
مقدمة
أصدرت وزارة العدل في مايو 2026 بيانًا بشأن افتتاح أول دورة تدريبية لقضاة محاكم الجنايات على منظومة التقاضي عن بُعد، بمشاركة 86 قاضيًا، تمهيدًا لتطبيق المنظومة. وقدّم البيان المشروع باعتباره وسيلة لتسريع الإجراءات وميكنة دورة العمل أمام دوائر الجنايات. وأوضح أن المنظومة تتيح حضور المتهم من محبسه ومشاركة الدفاع والنيابة والطب الشرعي عن بُعد، وتستخدم الذكاء الاصطناعي لتحويل المرافعات والطلبات الشفوية إلى محررات مكتوبة.
وفي يونيو 2026، أعلنت الوزارة عن دورة تدريبية لأعضاء نقابة المحامين على استخدام منظومتي التقاضي عن بُعد وتحويل الصوت إلى نص، المقرر تطبيقهما في محاكم الجنايات. وذكر الإعلان، ضمن موضوعات التدريب، إجراءات التسجيل في منظومة حضور المحامين عن بُعد والتقنيات المرتبطة بها. وشملت الموضوعات المعلنة أيضًا إجراءات الاستعلام عن قرارات المحكمة من خلال منصة إدارة الدعوى الجنائية، واستخدام منظومتي تقديم المستندات عن بُعد وتحويل الصوت إلى نص.
تتناول هذه الموضوعات إجراءات استخدام المنظومة وأدواتها، دون أن يوضح الإعلان مدى شمول التدريب للجوانب الإجرائية المرتبطة بممارسة حق الدفاع. فلا يبيّن كيفية تأهيل المحامين للتعامل مع الأعطال المؤثرة في الجلسة، وطلب وقف الإجراء أو إعادته، وإثبات الخلل في المحضر. كما لا يوضح ما إذا كان التدريب يتناول ضمان سرية التشاور مع الموكل، أو مراجعة التفريغ الآلي وطلب تصحيحه قبل اعتماد محضر الجلسة.
تنظر هذه الورقة إلى تدريب المحامين باعتباره من متطلبات الممارسة الفعلية لحق الدفاع. فالمحاكمة الجنائية تقوم على إجراءات تنظّم العلاقة بين المحكمة وسلطة الاتهام والدفاع والمتهم، ومشاركة الشهود والخبراء وحضور الجمهور. ومع تغير أدوات طلب الكلمة والاعتراض والتشاور، وطرق إثبات الدفوع ومراجعة المحاضر، يحتاج المحامون إلى تأهيل يجمع بين استخدام المنظومة وفهم الأثر الإجرائي لأدواتها وأعطالها. ويتصل هذا التأهيل بحقوق المتهم وسلامة الإجراءات، بما يجعله مسؤولية ضمن إعداد منظومة التقاضي، تتجاوز اعتباره خدمة مهنية اختيارية أو مطلبًا نقابيًا محدودًا.
يغيّر انتقال الجلسة إلى وسيط رقمي مكان انعقادها وشروط ممارسة الدفاع خلالها. ففي قاعة المحكمة، يستطيع المحامي طلب الكلمة والاعتراض والتحدث إلى موكله بصوت خافت، كما يمكنه ملاحظة ارتباك الشاهد أو تشتت انتباه المتهم. ويطلب المحامي إثبات دفوعه، ويراجع محضر الجلسة أو يطلب تصحيحه. في الجلسة الرقمية في المقابل، تعتمد ممارسة هذه الأدوار على إجراءات الدخول والصلاحيات التي تمنحها المنصة، وعلى أدوات التحكم والسجلات المتاحة فيها. وقد تحد القيود التقنية والأعطال أو ضعف الإلمام بهذه الأدوات من قدرة المحامي على أداء دوره، مع بقاء حقوق الدفاع مقررة في النصوص القانونية.
لذلك، يتطلب تنفيذ التعهدات الرسمية بالحفاظ على الضمانات القضائية وحقوق الدفاع أن يعرف المحامي كيفية ممارسة هذه الحقوق داخل المنظومة، وأن تتاح له الوسائل التقنية والقانونية لإثبات الإخلال بها. كما يتطلب قواعد تحول دون تحميل المتهم تبعات الأعطال أو صعوبة استخدام المنظومة أو غموض إجراءات تشغيلها. ومن هذا المنطلق، تبحث الورقة مدى كفاية التدريب المعلن، والضمانات اللازمة لتمكين المحامين والمتهمين من المشاركة الفعلية في الجلسات الرقمية، وممارسة حقوقهم أثناء المحاكمة.
الإطار القانوني لضمانات الدفاع في التقاضي عن بُعد
ينطلق تقييم أي منظومة تقاضٍ عن بُعد في المجال الجنائي من قاعدة بسيطة مفادها، لا يجوز أن يؤدي الوسيط الرقمي إلى إنقاص ضمانات المحاكمة العادلة.
وفي هذا السياق، يكفل الدستور المصري الصادر عام 2014 هذه الضمانات. فتقرر المادة 94 أن سيادة القانون أساس الحكم في الدولة، وتنص المادة 95 على شخصية العقوبة، وأنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على قانون، ولا تُوقَّع عقوبة إلا بحكم قضائي. وتؤكد المادة 96 أن الأصل في المتهم البراءة حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية عادلة تكفل له ضمانات الدفاع عن نفسه.
وتكفل المادة 97 الحق في التقاضي، وتحظر تحصين أي عمل أو قرار إداري من رقابة القضاء، وتؤكد ألا يُحاكم شخص إلا أمام قاضيه الطبيعي. كما تكفل المادة 98 حق الدفاع أصالة أو بالوكالة، وتجعل استقلال المحاماة وحماية حقوقها ضمانًا لكفالة هذا الحق. وتؤكد المادة 198 أن المحاماة تشارك السلطة القضائية في تحقيق العدالة وكفالة حق الدفاع.
في ضوء هذه القواعد، يرتبط تنظيم الجلسات عن بُعد بإعمال الضمانات الدستورية للمحاكمة الجنائية. وتستند الورقة إلى هذه النصوص في اعتبار تمكين المحامي من أداء دوره داخل الوسيط الرقمي التزامًا على الدولة لضمان ممارسة حق الدفاع. ويقتضي ذلك إتاحة السماع والرؤية والتواصل السري مع الموكل، وتمكين المحامي من طلب الكلمة وإثبات دفوعه. ويحتاج المحامي كذلك إلى الاعتراض على الخلل ومراجعة ما يُثبت في محضر الجلسة. فظهوره على الشاشة لا يكفي بمفرده للتحقق من قدرته على أداء هذه الأدوار.1
وعلى المستوى الدولي، تقرر المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية المساواة أمام المحاكم والهيئات القضائية، والحق في محاكمة عادلة وعلنية أمام محكمة مختصة ومستقلة ومحايدة. وتكفل فقرتها الثالثة ضمانات دنيا للمتهم «على قدم المساواة التامة»، منها منحه الوقت والتسهيلات الكافية لإعداد دفاعه والاتصال بمحام يختاره. وتشمل هذه الضمانات محاكمته حضوريًا، وتمكينه من الدفاع عن نفسه بشخصه أو بواسطة محام. وله أيضًا مناقشة شهود الإثبات بنفسه أو بواسطة غيره، والحصول على الموافقة على استدعاء شهود النفي بالشروط ذاتها المطبقة على شهود الإثبات.
وتستند الورقة في تطبيق هذه المعايير على الجلسات الرقمية إلى ما تتطلبه من «تسهيلات كافية» و«اتصال بمحام» و«مساواة تامة». فإلى جانب إبلاغ المحامي بموعد الجلسة ورابط الاتصال، ينبغي تمكينه من استخدام المنظومة وتوفير اتصال مستقر يتيح وضوح الصوت والصورة. ويحتاج الدفاع إلى قناة سرية للتشاور وسجل تقني يمكن الرجوع إليه عند النزاع. كما ينبغي تمكينه من طلب وقف الجلسة عند حدوث خلل مؤثر، ومراجعة المحضر الرقمي أو التفريغ الآلي. أي تفسير أقل من ذلك يحوّل التكنولوجيا إلى وسيلة لتقليص مضمون ما تنص عليه هذه المادة، تحت اسم السرعة والكفاءة.
وعلى هذا الأساس، يرتبط تقييم التدريب الذي أعلنت عنه وزارة العدل بمدى تأهيل المحامين لممارسة هذه الحقوق والاعتراض على الإخلال بها. ويحتاج هذا التأهيل إلى أدوات متاحة داخل المنظومة وقواعد إجرائية واضحة تمكّن الدفاع من تطبيق ما يتعلمه أثناء الجلسة.
المعيار نفسه يظهر في التجارب الأوروبية المقارنة. تحمي المادة (6) من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان الحق في محاكمة عادلة، وتنص على ضمانات الدفاع مثل الوقت والتسهيلات الكافية، والتمثيل القانوني، ومناقشة الشهود، والمشاركة الفعالة. وقد قبلت المحاكم الأوروبية استخدام الاتصال المرئي في الإجراءات الجنائية بشرط أن يخدم غرضًا مشروعًا، وأن تتوافق ترتيباته مع ضمانات المحاكمة العادلة. ويشمل ذلك قدرة المتهم على متابعة الإجراءات وإسماع صوته دون عوائق تقنية، والتواصل الفعال والسري مع محاميه. وبناءً على هذه المعايير، يتركز التقييم القانوني على مدى تمكين الوسيلة الرقمية للمتهم ومحاميه من المشاركة الفعلية والتشاور السري وإبداء الاعتراضات أثناء الجلسة.
تحديث إجراءات المحكمة وأثره على دور الدفاع
يركّز بيان وزارة العدل بشأن تدريب القضاة على إدارة دوائر الجنايات إلكترونيًا وميكنة دورة العمل، بما في ذلك إرسال القرارات والأحكام إلكترونيًا وتحويل الصوت إلى نص. ويتناول أيضًا شبكات الألياف الضوئية التي تربط المحاكم ومراكز الإصلاح والتأهيل وأقسام الشرطة. تمثل هذه العناصر متطلبات إدارية وتقنية مهمة لتشغيل المنظومة، لكنها لا تجيب عن السؤال الأهم وهو كيف سيتمكن الدفاع من ممارسة حقوقه داخلها.
لذلك، يجب أن يراعي تحديث إجراءات العمل طبيعة المحاكمة الجنائية بوصفها نزاعًا قانونيًا بين فرد معرض لسلب حريته وسلطة عامة تملك صلاحيات الاتهام والاحتجاز والتحقيق والتنفيذ. بالإضافة إلى ذلك، يؤثر تصميم المنصة في قدرة الأطراف على المشاركة ومتابعة الإجراءات، فهو يحدد من يستطيع الكلام مباشرة ومن يحتاج إلى إذن، ومن يمكنه الاطلاع على المستندات أو الوصول إلى سجل بما جرى في الجلسة. كما يحدد من يملك قطع الاتصال أو إعادته، ويؤثر في تحديد الطرف الذي يتحمل تبعات العطل.
في قاعة المحكمة التقليدية، تتضمن ممارسة الدفاع تفاصيل عملية قد لا تنظمها النصوص القانونية على نحو مفصل. فالمحامي يلاحظ تعبيرات وجه موكله وما قد يظهر عليه من اضطراب، ويتحدث إليه بصوت خافت. وقد يطلب التوقف أو يعترض على سؤال، وينبّه المحكمة إلى أن الشاهد لا يسمع أو أن المتهم لم يفهم. ويراجع ما يثبته كاتب الجلسة ويتمسك بإثبات طلباته في المحضر. تساعد هذه الممارسات على الحد من اختلال التوازن بين أطراف المحاكمة، ويقتضي نقل الجلسة إلى وسيط رقمي تصميم بدائل تتيح للمحامي أداء هذه الأدوار، واختبارها وإعلان كيفية استخدامها.
ينبغي أيضًا أن يراعي التدريب المعلن للقضاة والمحامين اختلاف أدوارهم واحتياجاتهم داخل الجلسة. فتدريب القاضي على إدارة الجلسة يتصل بفتحها والتحقق من اتصال الأطراف، وتنظيم الانتقال بين المتحدثين واعتماد المحضر. ويحتاج المحامي إلى تأهيل يمكّنه من إبداء اعتراضات الدفاع، بما فيها الاعتراض على الخلل التقني ووصفه وطلب إثباته. وعند تقييم كفاية الاتصال، ينبغي تمكين الدفاع من عرض ملاحظاته وتوثيق العطل، حتى تتمكن المحكمة من تقدير أثره على المشاركة في الجلسة.
ويتعيّن، لذلك، تحديد الحد الأدنى من التأهيل الذي يحتاجه المحامي لممارسة دفاع فعّال داخل المنظومة. فإلى جانب التدريب على الدخول إلى المنصة واستخدامها، يحتاج إلى تأهيل يجمع المعرفة القانونية والتقنية ويربط كل وظيفة بأثرها الإجرائي. فأداة طلب الكلمة وسيلة لإبداء الاعتراض، وجودة الصوت شرط لسماع الاتهام والشهادة والمرافعة. وقد يؤثر التفريغ الآلي في مضمون محضر الجلسة الذي يوثّق ما دار فيها، وهو ما يستدعي تدريب المحامي على مراجعته وطلب تصحيحه. كما يجب أن تتيح القناة الخاصة بين المحامي والمتهم التشاور السري، وأن يعرف المحامي كيفية استخدامها والتحقق من الضمانات التي تحمي سرية التواصل عبرها.
تدريب المحامين بوصفه ضمانة للمحاكمة العادلة
يُعد تدريب المحامين على التقاضي الجنائي عن بُعد من متطلبات حماية حقوق المتهم وسلامة إجراءات المحكمة. وفي ضوء إعلان وزارة العدل عن تدريب للمحامين، يتعين تقييم مضمونه ومدى استجابته لاحتياجات الدفاع. ففاعلية مشاركة المحامي تتطلب أن يعرف كيف يطلب وقف الجلسة عند انقطاع الصوت، وكيف يثبت أن موكله لم يسمع شهادة. ويحتاج كذلك إلى معرفة كيفية الاعتراض على غياب قناة سرية للتشاور، ومراجعة التفريغ الآلي الذي قد يصبح جزءًا من ملف الدعوى.
يحتاج المحامي أولًا إلى فهم طريقة عمل المنظومة، بدءًا من الدخول إلى الجلسة وإثبات هويته والتحقق من هوية الأطراف الأخرى. ويشمل ذلك معرفة أدوات طلب الكلمة ومن يملك صلاحية كتم الصوت. كما يحتاج إلى فهم كيفية عرض المستندات، وما إذا كان يمكنه مشاركة ملف أو تقديم طلب مكتوب.
ويتطلب فهم المنظومة أيضًا معرفة ما إذا كانت الجلسة تُسجَّل. وفي حال تسجيلها، ينبغي أن يعرف المحامي من يتولى حفظ التسجيل ومدة حفظه، وما إذا كان يستطيع طلب نسخة منه. ويحتاج كذلك إلى معرفة ما إذا كانت الأعطال تُوثَّق في سجل تقني مستقل، وإمكان الاطلاع عليه عند الطعن. تتضمن هذه التفاصيل التقنية أهمية قانونية، فهي تحدد الوسائل المتاحة للدفاع لإثبات ما جرى في الجلسة.
ويحتاج المحامي ثانيًا إلى التدريب على تحديد الأثر الإجرائي للخلل التقني وصياغة الطلب أو الدفع المناسب بشأنه. ويقتضي ذلك وصف الخلل وبيان أثره على الإجراء، عوضًا عن الاكتفاء بوصف الاتصال بأنه سيئ. ومن أمثلة ذلك انقطاع الصوت أثناء تلاوة أمر الإحالة، أو غياب الصورة أثناء مواجهة شاهد. وقد يمنع تأخر الصوت المقاطعة الفورية، أو يتعذر على المتهم سماع سؤال المحكمة. وقد يتعلق الخلل بتعذر التشاور السري قبل الرد على دليل جديد، أو عدم تمكّن الدفاع من الاطلاع على مستند عُرض على النيابة والمحكمة. وتُقيَّم هذه الوقائع بحسب أثرها على حضور المتهم وحقه في الدفاع والمواجهة.
ويحتاج ثالثًا إلى التدريب على طلب إثبات الخلل والاعتراض عليه في محضر الجلسة. فالمحضر يؤدي دورًا أساسيًا في إثبات ما دار في المحاكمة، وقد يصعب الاستناد إلى الخلل لاحقًا إذا لم يُوثَّق. ولذلك ينبغي أن يتدرب المحامي على صياغة طلبات وقف الجلسة أو إعادة الإجراء، وطلب إثبات مدة الانقطاع. ويشمل ذلك طلب بيان من الدعم الفني وطلب إرفاق سجل الاتصال. كما يحتاج إلى التدريب على طلب إثبات اعتراض الدفاع على كفائة الصوت أو الصورة، وطلب تمكينه من التشاور السري مع موكله قبل استئناف الجلسة.
ويحتاج رابعًا إلى التدريب على حماية سرية التواصل مع المتهم. وتحمي هذه السرية خصوصية الحديث، وهي من شروط بناء الثقة بين المحامي وموكله وتبادل معلومات قد تحدد استراتيجية الدفاع. وفي الجلسة التقليدية، يمكن للمحامي أن يقترب من موكله أو يطلب فرصة للتشاور. أما في الجلسة الرقمية، فيخضع تنظيم هذا التشاور لتصميم النظام والصلاحيات الممنوحة لإدارته. وإذا كانت القناة الخاصة تُدار عبر المنصة نفسها، فيجب أن يعرف الدفاع من يستطيع الدخول إليها، وما إذا كان التواصل عبرها يُسجَّل. ويحتاج أيضًا إلى معرفة ما إذا كان موظف أو ضابط أو فني يحضر التشاور، وما إذا كان يمكن طلب الانتقال فورًا إلى قناة خاصة للتواصل أثناء سماع الشهود. وفي غياب إجابات معلنة عن هذه المسائل، يصعب على الدفاع التحقق من الضمانات التي تحمي سرية التواصل.
ويحتاج المحامي خامسًا إلى التدريب على مراجعة المحاضر الرقمية والتفريغ الآلي. وقد ورد استخدام منظومة تحويل الصوت إلى نص ضمن الموضوعات المعلنة لتدريب المحامين. وتعتمد هذه المنظومة، بحسب بيان الوزارة، على الذكاء الاصطناعي لتحويل المرافعات والطلبات الشفوية إلى محررات مكتوبة.
يستدعي استخدام هذه المنظومة الانتباه إلى دقة توثيق ما يُقال أثناء الجلسة. فقد يبدي المحامي دفعًا جوهريًا ثم يُسقطه التفريغ الآلي أو يغيّر معناه، وقد يقع الخطأ في اسم أو رقم مادة قانونية أو صياغة الدفع. وإذا اعتُمد المحضر دون مراجعة فعالة، فقد تتأثر قدرة الدفاع على الاستناد إلى ما جرى في الجلسة عند الاستئناف أو النقض. ومن ثم، ينبغي تقييم هذا الجانب من التدريب بحسب مدى تأهيل المحامي لاكتشاف الأخطاء وطلب تصحيحها وإثبات اعتراضه عليها، بما يدعم ممارسة حق الدفاع في الطعن.
أثر قصور تأهيل المحامين في الجلسات عن بُعد
أعلنت وزارة العدل عن تدريب للمحامين على استخدام منظومتي التقاضي عن بُعد وتحويل الصوت إلى نص. ويتطلب تقييم كفاية هذا التدريب النظر في مدى إعداده المحامين لممارسة حقوق الدفاع والتعامل مع المشكلات الإجرائية المرتبطة باستخدام المنظومة. فمع تدريب القضاة ومشاركة النيابة والطب الشرعي والجهات الفنية في الإجراءات الرقمية، قد تتأثر قدرة الدفاع على المشاركة إذا لم يتوافر للمحامين تأهيل ودعم يتناسبان مع مهامهم. وقد يمنح تفاوت المعرفة بالمنصة وإمكانية الوصول إلى الدعم الفني بعض الأطراف قدرة أكبر على استخدام الأدوات المتاحة والتعامل مع أعطالها.
قد يظهر أثر قصور التأهيل في تراجع تدخل الدفاع أثناء الجلسة. فالمحامي قد يتردد في طلب الكلمة لعدم معرفته بالآلية المتاحة، أو خشية أن يُفهم تدخله على أنه تعطيل للإجراءات. في قاعة المحكمة، يمكنه أن يقف أو يتحدث أو يلفت نظر المحكمة مباشرة. أما في الجلسة عن بُعد، فقد يكون صوته مكتومًا، أو يتوقف تدخله على استخدام زر لا يعرف كيفية التعامل معه. وقد يظهر طلبه في قائمة انتظار لا يعرف كيف تُدار. ويمكن أن يحد تصميم هذه الأدوات أو نقص التدريب عليها من قدرة المحامي على الاعتراض، ولذلك لا تكفي قلة الاعتراضات للاستدلال على سلامة الإجراءات.
وقد يؤدي قصور التأهيل إلى صعوبة إثبات الأعطال وأثرها على مشاركة الدفاع. فقد ينقطع الاتصال لثوانٍ أثناء شهادة مؤثرة، أو يمنع التشويش سماع عبارة، أو تتأخر الصورة بما يصعّب ملاحظة رد فعل المتهم أو الشاهد. وفي غياب إجراءات معلنة لتوثيق هذه الوقائع ومعالجتها، قد يقتصر التعامل معها على تقدير شفهي من المحكمة أو الدعم الفني. وقد تُعدّ الجلسة مستمرة والأطراف حاضرة رغم تعذر متابعة الدفاع جزءًا من الإجراءات. وقد رصد تقرير لمنظمة Fair Trials إفادات عن صعوبات تتعلق بسرية التواصل والمشاركة الفعالة ومناقشة الأدلة خلال استخدام الإجراءات عن بُعد في عدد من الدول الأوروبية أثناء جائحة كورونا.
وتعتمد إمكانية التشاور أثناء الجلسة على الأدوات المتاحة ومعرفة المحامي بكيفية استخدامها. فقد يحتاج إلى سؤال موكله فور سماع شاهد أو بعد عرض مستند. وقد يستلزم الرد على دفع من النيابة أو التعامل مع تناقض ظهر أثناء الجلسة تشاورًا سريعًا بينهما. وإذا لم توفر المنظومة قناة فورية وسرية ومستقرة، فقد تتأثر قدرة المحامي على الحصول على المعلومات اللازمة لاتخاذ قراره.
نقلت تغطية صحفية عن الجلسات المرئية في الولايات المتحدة إفادات لمحامين عن صعوبة الانتقال إلى غرفة افتراضية منفصلة للتشاور أثناء بعض الجلسات، وعن أثر الانفصال المكاني على التواصل مع الموكل وجودة التمثيل القانوني. كما أورد تقرير Fair Trials إفادات من محامين في إنجلترا وويلز عن تعذر التواصل مع الموكل أثناء بعض الجلسات، أو الحاجة إلى طلب استراحة لإجراء تشاور سري.
وقد تتفاوت قدرة المحامين على المشاركة بحسب الموارد التقنية المتاحة لهم. فقد يملك محامٍ في مكتب كبير بالقاهرة أجهزة جيدة واتصالًا مستقرًا، ويستعين بمساعدين تقنيين. في المقابل، قد يعمل محامٍ بمفرده في محافظة بعيدة بجهاز محدود الإمكانات واتصال ضعيف، دون دعم فني. يمكن أن يزداد أثر هذا التفاوت إذا لم توفر الدولة تدريبًا مجانيًا أو منخفض التكلفة، وأدلة استخدام واضحة، ونقاط دعم فني مستقلة. عندئذ قد تتأثر جودة الدفاع بالموارد المادية والتقنية، لا بالكفاءة القانونية وحدها. وينعكس هذا التفاوت على المتهمين، إذ قد تتراجع قدرة بعضهم على الاستفادة من ضمانات الدفاع بسبب محدودية الإمكانات التقنية المتاحة لمحاميهم.
وقد يضع الحضور عن بُعد المحامي تحت ضغط للاستمرار في جلسة تتأثر بخلل تقني. فإذا لم يعرف متى يطلب التأجيل أو وقف الجلسة، ولم تتوافر قاعدة تمنع تحميله مسؤولية عطل خارج إرادته، فقد يتردد في تقديم هذا الطلب خشية اتهامه بتعطيل الإجراءات. وفي القضايا الجنائية، قد يمس استمرار الجلسة رغم ضعف السماع أو تعذر التشاور الضروري حق الدفاع، بحسب أثر ذلك على قدرة المحامي والمتهم على متابعة الإجراءات والمشاركة فيها.
محاضر الجلسات بين التفريغ الآلي وحق الدفاع
يشير بيان وزارة العدل إلى استخدام الذكاء الاصطناعي في إثبات المرافعات والطلبات الشفوية إلكترونيًا وتحويلها إلى نصوص مكتوبة. ويستدعي هذا الاستخدام الانتباه إلى مخاطر الأخطاء في توثيق الجلسات. ففي المحاكمة الجنائية، يوثّق محضر الجلسة ما قيل وما قدّمه الدفاع من طلبات واعتراضات، وما أثبتته المحكمة. يستند المحامي إلى محضر الجلسة عند الطعن لإثبات تقديم طلب أو إثارة دفع أو إبداء اعتراض لم تستجب له المحكمة. وقد يترتب على الخطأ في التفريغ الآلي أثر قانوني إذا انتقل إلى المحضر المعتمد وأخلّ بدقة إثبات ما دار في الجلسة.2
وإلى جانب دقة التعرف على اللهجات المصرية، تبرز ضرورة تحديد المسؤول عن مراجعة النص، وتوقيت المراجعة، وصلاحيات القائم بها. فقد تخطئ أنظمة تحويل الصوت إلى نص في الأسماء والأرقام والمصطلحات القانونية والعبارات المتداخلة. وقد تتأثر دقتها أيضًا بتشويش القاعة أو سرعة الكلام أو تداخل الأصوات. وفي القضايا الجنائية، قد يؤدي الخطأ في نقل عبارات مثل «نتمسك بسماع الشاهد» أو «ندفع ببطلان القبض» أو «نطلب عرض المتهم على الطب الشرعي» إلى إغفال طلب أو دفع جوهري، أو تغيير معناه في المحضر.
أدرجت الوزارة منظومة تحويل الصوت إلى نص ضمن موضوعات تدريب المحامين إلا أن تقييم كافية هذا التدريب يحتاج إلى معرفة مدى تناوله إجراءات مراجعة النص وتصحيحه والاعتراض عليه. ينبغي أن يعرف المحامي كيفية الاطلاع على التفريغ وطلب تصحيح أخطائه، وإثبات تقديم طلب التصحيح في وقته. كما يحتاج إلى معرفة إجراءات طلب حفظ التسجيل الصوتي الأصلي للرجوع إليه عند النزاع.
ينبغي أن تحدد القواعد المنظمة الوضع القانوني للنص الناتج عن التفريغ الآلي، وما إذا كان مجرد مسودة تحتاج إلى اعتماد بشري أم محضرًا رسميًا تترتب عليه آثار قانونية. فالغموض بشأن هذه الإجراءات قد يصعّب على الدفاع مراجعة المحضر وطلب تصحيحه. وتزداد أهمية وضوحها في ضوء المادة (534) من قانون الإجراءات الجنائية الجديد، الصادر بالقانون رقم 174 لسنة 2025، التي تكتفي في محاضر المحاكمة عن بُعد بتوقيع رئيس الدائرة والكاتب على كل ورقة، دون اشتراط توقيع المتهم أو الدفاع أو الشهود أو غيرهم.
تتعامل المعايير المقارنة لتنظيم الذكاء الاصطناعي مع بعض استخداماته في إنفاذ القانون بوصفها عالية المخاطر، لأنها قد تؤثر مباشرة في الحقوق الأساسية. فعلى سبيل المثال، تحدد المادة (6) من قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي قواعد تصنيف أنظمة الذكاء الاصطناعي عالية المخاطر، وتحيل إلى الملحق الثالث، الذي يدرج ضمن هذه الفئة أنظمة تُستخدم في إنفاذ القانون وإدارة العدالة والعمليات الديمقراطية.
ويرتب القانون متطلبات محددة على تصنيف الأنظمة بأنها عالية المخاطر. فتتناول المادة (9) إدارة المخاطر، والمادة (12) حفظ السجلات. وتنظم المادة (13) الشفافية وتوفير المعلومات للجهات المستخدمة، والمادة (14) الرقابة البشرية. وتحدد المادة (15) متطلبات الدقة والمتانة والأمن السيبراني. كما تلزم المادة (27) فئات محددة من الجهات المستخدمة بإجراء تقييم للأثر على الحقوق الأساسية قبل استخدام بعض الأنظمة عالية المخاطر.
ويمكن الاستفادة من هذه المتطلبات في السياق المصري دون نقل النموذج الأوروبي كاملًا. فينبغي أن يصاحب استخدام الأنظمة الآلية في إعداد محاضر الجلسات وتوثيق المرافعات وضع قواعد معلنة لإدارة المخاطر والرقابة البشرية والتحقق من دقة الأداء. وينبغي أن تنظم هذه القواعد كذلك حفظ السجلات وإجراءات الاعتراض، مع تقييم أثر النظام على حق الدفاع.
يذكر بيان الوزارة مشاركة جهات أمنية وشركات تقنية في تنفيذ المنظومة وتأمينها ومراجعة خوارزمياتها دوريًا. ويحتاج الدفاع إلى معلومات توضح نطاق هذه المراجعة والجهة المسؤولة عنها ومدى إتاحة نتائجها. كما يحتاج إلى معرفة ما إذا كانت المنظومة تخضع لاختبارات مستقلة لقياس دقة التعرف على اللهجات والمصطلحات القانونية، ومعرفة الإجراءات المتاحة للاعتراض على التفريغ.
ومن الضروري أيضًا توضيح ما إذا كانت النسخة الأصلية من النص تُحفظ قبل تعديله، وكيف يمكن الرجوع إليها. ويظل تمكين الدفاع من فهم إجراءات التوثيق ومراجعة مخرجات النظام ضروريًا لحماية حقوق المتهم، حتى مع توافر الحماية من الاختراق الخارجي.
ضمانات مشاركة المتهم المحبوس في المحاكمات عن بُعد
يقدم بيان وزارة العدل حضور المتهم من محبسه بوصفه جزءًا من تكامل المنظومة. ويقتضي تقييم هذا الحضور مراعاة محدودية قدرة المتهم على التحكم في مكان الجلسة وتجهيزاتها وجودة الاتصال، أو تحديد الأشخاص الموجودين معه. فقد يحضر من غرفة داخل مكان احتجاز، أمام كاميرا مثبتة وبحضور موظفين أو أفراد أمن. وقد لا يعرف ما إذا كان يستطيع التحدث بحرية، أو كيف يطلب التشاور مع محاميه، أو كيف ينبه المحكمة ويطلب وقف الجلسة إذا تعذر عليه السماع. بالتالي، لا يكفي ظهور المتهم على الشاشة للتحقق من مشاركته الفعالة.
يحتاج المتهم قبل الجلسة إلى إرشادات واضحة تبيّن حقه في سماع ما يجري، وكيفية تنبيه المحكمة إذا تعذر عليه السماع أو الفهم. وينبغي أيضًا توضيح كيفية طلب التشاور السري مع محاميه، والإجراءات المتاحة لطلب الحضور الشخصي، خصوصًا إذا كان الحضور عن بُعد يعيق مشاركته. وتتيح المادة (535) من قانون الإجراءات الجنائية الجديد للمتهم الاعتراض على عدم حضوره شخصيًا أمام المحكمة، خلال أول جلسة في كل درجة من درجات التقاضي، وتلزم المحكمة بالبت في اعتراضه بالقبول أو الرفض.3
لذلك، ينبغي أن يتناول تدريب المحامين على استخدام المنظومة كيفية مساعدة المتهم على التعبير عن الصعوبات التي تواجهه أثناء الجلسة. فقد تتأثر قدرة المحامي على أداء دوره إذا لم يعرف موكله كيف يبلغه بأن الصوت غير واضح، أو إذا كان يخشى الكلام بسبب وجود أشخاص خارج إطار الكاميرا. كما يتطلب التواصل بينهما توفير وسيلة للتشاور السري، إلى جانب معرفة كيفية استخدامها.
وفي بريطانيا، حذّر تقرير لهيئة المساواة وحقوق الإنسان من أن الجلسات المرئية قد تعيق التواصل والفهم لدى بعض المتهمين ذوي الإعاقة، أو الاضطرابات النفسية، أو صعوبات التعلم. كما أشار إلى أهمية توفير ترتيبات تراعي احتياجاتهم لتمكينهم من فهم الإجراءات والمشاركة فيها.
في السياق المصري، يتطلب تقييم هذه الضمانات إتاحة معلومات واضحة عن ظروف مشاركة المتهم في الجلسة من مكان احتجازه. وينبغي أن تتحقق المحكمة من قدرتها على رؤيته وسماعه، ومن قدرته على سماع ما يدور وفهمه. كما ينبغي التأكد من عدم تعرضه لضغوط، ومن إمكانية تشاوره مع محاميه دون استماع الآخرين أو مراقبتهم لمضمون التواصل. استمرار الجلسة دون معالجة ما يعيق المشاركة الفعالة يُعد إضرارًا بحق الدفاع وعدالة الإجراءات.
ضمانات وبدائل لحماية الدفاع في التقاضي عن بُعد
يمكن استخدام التقاضي عن بُعد في الجنايات ضمن نطاق محدد، مع استكمال الضمانات اللازمة قبل التوسع في تطبيقه. فالمحاكمة في هذه القضايا قد تترتب عليها عقوبات تمس حرية المتهم أو حياته، وآثار اجتماعية قد تمتد لعقود. ولذلك يُوصى بأن يكون الحضور الشخصي هو الأصل في المحاكمة الجنائية، وأن يكون الحضور عن بُعد استثناءً مسببًا أو خيارًا مشروطًا لا يُفرض على الدفاع والمتهم دون ضمانات تحمي حقوقهم.
ويمكن قصر التطبيق الأولي على إجراءات محددة لا تمس جوهر المواجهة بين الخصوم، أو على حالات يوافق فيها المتهم ومحاميه موافقة حرة ومستنيرة بعد شرح المخاطر. وينبغي أن يسبق التوسع في تطبيق المحاكمات عن بُعد تقييم أثرها على الدفاع، من خلال تجربة محدودة تستند إلى معايير منشورة وواضحة. ويشمل التقييم جمع بيانات عن الأعطال والاعتراضات والتأجيلات، وتوثيق ملاحظات الدفاع بشأن استخدام المنظومة.
كما يُوصى بضمان حق المتهم ودفاعه في طلب الحضور الشخصي في جميع مراحل الدعوى الجنائية. فالمادة (535) من قانون الإجراءات الجنائية الجديد تتيح للمتهم الاعتراض على عدم مثوله شخصيًا في أول جلسة بكل درجة من درجات التقاضي، وتترك للمحكمة قبول الاعتراض أو رفضه، دون أن تتضمن نصًا صريحًا بشأن تسبيب القرار. لذلك، تبرز الحاجة إلى إتاحة تجديد هذا الطلب متى أثر الحضور عن بُعد على المشاركة أو التشاور مع المحامي أو مناقشة الشهود. وقد يستند الطلب إلى طبيعة الدعوى أو حالة المتهم، أو إلى ضعف الاتصال أو ضرورة التشاور المستمر. وينبغي أن يكون رفضه مسببًا وقابلًا للطعن أو المراجعة، وفق إجراءات واضحة.
ومن الضمانات المقترحة توفير قناة مستقلة للتشاور السري بين المحامي والمتهم، تكون متاحة قبل الجلسة وأثناءها وبعدها، مع حظر تسجيل محتواها. وينبغي منع دخول أي موظف أو ضابط أو فني إليها، إلا بطلب من الدفاع ولغرض تقني محدد، وإطلاع المحامي والمتهم على الضمانات التي تكفل سريتها. كما ينبغي أن يتيح طلب التشاور وقف الجلسة مؤقتًا، دون اعتباره تعطيلًا للإجراءات. ويجب تنظيم هذه الوسيلة مع الحفاظ على ما تقرره المادة (536) من حق المحامي في الحضور مع المتهم وحظر الفصل بينهما أثناء إجراءات التحقيق والمحاكمة عن بُعد.4
بالإضافة إلى ما سبق، ينبغي وضع بروتوكول ملزم للتعامل مع الأعطال، يحدد حالات وقف الجلسة وإعادة الإجراء، وكيفية إثبات الخلل. ويجب أن يوضح من يحق له طلب تقرير فني، وكيفية تدوين اعتراض الدفاع في المحضر، والمعايير التي يُقدّر على أساسها أثر الخلل على حق الدفاع. ويظل تقدير المحكمة ضروريًا، لكنه يحتاج إلى معايير واضحة تراعي أثر العطل على مشاركة المتهم ومحاميه.
ينبغي أيضًا إتاحة مراجعة التفريغ الآلي قبل اعتماد محضر الجلسة، بحيث يحصل الدفاع على وقت كافٍ للاطلاع على النص وطلب تصحيح أخطائه، مع إثبات اعتراضاته في المحضر. كما ينبغي حفظ نسخة صوتية أو مرئية أصلية ومؤمّنة للرجوع إليها عند الحاجة. فالاعتماد على نص ينتجه نظام آلي لتوثيق ما قدّمه الدفاع يستلزم في المقابل تمكينه من التحقق من دقة هذا النص قبل اعتماده في سجل القضية.
كما يًوصى بإشراك نقابة المحامين وخبراء حماية البيانات وذوي الإعاقة في تصميم المنظومة واختبارها. ويحتاج تقييم المنظومة وكفاية التدريب المعلن للمحامين إلى اختبارات عملية تكمل العروض التوضيحية المقدمة للمسؤولين والجهات المعنية بالتحول الرقمي. وينبغي أن تشمل هذه الاختبارات كيفية التعامل مع اعتراض محامٍ على عطل، أو ارتباك متهم أثناء مشاركته من مكان احتجازه، أو خطأ في تفريغ دفع جوهري. يتيح ذلك تقييم قدرة المحامين على استخدام الأدوات المتاحة، ومدى كفاية الإجراءات لحماية حق الدفاع.
برنامج التأهيل المطلوب للمحامين
أعلنت وزارة العدل بالفعل عن تدريب للمحامين على استخدام منظومة التقاضي عن بُعد، لكن يُوصى بضمان كفاية هذا التدريب وإتاحته قبل التوسع في التطبيق، لتمكين المحامين من ممارسة حقوق الدفاع داخل المنظومة. ويتسق هذا التوجه مع المادة (198) من الدستور، التي تقرر مشاركة المحاماة في تحقيق العدالة وكفالة حق الدفاع، وتؤكد استقلال المحامي في ممارسة عمله. وينبغي تنظيم التدريب بالتعاون المؤسسي بين الوزارة ونقابة المحامين، مع ضمان استقلال النقابة في تحديد احتياجات الدفاع. ويجب أن يركز على الممارسة العملية لاستخدام المنظومة ومراجعة أدائها وتقديم الاعتراضات المتعلقة بها.
ينبغي أن يبدأ التدريب بشرح القواعد القانونية للتقاضي عن بُعد، بما يوضح متى يجوز استخدامه وإجراءات طلب الحضور الشخصي، وأثر موافقة المتهم أو اعتراضه. ويشمل أيضًا حقوق الدفاع عند تعطل الاتصال، والضمانات المتعلقة بسرية التواصل ومحاضر الجلسات. ويجب أن يغطي التدريب الجانب العملي من الدخول إلى المنصة وإثبات الهوية، ثم تدريب المحامي على طلب الكلمة وتقديم الطلبات والاطلاع على المستندات، وكيفية طلب التشاور والإبلاغ عن الأعطال وطلب الحصول على السجل التقني.
يحتاج المحامي كذلك إلى تدريب إجرائي من خلال محاكاة أعطال ومشكلات قد تواجهه أثناء الجلسة. وتشمل المحاكاة انقطاع صوت المتهم أو صورة الشاهد، والتشويش أثناء مرافعة النيابة، ورفض إتاحة قناة للتشاور السري، وخطأ التفريغ الآلي، وتعذر عرض مستند، وانقطاع اتصال المتهم ثم عودته. وفي كل حالة، يتدرب المحامي على تحديد الطلب المناسب وصياغته قانونيًا، وإثبات الواقعة في محضر الجلسة. وقد يتضمن الطلب وقف الجلسة أو إعادة الإجراء أو التأجيل، أو التمسك ببطلان الإجراء المتأثر متى توافرت أسبابه القانونية.
وفيما يتعلق بالتفريغ الآلي، الذي شمله الإعلان عن تدريب المحامين، ينبغي أن يتعلم المحامي قراءة النص ومراجعته بسرعة، ومقارنة ما كُتب بما قيل. ويشمل ذلك التدريب على طلب التصحيح وحفظ التسجيل الأصلي، وإثبات الاعتراض على اعتماد محضر غير دقيق. وينبغي استخدام أمثلة من اللهجات المصرية والمصطلحات الجنائية الشائعة، مع محاكاة المرافعات السريعة والاعتراضات المتداخلة. فقد تكشف هذه الظروف أخطاء لا تظهر عند اختبار النظام بجمل نموذجية واضحة.
وينبغي أن يصاحب التدريب دليل مكتوب بلغة واضحة، يشرح حقوق الدفاع وإجراءات ممارستها إلى جانب خطوات استخدام المنصة. ويضم الدليل نماذج للطلبات والدفوع المتعلقة بالحضور الشخصي، ووقف الجلسة بسبب عطل تقني، والتشاور السري. كما يتضمن نماذج لإثبات انقطاع الاتصال ومراجعة التفريغ وإرفاق السجل الفني، وطلب عدم الاعتداد بإجراء تم أثناء الخلل. تساعد هذه النماذج المحامين الأقل خبرة أو محدودي الموارد، وتحد من تركز المعرفة التقنية في عدد محدود من المكاتب القانونية.
أعلنت الوزارة عن تنفيذ التدريب في دوائر محاكم استئناف القاهرة والإسكندرية وطنطا وأسيوط، مع خطة لاستكماله في بقية الدوائر. وينبغي تقييم مدى وصوله إلى المحامين في مختلف المحافظات، مع مراعاة تنوع مواقع عملهم وأماكن احتجاز موكليهم. كما ينبغي إتاحته حضوريًا وعن بُعد، مجانًا أو بتكلفة منخفضة، مع دعم فني مستمر وتوفير خط ساخن أو بوابة مساعدة للمحامين خلال الفترة الأولى من التطبيق. ويُستكمل التدريب بجلسات محاكاة مشتركة تضم القضاة والمحامين وأعضاء النيابة وأمناء سر الجلسات ومسؤولي الدعم الفني. فقد تكشف هذه الجلسات صعوبات في تفاعل الأطراف وتنسيق أدوارهم يصعب رصدها عند تدريب كل طرف على حدة.
توصيات
- ينبغي لوزارة العدل عدم التوسع في التقاضي الجنائي عن بُعد أمام محاكم الجنايات قبل التحقق من كفاية التدريب المعلن للمحامين وإتاحته للمحامين المعنيين، وإعلان بروتوكول تشغيلي ملزم للجلسات الرقمية. ويجب أن يكفل البروتوكول حق الدفاع في طلب الحضور الشخصي ووقف الجلسة عند وجود خلل مؤثر، وأن ينظم التشاور السري ومراجعة التفريغ الآلي والحصول على إثبات فني للأعطال. كما ينبغي نشر تقييم مستقل للمنظومة قبل تعميمها، يتناول دقة تحويل الصوت إلى نص واستقرار الاتصال، ويتحقق من سرية قنوات التواصل وإتاحة الاستخدام للأشخاص ذوي الإعاقة.
- ينبغي لنقابة المحامين المطالبة بدور مؤسسي في تصميم التدريب والبروتوكولات يتيح لها التأثير في القرارات المتعلقة باحتياجات الدفاع. وعليها إعداد قائمة بهذه الاحتياجات، وصياغة نماذج موحدة للطلبات والدفوع المرتبطة باستخدام المنظومة. كما ينبغي إنشاء وحدة لتلقي شكاوى المحامين من الجلسات عن بُعد، وإصدار تقارير دورية عن أثر التطبيق على حق الدفاع.
- ينبغي للمحاكم التحقق من المشاركة الفعلية للمحامي والمتهم في الجلسة. ويتطلب ذلك التأكد، قبل كل إجراء جوهري، من قدرتهما على السماع والفهم والكلام والتشاور، دون الاكتفاء بظهورهما على الشاشة. وعند اعتراض الدفاع على خلل تقني، ينبغي إثبات الاعتراض فورًا في المحضر وبيان رد المحكمة عليه، مع تمكين الدفاع من طلب تقرير فني. وإذا أثّر الخلل في سماع شاهد أو تقديم دليل أو تواصل المحامي مع المتهم، فينبغي أن يكون وقف الإجراء أو إعادته هو الأصل لحماية حق الدفاع.
- ينبغي للمشرّع استكمال الضمانات الواردة في قانون الإجراءات الجنائية الجديد بنصوص تفصّل حقوق الدفاع في الجلسات عن بُعد وإجراءات ممارستها. ويشمل ذلك الاعتراض على استخدام الوسيلة الرقمية، وطلب الحضور الشخصي، وطلب وقف الجلسة أو إعادة الإجراءات المتأثرة بالخلل. كما ينبغي النص على حق المحامي والمتهم في قناة للتشاور السري غير المسجل، وحق الدفاع في مراجعة التفريغ الآلي قبل اعتماده، والوصول إلى التسجيل أو السجل الفني عند الطعن. وتحتاج الإحالة العامة إلى ضمانات المحاكمة العادلة إلى أحكام تحدد كيفية ممارستها في البيئة الرقمية.
- على الجهات الفنية والشركات المنفذة تصميم المنصة بما يدعم إدارة الجلسة وممارسة حقوق الدفاع. وينبغي توفير أدوات واضحة لطلب الكلمة وتسجيل الاعتراض وطلب التشاور السري. كما يجب إتاحة الإبلاغ عن الأعطال وإظهار حالة الاتصال، وحفظ سجل فني قابل للمراجعة، مع تمكين الدفاع من الاطلاع على التفريغ الآلي والتعليق عليه. وينبغي إخضاع المنظومة لاختبارات مستقلة للأمن والدقة وسهولة الاستخدام، ونشر ملخصات مفهومة لنتائجها دون كشف معلومات أمنية حساسة.
- ينبغي للنيابة العامة مراعاة تكافؤ الفرص بين أطراف الدعوى في استخدام المنظومة، وعدم الاستفادة من أي تفاوت في الوصول إلى أدواتها أو معلوماتها على حساب الدفاع. ويشمل ذلك عدم معارضة إثبات اعتراضات الدفاع بشأن الأعطال في المحضر، وعدم الاعتراض لأسباب شكلية على طلبات التشاور أو وقف الجلسة المرتبطة بحماية حق الدفاع. كما ينبغي الالتزام بعدم استخدام البيانات أو التسجيلات خارج غرض الدعوى، وخضوع المشاركة الرقمية للنيابة للقواعد التي تضمن حماية حقوق الدفاع والمتهم.
الهوامش
1 د. عوض المر، الرقابة الرقابة القضائية على دستورية القوانين في ملامحها الرئيسية، مركز جان بوي للقانون والتنمية، ص 1286.
2 من المقرر في قضاء محكمة النقض أن “لما كان ذلك ، وكان الأصل في الإجراءات الصحة ولا يجوز الادعاء بما يخالف ما أثبت فيها سواء في الحكم أو محضر الجلسة إلا بالطعن بالتزوير ، ومن ثم فلا يقبل النعي بأن الحكم رد على دفوع لم يدفع بها الطاعن ما دام لم يتخذ إجراءات الطعن بالتزوير ، ومن ثم يكون النعي على الحكم في هذا الشأن في غير محله . لما كان ما تقدم ، فإن الطعن برمته يكون على غير أساس متعينا رفضه موضوعا” من حكم محكمة النقض، الدوائر الجنائية، جلسة 6 / 5 / 2026، الطعن رقم 2017 لسنة 96 ق
3 تنص المادة 535 من قانون الإجراءات الجنائية رقم 174 لسنة 2025 على أن ” يجوز للمتهم في أول جلسة بأي درجة من درجات التقاضي الاعتراض على عدم مثوله شخصياً أمام المحكمة المختصة وعليها الفصل في الاعتراض بقبوله أو رفضه.”
4 تنص الفقرة الأخيرة من المادة 536 من قانون الإجراءات الجنائية رقم 174 لسنة 2025 على أن “وفي جميع الأحوال لا يجوز الفصل بين المتهم ومحاميه أثناء اتخاذ تلك الإجراءات”