مذكرة دفوع موضوعية في جريمة حيازة واستخدام طائرة مسيرة دون تصريح

القسم:

تاريخ النشر:

أبريل 14, 2026

تاريخ النشر:

أبريل 14, 2026

مقدمة

في السنوات الأخيرة، باتت التقنيات المرتبطة بالطائرات المُسيَّرة جزءًا متناميًا من أدوات التعليم الهندسي والبحث التطبيقي، سواء في الجامعات أو بيئات التدريب الفني. ومع هذا الانتشار، أصبح من الطبيعي أن تظهر أسئلة قانونية عملية حول حدود الاستخدام المشروع لهذه التكنولوجيا، وكيفية المواءمة بين متطلبات التنظيم وحماية المجال الجوي من جهة، وضمان الحق في التعليم والبحث العلمي وتشجيع الابتكار من جهة أخرى.

ضمن هذا السياق، يكتسب القانون رقم 216 لسنة 2017 بشأن تنظيم استخدام الطائرات المحركة آليًا أو لاسلكيًا وتداولها والاتجار فيها أهمية خاصة، بوصفه الإطار التشريعي الأساسي الذي يضع قواعد الترخيص والحيازة والاستخدام. غير أن طبيعة هذا القانون، وما يتضمنه من قيود جنائية صارمة، تطرح في التطبيق العملي تحديات ملموسة، خاصة عندما يتعلق الأمر بحالات ذات طابع أكاديمي أو بحثي محدود، لا تنطوي في أصلها على خطر فعلي أو استعمال خارج نطاق مشروع محدد وواضح.

تأتي هذه المذكرة القانونية لتقديم نموذج استرشادي متكامل للدفوع التي يمكن للمتهم أو محاميه التمسك بها في القضايا المرتبطة بحيازة أو تصنيع أو تشغيل طائرات مُسيَّرة صغيرة في سياقات تعليمية أو بحثية. وتعتمد المذكرة على تحليل نصوص القانون وغايته التشريعية، وتوضيح أركان الجريمة بشقيها المادي والمعنوي، مع مراجعة الضمانات الدستورية والإجرائية المرتبطة بإجراءات الضبط والتحقيق، والاستناد إلى مبادئ محكمة النقض المستقرة في مسائل بطلان القبض والتفتيش، واشتراط الجدية في التحريات، ووجوب حضور المحامي في الجنح المعاقب عليها بالحبس وجوبًا.

تتناول المذكرة دفوعًا رئيسية تمس جوهر الاتهام، أبرزها انعدام حالة التلبس، بما يترتب عليه بطلان ما تأسس عليها من إجراءات، وبطلان الاستجواب إذا تم دون حضور محامٍ بالمخالفة للقانون والدستور، وقصور التحريات عند افتقادها الدقة أو الجدية الكافية. كما تؤكد المذكرة انتفاء الركن المادي في الحالات التي يظل فيها الفعل محصورًا في نموذج طلابي أو تجربة بحثية لا تحقق خطرًا على المصلحة التي يستهدفها القانون بالحماية، وانتفاء القصد الجنائي متى ثبتت الطبيعة التعليمية العلنية للمشروع وغياب أي نية مخالفة.

وتُثير المذكرة كذلك دفعًا جديًا بشبهة عدم دستورية تطبيق المادة (2) من القانون رقم 216 لسنة 2017 على بعض الوقائع ذات الطابع التعليمي، تأسيسًا على مبدأ الضرورة والتناسب، الذي يوجب تفسير النصوص العقابية بصورة ضيقة، وربطها بهدف الحماية الذي شُرعت من أجله، وضمان ألا تمتد القيود الجنائية إلى ما يمس جوهر حقوق دستورية مثل حرية البحث العلمي والابتكار.

تهدف هذه المذكرة إلى توفير أداة مرجعية واسترشادية للمحامين والباحثين القانونيين عند التعاطي مع اتهامات مرتبطة بتقنيات الدرون، بما يسهم في تعزيز الدقة القانونية في التكييف، وحماية ضمانات المحاكمة العادلة، وإعمال القراءة المتوازنة للنصوص التنظيمية بما يحقق مقاصدها دون إفراط.

وينبغي التأكيد على أن هذه المذكرة صُمِّمت كنموذج استرشادي عام لا يرتبط بوقائع أو قضايا متداولة حاليًا، ولا تُغني عن التقييم القانوني المستقل لكل دعوى على حدة بحسب سياقها وملابساتها.

مذكرة بدفاع مقدمة إلى محكمة الجنح

دفاع المتهم الطالب/ (……) بالفرقة (…….) – كلية الهندسة، في الجنحة رقم (…) لسنة (…) جنح، نتشرف بأن نتقدم لعدالة المحكمة بمذكرة دفاعنا على النحو الآتي، ملتمسين الحكم ببراءة موكلي مما نُسب إليه، واحتياطيًا استعمال أقصى درجات الرأفة، وذلك في قضية اتهامه بحيازة وتصنيع وتجميع طائرة مُسيَّرة (درون) مزوَّدة بكاميرا واستخدامها في تصوير منشآت داخل الحرم الجامعي بدون تصريح رسمي، بما يُزعَم أنه مخالفة لأحكام القانون رقم 216 لسنة 2017 بشأن تنظيم استخدام الطائرات المحركة آليًا أو لاسلكيًا وتداولها والاتجار فيها. وفيما يلي نستعرض لعدالتكم تفصيلاً وقائع الدعوى ودفاعنا.

أولاً – الوقائع كما وردت في أوراق الدعوى

تتلخص الواقعة – حسبما يتضح من أوراق التحقيقات ومحضر الضبط – في أن الطالب المتهم (…….) مقيد بالفرقة (…….) بكلية الهندسة، وقد قام في إطار مشروع تخرجه الأكاديمي بتصميم وتجميع نموذج لطائرة بدون طيار Drone صغيرة الحجم ذات محرك آلي ومزوَّدة بكاميرا تصوير. كان الهدف العلمي للمشروع هو التدريب العملي على تقنيات الطيران الآلي وجمع البيانات البصرية ضمن نطاق الجامعة. وبناءً على تكليف أكاديمي وتحت إشراف أساتذة الكلية، أجرى الطالب تجربة تشغيل للطائرة داخل الحرم الجامعي وقام بتصوير مبنى تعليمي (لعرض النتائج البحثية ومناقشتها ضمن مشروع تخرجه).

وأثناء قيام الطالب بتسيير الطائرة لتصوير المبنى، تم ضبطه من قِبل أمن الجامعة الذي قام بإخطار السلطات المختصة. حضرت قوات الشرطة إلى الموقع وصادرت الطائرة وجهاز التحكم الخاص بها. وتم اقتياد الطالب إلى قسم الشرطة، وحرر محضر بالواقعة نسب إليه فيه اتهامات بحيازة وتصنيع وتجميع واستخدام طائرة محركة آليًا مزودة بآلة تصوير بدون تصريح من الجهة المختصة بالمخالفة لنص المادتين 2 و3 من القانون رقم 216 لسنة 2017 بشأن تنظيم استخدام الطائرات المحركة آليًا أو لاسلكيًا و تداولها والاتجار فيها.

حيث تنص المادة (2) من القانون المذكور على حظر استيراد أو تصنيع أو تجميع أو تداول أو حيازة أو الاتجار أو استخدام الطائرات المُسيَّرة بدون تصريح من الجهات المختصة. كما تُقرِّر المادة (3) عقوبة الحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تجاوز سبع سنوات وغرامة من خمسة آلاف إلى خمسين ألف جنيه أو بإحدى العقوبتين لكل من خالف ذلك بالحيازة أو الاستخدام بدون تصريح. وقد صدر قرار بحبس الطالب احتياطيًا على ذمة التحقيق، وباشرت النيابة العامة استجوابه ووجهت له الاتهام سالف البيان.

الجدير بالذكر أن الطالب أوضح منذ البداية أنه لم يكن على علم بالإجراءات القانونية اللازمة وأن المشروع ذو طبيعة دراسية بحتة وليس فيه أي نية للإخلال بالأمن أو القانون. ولم تسفر الواقعة عن أي ضرر مادي أو تهديد أمني فعلي؛ إذ كانت الطائرة ذات تجهيزات بسيطة غير خطرة، واقتصر استخدامها على التصوير العلمي التجريبي داخل الجامعة.


ثانيًا – الدفاع:


الدفوع الإجرائية والموضوعية

يبدي الدفاع من واقع حرصه على حقوق المتهم ودفعًا عن براءته حزمةً من الدفوع نعرضها وفقاً للآتي: (1) دفوع شكلية وإجرائية تتعلق ببطلان إجراءات القبض والتحقيق، (2) دفوع موضوعية بشأن انتفاء أركان الجريمة المادية والمعنوية، (3) دفوع مستندة إلى الطبيعة التعليمية والبحثية البحتة للمشروع وانتفاء القصد الجنائي العدائي، (4) دفوع تتعلق بشبهة عدم دستورية تجريم هذه الأفعال في السياق المطروح أو لسقوط مبدأ الضرورة والتناسب في التطبيق، وأخيرًا (5) طلب احتياطي باستعمال الرأفة حال الإدانة. وفيما يلي بيان ذلك:


1. الدفوع الشكلية والإجرائية (بطلان القبض والتفتيش والتحقيق)


بطلان القبض والتفتيش لانعدام وجود أي حالة من حالات التلبس

الثابت من أوراق الدعوى أن المتهم أُلقي القبض عليه بواسطة أمن الجامعة، وسُلِّم لاحقًا لقوة من الشرطة أثناء مباشرته لمشروع تخرجه الأكاديمي (الذي هو عبارة عن تصميم وتجميع نموذج لطائرة بدون طيار Drone صغيرة الحجم ذات محرك آلي ومزوَّدة بكاميرا تصوير)، حيث أُلقي القبض عليه أثناء قيامه بتجربة تشغيل للطائرة داخل الحرم الجامعي وتصوير أحد المباني التعليمية داخل الحرم الجامعي، بناءً على تكليف أكاديمي وتحت إشراف أساتذة الكلية، لعرض النتائج البحثية التي توصل إليها ومناقشتها ضمن مشروع تخرجه لاحقًا.

ولما كان هذا القبض قد جاء باطلاً وبالمخالفة لأحكام الدستور والقانون، وهو في حقيقة الأمر يشكل جريمة احتجاز دون وجه حق ارتكبها أفراد أمن الجامعة، استنادًا إلى انتفاء وجود أي حالة من حالات التلبس تجيز القبض أو التحفظ أو المساس بحرية المتهم الشخصية بأي صورة من صور التعرض المادي أو تقييد الحرية؛ حيث نصت الفقرة الأولى من المادة (54) من الدستور على أن:

“الحرية الشخصية حق طبيعي، وهي مصونة لا تُمس، وفيما عدا حالة التلبس، لا يجوز القبض على أحد، أو تفتيشه، أو حبسه، أو تقييد حريته بأي قيد إلا بأمر قضائي مسبب يستلزمه التحقيق”.

وتنص المادة (30) من قانون الإجراءات الجنائية على أن:

“تكون الجريمة متلبسًا بها حال ارتكابها أو عقب ارتكابها ببرهة يسيرة. وتعتبر الجريمة متلبسًا بها إذا تبع المجني عليه مرتكبها، أو تبعته العامة مع الصياح إثر وقوعها، أو إذا وُجد مرتكبها بعد وقوعها بوقت قريب حاملاً آلات أو أسلحة أو أمتعة أو أوراقًا أو أشياء أخرى يُستدل منها على أنه فاعل أو شريك فيها، أو إذا وُجدت به في هذا الوقت آثار أو علامات تفيد ذلك”.

كما تنص المادة (37) من ذات القانون على أن:

“لكل من شاهد الجاني متلبسًا بجناية أو بجنحة يجوز فيها قانونًا الحبس الاحتياطي، أن يسلمه إلى أقرب رجال السلطة العامة دون احتياج إلى أمر بضبطه”.

واستنادًا إلى ذلك، يكون الاستثناء الوحيد لإباحة المساس بالحرية الشخصية وإجازة القبض والتفتيش للمتهم مقصورًا على توافر حالة من حالات التلبس. وحيث إن حالة التلبس هي صفة تلازم الجريمة نفسها لا شخص مرتكبها، ومن ثم يُفترض ابتداءً وجود جريمة متلبس بها، والثابت من وقائع الدعوى – على نحو ما تقدم – أن الجريمة التي يُفترض أنها متلبس بها هي ذاتها الجريمة موضوع المحاكمة، فهي جريمة تجميع وتداول وحيازة واستخدام طائرة محركة آليًا دون الحصول على تصريح من الجهة المختصة.

وحيث إن أفراد الأمن الإداري بالجامعة هم من ألقوا القبض على المتهم ابتداءً استنادًا إلى توافر هذه الجريمة متلبسًا بها، بينما جاءت جميع أوراق الدعوى خالية من أي إشارة إلى وجود جريمة متلبس بها تبيح لهم القبض على المتهم وتسليمه لمأمور الضبط القضائي. ولما كانت الجريمة موضوع المحاكمة لا يقوم ركنها المادي بمجرد مباشرة سلوك تجميع أو تداول أو حيازة أو استخدام طائرة محركة آليًا، وإنما هناك شرط مفترض لقيام هذه الجريمة، وهو عدم وجود ترخيص صادر عن الجهة الإدارية المختصة وفقًا لأحكام القانون رقم 216 لسنة 2017 ولائحته التنفيذية، ومن ثم لا يُتصور توافر أي حالة من حالات التلبس إلا بإدراك يقيني بإحدى الحواس لعدم وجود الترخيص، بالإضافة إلى إدراك السلوك المادي نفسه، سواء كان الاستخدام أو التجميع أو الحيازة، حتى يتسنى لمن أدركها القول بتوافرها في حالة من حالات التلبس المنصوص عليها حصرًا في المادة (30) من قانون الإجراءات الجنائية، فيبيح له القانون التحفظ على مرتكبها وتسليمه لأقرب مأمور ضبط قضائي وفقًا لأحكام المادة (37) من ذات القانون.

وحيث إن أوراق الدعوى قد خلت مما يفيد إدراك أي من أفراد الأمن الإداري للجامعة إدراكًا يقينيًا بأنفسهم، بحاسة من حواسهم، بوجود ترخيص من عدمه لاستخدام الطائرة، وأنهم بادروا من تلقاء أنفسهم إلى القبض على المتهم وتسليمه دون التحقق من ذلك، كما خلت أيضًا من إدراك مأمور الضبط القضائي – بذات الكيفية سالفة البيان – الذي سُلِّم له المتهم وتولى القبض عليه وتفتيشه، لعدم وجود ترخيص باستخدام الطائرة، حيث لم يتبين من واقع أوراق الدعوى أن أحدًا من المشار إليهم قد اتصل علمه يقينًا بنفسه بعدم وجود ترخيص لصالح المتهم، كما لم يسأله أيٌّ منهم ابتداءً عن وجود ترخيص باستخدامها، وأن أول سؤال في هذا الشأن كان من النيابة العامة أثناء استجواب المتهم بعد مرور 24 ساعة من القبض عليه. كما أن دفاع المتهم قد دفع في محضر التحقيق ببطلان القبض على المتهم وتفتيشه، وتمسك بعدم وجود الجريمة ذاتها في حالة تلبس، كما دفع بعدم وجوده في أي حالة من حالات التلبس المزعومة.

ومن ثم تكون حالة التلبس بالجريمة موضوع المحاكمة منعدمة لا وجود لها، واستنادًا إلى ذلك تكون إجراءات القبض على المتهم – من جانب الأمن الإداري للجامعة، ثم تسليمه لمأمور الضبط القضائي الذي تولى هو الآخر القبض على المتهم وتفتيشه – جميعها إجراءات باطلة جاءت بالمخالفة للقانون، كما يترتب على ذلك بطلان كل دليل أو إجراء تم استنادًا إلى هذه الواقعة.

بطلان استجواب المتهم لكونه أجري دون حضور محام موكل أو مندب وبطلان ما تلاه من تحقيقات وما أسفر عنه من أدلة أو قرائن

يتبين من محضر استجواب أن النيابة العامة قد استجوبت الطالب المتهم منفردًا دون حضور محاميه أو تمكينه من الاستعانة بدفاع أثناء التحقيق الابتدائي، على الرغم من أن الإتهام المنسوب إليه والذي استوجب بشأنها هي جنحة معاقب عليها بالحبس الذي تصل مدة لسبع سنوات، وهو ما يوجب حضور محامٍ مع المتهم منذ لحظة التحقيق.

وحيث تنص المادة 124 من قانون الإجراءات الجنائية على أن

“لا يجوز للمحقق في الجنايات وفي الجنح المعاقب عليها بالحبس وجوبًا أن يستجوب المتهم أو يواجهه بغيره من المتهمين أو الشهود إلا بعد دعوة محاميه للحضور عدا حالة التلبس وحالة السرعة بسبب الخوف من ضياع الأدلة على النحو الذي يثبته المحقق فى المحضر. وعلى المتهم أن يعلن اسم محاميه بتقرير لدى قلم كتّاب المحكمة أو إلى مدير مركز الإصلاح والتأهيل، أو يخطر به المحقق، كما يجوز لمحاميه أن يتولى هذا الإعلان أو الإخطار. وإذا لم يكن للمتهم محام، أو لم يحضر محاميه بعد دعوته، وجب على المحقق، من تلقاء نفسه، أن يندب له محاميًا”.

كما حظر الدستور في الفقرة الثالثة من المادة (54) على سلطة التحقيق البدء في التحقيق مع المتهم إلا في حضور محاميه، فإن لم يكن له محام، ندب له محام.

ومن المقرر في قضاء محكمة النقض في هذا الشأن أن:

“مفاد هذا النص أن المشرع تطلب ضمانة خاصة لكل متهم في جناية أو جنحة معاقب عليها بالحبس وجوبا هو وجوب دعوة محاميه إن وجد لحضور الاستجواب أو المواجهة فيما عدا حالتي التلبس وحالة السرعة بسبب الخوف من ضياع الأدلة على النحو الذي يثبته المحقق في المحضر ذلك تطمينا للمتهم وصونا لحرية الدفاع عن نفسه وللتمكن من دعوة محامي المتهم تحقيقا لهذه الضمانة الهامة يجب على المتهم أن يعلن اسم محاميه بتقرير لدى قلم كتاب المحكمة أو إلى مأمور السجن أو أن يتولى محاميه هذا الإقرار أو الإعلان ولم يتطلب القانون لهذه الدعوة شكلا معينا، فقد يتم بخطاب أو على يد محضر، وإذ لم يكن للمتهم محام أو لم يحضر محاميه بعد دعوته وجب على المحقق من تلقاء نفسه أن يندب له محاميا”.

(حكم محكمة النقض، جلسة 12-2-2025، الدوائر الجنائية، الطعن رقم 4692 لسنة 94 ق)

وحيث تنص المادة (331) من قانون الإجراءات الجنائية على أن

“يترتب البطلان على عدم مراعاة أحكام القانون المتعلقة بأي إجراء جوهري”.

ومن المقرر في قضاء محكمة النقض أن

“الاعتراف في المسائل الجنائية من عناصر الاستدلال التي تملك المحكمة كامل الحرية في تقدير صحتها وقيمتها في الإثبات، ولها ألا تعول عليه ولو كان صادقاً متى كان وليد إكراه كائناً ما كان قدره أو تراءى لها أنه مخالف للحقيقة والواقع”.

(حكم محكمة النقض، الدوائر الجنائية، جلسة 12-12-2006، الطعن رقم 79257 لسنة 75 ق، م ف 57 – ص 1005 – ق 121)

ولما كان استجواب المتهم هو عمل جوهري من أعمال سلطة التحقيق، وأكثرها خطورة لما يترتب عليه من آثار في الإثبات الجنائي، ولابد أن تتولاه سلطة التحقيق المختصة بنفسها دون تفويض أو انتداب فيما يخص، وكان المشرع – على نحو ما تقدم – قد أحاطه بضمانات قانونية ودستورية عديدة؛ من ثم يكون كل إهدار لأي من هذه الضمانات هو إخلال بإجراء جوهري يمس حقوق وحرية المتهم، يلزم معه بطلان هذا الإجراء وبطلان ما أسفر عنه من أدلة أو قرائن، حماية لأصل البراءة المفترض في المتهم ولحق الدفاع المكفول له دستوريًا وقانونيًا وضماناً للحق في المحاكمة العادلة.

ولا يجوز الاحتجاج بتوافر إحدى حالتي التلبس أو السرعة بسبب الخوف من ضياع الأدلة، حيث أن المشرع اشترط صراحة في عجز الفقرة الأولى من المادة (124) على إثبات القائم بالاستجواب أسباب السرعة وخشية ضياع الأدلة كتابة في محضر الاستجواب، ويتبين من تحقيقات النيابة العامة وبالأخص محضر الاستجواب خلى من أي إشارة تفيد بوجود أي حالة من الحالات التي تقتضي سرعة الاستجواب بسبب الخوف من ضياع الأدلة. كما خلت الواقعة من توافر أي حالة من حالات التلبس، وإضافة إلى ذلك أن الدستور في المادة (54) قد نسخ أحكام الفقرة المشار إليها كحالة استثنائية تجيز استجواب المتهم دون حضور محام، وهو ما يجعل حضور محام مع المتهم في التحقيقات أمر وجوبي لا استثناء فيه.

بذلك يكون استجواب النيابة العامة للمتهم في غياب محاميه ودون ندب محامٍ للدفاع عنه هو إجراء باطل يترتب عليه بطلان الاستجواب وبطلان كل ما أسفر عنه من أدلة أو قرائن تهدد أصل البراءة، سواء كانت إقرارات أو اعترافات صدرت عن المتهم أو غير ذلك، وكذلك بطلان كل إجراء لاحق مرتبط بهذا الاستجواب الباطل.

بطلان التحريات لعدم جديتها

تشير أوراق الدعوى إلى أن تحريات الجهات الأمنية اللاحقة على واقعة القبض – إنفاذًا لأمر لطلب النيابة العامة بعد استجواب المتهم – كانت الأساس في إسناد الاتهام، لكن في حقيقة الأمر أنها لم تكشف عن دلائل جدية تُثبت ارتكاب المتهم للجريمة نموذجها القانوني، إنما جاءت التحريات كمجرد تكرار لمحضر الضبط، مرددة ذات العبارات والوقائع المحررة في المحضر المشار إليه، دون إضافة أو دون توصل لأى معلومات أخرى، ودون التحري عن وجود ترخيص لدى الجهة الكلية صادر عن الجهة الإدارية المختصة من عدمه، أو التحري عن مجرد التقدم بطلب ترخيص من عدمه، كما خلت من أي إشارة لوجود نتيجة إجرامية أو قصد جنائي – بفرض وجود جريمة – ينطوي على إضرار بالأمن أو التجسس على الغير وما شابه ذلك، إضافة لعدم إفصاح مجري التحريات عن مصادره.

وحيث أن المقرر في قضاء محكمة النقض:

“أنه وإن كان لمحكمة الموضوع أن تعول في تكوين عقيدتها على التحريات باعتبار كونها معززة فحسب لما ساقته من أدلة، إلا أنها لا تصلح وحدها لأن تكون دليلاً بذاته أو قرينة بعينها على الواقعة المراد إثباتها”.

(حكم محكمة النقض، جنائي، جلسة 4- 2-2007، الطعن رقم 56184 لسنة 76 ق)

ومن المقرر في قضاءها أيضًا:

“أن التحريات لا تصلح وحدها لأن تكون دليلاً بذاته أو قرينة بعينها على الواقعة المراد إثباتها، وكانت المحكمة ترى في التحريات التي أجراها كل من المقدم (…) والرائد (…) ما يجافي حقيقة الواقع على ما شهد به اللواء (…) في الجناية رقم (…) لسنة (…) مركز (…) بعدم صحة هذه التحريات، وما اعترف به متهمان آخران باقترافهما ذات الواقعة التي حررت بشأنها تلك التحريات، الأمر الذي ترى معه المحكمة إطراحها وعدم التعويل عليها في مقام الإثبات”.

(حكم محكمة النقض، جنائي، جلسة 20-12-2006، الطعن رقم 79257 لسنة 75 ق)

ولما كانت التحريات بطبيعتها لا تصلح كدليل أو كقرينة في الإثبات الجنائي؛ إنما هي محض دلالة تعزز دليلاً في أوراق الدعوى متى اطمأنت إليه المحكمة، ومن ثم لا يجوز الاستناد إليها في الإثبات الجنائي بمفردها – بفرض صحتها – لخلو الأوراق من أي دليل على صحة الإتهام المسند للمتهم، وبالفرض الجدلي في وجود دليلاً طويت عليه أوراق الدعوى – وهو ما خلت من الأوراق – فلا يجوز الاستناد إليه أيضًا لكونها محض رأي شخصي لمجريها، وخلت من أي مظاهر الجدية والبحث والتحري على النحو الذي يحقق الغاية منها في الإثبات، لكونها مجرد ترديد لذات العبارة المدونة في محضر الضبط دون أي إضافة صحيحة أو غير صحيحة؛ وما تقدم يجعلها محل ربية وشك، ولا يعول عليها في إثبات الجريمة موضوع المحاكمة.

خلو الأوراق من إفادة رسمية من الجهة الإدارية بشأن وجود ترخيص من عدمه صادر لكلية الهندسة محل ارتكاب الواقعة المقيد بها المتهم كأحد طلابها

ينص قانون تنظيم استخدام الطائرات المحركة آليًا أو لاسلكيًا وتداولها والاتجار فيها رقم 216 لسنة 2017 في مادته الثانية على أن:

“يحظر على وحدات الجهاز الإداري للدولة من وزارات ومصالح وأجهزة ووحدات الإدارة المحلية والهيئات العامة والشركات وغيرها من الأشخاص الاعتبارية العامة أو الخاصة والأشخاص الطبيعيين، استيراد أو تصنيع أو تجميع أو تداول أو حيازة أو الاتجار أو استخدام الطائرات المحركة آليا أو لاسلكيا، إلا بعد الحصول على تصريح بذلك من الجهة المختصة، وذلك وفقا للأحوال والشروط والإجراءات التي تحددها اللائحة التنفيذية لهذا القانون مع مراعاة أحكام قانون الطيران المدني الصادر بالقانون رقم 28 لسنة 1981”.

وتنص المادة (1) من اللائحة التنفيذية للقانون الصادرة بموجب قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 931 لسنة 2018 على أن:

“يقصد في تطبيق أحكام هذه اللائحة بالألفاظ والعبارات التالية المعنى المبين قرين كل منها، وذلك على النحو الآتي

1- القانون: القانون رقم 216 لسنة 2017 بتنظيم استخدام الطائرات المحركة آليا أو لاسلكيا وتداولها والاتجار فيها.

2– الجهة المختصة: وزارة الدفاع

3– الوزير المختص: وزير الدفاع .

4– التصريح: المستند الصادر من الجهة المختصة لمزاولة الاستيراد أو التصنيع أو التجميع أو التداول أو الحيازة أو الاتجار أو الاستخدام للطائرات المحركة آليا أو لاسلكيا.

5-الأنشطة العلمية والبحثية: جميع الأنشطة التي تمارسها مؤسسة أكاديمية أو بحثية أو علمية بهدف التعليم أو التدريب أو التطوير”..

وتنص المادة (2) من ذات اللائحة على أن:

“يتم استيراد وتصنيع وتجميع وتداول وحيازة والاتجار واستخدام الطائرات المحركة آليا أو لاسلكيا وفقا للقواعد والإجراءات الآتية:

1– يقدم طلب الحصول على التصريح إلى هيئة عمليات القوات المسلحة مستوفيا المستندات التي يصدر بتحديدها قرار من الوزير المختص.

2– يدرج بالطلب عدد الطائرات المطلوب التصريح بها ومواصفاتها وجهة الحصول عليها.

3– يتم البت في الطلب بالقبول أو الرفض خلال ثلاثين يوما من تاريخ تقديمه، ويعتبر مضي المدة دون رد بمثابة رفض.

4– تصدر الجهة المختصة التصريح لمدة لا تجاوز ثلاث سنوات، وتخطر المصرح له بخطاب مسجل بعلم الوصول، مع موافاة الجهة ذات الاختصاص بصورة منه.

5– يجدد التصريح بطلب من المصرح له إلى الجهة المختصة قبل ثلاثة أشهر من تاريخ انتهائه.

6– يخصص بالجهة المختصة سجل تقيد فيه التصاريح الصادرة وتاريخها والمصرح لهم.

7– يلتزم المصرح له بإمساك سجلين أحدهما لتسجيل ما لديه من طائرات ومواصفاتها وجهة الحصول عليها، والآخر يقيد فيه تاريخ تداول واستخدام الطائرات، وتسري عليهما أحكام القيد في السجلات التجارية، ويتولى المراجعة عدد من المختصين الذين تحددهم الجهة المختصة.

8– في حال عدم الموافقة على تجديد التصريح أو انتهاء النشاط المصرح به، يلتزم المصرح له بعدم التصرف فيما لديه من طائرات وإبلاغ الجهة المختصة، فيما لا يجاوز ثلاثة أيام، بكافة بيانات هذه الطائرات، وذلك لحين تقنين موقفها أو صدور قرار في هذا الشأن.

9– في حال رغبة المصرح له نقل ملكية ما لديه من طائرات أو إحداها، يتقدم بطلب إلى الجهة المختصة، ويتم البت فيه خلال ثلاثين يوما من تاريخ تقديمه مستوفيا المستندات المطلوبة”.

كما تنص المادة (5) من ذات اللائحة على أن:

“يشترط للتصريح باستخدام الطائرات المحركة آليا أو لاسلكيا في الأنشطة العلمية والبحثية التقدم بطلب من المؤسسة العلمية أو الجهة البحثية مستوفيا الشروط الآتية:

1- الغرض من الاستخدام ونطاقه المكاني والزماني.

2- بيان طبيعة النشاط والأعضاء الذين يمارسونه مرفقا به صورة بطاقة الرقم القومي.

3- الموافقات الأمنية من هيئة الأمن القومى، وقطاع الأمن الوطني، وقطاع الأمن العام للجهة والأفراد الممارسين للنشاط.

4- موافقة وزارة الطيران المدني والجهات المختصة بالدولة.

5- إقرار بعدم استخدام الطائرات المحركة آليا أو لاسلكيا المصرح بها إلا في حدود الغرض العلمي المصرح من أجله.

وتستثنى من أحكام البندين الثالث والرابع من هذه المادة الجامعات والمعاهد الحكومية والخاصة التي يكون من ضمن أقسامها الأكاديمية قسم للطيران، وكان النشاط يتم في إطار البحث العلمي والحدود المكانية للجامعة أو المعهد”.

وحيث أن القانون المشار إليه قد حظر تداول أو حيازة أو استخدام الطائرات المحركة آليًا أو لاسلكيًا، إلا بعد الحصول على تصريح من الجهة الإدارية المختصة، ومن ثم لا يجوز للجهات العلمية والبحثية استخدام الطائرات المحركة آليًا أو لاسلكيًا في الأنشطة العلمية والبحثية إلا بعد الحصول على هذا التصريح، والذي يشترط للحصول عليه أن تتقدم الجهة البحثية أو المؤسسة العلمية عبر ممثلها القانوني بطلب إلى هيئة عمليات القوات المسلحة باعتبارها الجهة الإدارية المختصة.

واستنادًا لما تقدم، فيجب قبل التعرض لبحث لارتكاب الجريمة موضوع الاتهام من عدمه – والقبض على المتهم وما تلى ذلك من إجراءات التحقيق الابتدائي التي انتهت بإحالته للمحاكمة محبوسًا على ذمة هذه القضية – التحقق بداية من وجود ترخيص صادر لكلية الهندسة محل ارتكاب الواقعة المقيد بها المتهم كأحد طلابها، سواء كان ترخيص ساريًا أو منتهيًا، أو طلب ترخيص مقدم من الكلية أو تظلم من رفض طلب الترخيص، وحيث خلت أوراق الدعوى من مما يفيد التحقق من وجود ترخيص من عدمه أو طلب ترخيص أو تظلم من رفض ترخيص على النحو المتقدم بيانه، ولما كان الأصل في المتهم البراءة، وكانت النيابة العامة باعتبارها سلطة التحقيق الابتدائي في الدعوى وهي ذاتها سلطة الإتهام المنوط بها البحث عن أدلة ارتكاب الجريمة قد خلت أدلة الإتهام المحال بها المتهم إلى ما يفيد ارتكاب الجريمة دون ترخيص، وهو ما ينتفي معه ارتكاب المتهم للجريمة على النحو المبين بالأوراق.

2. انتفاء الركن المادي للجريمة (عدم تحقق الضرر أو الخطر المُجرَّم)

فضلاً عن البطلان الإجرائي أعلاه، فإنه لا يتوافر في الواقعة الركن المادي للجريمة المنسوبة للطالب بالمعنى القانوني السليم. فرغم أن النيابة أسندت إليه مخالفة المادة (2) من القانون 216 لسنة 2017 بشأن حيازة واستخدام طائرة مُسيَّرة بغير تصريح، إلا أن تطبيق النص الجنائي ينبغي أن يُفسَّر في ضوء هدف المشرِّع ومقصد التجريم.

إن القانون رقم 216 لسنة 2017 صدر في سياق مواجهة أخطار محددة تتصل باستعمال الطائرات المُسيَّرة بطرق غير مشروعة قد تضر بالأمن القومي أو السلامة العامة. وقد عرَّف القانون تلك الطائرات بأنها أي جسم يمكنه الطيران بدون طيار ويمكن تحميله بمواد تمثل تهديداً للأمن القومي. أي أن عِلَّة التجريم تكمن في خطورة محتملة على الأمن العام (مثل نقل أسلحة أو مواد خطرة أو القيام بأعمال تجسس وتصوير مواقع حساسة)، وفي حالتنا الماثلة، لم يرتكب الطالب أي فعل من شأنه إيقاع خطر أو ضرر بالمصلحة المحمية قانونًا.

فمجرد حيازة طائرة مسيرة صغيرة لأغراض مشروع دراسي وتصوير مبنى جامعي عادي لا يُحقق شرط “التهديد للأمن القومي” الذي جاء به نص التعريف في المادة الأولى من القانون. الطائرة لم تكن مجهزة بأي أسلحة أو مواد محظورة، ولم تحلق في منطقة عسكرية أو منشأة حيوية أو مجال جوي محظور؛ بل كانت في نطاق الحرم الجامعي وبين أبنية تعليمية مفتوحة ومعروفة. وبالتالي فإن الفعل المادي المنسوب (تصنيع وتجميع وتشغيل الدرون) يفتقر إلى الخطورة أو الاعتداء الذي تطلبه المشرع لاعتباره فعلاً مجرّماً يستوجب العقاب. إن الغاية الأصلية للنص العقابي هي منع الأفعال التي تهدد الأمن القومي بشكل فعلي وهو عنصر غير متحقق في واقعتنا.

علاوة على ذلك، فإن استعمال الطائرة كان ظرفيًا ومحدودًا (مجرد دقائق للتجربة البحثية)، ولم يتم تداولها أو الاتجار فيها ولم يتم توجيهها إلى تصوير ما هو محظور أو سري. وبغياب أي نتيجة ضارة أو احتمال ضرر حقيقي، يكون الركن المادي منتفٍ. وقد أكدت أحكام القضاء المستقرّة أن الجريمة الجنائية لا تقوم قانوناً إلا بتحقق فعل أو امتناع وقع بالمخالفة للقانون ونتجت أو أمكن أن تنتج عنه أضرار بالمصلحة التي يحميها القانون. أما والأمر في حالتنا لم يجاوز نشاطاً علمياً مشروع الغاية ولم يسبب أي اضطراب أمني أو مساس بالصالح العام، فإن التجريم يفقد مبرره الموضوعي. ويغدو الفعل من منظور السياسة التشريعية للعقاب عديم الخطورة الإجرامية، ما يستوجب القضاء ببراءة الطالب لانتفاء الركن المادي للجريمة بركنيه: السلوك الإجرامي ذي الخطر والنتيجة المُجرَّمة.

يضاف إلى ما سبق، أن هناك بُعد آخر يتعلق بمبدأ لا جريمة إلا بنص، حيث أرسى الدستور المصري في المادة 95 م أنه

“لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لتاريخ نفاذ القانون”.

وقد فسرت المحكمة الدستورية العليا ذلك بأن كل جريمة لابد لها من ركن مادي يقع مخالفًا لنص تجريمي في قانون، وهذا يأخذنا إلى أنه لا يُتصور قانونًا معاقبة شخص على مجرد فكرة أو تصميم ذهني أو مشروع نظري لم يتحول إلى فعل مادي ملموس يعاقب عليه القانون.

وقد جاء عن المحكمة الدستورية قولها الواضح لا يتصور بالتالي – وفقًا لأحكام الدستور – أن توجد جريمة في غيبة ركنها المادي، فإذا كان الأمر غير متعلق بأفعال أحدثتها إرادة مرتكبها وتم التعبير عنها خارجيًا في صورة مادية لا تخطئها العين، “فليس ثمة جريمة” ومن ثم انتفاء أي فعل أو سلوك مُجرَّم يعني انتفاء الركن المادي وانعدام الجريمة.

كذلك عرف قانون العقوبات المصري نفسه “الشروع” في المادة 45 بأنه البدء في تنفيذ فعل بقصد ارتكاب جريمة ثم عدم إتمامه لأسباب خارجة عن الإرادة، ونص صراحة على أن مجرد العزم أو الأعمال التحضيرية لا تعتبر شروعًا في جريمة، وهذا تأكيد آخر على أن القانون لا يؤاخذ على النوايا أو التصورات ما لم تتجسد في عمل مادي مجرّم.

(الطعن رقم 9837 لسنة 64 ق | تاريخ الجلسة 14 / 4 / 1996 – مكتب فني 47 – رقم الجزء 1 – رقم الصفحة 519 – القاعدة رقم 73)

(الطعن رقم 2515 لسنة 64 ق | تاريخ الجلسة 10 / 1 / 1996 – مكتب فني 47 – رقم الجزء 1 – رقم الصفحة 49 – القاعدة رقم 5)

في سياق قضيتنا، إذا كان الطالب المتهم لم يقم إلا بتصميم أو إعداد نموذج نظري لطائرة بدون طيار في إطار مشروع تخرّج أو بحث أكاديمي دون تشغيلها فعليًا في المجال الجوي العام ودون استخدامها خارج النطاق العلمي المسموح، فإن الفعل المادي المجرّم قد يكون منتفيًا أو على الأقل محاطًا بشكّ حول انطباقه على نص التجريم.

وجدير بالذكر أن مجرد الحيازة أو التصنيع النظري للطائرة في غياب أي استخدام غير مشروع أو خروج عن الإطار الأكاديمي قد لا يرقى إلى مستوى الفعل المادي المؤثم، خاصة إذا أثبتت الدفاع أن المشروع كان بهدف علمي مشروع وبتنسيق (أو علم) جهة أكاديمية رسمية. وبعبارة أخرى، هناك ضرورة التفرقة بين الاستخدام النظري/الأكاديمي والطيران الفعلي غير المرخص جوهريّة عند بحث الركن المادي. والمحكمة ملزمة بأن تتحقق من وجود فعل مادي مجرّم وقع من المتهم يقينًا؛ فإن شاب هذا الركن أي نقص أو شك وجب الحكم بالبراءة إعمالًا للقاعدة المقررة أن الشك يفسَّر لصالح المتهم وأن الأصل في الإنسان البراءة.

3. انتفاء الركن المعنوي للجريمة (عدم وجود قصد جنائي جنائي لدى الطالب)

استقر الفقه والقضاء على أن القصد الجنائي هو انصراف إرادة الجاني إلى ارتكاب الجريمة مع علمه بأركانها التي يتطلبها القانون، أي أن يتعمد الجاني الفعل المجرَّم ويقوم به وهو مدرك لطبيعته غير المشروعة وللنتيجة الإجرامية المترتبة عليه. وبعبارة أخرى، يتكوّن القصد الجنائي من عنصرين أساسيين: الإرادة المتجهة إلى ارتكاب الفعل المكوّن للجريمة، والعلم بمخالفة هذا الفعل للقانون وبكافة عناصر الجريمة وظروفها، فإذا انتفى أحد هذين العنصرين (كأن يقوم الشخص بالفعل دون إرادة حرة أو دون علم بحقيقة الظروف المجرّمة) انتفى القصد الجنائي بالتبعية. وجدير بالذكر أن المشرّع قد ميز بين الجرائم العمدية التي تتطلب القصد الجنائي والجرائم غير العمدية (الخطأ أو الإهمال) التي ينتفي فيها القصد وتُعاقب على أساس الإهمال فحسب، وبذلك فإن الأصل أنه لا جريمة عمدية بلا قصد جنائي؛ فانتفاء القصد ينفي المسؤولية الجنائية عن الفعل العمدي.

وبإسقاط ما سبق على القضية المنظورة أمام عدالتكم، ولإنزال التعريف المتقدم للقصد الجنائي على الواقعة الماثلة، يتعين بيان ما إذا كانت إرادة الطالب قد اتجهت إلى ارتكاب فعل مؤثم قانونًا، وما إذا كان عالمًا بأن ما يقوم به يُشكل جريمة. الثابت من أوراق الدعوى وظروفها أن الطالب إنما شرع في تصنيع الـ”درون” ضمن متطلبات مشروع التخرج بكلية الهندسة، وبعلم مشرفه الأكاديمي وضمن نطاق المؤسسة التعليمية. كان الهدف المعلن للمشروع هو غرض علمي/بحثي بحت ضمن تخصصه الدراسي، دون أي نية جنائية أو توجه لاستخدام الطائرة لأغراض غير مشروعة. فإرادة الطالب انصرفت إلى الابتكار العلمي والتطبيق التقني تنفيذًا لمتطلبات دراسته، ولم تنصرف إطلاقًا إلى خرق القانون أو المساس بأمن المجتمع. كما أن المتهم لم يكن عالمًا بأن صنع هذه الطائرة في حد ذاته يشكل فعلًا مجرّمًا؛ فالقانون رقم 216 لسنة 2017 المنظّم لاستخدام الطائرات المحركة آليًا أو لاسلكيًا يعترف ضمنيًا بشرعية هذه التكنولوجيا في الأغراض العلمية والبحثية، وإن اشترط الحصول على تصريح من الجهات المختصة. وبالتالي، فإن المتهم – طالب الهندسة – قام بالفعل في إطار اعتقاده بمشروعيته كونه جزءًا من دراسته ومشروع تخرجه، دون وعي أو قصد لمخالفة القانون. وعليه، تنتفي في حقه النية الإجرامية الخاصة بتعريض أمن المجتمع للخطر أو دعم أي نشاط غير مشروع؛ ففعله في جوهره لا يجاوز نطاق العمل المشروع بحسن نية ضمن حقه في التعليم والبحث العلمي المكفول دستوريًا وقانونيًا. وبانتفاء إرادة ارتكاب جريمة أو العلم بها، ينتفي القصد الجنائي في هذه الواقعة محل الاتهام.

القرائن الدالة على انتفاء القصد الجنائي

هناك جملة من القرائن والأدلة التي تؤكد غياب القصد الجنائي لدى الطالب المتهم في صنعه أو استعماله للطائرة بدون طيار ضمن مشروع التخرج، يمكن إيجازها فيما يلي:

الغرض العلمي البحت للفعل: المتهم لم يصنع الـ”درون” تحت جنح السرية أو لأغراض مشبوهة، بل كجزء من متطلبات دراسية علنية. لقد قدّم مشروعه أمام قسمه العلمي وفي محيط أكاديمي، مما يدل على أنه يرى عمله مشروعًا ومحمودًا وليس جرمًا يتوجب إخفاؤه. هذه العلانية وحسن النية في التنفيذ قرينة أساسية على انتفاء نية الإجرام، إذ المجرم عادة يضفي السرية على فعله إن وقعت لديه نية سوء، وهو ما لا نجد له أثرًا هنا.

موافقة وإشراف الجهة التعليمية: المشروع تم بإشراف أستاذ جامعي مختص وبموافقة مبدئية من الكلية (ضمنيًا عند إقرار موضوع مشروع التخرج). هذه الموافقة الأكاديمية تعد قرينة على أن الطالب اعتقد مشروعية فعله واعتمد على رأي جهته التعليمية. ورغم أن المشرف أحجم لاحقًا عن الشهادة – لدواعٍ شخصية مفهومة في ظل ملابسات الاتهام – فإن أصل قيام المشروع بإشراف علمي يؤكد أن نية المتهم كانت منحصرة في الإنجاز الدراسي وليس ارتكاب جريمة.

عدم وجود أي صلة للمتهم بنشاط غير مشروع: لم يثبت من التحقيقات أي انتماء أو تواصل بين الطالب وأي جماعة متطرفة أو جهة قد تستغل هذا الابتكار في أغراض عدائية. الطائرة نفسها كانت بمواصفات بسيطة ملائمة لمشروع طلابي، وليست سلاحًا متطورًا. خلو الأوراق من دلائل على سوء قصد أو استعداد لاستخدام الجهاز في عمل عنيف يمثل قرينة مهمة لصالح الطالب. الأصل في الإنسان البراءة وحسن النية ما لم يثبت العكس بيقين، ولم يثبت هنا ما ينفي تلك البراءة.

انتفاء العلم بخطورة الفعل أو عدم مشروعيتّه: من الثابت أن الطالب المتهم حديث التخرج وفي مقتبل حياته العلمية، ولم يكن ملمًا على الأرجح بالتفاصيل القانونية والتنظيمية الدقيقة لاستخدام هذه التقنية. فإذا كان لا يعلم أن تصنيع الـ”درون” دون تصريح يشكل مخالفة، فإن عنصر العلم بالقانون المجرِّم منتفٍ. والقضاء مستقر على أن انتفاء علم الجاني بظرف يغيّر وصف الفعل قد ينفي القصد الجنائي عنه، صحيح أن القاعدة هي عدم الاعتداد بجهل القانون، لكننا هنا لسنا بصدد جهل بنص عقابي معروف، بل بصدد التباس موضوعي حول تصنيف فعل مبتكر علميًا بين فعل مشروع أو محظور. ويُعزّز حسن نية الطالب أنه لم يتجاوز نطاق المشروع الدراسي إلى محاولة استعمال الطائرة فعليًا بما يهدد الأمن (كأن يُحلق بها في أماكن محظورة مثلًا)؛ بل أوقف عند حد النموذج الأكاديمي.

افتراض البراءة: بالإضافة إلى ما سبق، من المبادئ الأساسية أن الأحكام الجنائية تبنى على الجزم واليقين وليس على الشك أو الترجيح. فإذا اعترى الشك عناصر الجريمة – ومن بينها الركن المعنوي – وجب الحكم بالبراءة، وهذا المبدأ الدستوري (قرينة البراءة) يعني أنه إذا لم تقتنع المحكمة اقتناعًا جازمًا بأن المتهم تعمد ارتكاب الجريمة، فالأصل براءته. وفي دعوانا، وعلى أقل تقدير، هناك تشكك كبير في توافر نية إجرامية لدى الطالب؛ فهو مهندس حديث أراد نفع مجتمعه بابتكار تقني ولم يتوافر دليل أنه استهدف ضررًا. وعليه فإن هذا الشك – إن وُجد – يتعين تفسيره لصالحه إعمالًا لقاعدة درء الحدود بالشبهات وإفادة المتهم من الشك.

حسن النية كسبب لانتفاء الجريمة: نص المشرّع في المادة 60 عقوبات على مبدأ هام مؤداه عدم انطباق أحكام قانون العقوبات على من ارتكب فعلًا بحسن نية اعتقادًا منه بمشروعيته وفي نطاق حق مقرّر بمقتضى الشريعة، وبالرغم من أن تطبيق هذه المادة يرتبط بحالات محددة (كمن يستخدم حقًا قانونيًا أو شرعيًا)، فإن روحها تتجلى هنا في كون المتهم كان يباشر حقه الأصيل في التعلم والبحث العلمي دون قصد جنائي. فهو لم يستعمل الطائرة إلا ضمن مشروع أكاديمي مشروع من حيث الأصل. وإذا كان قد وقع تجاوز بالإخلال بإجراءات التصريح المنصوص عليها في القانون 216 لسنة 2017، فهذا التجاوز إداري الطابع وينم في أسوأ الأحوال عن خطأ غير عمدي أو جهل بالتعليمات وليس عن قصد جنائي معاقب عليه. واستطرادًا، حتى إن رأت المحكمة أن الفعل يشكل مخالفة فنية للقانون، فإن حسن النية الملحوظ للمتهم من شأنه – وفقًا للمبادئ العامة – نفي الطابع الإجرامي العمدي عنه وتحويله (في أسوأ الظروف) إلى مخالفة غير عمدية إن وجد نص يعاقب على الخطأ في هذا المجال.

مجمل هذه المبادئ تؤكد أن انتفاء القصد الجنائي يؤدي حتمًا إلى انتفاء المسؤولية الجنائية عن المتهم، وحرصًا على العدالة ومنعًا لمعاقبة بريء لم تتجه إرادته إلى الجرم. ومن ثم، فإن تطبيق هذه القواعد المستقرة على دعوانا يوجب إعمالها لتبرئة الطالب المتهم إذا لم يثبت للمحكمة بيقين قاطع أنه اقترف فعلته بنيّة مجرّمة.

4. الطبيعة التعليمية والبحثية الخالصة للمشروع (انتفاء الخطورة الإجرامية)

يرتبط الدفاع هنا بما سبق لكنه جدير بالتأكيد عليه بشكل مستقل، فمشروع المتهم ذو طبيعة تعليمية وبحثية خالصة، الأمر الذي ينفي نهائياً أي صبغة إجرامية عن فعله. فالطالب كان يؤدي واجباته الدراسية وفق منهج أكاديمي في كلية الهندسة، وقد صُنِّف المشروع ضمن مشاريع التخرج الرسمية. وبموجب الدستور المصري، الحق في التعليم والبحث العلمي مكفولان وتحميهما الدولة. فالمادة (19) من الدستور تنص على أن

“التعليم حق لكل مواطن بهدف بناء الشخصية المصرية وتشجيع الابتكار….”

وكذلك تكفل الدولة حرية البحث العلمي وتشجيع مؤسساته وفق المادة (23) والمادة (66) التي تقرّر أن

“حرية البحث العلمي مكفولة، وتلتزم الدولة برعاية الباحثين والمخترعين وحماية ابتكاراتهم والعمل على تطبيقها”.

ومن هذا المنطلق، فإن نشاط الطالب البحثي يُشكل ممارسة مشروعة لحقوق دستورية أصيلة، ولا يجوز تجريمها إلا في أضيق الحدود ووفق مبدأ الضرورة.

إن تجريم فعل الطالب ووضعه في خانة المجرمين الخطرين يتنافى مع روح الدستور والقانون، فليس من العدالة أن يُساوى طالبٌ مبتكر قصد خدمة وطنه علمياً، بمن يستغل هذه التقنيات لغرض إجرامي. لا ينبغي للتشريعات المخصَّصة لحماية الأمن العام أن تُستخدم ضد نشاط أكاديمي حميد، وإلا أصاب ذلك روح القانون ذاته بعوار عدم التناسب. وقد أكد الدستور في المادة (86) على واجب المواطنين في الحفاظ على الأمن القومي، ولكن في نفس الوقت أكد في المادة (65) على أن “حرية الفكر والرأي مكفولة ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير والنشر”. وتصوير الطالب لمنشآت جامعية يدخل في نطاق حرية التعبير والتعلم، فهو لم يصور منشأة عسكرية أو منطقة محظورة، بل مبنى في جامعته، مما يجعله أقرب لممارسة مشروعة لحقه في المعرفة والتعبير العلمي.

كما يُذكّر الدفاع أن الطالب المتهم جزء من شريحة الشباب الباحثين الذين يعلق الوطن آماله عليهم في نهضة البحث والابتكار. ومعاقبته جنائياً في هذه الظروف ترسل رسالة سلبية تُثبِّط الإبداع العلمي والتقني. لذا نلتمس من عدالة المحكمة النظر بعين الاعتبار للطبيعة غير الإجرامية للواقعة؛ فالمتهم لم يرتكب جرماً اجتماعياً أو أخلاقياً، وإنما قام بتجربة علمية لم يُقدّر تبعاتها القانونية البيروقراطية. هذه الظروف تُخرج الفعل من نطاق التجريم المؤثم إلى نطاق الخطأ الإداري أو التنظيمي في أسوأ الأحوال. وعليه فإننا نلتمس القضاء ببراءة المتهم تأسيساً على انعدام الخطورة الإجرامية وتغليب الطبيعة التعليمية المشروعة لما قام به.

5. الطلب الاحتياطي: استعمال أقصى موجبات الرأفة والرحمة حال الإدانة

إذا ما رأت المحكمة الموقرة – رغم كل ما سلف – أن أدلة الإدانة كافية لثبوت الجريمة في حق الطالب المتهم، فإننا نتقدم لهذا المقام السامي بطلب استعمال أقصى درجات الرأفة والرحمة مع المتهم عند الحكم، استناداً للمادة 17 من قانون العقوبات المصري ولسائر ما خولّه القانون للقضاء من سلطة تقديرية في تفريد العقوبة. وتستند هيئة الدفاع في هذا الطلب إلى الاعتبارات التالية:

  • صغر سن المتهم وحداثة تجربته: المتهم شاب في مقتبل العمر (حوالي 20 عاماً) بلا أي سوابق جنائية أو سجل إجرامي، بل إن سيرته في جامعته حسنة وتشهد له بالكفاءة والاجتهاد. وحداثة سنه ترجح افتقاره للخبرة في تبعات تصرفاته القانونية، مما يجعله أحوج للارشاد والتقويم منه للعقاب الشديد. وقد درج القضاء على منح الفرصة للشباب المخطئين لأول مرة كي لا ندمر مستقبلهم بعقوبات قاسية.

  • الدوافع الحميدة وعدم وجود ضرر فعلي: كما بُيّن، لم يكن لدى الطالب أي نية سيئة أو باعث إجرامي. فعله كان بدافع العلم والمنفعة العامة وليس تحقيق أي مصلحة شخصية غير مشروعة. ولم يسفر عن فعله أي ضرر بأي شخص أو جهة؛ فلا انتهاك لخصوصية، ولا إفشاء لأسرار، ولا تهديد لأمن. وعلى فرض كونه أخطأ إجرائياً بعدم استخراج تصريح، فهذا خطأ يمكن تداركه مستقبلاً بتوعيته، ولا حاجة لتغليظ العقاب عليه طالما انعدم الضرر.

  • الآثار السلبية الجسيمة للعقاب على مستقبل الطالب: إن توقيع عقوبة سالبة للحرية على هذا الطالب المتفوق دراسياً سيمحو مستقبله العلمي والمهني، ويقضي على موهبته كمهندس ناشئ. بدلاً من أن يكون فرداً منتجاً في المجتمع يُسهم في التنمية التقنية، قد يتحول إلى شخص محبط منبوذ بسبب سابقة جنائية. واستعمال الرأفة هنا يحقق المقصد الإصلاحي للعقوبة دون إهدار لمستقبله.

الدفع بشبهة عدم دستورية تطبيق النص العقابي على حالة المتهم لمخالفته مبدأ الضرورة والتناسب

إلى جانب الدفوع الموضوعية والإجرائية أعلاه، تبدي هيئة الدفاع دفعًا جديًا بعدم دستورية تطبيق نص التجريم موضوع الاتهام (المادة رقم 2 من القانون رقم 216 لسنة 2017 بتنظيم استخدام الطائرات المحركة آليًا أو لاسلكيًا وتداولها والاتجار فيها)، لمخالفة ذلك النص لمبادئ الدستور وفي صدارتها مبدأ الضرورة والتناسب في تقييد الحقوق والحريات. حيث ينص الدستور المصري (مادة 92) على أنه

“لا يجوز لأي قانون ينظم ممارسة الحقوق والحريات أن يقيدها بما يمس أصلها وجوهرها”.

وهذا يعني أن التجريم (بوصفه أخطر قيود الدولة على حريات الأفراد) يجب ألا يطال من الأفعال إلا ما كان ضروريًا لمصلحة اجتماعية ملحة وبالقدر المناسب الذي لا يمس جوهر الحق. بيد أن نص القانون الذي يُحاكم بموجبه المتهم – في حال طبّق حرفيًا على واقعة مجردة لا ضرر فيها مثل واقعتنا – يكون قد تجاوز حد الضرورة وأوقع عقابًا غير متناسب مع الفعل ومساسًا غير مبرر بالحرية الشخصية وحرية الفكر والبحث العلمي المكفولة دستوريًا. فمعاقبة شخص على مجرد حيازة أو فعل غير ضار بحجة افتراضية أنه قد يشكل خطرًا، هو توسع تشريعي أو تأويلي يمس أصل حق الفرد في الأمان الشخصي وفي عدم تجريم سلوكه إلا بموجب ضرورة قصوى لحماية المجتمع. ومن المبادئ الدستورية المستقرة كذلك ما قضت به المحكمة الدستورية العليا من أن التناسب بين الحق المُراد حمايته والقيد المفروض عليه ينبغي أن يخضع لشروط صارمة: من بينها وجود هدف مشروع من التقييد، وارتباط منطقي بين القيد والهدف، وعدم توفر وسيلة أخف لتحقيق ذات الهدف، والتزام أخف القيود الممكنة على الحقوق.

وفي هذه القضية، حتى لو سلمنا جدلًا بمشروعية هدف نص التجريم (كحماية الأمن أو النظام العام)، فإن تطبيقه على متهم كحال موكلنا لم يثبت أنه أخل بأمن أو نظام، ينتفي معه شرط الضرورة. فلم يكن ثمة خطر محدق يتطلب تقييد حقه بهذه الغلظة؛ بل كان بالإمكان صون المجتمع عبر وسائل أقل انتهاكًا (كالمراقبة أو المصادرة الإدارية للمحل إذا لزم الأمر) دون اللجوء لعقاب جنائي يمس حريته وسمعته. وعليه فإن العقوبة الجنائية هنا تفقد تبريرها الاجتماعي وتتعارض مع مبدأ التناسب الدستوري. وبناءً على ذلك، تلتمس هيئة الدفاع من هيئتكم الموقرة – وفقًا للمادة 29 من قانون المحكمة الدستورية العليا – التصريح لها بإقامة الدعوى الدستورية بعدم دستورية النص العقابي محل الاتهام، ووقف البت في الدعوى تعليقًا على فصل المحكمة الدستورية في هذا الدفع (إن رأت المحكمة ضرورة ذلك للفصل في الموضوع). إن إعلاء سيادة الدستور يقتضي عدم تطبيق أي نص جزائي يخالف مبادئه في ضرورة التجريم وتناسب العقوبة مع الفعل. وختامًا في هذا الصدد، نؤكد أن الحرية الشخصية حقٌ طبيعي أصيل لا يُضحّى به إلا لحماية حقوق أسمى وبقدر ما تفرضه الضرورة. وأي قانون أو تطبيق للقانون يُخل بهذا المعيار الدستوري الواجب، يستوجب المراجعة وإعمال رقابة المحكمة العليا. ومن ثم فإننا نثير هذا الدفع صونًا لحقوق موكلنا الدستورية، وواثقون أن عدالتكم توليه ما يستحقه من اهتمام.

إننا إذ نقدّر غاية التشريع في الحفاظ على الأمن، ونثمّن دور عدالتكم في تطبيق القانون، نلتمس منكم الرأفة بهذا الطالب الواعد. الرحمة في موضعها عدل، وهو هنا في أمسّ الحاجة لعدلكم الرحيم. فإن رأت المحكمة وجهاً للإدانة، فليكن حكمكم بالحد الأدنى من العقاب أو باستبدال عقوبة الحبس بغرامة مناسبة أو وقف التنفيذ، أخذاً بيد شابٍ لم يقصد الشر ولم يجنه المجتمع من فعله ضرر. وفي ذلك تحقيق لمعاني العدالة المُنزَّهة عن التشفي، وتشجيع له على الاندماج مستقبلاً كعنصر صالح نافع لوطنه.

خاتمة وطلبات الدفاع

ختاماً، يتشرف دفاع المتهم بأن يعرب عن ثقته في عدالة هيئة المحكمة الموقرة، التي لا شك ستضع نصب أعينها مُعطيات هذه القضية الخاصة وظروفها المخففة بشتى جوانبها. وإننا نوقن أن عدالتكم توازن دوماً بين حماية أمن المجتمع وبين ضمان حقوق الأفراد وحرياتهم، تطبيقاً لنصوص الدستور وروح القانون. وفي ضوء ما سلف عرضه، نخلص إلى التماس الآتي:

أصلياً: القضاء ببراءة المتهم مما نُسب إليه، تأسيساً على بطلان إجراءات الضبط والتحقيق، وانتفاء أركان الجريمة بشقيها المادي والمعنوي، وكون فعل الطالب في حقيقته ممارسة مشروعة لحق دستوري لا يرقى لوصف الجريمة، فضلاً عن الشك الجدي في دستورية تطبيق القانون 216 لسنة 2017 بهذه الصورة غير المتناسبة.

احتياطياً: استعمال أقصى موجبات الرأفة والرحمة مع المتهم عملاً بنص المادة 17 عقوبات وغيرها، والاكتفاء بأخف عقوبة ممكنة (كالحبس مع وقف التنفيذ أو الغرامة)، مراعاة لحداثة سنه وحسن نيته وانتفاء الضرر وشرف مقصده العلمي، وذلك إن ارتأت المحكمة ثبوت الإدانة قانونًا.

وفي كل الأحوال يلتمس الدفاع من هيئتكم الموقرة تضمين حيثيات حكمكم ما يبرز حق المؤسسات التعليمية والبحثية في التشجيع على الابتكار مع الالتزام بالأطر القانونية دون إفراط أو تفريط. فمثل هذا التوجيه القضائي يكون نبراساً يهتدي به الطلاب والجامعات والجهات التنفيذية على حد سواء، لضمان التوفيق بين ضرورات الأمن ومتطلبات التقدم العلمي.

وفي النهاية، نرجو من عدلكم إحاطة المتهم بعطفكم، وما رجاؤنا هذا إلا ثقةً في حكمة عدالتكم التي عُرف عنها أنها ملاذٌ للإنصاف وإحقاقٌ للحق. والله وليُّ التوفيق.

محامي المتهم / …………………………
جلسة ../../20..