الخضوع للضمانتين اللتين اشترطها الدستور في المادة 44 سالفة الذكر، والقول بغير ذلك إهدار لهاتين الضمانتين وتعليق أعمالهما على إرادة المشرع العادى وهو ما لا يفيده نص المادة 44 من الدستور وإنما تشير عبارة وفقًا لأحكام القانون إلى الإحالة إلى القانون العادي في تحديد الجرائم التي يجوز فيها صدور الأمر بالتفتيش وبيان كيفية صدوره وتسبيبه إلى غير ذلك من الإجراءات التي يتم بها هذا التفتيش.
لما كان ذلك وكانت المادة 47 من قانون الإجراءات الجنائية الصادر بالقانون رقم 150 لسنة 1950- المطعون فيها- تنص على أن :
لمأمور الضبط القضائي في حالة التلبس بجناية أو جنحة أن يفتش منزل المتهم ويضبط فيه الأشياء والأوراق التي تفيد في كشف الحقيقة إذا اتضح له من امارات قوية أنها موجودة فيه مما مفاده تخويل مأمور الضبط القضائي الحق في إجراء تفتيش مسكن المتهم في حالة التلبس بجناية أو جنحة دون أن يصدر له أمر قضائي مسبب ممن يملك سلطة التحقيق وهو ما يخالف حكم المادة 44 من الدستور على ما سلف بيانه، الأمر الذى يتعين معه الحكم بعدم دستورية المادة 47 من قانون الإجراءات الجنائية.”
(المحكمة الدستورية العليا – الدعوى رقم 5 لسنة 4 ق دستورية – جلسة 2-6-1984)
وحيث تنص المادة (331) من قانون الإجراءات الجنائية على أن:
“يترتب البطلان على عدم مراعاة أحكام القانون المتعلقة بأي إجراء جوهري،”
وتنص المادة (332) من ذات القانون على أن:
“إذا كان البطلان راجعًا لعدم مراعاة أحكام القانون المتعلقة بتشكيل المحكمة أو بولايتها بالحكم في الدعوى أو باختصاصها من حيث نوع الجريمة المعروضة عليها أو بغير ذلك مما هو متعلق بالنظام العام، جاز التمسك به في أية حالة كانت عليها الدعوى وتقضي به المحكمة ولو بغير طلب.” كما تنص المادة (336) من ذات القانون أيضًا على أن “إذا تقرر بطلان أي إجراء فإنه يتناول جميع الآثار التي تترتب عليه مباشرة، ولزوم إعادته متى أمكن ذلك.”
ومن المستقر عليه في قضاء محكمة النقض أن:
“من المقرر أن النص في المادة 331 من قانون الإجراءات الجنائية على أنه يترتب البطلان على عدم مراعاة أحكام القانون المتعلقة بأي إجراء جوهري يدل في صريح لفظه وواضح معناه على أن الشارع يرتب البطلان على عدم مراعاة أي إجراء من الإجراءات الجوهرية التي يقررها دون سواها، وإذ كان ذلك، وكان الشارع لم يورد معيارًا ضابطًا يميز به الإجراء الجوهري عن غيره من الإجراءات التي لم يقصد بها سوى الإرشاد والتوجيه للقائم بالإجراء، فإنه يتعين لتحديد ذلك الرجوع إلى علة التشريع، فإذا كان الغرض من الإجراء المحافظة على مصلحة عامة أو مصلحة للمتهم أو غيره من الخصوم فإن الإجراء يكون جوهريًا يترتب البطلان على عدم مراعاته، أما إذا كان الغرض منه هو مجرد التوجيه والإرشاد للقائم به، فلا يعد جوهريًا ولا يترتب البطلان على عدم مراعاته.”
(حكم محكمة النقض، الدوائر الجنائية، جلسة 11-3-1990، الطعن رقم 20844 لسنة 59 ق)
ولما كان من المستقر عليه أن كل إجراء يمس الحقوق والحريات التي كفلها الدستور يُعد إجراءً جوهريًا بطبيعته، ويهدف إلى حماية مصلحة المجتمع بوجه عام، ومصلحة المتهم بوجه خاص، بما يشمل حريته الشخصية، وحرمة حياته الخاصة، وحرمة مراسلاته ووسائل اتصاله، فضلًا عن أصل البراءة المفترض فيه؛ فإن ضبط جهاز الحاسب الشخصي الخاص بالمتهم، وتفتيشه، والتحفظ على البيانات والمعلومات الموجودة عليه، تُعد إجراءات جوهرية، يترتب على مخالفة الضوابط المنظمة لها بطلانها، ويمتد هذا البطلان إلى جميع الآثار المترتبة عليها مباشرة، ومن بينها بطلان أي دليل مستمد من الإجراء الباطل.
ولما كان الثابت من أوراق الدعوى أن مأمور الضبط، الذي تولى ضبط المتهم وتفتيشه، وضبط جهاز الحاسب الشخصي الخاص به وتفتيشه، والنفاذ إلى البيانات والمعلومات المخزنة عليه والتحفظ عليها، قد أثبت في محضره أنه اتخذ هذه الإجراءات دون أن يسبقها صدور إذن قضائي مسبب يجيز له ضبط جهاز الحاسب الشخصي الخاص بالمتهم وتفتيشه، أو النفاذ إلى محتواه والتحفظ على البيانات والمعلومات الموجودة عليه.
وقد استند مأمور الضبط في اتخاذ هذه الإجراءات إلى زعمه بتوافر حالة من حالات التلبس، إذ قرر أنه، أثناء مروره بدائرة قسم الشرطة، لاحظ وجود منشأة مفتوحة ومدارة للجمهور تعرض قنوات فضائية مشفرة بالمخالفة للقانون. وعلى إثر ذلك، سأل المتهم عن الواقعة محل الاتهام، ثم ضبط جهاز الحاسب الشخصي، وقام بنفسه بفحصه وتفتيشه، والنفاذ إلى البيانات والمعلومات المخزنة عليه، والتحفظ عليها.
ويؤيد ذلك خلو أوراق الدعوى من أي أمر قضائي صادر إلى مأمور الضبط، أو إلى غيره، بضبط المتهم أو تفتيشه، أو بضبط هاتفه أو جهاز الحاسب الشخصي الخاص به وتفتيش أي منهما. ومن ثم، تكون الإجراءات التي اتخذها مأمور الضبط القضائي، على النحو المبين سلفًا، قد تمت بالمخالفة لنص المادة السادسة من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات.
ويترتب على ذلك بطلان هذه الإجراءات، وبطلان ضبط جهاز الحاسب الشخصي الخاص بالمتهم وتفتيشه، والنفاذ إلى محتواه، والتحفظ على البيانات والمعلومات المخزنة عليه. كما يترتب عليه عدم الاعتداد بما قرره مأمور الضبط بشأن ما أسفر عنه هذا الإجراء، وبطلان كل ما اعتبرته النيابة العامة دليلًا أو قرينة أو دلالة مستمدة منه.
وحيث تنص الفقرة الأولى من المادة (304) من قانون الإجراءات الجنائية على أنه:
“إذا كانت الواقعة غير ثابتة أو كان القانون لا يعاقب عليها تحكم المحكمة ببراءة المتهم ويفرج عنه إن كان محبوسًا من أجل هذه الواقعة وحدها.”
ولما كانت أوراق الدعوى قد خلت من أي دليل صحيح يصلح لإسناد الاتهام إلى المتهم بارتكاب الجرائم المنسوبة إليه، بخلاف ما نتج عن الإجراء الباطل، فإن ذلك يستوجب القضاء ببراءته من الاتهامات المسندة إليه.
بطلان ضبط جهاز الحاسب الشخصي الخاص بالمتهم وتفتيشه، وبطلان النفاذ إلى محتواه المعلوماتي وما تلا ذلك من إجراءات؛ لعدم الاختصاص النوعي لمأمور الضبط القضائي بإجراءات التفتيش والنفاذ وسحب الأدلة الرقمية وجمعها
تنص المادة (5) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 على أنه:
“يجوز بقرار من وزير العدل بالاتفاق مع الوزير المختص منح صفة الضبطية القضائية للعاملين بالجهاز أو غيرهم ممن تحددهم جهات الأمن القومي، بالنسبة إلى الجرائم التي تقع بالمخالفة لأحكام هذا القانون والمتعلقة بأعمال وظائفهم.”
وتنص المادة (6) من ذات القانون على أنه:
“لجهة التحقيق المختصة، بحسب الأحوال، أن تصدر أمرًا مسببًا، لمأموري الضبط القضائي المختصين، لمدة لا تزيد على ثلاثين يومًا قابلة للتجديد لمرة واحدة، متى كان لذلك فائدة في ظهور الحقيقة على ارتكاب جريمة معاقب عليها بمقتضى أحكام هذا القانون بواحد أو أكثر مما يأتي:
1. ضبط أو سحب أو جمع أو التحفظ على البيانات والمعلومات أو أنظمة المعلومات، وتتبعها في أى مكان أو نظام أو برنامج أو دعامة إلكترونية أو حاسب تكون موجودة فيه. ويتم تسليم أدلتها الرقمية للجهة مصدرة الأمر على ألا يؤثر ذلك على استمرارية النظم وتقديم الخدمة أن كان لها مقتضٍ.
2. البحث والتفتيش والدخول والنفاذ إلى برامج الحاسب وقواعد البيانات وغيرها من الأجهزة والنظم المعلوماتية تحقيقًا لغرض الضبط.
3. أن تأمر مقدم الخدمة بتسليم ما لديه من بيانات أو معلومات تتعلق بنظام معلوماتي أو جهاز تقني، موجودة تحت سيطرته أو مخزنة لديه، وكذا بيانات مستخدمي خدمته وحركة الاتصالات التي تمت على ذلك النظام أو الجهاز التقني. وفي كل الأحوال، يحب أن يكون أمر جهة التحقيق المختصة مسببًا. ويكون استئناف الأوامر المتقدمة أمام المحكمة الجنائية المختصة منعقدة في غرفة المشورة في المواعيد، ووفقًا للإجراءات المقررة بقانون الإجراءات الجنائية.”
يتبين من الاطلاع على هاتين المادتين رغبة المشرِّع في تمييز هذا القانون ببعض القواعد الإجرائية الخاصة؛ فقسمه إلى ثلاثة أبواب. الباب الأول تحت عنوان الأحكام العامة، والباب الثاني تحت عنوان الأحكام والقواعد الإجرائية، والباب الثالث تحت عنوان الجرائم والعقوبات. ما يعنينا في هذا الشأن هو الباب الثاني من القانون، وعلى وجه خاص ما يتضمنه من تحديد لمأموري الضبط القضائي، والأوامر القضائية المؤقتة؛ ذلك حسبما جاء في نص المادتين الخامسة والسادسة سالفتا البيان.
وقد جاءت هذه النصوص متفقة مع قواعد قانون الإجراءات الجنائية في تحديد مأمور الضبط القضائي من ذوي الاختصاص المكاني المحدود والنوعي المحدود؛ حيث حددت الفقرتين الأخيرتين من المادة (23) من قانون الإجراءات الجنائية آلية منح صفة الضبطية القضائية لغيرهم من الموظفين العموميين، والتي نصت على أنه:
“يجوز بقرار من وزير العدل بالاتفاق مع الوزير المختص تخويل بعض الموظفين صفة مأموري الضبط القضائي بالنسبة إلى الجرائم التي تقع في دوائر اختصاصهم وتكون متعلقة بأعمال وظائفهم. وتعتبر النصوص الواردة في القوانين والمراسيم والقرارات الأخرى بشأن تخويل بعض الموظفين اختصاص مأموري الضبط القضائي بمثابة قرارات صادرة من وزير العدل بالاتفاق مع الوزير المختص.”
واستنادًا إلى ما تقدم، فقد قسم المشرِّع في قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات من يجوز لوزير العدل – بموجب قرار منه بالاتفاق مع وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات – منحهم صفة الضبطية القضائية بالنسبة للجرائم التي تقع بالمخالفة لأحكام هذا القانون إلى فئتين:
- الفئة الأولى: العاملين بالجهاز القومي لتنظيم الاتصالات
خول قرار وزير العدل، رقم 861 لسنة 2021، عدد (19) عاملًا من العاملين بالجهاز القومي لتنظيم الاتصالات بأسمائهم، وبصفتهم الوظيفية، وكل منهم في دائرة اختصاصه صفة مأموري الضبط القضائي بالنسبة للجرائم التي تقع بالمخالفة لأحكام هذا القانون، دون غيرهم.
- الفئة الثانية: غير العاملين بالجهاز القومي لتنظيم الاتصالات
يقصّد بهم الأشخاص المحددين بمعرفة جهات الأمن القومي لمنحهم صفة الضبط القضائي بالنسبة للجرائم التي تقع بالمخالفة لأحكام هذا القانون والمتعلقة بأعمال وظائفهم. عرّف هذا القانون في مادته الأولى جهات الأمن القومي بأنها خمس جهات على سبيل الحصر وهم: رئاسة الجمهورية، ووزارة الدفاع، ووزارة الداخلية، والمخابرات العامة، وهيئة الرقابة الإدارية.
وتأسيسًا على ما تقدم، فرّق المشرّع في قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات بين مأمور الضبط القضائي المختص وفقًا لأحكام المادة (5) منه، ومأمور الضبط القضائي ذي الاختصاص العام من الفئتين (أ) و(ب) وفقًا لأحكام المادة (23) من قانون الإجراءات الجنائية. وقد أسند المشرّع إلى مأمور الضبط القضائي المختص وفقًا لأحكام قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، دون غيره، الاختصاصات المنصوص عليها في المادتين (6) و(7) من القانون، والمتعلقة بالأوامر القضائية المؤقتة. وتشمل هذه الاختصاصات إجراءات البحث والتفتيش والدخول والنفاذ، وضبط البيانات والأدلة الرقمية وسحبها وجمعها والتحفظ عليها، إلى جانب الإجراءات المتعلقة بحجب المواقع.
وتظهر إرادة المشرّع في تخصيص هذه الإجراءات لمأموري الضبط القضائي المختصين في أكثر من موضع في القانون. فقد نصت المادة (6) على أن:
“لجهة التحقيق المختصة، بحسب الأحوال، أن تصدر أمرًا مسببًا، لمأموري الضبط القضائي المختصين، لمدة(…)”.
كما نصت الفقرة الثالثة من المادة (7) على أنه:
“يجوز فى حالة الاستعجال لوجود خطر حال أو ضرر وشيك الوقوع، أن تقوم جهات التحري والضبط المختصة بإبلاغ الجهاز(…)”.
ونصت الفقرة الرابعة من المادة ذاتها على أنه:
“وعلى جهة التحري والضبط التي قامت بالإبلاغ أن تحرر محضرًا تثبت فيه ما تم من إجراءات وفقًا لأحكام الفقرة السابقة”.
ويترتب على ذلك أن سلطة مأمور الضبط القضائي ذي الاختصاص العام، سواء كان من الفئة (أ) أو الفئة (ب) وفقًا لقانون الإجراءات الجنائية، تظل مقيدة بالأحكام الخاصة الواردة في قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات. ويجوز له مباشرة الأعمال الداخلة في نطاق اختصاصه العام، باستثناء الأعمال المنصوص عليها في المادتين (6) و(7) من هذا القانون، التي خص بها المشرّع مأموري الضبط القضائي المختصين وفقًا لأحكام المادة (5)، ولم يُجز لغيرهم القيام بها. ويترتب البطلان على كل إجراء يتم بالمخالفة لهذا الاختصاص.
فعلى سبيل المثال، يجوز لجهة التحقيق المختصة أن تصدر أمرًا إلى أحد مأموري الضبط القضائي ذوي الاختصاص العام بضبط وإحضار متهم بارتكاب إحدى الجرائم المنصوص عليها في قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، وكذلك بتفتيش شخصه أو مسكنه. غير أن هذا الإذن لا يجوز أن يمتد إلى البحث أو التفتيش أو الدخول أو النفاذ إلى برامج الحاسب الآلي أو قواعد البيانات أو غيرها من الأجهزة والنظم المعلوماتية. كما لا يجوز أن يمتد إلى ضبط البيانات أو المعلومات أو أنظمة المعلومات أو سحبها أو جمعها أو التحفظ عليها، ولا يجوز لجهة التحقيق أن تأذن له باتخاذ أي من هذه الإجراءات.
ويترتب البطلان على كل إجراء يتم بالمخالفة لذلك. وإذا أسفر هذا الإجراء عن أدلة مادية أو رقمية، فإن هذه الأدلة تكون غير مشروعة، وتنتفي عنها القيمة في الإثبات الجنائي، فلا يجوز الاستناد إليها في إسناد الاتهام خلال مرحلة التحقيق، أو في القضاء بالإدانة خلال مرحلة المحاكمة. ويقتصر الإذن باتخاذ هذه الإجراءات على مأمور الضبط القضائي المختص وفقًا لأحكام المادة (5) من القانون دون غيره.
ويؤكد ذلك ما نصت عليه المادة (9) من اللائحة التنفيذية لقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، الصادرة بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1699 لسنة 2020، من أن:
“تحوز الأدلة الرقمية ذات القيمة والحجية للأدلة الجنائية المادية فى الإثبات الجنائي إذا توافرت فيها الشروط والضوابط الآتية:
1. أن تتم عملية جمع أو الحصول أو استخراج أو استنباط الأدلة الرقمية محل الواقعة باستخدام التقنيات التى تضمن عدم تغيير أو تحديث أو محو أو تحريف للكتابة أو البيانات والمعلومات، أو أي تغيير أو تحديث أو إتلاف للأجهزة أو المعدات أو البيانات والمعلومات، أو أنظمة المعلومات أو البرامج أو الدعامات الإلكترونية وغيرها. ومنها على الأخص تقنية Digital Images Hash، Write Blocker، وغيرها من التقنيات المماثلة.
2. أن تكون الأدلة الرقمية ذات صلة بالواقعة وفى إطار الموضوع المطلوب إثباته أو نفيه، وفقًا لنطاق قرار جهة التحقيق أو المحكمة المختصة.
3. أن يتم جمع الدليل الرقمي واستخراجه وحفظه وتحريزه بمعرفة مأموري الضبط القضائي المخول لهم التعامل في هذه النوعية من الأدلة، أو الخبراء أو المتخصصين المنتدبين من جهات التحقيق أو المحاكمة، على أن يبين فى محاضر الضبط أو التقارير الفنية على نوع ومواصفات البرامج والأدوات والأجهزة والمعدات التي تم استخدامها، مع توثيق كود وخوارزم Hash الناتج عن استخراج نسخ مماثلة ومطابقة للأصل من الدليل الرقمي بمحضر الضبط أو تقرير الفحص الفني، مع ضمان استمرار الحفاظ على الأصل دون عبث به.
4. في حالة تعذر فحص نسخة الدليل الرقمي وعدم إمكانية التحفظ على الأجهزة محل الفحص لأي سبب يتم فحص الأصل ويثبت ذلك كله في محضر الضبط أو تقرير الفحص والتحليل.
5. أن يتم توثيق الأدلة الرقمية بمحضر إجراءات من قبل المختص قبل عمليات الفحص والتحليل له وكذا توثيق مكان ضبطه ومكان حفظه ومكان التعامل معه ومواصفاته”.
وحيث إنه لم يصدر عن وزير العدل، حتى الآن، أي قرار بتخويل أشخاص من غير العاملين بالجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، ممن تحددهم جهات الأمن القومي، صفة مأموري الضبط القضائي بالنسبة إلى الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون والمرتبطة بأعمال وظائفهم؛ فإن مأموري الضبط القضائي من العاملين بالجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، الواردة أسماؤهم في قرار وزير العدل رقم 861 لسنة 2021، يظلون وحدهم، حتى الآن، المختصين بتلقي الأوامر القضائية المؤقتة المنصوص عليها في المادة (6) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات وتنفيذها.
وتشمل هذه الأوامر ضبط البيانات والمعلومات أو سحبها أو جمعها أو التحفظ عليها، والبحث والتفتيش والدخول والنفاذ إلى برامج الحاسب وقواعد البيانات وغيرها من الأجهزة والنظم المعلوماتية. ومن ثم، فإن إصدار أي من هذه الأوامر إلى غير مأموري الضبط القضائي المختصين، أو تنفيذها بمعرفة غيرهم، يترتب عليه البطلان الإجرائي، بالنظر إلى اتصال هذه الإجراءات بالحرية الشخصية، والحق في الخصوصية، وحرمة الحياة الخاصة.
وحيث تنص المادة (331) من قانون الإجراءات الجنائية على أنه:
“يترتب البطلان على عدم مراعاة أحكام القانون المتعلقة بأي إجراء جوهري”.
وتنص المادة (332) من ذات القانون على أنه:
“إذا كان البطلان راجعًا لعدم مراعاة أحكام القانون المتعلقة بتشكيل المحكمة أو بولايتها بالحكم في الدعوى أو باختصاصها من حيث نوع الجريمة المعروضة عليها أو بغير ذلك مما هو متعلق بالنظام العام، جاز التمسك به في أية حالة كانت عليها الدعوى وتقضى به المحكمة ولو بغير طلب”. كما تنص المادة (336) من ذات القانون على أن: “إذا تقرر بطلان أي إجراء فإنه يتناول جميع الآثار التي تترتب عليه مباشرة، ولزوم إعادته متى أمكن ذلك”.
ومن المستقر عليه في قضاء محكمة النقض أن:
“من المقرر أن النص في المادة 331 من قانون الإجراءات الجنائية على أنه يترتب البطلان على عدم مراعاة أحكام القانون المتعلقة بأي إجراء جوهري يدل في صريح لفظه وواضح معناه على أن الشارع يرتب البطلان على عدم مراعاة أي إجراء من الإجراءات الجوهرية التي يقررها دون سواها، وإذ كان ذلك، وكان الشارع لم يورد معيارًا ضابطًا يميز به الإجراء الجوهري عن غيره من الإجراءات التي لم يقصد بها سوى الإرشاد والتوجيه للقائم بالإجراء، فإنه يتعين لتحديد ذلك الرجوع إلى علة التشريع، فإذا كان الغرض من الإجراء المحافظة على مصلحة عامة أو مصلحة للمتهم أو غيره من الخصوم فإن الإجراء يكون جوهريًا يترتب البطلان على عدم مراعاته، أما إذا كان الغرض منه هو مجرد التوجيه والإرشاد للقائم به، فلا يعد جوهريًا ولا يترتب البطلان على عدم مراعاته.”
(الطعن بالنقض رقم 20844 لسنة 59 ق – جلسة 11-3-1990)
وحيث تنص المادة (57) من دستور جمهورية مصر العربية على أن:
“للحياة الخاصة حرمة، وهى مصونة لا تمس. وللمراسلات البريدية، والبرقية، والإلكترونية، والمحادثات الهاتفية، وغيرها من وسائل الاتصال حرمة، وسريتها مكفولة، ولا تجوز مصادرتها، أو الاطلاع عليها، أو رقابتها إلا بأمر قضائي مسبب، ولمدة محددة، وفي الأحوال التي يبينها القانون. كما تلتزم الدولة بحماية حق المواطنين في استخدام وسائل الاتصال العامة بكافة أشكالها، ولا يجوز تعطيلها أو وقفها أو حرمان المواطنين منها، بشكل تعسفي، وينظم القانون ذلك”.
ويُفهم من هذا النص أن المشرّع الدستوري كفل حماية حرمة الحياة الخاصة بوصفها حقًا إنسانيًا ودستوريًا، وتشمل هذه الحماية حرمة المراسلات الإلكترونية وسائر وسائل الاتصال، وضمان سريتها، وحظر مصادرتها أو الاطلاع عليها أو رقابتها. وقد ورد النص عامًا ومطلقًا، ولم يُجز المساس بهذه الحماية إلا في حالة صدور أمر قضائي مسبب ولمدة محددة، وفي الأحوال التي يبينها القانون.
ومن المقرر في قضاء المحكمة الدستورية العليا أن:
“المشرع الدستوري – توفيقًا بين حق الفرد في الحرية الشخصية وفي حرمة مسكنه وحياته الخاصة وبين حق المجتمع في عقاب الجاني وجمع أدلة إثبات الجريمة ونسبتها إليه – قد أجاز تفتيش الشخص أو السكن كإجراء من إجراءات التحقيق بعد أن أخضعه لضمانات معينة لا يجوز إهدارها تاركًا للمشرِّع العادي أن يحدد الجرائم التي يجوز فيها التفتيش والإجراءات التي يتم بها”.
(المحكمة الدستورية العليا – الدعوى رقم 5 لسنة 4 ق دستورية – جلسة 2-6-1984)
ولما كان من المستقر عليه فقهًا أن كل إجراء يمس الحقوق والحريات التي كفلها الدستور يُعد إجراءً جوهريًا بطبيعته، يهدف إلى حماية مصلحة المجتمع بوجه عام، ومصلحة المتهم بوجه خاص، بما يشمل حريته الشخصية، وحرمة حياته الخاصة، وحرمة مراسلاته ووسائل اتصاله، فضلًا عن أصل البراءة المفترض فيه؛ فإن صدور إذن من جهة التحقيق المختصة إلى مأمور ضبط غير مختص، لمباشرة أي من الإجراءات المنصوص عليها في المادة (6) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، يترتب عليه بطلان هذا الإذن.
ويترتب على ذلك أيضًا بطلان ما يتخذه مأمور الضبط القضائي غير المختص من إجراءات تنفيذًا لهذا الإذن، بما في ذلك ضبط جهاز الحاسب الشخصي الخاص بالمتهم وتفتيشه، والنفاذ إلى محتواه، والتحفظ على البيانات والمعلومات الموجودة عليه، لصدور هذه الإجراءات عن غير مختص.
ومن ثم يترتب على ذلك بطلان ما قام به مأمور الضبط القضائي – غير المختص – من إجراءات، ويمتد ذلك إلى عدم الاعتداد بشهادته، وبطلان كل ما يسفر عن ذلك الإجراء، سواء كان دليلًا أو قرينة أو دلالة مستمدة منه. واستنادًا إلى ذلك يكون إجراء ضبط جهاز الحاسب الشخصي الخاص بالمتهم، وتفتيشه، والتحفظ على البيانات والمعلومات الموجودة فيه قد أجري من غير مختص.
خلو أوراق الدعوى من تقرير فحص فني يثبت ارتكاب الواقعة على النحو المبين فيها
لما كانت جرائم تقنية المعلومات من الجرائم التي يتطلب التحقق من ارتكابها الاستعانة بخبرة فنية يقدمها خبراء مختصون، وكان الثابت من الاطلاع على أوراق الدعوى خلوها من أي تقرير فحص فني صادر عن جهة فنية مختصة، سواء كانت رسمية أو غير رسمية، فضلًا عن خلوها من محضر استدلال صادر عن الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات بوزارة الداخلية بشأن الواقعة محل الاتهام.
وتُعد الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات الجهة الفنية المختصة بأعمال الاستدلال في جرائم تقنية المعلومات، كما تشمل اختصاصاتها تقديم الخبرة الفنية إلى المحاكم والنيابات، وفقًا لقرار وزير الداخلية رقم 7638 لسنة 2004، الذي أُنشئت بموجبه. وذلك ليتسنى للمحكمة الموقرة التأكد من ارتكاب الواقعة موضوع هذا الاتهام من عدمها، والتحقق من وسيلة الاتصال المستخدمة في ارتكاب الجريمة المنسوبة للمتهم وبيان مدى استخدامه لتقنية معلوماتية أو نظام معلوماتي من عدمه، وكذلك التحقق من شخص مرتكبها، سواء كان المتهم أم غيره، وكذلك أيضًا التحقق من مضمون المحتوى المعلوماتي والتقني محل الجريمة موضوع هذا الاتهام، ومدى مطابقته لما يدعيه محرر المحضر.
وحيث تنص المادة (11) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات على أنه:
“يكون للأدلة المستمدة أو المستخرجة من الأجهزة أو المعدات أو الوسائط أو الدعامات الإلكترونية أو من النظام المعلوماتى أو من برامج الحاسب، أو من أى وسيلة لتقنية المعلومات ذات قيمة وحجية الأدلة الجنائية المادية فى الإثبات الجنائى متى توافرت بها الشروط الفنية الواردة باللائحة التنفيذية لهذا القانون”.
كما تنص المادة (10) من القانون ذاته على أنه:
“ينشأ بالجهاز سجلان لقيد الخبراء، يقيد بأولهما الفنيون والتقنيون العاملون بالجهاز، ويقيد بالآخر الخبراء من الفنيين والتقنيين من غير العاملين به. وتطبق على الخبراء فى ممارسة عملهم وتحديد التزاماتهم وحقوقهم القواعد والأحكام الخاصة بقواعد تنظيم الخبرة أمام جهات القضاء. واستثناء من تلك القواعد، تسرى على الخبراء المقيدين بالسجل الثانى القواعد والأحكام الخاصة بالمساءلة الإدارية والتأديبية الواردة بالقانون المنظم لعملهم إن وجد. وتحدد اللائحة التنفيذية لهذا القانون قواعد وشروط وإجراءات القيد فى كل من المسجلين”.
ومن المقرر في قضاء محكمة القاهرة الاقتصادية أن:
“أقوال المدعي بالحق المدني قد جاءت مرسلة لا يساندها أو يعضدها ثمة دليل حيث خلت الأوراق من ثمة دليل فني واضح ينسب للمتهم قيامه بالاستيلاء على حساب شركة (…) اﻷمر الذي تتشكك معه المحكمة في صحة نسبة الاتهام للمتهم كون أنه لم يثبت ارتكابه للواقعة بأي دليل فني ولا ينال من ذلك ما قدمه دفاع المدعى بالحق المدني سندًا لدعواه سيما أن تلك المستندات لم تعرض على جهة فنية لفحصها من الناحية الفنية ومدي صلة المتهم بها و من ثم فإن المحكمة لا ترى في اﻷوراق ما تستطيع أن تكون به عقيدتها بشأن توافر الاتهام في حق المتهم، وإن الحكم الجنائي باﻹدانة له رفعته وسموه للارتقاء إليه إلا على سُلم من الجزم واليقين وهو ما لم تستطيع اﻷوراق إليه سبيلا، اﻷمر الذي يتعين معه القضاء ببراءة المتهم مما أسند إليه”.
(حكم محكمة القاهرة الاقتصادية – الدعوى رقم 1361 لسنة 2021 جنح اقتصادية القاهرة – جلسة 27-10-2022)
ومن المقرر أيضًا في قضائها:
“أن الأوراق لا يوجد بها دليل بالأوراق سوى أقوال المجنى عليه (المدعى بالحق المدني) وتحريات المباحث ولم تقم ثمة جهة فنية بفحص محتوى التسجيل المرئي محل الواقعة والتأكد بأن المتهمة هي من قامت بإنشاء ذلك التسجيل ونشره على مواقع شبكة الإنترنت وأنها ذات الأنثى الموجودة بذلك المقطع المصور ولما كانت الأحكام الجنائية تبنى على الجزم واليقين لا على الشك والتخمين الأمر الذي تشككت معه المحكمة في الواقعة برمتها ومن ثم فلا يسع المحكمة إزاء هذا التشكك سوى أن تقضي ببراءة المتهم من التهمة المنسوبة إليه”.
(حكم محكمة القاهرة الاقتصادية – الدعوى رقم 865 لسنة 2020 جنح اقتصادية القاهرة – جلسة 24-1-2022)
ومن المقرر كذلك في قضاء المحكمة ذاتها:
“أن الأوراق جاءت خالية من ثمة تقرير فني للوقوف والتأكد على قيام صاحب تلك الشريحة بإرسال تلك الرسائل ولما كانت الأحكام الجنائية تبنى على الجزم واليقين لا الشك والتخمين الأمر الذي تشككت معه المحكمة في الواقعة برمتها ومن ثم فلا يسع المحكمة إزاء هذا التشكك سوى أن تقضى ببراءة المتهم من التهم المنسوبة إليه”.
(حكم محكمة القاهرة الاقتصادية – الدعوى رقم 192 لسنة 2022 جنح اقتصادية القاهرة – جلسة 28-2-2022)
ويتضح مما تقدم أن الجريمة موضوع الاتهام خلت من أي دليل رقمي يساندها أو حتى أعمال استدلال تقنية بواسطة المختصين فيها للتحقق من ارتكابها، ولا يساندها في الأوراق سوى أقوال مرسلة زعم فيها محرر المحضر ارتكاب المتهم للجريمة، وهي أقوال لا يجوز الاستناد إليها كدليل جنائي يسند عليه الاتهام.
وحيث أن ما تقدم يشكك في صحة إسناد ارتكاب الجريمة للمتهم، وحيث تنص الفقرة الأولى من المادة 304 من قانون الإجراءات الجنائية على أنه “إذا كانت الواقعة غير ثابتة أو كان القانون لا يعاقب عليها تحكم المحكمة ببراءة المتهم ويفرج عنه إن كان محبوسًا من أجل هذه الواقعة وحدها”. ولما كانت أوراق الدعوى قد خلت من أي دليل صحيح يصلح لإسناد ارتكاب الجريمة إلى المتهم، فإن ذلك يستوجب القضاء ببراءته من الاتهام المسند إليه.
دفع بديل: بطلان تقرير الفحص الفني لمخالفته ضوابط ضبط الأدلة الرقمية وجمعها وفحصها وتحريزها، وبطلان ما انتهى إليه من دليل رقمي
أحالت النيابة العامة المتهم إلى المحاكمة، مدعيةً ارتكابه جريمة الانتفاع دون وجه حق بخدمات قنوات البث المسموع والمرئي التابعة لإحدى الشركات دون موافقتها. واستندت في إسناد الاتهام إليه إلى أقوال محرر المحضر، وإلى الدليل الرقمي الذي انتهى إليه تقرير الفحص الفني المرفق بأوراق الدعوى. ولما كان تقرير الفحص الفني قد أُعد بالمخالفة للضوابط القانونية المنظمة لضبط الأدلة الرقمية وجمعها وفحصها وتحريزها، فإن ذلك يترتب عليه بطلان التقرير، وعدم جواز التعويل عليه في إثبات مشروعية الدليل الرقمي الذي استند إليه الاتهام، وذلك على النحو الآتي:
تنص المادة (11) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات على أنه:
“يكون للأدلة المستمدة أو المستخرجة من الأجهزة أو المعدات أو الوسائط أو الدعامات الإلكترونية أو من النظام المعلوماتى أو من برامج الحاسب ، أو من أى وسيلة لتقنية المعلومات ذات قيمة وحجية الأدلة الجنائية المادية فى الإثبات الجنائى متى توافرت بها الشروط الفنية الواردة باللائحة التنفيذية لهذا القانون”.
كما تنص المادة (9) من اللائحة التنفيذية للقانون على أنه:
“تحوز الأدلة الرقمية ذات القيمة والحجية للأدلة الجنائية المادية في الإثبات الجنائى إذا توافرت فيها الشروط والضوابط الآتية:
1. أن تتم عملية جمع أو الحصول أو استخراج أو استنباط الأدلة الرقمية محل الواقعة باستخدام التقنيات التى تضمن عدم تغيير أو تحديث أو محو أو تحريف للكتابة أو البيانات والمعلومات، أو أي تغيير أو تحديث أو إتلاف للأجهزة أو المعدات أو البيانات والمعلومات، أو أنظمة المعلومات أو البرامج أو الدعامات الإلكترونية وغيرها. ومنها على الأخص تقنية Digital Images Hash، Write Blocker، وغيرها من التقنيات المماثلة.
2. أن تكون الأدلة الرقمية ذات صلة بالواقعة وفى إطار الموضوع المطلوب إثباته أو نفيه، وفقًا لنطاق قرار جهة التحقيق أو المحكمة المختصة.
3. أن يتم جمع الدليل الرقمي واستخراجه وحفظه وتحريزه بمعرفة مأموري الضبط القضائي المخول لهم التعامل في هذه النوعية من الأدلة، أو الخبراء أو المتخصصين المنتدبين من جهات التحقيق أو المحاكمة، على أن يبين فى محاضر الضبط أو التقارير الفنية على نوع ومواصفات البرامج والأدوات والأجهزة والمعدات التي تم استخدامها، مع توثيق كود وخوارزم Hash الناتج عن استخراج نسخ مماثلة ومطابقة للأصل من الدليل الرقمي بمحضر الضبط أو تقرير الفحص الفني، مع ضمان استمرار الحفاظ على الأصل دون عبث به.
4. في حالة تعذر فحص نسخة الدليل الرقمي وعدم إمكانية التحفظ على الأجهزة محل الفحص لأي سبب يتم فحص الأصل ويثبت ذلك كله في محضر الضبط أو تقرير الفحص والتحليل.
5. أن يتم توثيق الأدلة الرقمية بمحضر إجراءات من قبل المختص قبل عمليات الفحص والتحليل له وكذا توثيق مكان ضبطه ومكان حفظه ومكان التعامل معه ومواصفاته”.
كما تنص المادة (10) من اللائحة ذاتها على أنه:
“يتم توصيف وتوثيق الدليل الرقمي من خلال طباعة نسخ من الملفات المخزن عليها أو تصويرها بأى وسيلة مرئية أو رقميـة، واعتمادها من الأشخاص القائمين على جمع أو استخراج أو الحصول أو التحليل للأدلة الرقمية، مع تدوين البيانات التالية على كل منها:
1. تاريخ ووقت الطباعة والتصوير.
2. اسم وتوقيع الشخص الذى قام بالطباعة والتصوير.
3. اسم أو نوع نظام التشغيل ورقم الإصدار الخاص به.
4. اسم البرنامج ونوع الإصدار أو الأوامر المستعملة لإعداد النسخ.
5. البيانات والمعلومات الخاصة بمحتوى الدليل المضبوط.
6. بيانات الأجهزة والمعدات والبرامج والأدوات المستخدمة”.
ويتضح من هذه النصوص أن المشرّع وضع مجموعة من الشروط والضوابط الإجرائية التي يجب توافرها حتى تكون للأدلة المستمدة أو المستخرجة من الأجهزة أو المعدات أو الوسائط أو الدعامات الإلكترونية، أو من النظم المعلوماتية أو برامج الحاسب أو غيرها من وسائل تقنية المعلومات، حجية في الإثبات الجنائي. وقد أحال المشرّع إلى اللائحة التنفيذية لتحديد هذه الشروط والضوابط، وربط في المادة (11) بين توافرها وبين اكتساب الدليل الرقمي القيمة والحجية المقررتين للأدلة الجنائية المادية. ويترتب على ذلك أن هذه الضوابط لا تُعد مجرد إجراءات تنظيمية، وإنما هي إجراءات جوهرية تتصل بمشروعية الدليل الرقمي وسلامته وقيمته في الإثبات.
وتكتسب هذه الإجراءات صفتها الجوهرية كذلك لاتصالها بحقوق وحريات يحميها الدستور، لما قد تتضمنه عملية ضبط الأجهزة والبيانات وفحصها من مساس بحرمة الحياة الخاصة وحرمة المراسلات الشخصية. كما أن ما ينتج عنها قد يكتسب حجية الدليل في الإثبات الجنائي، بما قد يؤثر مباشرة في المركز القانوني للمتهم. ومن ثم، فإن مخالفة أي من هذه الشروط أو الضوابط يترتب عليها بطلان الإجراء المخالف، وعدم اكتساب الدليل الرقمي الناتج عنه الحجية المقررة قانونًا. فلو كانت هذه الشروط مجرد إجراءات إرشادية أو تنظيمية، لما اشترط المشرّع توافرها حتى يحوز الدليل الرقمي ذات القيمة والحجية المقررتين للأدلة الجنائية المادية.
وحيث إن اللائحة التنفيذية للقانون نظمت هذه الإجراءات والضوابط على النحو الوارد في المادتين (9) و(10) منها، فقد اشترطت توافر ستة شروط وضوابط مجتمعة حتى يحوز الدليل الرقمي حجيته في الإثبات الجنائي، وهي على سبيل الحصر:
- أن تتم عملية جمع الأدلة الرقمية محل الواقعة أو الحصول عليها أو استخراجها أو استنباطها باستخدام تقنيات تضمن عدم تغيير الكتابة أو البيانات أو المعلومات أو تحديثها أو محوها أو تحريفها، وعدم إجراء أي تغيير أو تحديث أو إتلاف للأجهزة أو المعدات أو البيانات أو المعلومات أو أنظمة المعلومات أو البرامج أو الدعامات الإلكترونية وغيرها. ومن هذه التقنيات، على الأخص، تقنية Digital Images Hash، وتقنية Write Blocker، وغيرها من التقنيات المماثلة.
- أن تكون الأدلة الرقمية ذات صلة بالواقعة، وفي إطار الموضوع المطلوب إثباته أو نفيه، وفقًا لنطاق قرار جهة التحقيق أو المحكمة المختصة.
- أن يتم جمع الدليل الرقمي واستخراجه وحفظه وتحريزه بمعرفة مأموري الضبط القضائي المخول لهم التعامل مع هذه النوعية من الأدلة، أو بمعرفة الخبراء أو المتخصصين المنتدبين من جهات التحقيق أو المحاكمة. كما يجب أن يُبيَّن في محاضر الضبط أو التقارير الفنية نوع البرامج والأدوات والأجهزة والمعدات المستخدمة ومواصفاتها، مع توثيق كود وخوارزم Hash الناتج عن استخراج نسخ مماثلة ومطابقة لأصل الدليل الرقمي في محضر الضبط أو تقرير الفحص الفني، وضمان استمرار الحفاظ على الأصل دون العبث به.
- إذا تعذر فحص نسخة الدليل الرقمي، وتعذر التحفظ على الأجهزة محل الفحص لأي سبب، يتم فحص الأصل، ويُثبت ذلك كله في محضر الضبط أو تقرير الفحص والتحليل.
- أن يتم توثيق الأدلة الرقمية في محضر إجراءات يحرره المختص قبل إجراء عمليات الفحص والتحليل، مع توثيق مكان ضبط الدليل، ومكان حفظه، ومكان التعامل معه، ومواصفاته.
- أن يتم توصيف الدليل الرقمي وتوثيقه من خلال طباعة نسخ من الملفات المخزن عليها أو تصويرها بأي وسيلة مرئية أو رقمية، واعتمادها من الأشخاص القائمين على جمع الأدلة الرقمية أو استخراجها أو الحصول عليها أو تحليلها، مع تدوين البيانات الآتية على كل نسخة:
- تاريخ ووقت الطباعة أو التصوير.
- اسم وتوقيع الشخص الذي قام بالطباعة أو التصوير.
- اسم نظام التشغيل أو نوعه ورقم الإصدار الخاص به.
- اسم البرنامج ورقم إصداره أو الأوامر المستخدمة في إعداد النسخ.
- البيانات والمعلومات المتعلقة بمحتوى الدليل المضبوط.
- بيانات الأجهزة والمعدات والبرامج والأدوات المستخدمة.
وحيث إن تقرير الفحص الفني المرفق بأوراق الدعوى قد خلا من بيان نوع البرامج والأجهزة والمعدات المستخدمة في عملية جمع الأدلة الرقمية محل الواقعة أو الحصول عليها أو استخراجها أو استنباطها، فإنه لا يتيح التحقق من استخدام تقنيات تمنع تغيير الكتابة أو البيانات أو المعلومات أو تحديثها أو محوها أو تحريفها. كما لا يتيح التقرير التحقق من عدم العبث بالجهاز المضبوط محل الفحص أو بما يتضمنه من بيانات ومعلومات، أو من عدم إجراء أي تغيير أو تحديث أو إتلاف فيه. وقد خلا التقرير كذلك من بيان اسم البرنامج المستخدم ورقم إصداره أو الأوامر المستخدمة في إعداد نسخة الدليل الرقمي التي جرى توثيقها.
ويترتب على ذلك تعذر التحقق من سلامة الدليل الرقمي الذي انتهى إليه التقرير ومن مطابقته للأصل، بما يثير الشك في سلامة إجراءات استخراجه وتوثيقه، وينفي عنه الجزم واليقين اللازمين للتعويل عليه في الإثبات الجنائي. كما يشكل ذلك مخالفة للشرط الثالث من الشروط المنصوص عليها في المادة (9) من اللائحة التنفيذية للقانون، ومخالفة لما تقضي به المادة (10) من اللائحة ذاتها.
واستنادًا إلى ما تقدم، يكون تقرير الفحص الفني قد شابه العوار ولحقه البطلان، لمخالفته الإجراءات والضوابط اللازمة لفحص الأدلة الرقمية وجمعها واستخراجها وتوثيقها. ويمتد هذا البطلان إلى شهادة القائم بالفحص ومحرر التقرير فيما يتعلق بما انتهى إليه من نتائج، وإلى ما ترتب على ذلك من إجراءات، وفي مقدمتها الدليل الرقمي الذي خلص إليه التقرير.
ولما كان الشك يُفسر لمصلحة المتهم، وكان من المقرر درء الحد بالشبهة، وكانت الفقرة الأولى من المادة (304) من قانون الإجراءات الجنائية تنص على أنه: “إذا كانت الواقعة غير ثابتة أو كان القانون لا يعاقب عليها تحكم المحكمة ببراءة المتهم ويفرج عنه إن كان محبوسًا من أجل هذه الواقعة وحدها”، وحيث جاءت أوراق الدعوى خالية من أي دليل صحيح يصلح لإسناد ارتكاب الجريمة إلى المتهم، فإن ذلك يستوجب القضاء ببراءته من الاتهام المسند إليه.
دفع بديل:بطلان تقرير الفحص الفني لعدم بيانه للتقنية المستخدمة من جانب المتهم في ارتكاب الجريمة
أحالت النيابة العامة المتهم إلى المحاكمة، مدعيةً ارتكابه جريمة الانتفاع دون وجه حق بخدمات قنوات البث المسموع والمرئي التابعة لإحدى الشركات دون موافقتها. واستندت في إسناد الاتهام إليه إلى أقوال محرر المحضر، وإلى الدليل الرقمي الذي انتهى إليه تقرير الفحص الفني المرفق بأوراق الدعوى. ولما كان تقرير الفحص الفني قد جاء مخالفًا للضوابط القانونية، حيث خلى من بيان التقنيات التي استخدمها المتهم، فلم يوضح طبيعتها ومدى انطباق عليها وصف تقنية معلوماتية أو وصف نظام معلوماتي من عدمه، ومن ثم يكون خرج عن نطاق المطلوب إثباته أو نفيه وفقًا لقرار النيابة العامة في التحقيقات، مما يترتب عليه بطلانه وعدم التعويل عليه في تحقيق مشروعية الدليل الرقمي سند الاتهام وذلك على النحو الآتي:
تنص المادة (11) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات على أنه
“يكون للأدلة المستمدة أو المستخرجة من الأجهزة أو المعدات أو الوسائط أو الدعامات الإلكترونية أو من النظام المعلوماتى أو من برامج الحاسب ، أو من أى وسيلة لتقنية المعلومات ذات قيمة وحجية الأدلة الجنائية المادية فى الإثبات الجنائى متى توافرت بها الشروط الفنية الواردة باللائحة التنفيذية لهذا القانون”.
كما تنص المادة (9) من اللائحة التنفيذية للقانون على أنه:
“تحوز الأدلة الرقمية ذات القيمة والحجية للأدلة الجنائية المادية في الإثبات الجنائى إذا توافرت فيها الشروط والضوابط الآتية:
1. أن تتم عملية جمع أو الحصول أو استخراج أو استنباط الأدلة الرقمية محل الواقعة باستخدام التقنيات التى تضمن عدم تغيير أو تحديث أو محو أو تحريف للكتابة أو البيانات والمعلومات، أو أي تغيير أو تحديث أو إتلاف للأجهزة أو المعدات أو البيانات والمعلومات، أو أنظمة المعلومات أو البرامج أو الدعامات الإلكترونية وغيرها. ومنها على الأخص تقنية Digital Images Hash، Write Blocker، وغيرها من التقنيات المماثلة.
2. أن تكون الأدلة الرقمية ذات صلة بالواقعة وفى إطار الموضوع المطلوب إثباته أو نفيه، وفقًا لنطاق قرار جهة التحقيق أو المحكمة المختصة.
3. أن يتم جمع الدليل الرقمي واستخراجه وحفظه وتحريزه بمعرفة مأموري الضبط القضائي المخول لهم التعامل في هذه النوعية من الأدلة، أو الخبراء أو المتخصصين المنتدبين من جهات التحقيق أو المحاكمة، على أن يبين فى محاضر الضبط أو التقارير الفنية على نوع ومواصفات البرامج والأدوات والأجهزة والمعدات التي تم استخدامها، مع توثيق كود وخوارزم Hash الناتج عن استخراج نسخ مماثلة ومطابقة للأصل من الدليل الرقمي بمحضر الضبط أو تقرير الفحص الفني، مع ضمان استمرار الحفاظ على الأصل دون عبث به.
4. في حالة تعذر فحص نسخة الدليل الرقمي وعدم إمكانية التحفظ على الأجهزة محل الفحص لأي سبب يتم فحص الأصل ويثبت ذلك كله في محضر الضبط أو تقرير الفحص والتحليل.
5. أن يتم توثيق الأدلة الرقمية بمحضر إجراءات من قبل المختص قبل عمليات الفحص والتحليل له وكذا توثيق مكان ضبطه ومكان حفظه ومكان التعامل معه ومواصفاته”.
كذلك تنص المادة (10) من اللائحة ذاتها على أنه:
“يتم توصيف وتوثيق الدليل الرقمي من خلال طباعة نسخ من الملفات المخزن عليها أو تصويرها بأى وسيلة مرئية أو رقميـة، واعتمادها من الأشخاص القائمين على جمع أو استخراج أو الحصول أو التحليل للأدلة الرقمية، مع تدوين البيانات التالية على كل منها:
1. تاريخ ووقت الطباعة والتصوير.
2. اسم وتوقيع الشخص الذى قام بالطباعة والتصوير.
3. اسم أو نوع نظام التشغيل ورقم الإصدار الخاص به.
4. اسم البرنامج ونوع الإصدار أو الأوامر المستعملة لإعداد النسخ.
5. البيانات والمعلومات الخاصة بمحتوى الدليل المضبوط.
6. بيانات الأجهزة والمعدات والبرامج والأدوات المستخدمة”.
ومن ثم، يكون المشرّع قد وضع مجموعة من الشروط والضوابط الإجرائية اللازمة لإضفاء الحجية في الإثبات الجنائي على الأدلة المستمدة أو المستخرجة من الأجهزة أو المعدات أو الوسائط أو الدعامات الإلكترونية، أو من النظم المعلوماتية أو برامج الحاسب، أو من أي وسيلة من وسائل تقنية المعلومات. وقد أحال المشرّع تنظيم هذه الشروط والضوابط إلى اللائحة التنفيذية للقانون، وهو ما يترتب عليه جوهرية هذه الإجراءات، لكونها إجراءات ماسة بالحقوق والحريات لما تتضمنه من مساس بحرمة الحياة الخاصة وحرمة المراسلات الشخصية، وكذلك لكون ما ينتج عنها يحوز حجية الدليل في الإثبات الجنائي. ومن ثم يترتب على مخالفة أي منها البطلان فهي ليست محض إجراءات تنظيمية، وإلا ما كان المشرع قد اشترط توافرها لإضفاء الحجية على الدليل الرقمي ليحوز ذات الحجية المقررة للأدلة المادية الأخرى.
وحيث إن اللائحة التنفيذية للقانون نظمت هذه الإجراءات والضوابط على النحو الوارد في المادتين (9) و(10) منها، فقد اشترطت توافر ستة شروط وضوابط مجتمعة حتى يحوز الدليل الرقمي حجيته في الإثبات الجنائي، وهي على سبيل الحصر:
- أن تتم عملية جمع الأدلة الرقمية محل الواقعة أو الحصول عليها أو استخراجها أو استنباطها باستخدام تقنيات تضمن عدم تغيير الكتابة أو البيانات أو المعلومات أو تحديثها أو محوها أو تحريفها، وعدم إجراء أي تغيير أو تحديث أو إتلاف للأجهزة أو المعدات أو البيانات أو المعلومات أو أنظمة المعلومات أو البرامج أو الدعامات الإلكترونية وغيرها. ومن هذه التقنيات، على الأخص، تقنية Digital Images Hash، وتقنية Write Blocker، وغيرها من التقنيات المماثلة.
- أن تكون الأدلة الرقمية ذات صلة بالواقعة، وفي إطار الموضوع المطلوب إثباته أو نفيه، وفقًا لنطاق قرار جهة التحقيق أو المحكمة المختصة.
- أن يتم جمع الدليل الرقمي واستخراجه وحفظه وتحريزه بمعرفة مأموري الضبط القضائي المخول لهم التعامل مع هذه النوعية من الأدلة، أو بمعرفة الخبراء أو المتخصصين المنتدبين من جهات التحقيق أو المحاكمة. كما يجب أن يُبيَّن في محاضر الضبط أو التقارير الفنية نوع البرامج والأدوات والأجهزة والمعدات المستخدمة ومواصفاتها، مع توثيق كود وخوارزم Hash الناتج عن استخراج نسخ مماثلة ومطابقة لأصل الدليل الرقمي في محضر الضبط أو تقرير الفحص الفني، وضمان استمرار الحفاظ على الأصل دون العبث به.
- إذا تعذر فحص نسخة الدليل الرقمي، وتعذر التحفظ على الأجهزة محل الفحص لأي سبب، يتم فحص الأصل، ويُثبت ذلك كله في محضر الضبط أو تقرير الفحص والتحليل.
- أن يتم توثيق الأدلة الرقمية في محضر إجراءات يحرره المختص قبل إجراء عمليات الفحص والتحليل، مع توثيق مكان ضبط الدليل، ومكان حفظه، ومكان التعامل معه، ومواصفاته.
- أن يتم توصيف الدليل الرقمي وتوثيقه من خلال طباعة نسخ من الملفات المخزن عليها أو تصويرها بأي وسيلة مرئية أو رقمية، واعتمادها من الأشخاص القائمين على جمع الأدلة الرقمية أو استخراجها أو الحصول عليها أو تحليلها، مع تدوين البيانات الآتية على كل نسخة:
- تاريخ ووقت الطباعة أو التصوير.
- اسم وتوقيع الشخص الذي قام بالطباعة أو التصوير.
- اسم نظام التشغيل أو نوعه ورقم الإصدار الخاص به.
- اسم البرنامج ورقم إصداره أو الأوامر المستخدمة في إعداد النسخ.
- البيانات والمعلومات المتعلقة بمحتوى الدليل المضبوط.
- بيانات الأجهزة والمعدات والبرامج والأدوات المستخدمة.
وحيث إن تقرير الفحص الفني المرفق بأوراق الدعوى قد خلا من بيان تقنية المعلومات التي استخدمها المتهم في ارتكاب الجريمة موضوع الاتهام، فلم يوضح طبيعتها على نحو واضح ومحدد يتيح تمييزها، كما لم يبيّن مدى انطباق وصف «تقنية المعلومات» أو «النظام المعلوماتي» عليها. ومن ثم، لم يتناول التقرير المسألة المطلوب إثباتها أو نفيها وفقًا لنطاق قرار النيابة العامة الصادر في التحقيقات، بما يثير الشك في سلامة الدليل الرقمي الذي انتهى إليه، وينفي عنه الجزم واليقين اللازمين للتعويل عليه في الإثبات الجنائي لكونه خالف الشرط الثاني من الشروط المنصوص عليها في المادة (9) من اللائحة التنفيذية للقانون.
واستنادًا إلى ذلك، يكون تقرير الفحص الفني قد شابه العوار ولحقه البطلان، لمخالفته الإجراءات والضوابط اللازمة لفحص الأدلة الرقمية وجمعها واستخراجها. ويمتد هذا البطلان إلى شهادة القائم بالفحص ومحرر التقرير فيما يتعلق بما انتهى إليه من نتائج، وإلى ما ترتب على ذلك من إجراءات، وفي مقدمتها الدليل الرقمي الذي خلص إليه التقرير.
انتفاء الركن المادي للجريمة لخلو الجهاز المضبوط من أي تقنية معلومات مستخدمة في ارتكابها
أحالت النيابة العامة المتهم إلى المحاكمة على سند ارتكابه جريمة الانتفاع دون وجه حق عن طريق إحدى وسائل تقنية المعلومات بخدمة من خدمات قنوات البث، استنادًا لإجراءات مأمور الضبط محرر محضر الواقعة، التي تضمنت تفتيشه بنفسه لجهاز الحاسب الشخصي المملوك للمتهم باعتباره وسيلة ارتكاب الجريمة، ثم أجرى تفتيشًا وفحصًا لمحتوى هذا الجهاز ونفذ إلى البيانات والمعلومات المخزنة عليه، وتحفّظ على ما استخلصه من بيانات بوصفها دليلًا رقميًا على الانتفاع بغير حق بخدمات القنوات المشفرة.
وبالفرض الجدلي بصحة ومشروعية إجراءات التفتيش والنفاذ والتحفظ على المحتوى الرقمي المشار إليه وجمعه، فإن ما تحفظ عليه مأمور الضبط واستخلصه من المحتوى الرقمي المزعوم اقتصر على مراسلات شخصية بين المتهم وآخرين عبر البريد الإلكتروني، الذي كان متاحًا النفاذ إليه من خلال المتصفح، إلى جانب مقاطع فيديو وملفات نصية مخزنة على وسيط التخزين الخاص بالجهاز.
ولم يتضمن هذا المحتوى الرقمي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ما يفيد استخدام أي تقنية معلومات في ارتكاب الجريمة المزعومة. كما خلا الجهاز المشار إليه من أي تقنية معلومات، سواء كانت تطبيقًا، أو أكوادًا برمجية، أو برنامجًا معلوماتيًا، لها صلة بفك تشفير القنوات التي يدعي مأمور الضبط أن المتهم انتفع بخدماتها دون وجه حق. وخلا الجهاز كذلك من أي حسابات على مواقع يُعتقد أنها تتيح الوصول إلى تقنيات تستخدم في فك التشفير، ولم يكن سوى جهاز حاسب مخصص للاستخدام الشخصي للمتهم.
وحيث تنص المادة (13) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات على أنه:
“يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر ، وبغرامة لا تقل عن عشرة ألاف جنيه ولا تجاوز خمسين ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من انتفع بدون وجه حق عن طريق شبكة النظام المعلوماتى أو إحدى وسائل تقنية المعلومات بخدمة اتصالات أو خدمة من خدمات قنوات البث المسموع أو المرئي”.
كما تنص المادة (1) من القانون ذاته على أنه:
“في تطبيق أحكام هذا القانون، يقصد بالكلمات والعبارات التالية المعنى المبين قرين كل منها:
تقنية المعلومات: أي وسيلة أو مجموعة وسائل مترابطة أو غير مترابطة تستخدم لتخزين واسترجاع وترتيب وتنظيم ومعالجة وتطوير وتبادل المعلومات أو البيانات، ويشمل ذلك كل ما يرتبط بالوسيلة أو الوسائل المستخدمة سلكيًا أو لاسلكيًا.
النظام المعلوماتي: مجموعة برامج وأدوات معدة لغرض إدارة ومعالجة البيانات والمعلومات، أو تقديم خدمة معلوماتية”.
ولما كان ثبوت هذه الجريمة يتطلب توافر ركنين رئيسيين، هما الركن المادي والركن المعنوي، فإن ركنها المادي يتحقق بارتكاب الجاني السلوك الإجرامي المتمثل في استخدام نظام معلوماتي أو تقنية معلومات، على سبيل الحصر دون غيرهما من الوسائل، لتحقيق النتيجة الإجرامية المتمثلة في الانتفاع بخدمة اتصالات أو بخدمة من خدمات قنوات البث المسموع أو المرئي. ومن صور هذا السلوك، على سبيل المثال، تزويد المستخدمين بتطبيقات تتيح الوصول إلى محتوى محمي دون إذن، أو استخدام تقنيات القرصنة الإلكترونية لتجاوز أنظمة الحماية الخاصة بمقدمي الخدمة.
وقد حصر المشرّع وسائل ارتكاب السلوك الإجرامي لهذه الجريمة في وسيلتين دون غيرهما، هما النظام المعلوماتي وتقنية المعلومات، وعرّفهما القانون على النحو الآتي:
- النظام المعلوماتي: مجموعة برامج و أدوات معدة لغرض إدارة ومعالجة البيانات والمعلومات، أو تقديم خدمة معلوماتية.
- تقنية المعلومات: أى وسيلة أو مجموعة وسائل مترابطة أو غير مترابطة تستخدم لتخزين واسترجاع وترتيب وتنظيم ومعالجة وتطوير وتبادل المعلومات أو البيانات، ويشمل ذلك كل ما يرتبط بالوسيلة أو الوسائل المستخدمة سلكيًا أو لاسلكيًا.
وإذا كان لا يتصور قيام جريمة جنائية دون تحقق ركنيها المادي والمعنوي؛ من ثم لا يمكن تصور قيام هذه الجريمة إذا تخلف أحد عناصر ركنها المادي، وهو الوسيلة المستخدمة في ارتكاب السلوك الإجرامي، التي حصرها القانون في وسيلتين دون غيرهما، هما النظام المعلوماتي أو تقنية معلومات؛ فيشترط لارتكاب سلوك إجرامي وفقًا للنموذج القانوني لهذه الجريمة أن يستخدم الجاني أي من هاتين الوسيلتين على سبيل الحصر دون غيرهم في ارتكاب الجريمة، أما إذا استخدم أي وسيلة أخرى غيرهما فيخرج ذلك عن النموذج القانوني لهذه الجريمة؛ فلا يجوز إسناد الاتهام إليه أو إدانته بارتكابها.
واستنادًا إلى ما تقدم، فقد خلت أوراق الدعوى مما يثبت استخدام الحاسب الشخصي الخاص بالمتهم، أو أي تقنية معلومات أو نظام معلوماتي موجود عليه، في ارتكاب الجريمة محل الاتهام. كما ثبت أن المحتوى المضبوط لم يتضمن تطبيقات أو برامج أو أكوادًا أو حسابات أو أدوات تقنية ذات صلة بفك تشفير القنوات محل الواقعة. ومن ثم، يخرج السلوك المنسوب إلى المتهم عن نطاق النموذج القانوني للجريمة المنصوص عليها في المادة (13) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، ولا يجوز إسناد الاتهام إليه أو إدانته بارتكابها.
وحيث تنص الفقرة الأولى من المادة (304) من قانون الإجراءات الجنائية على أنه:
“إذا كانت الواقعة غير ثابتة أو كان القانون لا يعاقب عليها تحكم المحكمة ببراءة المتهم ويفرج عنه إن كان محبوسًا من أجل هذه الواقعة وحدها”.
وحيث جاءت أوراق الدعوى خالية من أي دليل صحيح يصلح لإسناد ارتكاب الجريمة إلى المتهم، فإن ذلك يستوجب القضاء ببراءته من الاتهام المسند إليه.
انتفاء الركن المادي للجريمة لعدم استخدام تقنية معلومات
أحالت النيابة العامة المتهم إلى المحاكمة على سند ارتكابه جريمة الانتفاع دون وجه حق عن طريق إحدى وسائل تقنية المعلومات بخدمة من خدمات قنوات البث، استنادًا لإجراءات مأمور الضبط محرر محضر الواقعة، التي تضمنت تفتيشه بنفسه لجهاز الحاسب الشخصي المملوك للمتهم باعتباره وسيلة ارتكاب الجريمة، ثم أجرى تفتيشًا وفحصًا لمحتوى هذا الجهاز ونفذ إلى البيانات والمعلومات المخزنة عليه، وتحفّظ على ما استخلصه من بيانات بوصفها دليلًا رقميًا على الانتفاع بغير حق بخدمات القنوات المشفرة.
وبالفرض الجدلي بصحة ومشروعية إجراءات التفتيش والنفاذ والتحفظ على المحتوى الرقمي المشار إليه وجمعه، فإن الجريمة موضوع الاتهام، وفقًا للصورة التي أوردها مأمور الضبط، لا يتصور ارتكابها باستخدام تقنية معلومات أو نظام معلوماتي. ويرجع ذلك إلى أن جهاز الاستقبال المستخدم في الواقعة مملوك للشركة المرخص لها بتقديم خدمات البث، وهي صاحبة الحق في استخدامه وتوزيعه على المستخدمين. كما أن المتهم استخدم الجهاز بموجب تعاقد مع هذه الشركة، وبالطريقة المخصصة له، ووفقًا للكيفية المبينة في دليل التشغيل والاستخدام.
وبفرض وجود مخالفة في استخدام المتهم للجهاز، فإنها لا تتجاوز استخدامه في نشاط تجاري بالمخالفة للتعاقد المبرم مع الشركة مقدمة الخدمة، الذي قصر استخدام الجهاز على الأغراض الشخصية والمنزلية دون الأغراض التجارية. كما لم يتوصل تقرير الفحص الفني إلى استخدام المتهم أي تقنية معلومات أو نظام معلوماتي، سواء من خلال جهاز الاستقبال أو من خلال جهاز الحاسب الشخصي الخاص به.
وحيث تنص المادة (13) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات على أنه:
“يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر، وبغرامة لا تقل عن عشرة ألاف جنيه ولا تجاوز خمسين ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من انتفع بدون وجه حق عن طريق شبكة النظام المعلوماتى أو إحدى وسائل تقنية المعلومات بخدمة اتصالات أو خدمة من خدمات قنوات البث المسموع أو المرئي”.
كما تنص المادة (1) من القانون ذاته على أنه:
“في تطبيق أحكام هذا القانون، يقصد بالكلمات والعبارات التالية المعنى المبين قرين كل منها:
تقنية المعلومات: أي وسيلة أو مجموعة وسائل مترابطة أو غير مترابطة تستخدم لتخزين واسترجاع وترتيب وتنظيم ومعالجة وتطوير وتبادل المعلومات أو البيانات، ويشمل ذلك كل ما يرتبط بالوسيلة أو الوسائل المستخدمة سلكيًا أو لاسلكيًا.
النظام المعلوماتي: مجموعة برامج وأدوات معدة لغرض إدارة ومعالجة البيانات والمعلومات، أو تقديم خدمة معلوماتية”.
ولما كان ثبوت هذه الجريمة يتطلب توافر ركنين رئيسيين، هما الركن المادي والركن المعنوي، فإن ركنها المادي يتحقق بارتكاب الجاني السلوك الإجرامي المتمثل في استخدام نظام معلوماتي أو تقنية معلومات، على سبيل الحصر دون غيرهما من الوسائل، لتحقيق النتيجة الإجرامية المتمثلة في الانتفاع بخدمة اتصالات أو بخدمة من خدمات قنوات البث المسموع أو المرئي.
ومن صور هذا السلوك، على سبيل المثال، تزويد المستخدمين بتطبيقات تتيح الوصول إلى محتوى محمي دون إذن، أو استخدام تقنيات القرصنة الإلكترونية لتجاوز أنظمة الحماية الخاصة بمقدمي الخدمة.
وقد حصر المشرّع وسائل ارتكاب السلوك الإجرامي لهذه الجريمة في وسيلتين دون غيرهما، هما النظام المعلوماتي وتقنية المعلومات، وعرّفهما القانون على النحو الآتي:
- النظام المعلوماتي: مجموعة برامج و أدوات معدة لغرض إدارة ومعالجة البيانات والمعلومات، أو تقديم خدمة معلوماتية.
- تقنية المعلومات: أى وسيلة أو مجموعة وسائل مترابطة أو غير مترابطة تستخدم لتخزين واسترجاع وترتيب وتنظيم ومعالجة وتطوير وتبادل المعلومات أو البيانات، ويشمل ذلك كل ما يرتبط بالوسيلة أو الوسائل المستخدمة سلكيًا أو لاسلكيًا.
ولما كان قيام الجريمة الجنائية يفترض توافر ركنيها المادي والمعنوي، فلا يمكن تصور قيام الجريمة المنصوص عليها في المادة (13) إذا تخلف أحد عناصر ركنها المادي، ومن بينها الوسيلة المستخدمة في ارتكاب السلوك الإجرامي، التي حصرها القانون في النظام المعلوماتي أو تقنية المعلومات.
ويشترط، وفقًا للنموذج القانوني لهذه الجريمة، أن يستخدم الجاني إحدى هاتين الوسيلتين، على سبيل الحصر، في ارتكاب السلوك الإجرامي. أما إذا استُخدمت وسيلة أخرى لا ينطبق عليها وصف النظام المعلوماتي أو تقنية المعلومات، فإن السلوك يخرج عن نطاق النموذج القانوني للجريمة، ولا يجوز إسناد الاتهام إلى المتهم أو إدانته بارتكابها.
وفي هذا السياق، قضت محكمة القاهرة الاقتصادية بأن:
“ولما كان ما ارتكبه المتهمين لم يستخدما فيه اى عملية لفك تشفير أو بث باستخدام تقنية المعلومات وشبكاتها وإنما فعلهما عن طريق استخدام مستقبل القنوات الخاصة بالشركة المالكة في غير الغرض المرخص به فلا يتعدى ليكون مجرم بقانون تقنية المعلومات، وإنما بقانون الملكية الفكرية فقط لعدم استخدامها اى تقنية أو شبكة معلوماتية في البث. الأمر الذى ينهار معه الركن المادي لقيام تلك الجريمة وبانهيار ذلك الركن يخرج الفعل المرتكب من قبل المتهمين من دائرة التأثيم المنصوص عليها بالمادة ١٣ من القانون رقم ١٧٥ لسنة ٢٠١٨ حيث أن المتهمين من غير المخاطبين بهما ولا يخضعا لأحكام هذا الفصل”.
(حكم محكمة القاهرة الاقتصادية، جلسة 31-10-2023، الدعوى رقم 1316 لسنة 2023 جنح اقتصادية القاهرة )
واستنادًا إلى ما تقدم، فقد خلت أوراق الدعوى مما يثبت على وجه اليقين وقوع الجريمة موضوع الاتهام، سواء من المتهم أو من غيره. كما أن الواقعة المنسوبة إلى المتهم، بفرض صحتها، خلت أوراقها من أي دليل يقيني على استخدامه تقنية معلومات أو نظامًا معلوماتيًا في ارتكابها. ومن ثم، يخرج السلوك المنسوب إلى المتهم عن نطاق النموذج القانوني للجريمة المنصوص عليها في المادة (13) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، ولا يجوز إسناد الاتهام إليه أو إدانته بارتكابها.
وحيث تنص الفقرة الأولى من المادة (304) من قانون الإجراءات الجنائية على أنه:
“إذا كانت الواقعة غير ثابتة أو كان القانون لا يعاقب عليها تحكم المحكمة ببراءة المتهم ويفرج عنه إن كان محبوسًا من أجل هذه الواقعة وحدها”.
وحيث جاءت أوراق الدعوى خالية من أي دليل صحيح يصلح لإسناد ارتكاب الجريمة إلى المتهم، فإن ذلك يستوجب القضاء ببراءته من الاتهام المسند إليه.
خلو الأوراق من بيان ماهية تقنية المعلومات أو النظام المعلوماتي المستخدم في ارتكاب الجريمة
يتطلب تحقق جريمة الانتفاع دون وجه حق، عن طريق إحدى وسائل تقنية المعلومات، بخدمة من خدمات قنوات البث المسموع أو المرئي، توافر ركنين رئيسيين، هما الركن المادي والركن المعنوي. ويتحقق الركن المادي لهذه الجريمة بارتكاب الجاني السلوك الإجرامي المتمثل في استخدام نظام معلوماتي أو تقنية معلومات، على سبيل الحصر دون غيرهما من الوسائل، لتحقيق النتيجة الإجرامية المتمثلة في الانتفاع بخدمة اتصالات أو بخدمة من خدمات قنوات البث المسموع أو المرئي. ومن صور هذا السلوك، على سبيل المثال، تزويد المستخدمين بتطبيقات تتيح الوصول إلى محتوى محمي دون إذن، أو استخدام تقنيات القرصنة الإلكترونية لتجاوز أنظمة الحماية الخاصة بمقدمي الخدمة.
وقد حصر المشرّع وسائل ارتكاب السلوك الإجرامي لهذه الجريمة في وسيلتين دون غيرهما، هما النظام المعلوماتي وتقنية المعلومات، وعرّفهما القانون على النحو الآتي:
- النظام المعلوماتي: مجموعة برامج و أدوات معدة لغرض إدارة ومعالجة البيانات والمعلومات، أو تقديم خدمة معلوماتية.
- تقنية المعلومات: أى وسيلة أو مجموعة وسائل مترابطة أو غير مترابطة تستخدم لتخزين واسترجاع وترتيب وتنظيم ومعالجة وتطوير وتبادل المعلومات أو البيانات، ويشمل ذلك كل ما يرتبط بالوسيلة أو الوسائل المستخدمة سلكيًا أو لاسلكيًا.
ولما كان قيام الجريمة الجنائية يفترض توافر ركنيها المادي والمعنوي، فلا يمكن تصور قيام هذه الجريمة إذا تخلف أحد عناصر ركنها المادي، ومن بينها الوسيلة المستخدمة في ارتكاب السلوك الإجرامي، التي حصرها القانون في النظام المعلوماتي أو تقنية المعلومات. ويشترط، وفقًا للنموذج القانوني لهذه الجريمة، أن يستخدم الجاني إحدى هاتين الوسيلتين، على سبيل الحصر، في ارتكاب السلوك الإجرامي. أما إذا استُخدمت وسيلة أخرى لا ينطبق عليها وصف النظام المعلوماتي أو تقنية المعلومات، فإن السلوك يخرج عن نطاق النموذج القانوني للجريمة، ولا يجوز إسناد الاتهام إلى المتهم أو إدانته بارتكابها.
وحيث إن محضر الضبط قد اقتصر، وفقًا لما ورد بأقوال محرره، على الادعاء بارتكاب المتهم الجريمة، وضبط جهاز الاستقبال والحاسب الشخصي الخاص بالمتهم، وتفتيش الحاسب والنفاذ إلى محتواه الرقمي.
كما اقتصر تقرير الفحص الفني على بيان طبيعة الجهازين المشار إليهما ونوعهما والغرض المخصص لاستخدام كل منهما، دون بيان وجود تقنية معلومات أو نظام معلوماتي على أي منهما استخدمه المتهم في ارتكاب الجريمة موضوع الاتهام. ولم يبيّن التقرير كذلك وجود أي تقنية متاحة على أي من الجهازين يمكن استخدامها في ارتكاب الجريمة، حتى ولو لم يثبت استخدامها بالفعل.
ولما كانت أوراق الدعوى قد خلت من بيان ماهية تقنية المعلومات أو النظام المعلوماتي المستخدم في ارتكاب الجريمة المزعومة، على نحو واضح ومحدد وقاطع، فإن ارتكاب الجريمة بالصورة الواردة في الأوراق لا يكون متصورًا، لتخلف أحد عناصر ركنها المادي، وهو الوسيلة المستخدمة في ارتكاب السلوك الإجرامي. ولا يستقيم القول بقيام الجريمة دون إثبات استخدام إحدى الوسيلتين اللتين حددهما المشرّع على سبيل الحصر، وهما النظام المعلوماتي أو تقنية المعلومات.
وحيث تنص الفقرة الأولى من المادة (304) من قانون الإجراءات الجنائية على أنه
“إذا كانت الواقعة غير ثابتة أو كان القانون لا يعاقب عليها تحكم المحكمة ببراءة المتهم ويفرج عنه إن كان محبوسًا من أجل هذه الواقعة وحدها”.
وحيث جاءت أوراق الدعوى خالية من أي دليل صحيح يصلح لإسناد ارتكاب الجريمة إلى المتهم، فإن ذلك يستوجب القضاء ببراءته من الاتهام المسند إليه.
انتفاء الركن المعنوي للجريمة لانتفاء قصد الانتفاع دون وجه حق
أحالت النيابة العامة المتهم إلى المحاكمة على سند ارتكابه جريمة الانتفاع دون وجه حق عن طريق إحدى وسائل تقنية المعلومات بخدمة من خدمات قنوات البث استنادًا لإجراءات مأمور الضبط محرر محضر الواقعة.
وحيث تنص المادة (13) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات على أنه:
“يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر، وبغرامة لا تقل عن عشرة ألاف جنيه ولا تجاوز خمسين ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من انتفع بدون وجه حق عن طريق شبكة النظام المعلوماتى أو إحدى وسائل تقنية المعلومات بخدمة اتصالات أو خدمة من خدمات قنوات البث المسموع أو المرئي”.
ولما كان ثبوت هذه الجريمة يتطلب توافر ركنين رئيسيين، هما الركن المادي والركن المعنوي، فإن ركنها المعنوي لا يتحقق إلا بتوافر عنصري العلم والإرادة. ويقصد بالعلم إدراك الجاني أن السلوك الذي يرتكبه يشكل الجريمة محل المحاكمة، بينما تتمثل الإرادة في اتجاه إرادته إلى تحقيق النتيجة الإجرامية المترتبة على هذا السلوك. ويتمثل عنصرا الركن المعنوي لهذه الجريمة فيما يأتي:
- العلم: يجب لتحققه إثبات أن المتهم كان على دراية بأنه بنتفع بصورة غير مشروعة من خدمات الاتصال أو خدمات البث المرئي أو المسموع، وأن هذا الانتفاع غير المشروع بشكل جريمة جنائية مقرر لها عقوبة وفقًا للقانون.
- الإرادة: يجب لتحققها إثبات نية المتهم في تحقيق منفعة دون وجه حق من هذا السلوك الإجرامي، سواء منفعة مادية عن طريق تحقيق مكاسب تجارية، أو منفعة معنوية كتوفير هذه الخدمة بقصد الإضرار بمقدم الخدمة.
ولما كان الثابت من أوراق الدعوى أنها خلت من إثبات توافر أي منهما، حيث أن السند الوحيد للدعوى الماثلة هي ما أدعاه محرر المحضر في أقواله التي انفرد بها دون غيره، والتي جاءت خالية مما يفيد حصول المتهم على أي منفعة مادية أو مكاسب تجارية من الواقعة المزعوم ارتكابه لها. كما خلت الأوراق مما يثبت على وجه اليقين وقوع أضرار بمقدم الخدمة على النحو الذي أورده محرر المحضر، فضلًا عن عدم وجود مجني عليه ادعى تعرضه لضرر مادي أو معنوي نتيجة الواقعة.
ولا يتصور ارتكاب الجريمة موضوع الاتهام بالصورة الواردة في الأوراق؛ إذ إن جهاز الاستقبال المستخدم في الواقعة مملوك للشركة المرخص لها بتقديم خدمات البث، وهي صاحبة الحق في استخدامه وتوزيعه على المستخدمين. كما أن المتهم استخدم الجهاز بموجب تعاقد أبرمه مع هذه الشركة، تسلم بمقتضاه الجهاز ومُنح الحق في استخدامه. واستخدم المتهم الجهاز للغرض المخصص له، ووفقًا للكيفية المبينة في دليل التشغيل والاستخدام، كما اقتصر استخدامه على الانتفاع الشخصي، دون استعماله في أغراض تجارية.
وبفرض أن المتهم استخدم الجهاز داخل مكان يباشر فيه نشاطًا تجاريًا، فإن هذه الواقعة لا تكفي، في حد ذاتها، لإثبات اتجاه إرادته إلى الانتفاع بالخدمة دون وجه حق، ولا تعد قرينة كافية على توافر القصد الجنائي للجريمة. والقول بغير ذلك من شأنه أن يخالف أصل البراءة المفترض في المتهم. ويستلزم إثبات عنصر الإرادة، ومن ثم القصد الجنائي لهذه الجريمة، إقامة الدليل على أن المتهم تعمد مخالفة شروط التعاقد المبرم مع مقدم الخدمة بقصد الانتفاع بها دون وجه حق. وهو ما لم يثبت في الدعوى الماثلة، إذ خلت الأوراق مما يفيد مخالفة المتهم شروط هذا التعاقد. كما خلت الأوراق من أي تقرير أو شكوى صادرة عن مقدم الخدمة، الذي يفترض أنه المجني عليه في هذه الدعوى، تفيد بأن المتهم انتفع دون وجه حق بالخدمات التي يقدمها.
ومن ثم، لم تقدم النيابة العامة ما يثبت توافر القصد الجنائي للجريمة موضوع الاتهام، وبوجه خاص عنصر الإرادة المتمثل في اتجاه إرادة المتهم إلى الانتفاع بهذه الخدمة بصورة غير مشروعة. وبانتفاء القصد الجنائي ينتفي الركن المعنوي للجريمة، ولا يكتمل نموذجها القانوني، بما يستوجب القضاء ببراءة المتهم من الاتهام المسند إليه.
الطلبات
لذلك نلتمس من عدالتكم:
أصليًا الحكم بالبراءة للأسباب السالف ذكرها.
وبصفة احتياطية، ندب خبير فني مختص من الجهات الفنية المعتمدة لفحص الأجهزة أو الوسائل محل الضبط – إن وجدت – وبيان ما إذا كانت الواقعة قد تمت عبر “شبكة أو نظام معلوماتي أو إحدى وسائل تقنية المعلومات” من عدمه.
وبصفة احتياطية أخيرة، استعمال الرأفة المقررة بالمادة (17) من قانون العقوبات إن رأت المحكمة – جدلًا – ثبوت الواقعة، دون ما إقرار منا بذلك، مع إعمال أقصى حدود التخفيف، بالنظر لملابسات الدعوى وخلو الأوراق من دليل يقيني على توافر أركان الجريمة وقصدها.