مذكرة دفوع موضوعية بشأن المسؤولية الجنائية عن استخدام خطوط الهاتف المحمول المسجلة بأسماء الغير

القسم:

تاريخ النشر:

سبتمبر 21, 2026

تاريخ النشر:

سبتمبر 21, 2026

مقدمة

خلال شهر أغسطس، فوجئ عدد كبير من المستخدمين بوجود خطوط هاتف محمول مسجلة بأسمائهم من دون علمهم. أثار ذلك مخاوف لدى العديد منهم من احتمال تحملهم مسؤولية قانونية إذا ارتُكبت جرائم باستخدام هذه الخطوط. وفي إطار طمأنة المستخدمين، أصدر الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات بيانًا صحفيًا يؤكد أن «مجرد تسجيل خط هاتف محمول باسم شخص لا يرتب بذاته مسؤوليته عن الأفعال التي تتم باستخدامه، متى ثبت أن الخط لا يخصه أو لم يكن في حيازته أو تحت سيطرته الفعلية». وأكد الجهاز كذلك أن المسؤولية القانونية تُحدد وفقًا للوقائع والأدلة وما تسفر عنه التحقيقات.

تأتي هذه المذكرة الاسترشادية في هذا السياق، وتتناول احتمال نسبة أفعال جنائية مرتكبة باستخدام خطوط الهاتف المحمول إلى أشخاص تظهر بياناتهم في سجلات شركات الاتصالات باعتبارهم أصحاب تلك الخطوط، رغم احتمال وجود نزاع جدي بشأن حيازتهم لها أو سيطرتهم الفعلية عليها أو استخدامها وقت وقوع الفعل محل الاتهام.

اكتسبت هذه الإشكالية أهمية عملية بعدما أقر الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات رسميًا بتلقي شكاوى بشأن ظهور خطوط مسجلة بأسماء بعض المواطنين من دون علمهم. ويقتضي ذلك إعادة النظر في القيمة التي يمكن منحها لبيانات تسجيل المشترك، منفردة، عند بناء الإسناد الجنائي، مع التمييز بين صحة بيانات الهوية المستخدمة في التسجيل وصحة إسناد الخط إلى الشخص الذي يستخدمه أو يسيطر عليه فعليًا.

لا تفترض هذه المذكرة أن كل خط مسجل باسم شخص من دون حيازته قد سُجل بالمخالفة للقانون، كما لا تفترض أن كل متهم ينكر استخدام خط مسجل باسمه يُعد بالضرورة ضحية لإساءة استخدام بياناته. في المقابل، تركز المذكرة على تحديد القيمة الإثباتية للقيد الاسمي لخط الهاتف في سجلات شركة الاتصالات عندما يكون المطلوب إثبات هوية الشخص الذي استخدم الخط بالفعل في ارتكاب جريمة.

تفصل المذكرة بين ثلاث مسائل تختلف قانونًا وفنيًا، هي تسجيل الخط باسم شخص، وحيازة هذا الشخص للخط أو سيطرته الفعلية عليه، واستخدام الخط في ارتكاب الفعل محل التجريم. فوجود الاسم في قاعدة بيانات شركة الاتصالات يثبت، في حدوده، وجود رابطة تسجيلية أو تعاقدية ظاهرة بين رقم الخط وبيانات شخص معين، لكنه لا يكفي لتحديد من كان يحمل الشريحة أو يسيطر عليها أو يستخدم الجهاز الذي كانت تعمل من خلاله وقت وقوع الجريمة. كما لا يثبت، بمجرده، أن النشاط الإجرامي المنسوب إلى الرقم صدر عن الشخص المقيد الخط باسمه.

تمثل هذه الفكرة الأطروحة المركزية التي يقوم عليها البناء المقترح للدفاع، بالنظر إلى طبيعة المسؤولية الجنائية. فالقانون الجنائي لا يعاقب البيانات المسجلة في قواعد المعلومات، ولا ينسب الجريمة إلى رقم هاتف بوصفه كيانًا مستقلًا، وإنما يبحث عن شخص محدد صدر عنه فعل مادي مجرّم وتوافرت لديه، بحسب طبيعة الجريمة، عناصر المسؤولية الجنائية اللازمة. لذلك، لا يجوز اختزال الإثبات في افتراض أن المتهم هو مرتكب الجريمة لمجرد أن الجريمة ارتُكبت باستخدام رقم مسجل باسمه. ويتطلب الإسناد إثبات أن المتهم كان الحائز أو المسيطر أو المستخدم الفعلي للخط وقت ارتكاب الفعل، ثم إثبات صدور النشاط الإجرامي نفسه عنه.

تزداد أهمية هذا المنهج في ضوء الاستخدامات الحديثة للهاتف المحمول. فقد أصبح خط الهاتف أحد مكونات البنية العملية للهوية الرقمية للفرد، ويُستخدم في إنشاء الحسابات واستقبال رموز التحقق والوصول إلى الخدمات الرقمية وربط عدد متزايد من الأنشطة والخدمات بشخص معين. وقد يؤدي الخطأ في إسناد رقم الهاتف إلى هوية قانونية إلى نسبة أنشطة أو معاملات أو أفعال ذات وصف جنائي إلى شخص لم يباشرها. ويشير السياق التنظيمي للأزمة إلى مخاطر الخلط بين الشخص المسجل باسمه الخط والشخص الذي تقع الشريحة في حيازته أو تحت سيطرته الفعلية.

تسعى هذه المذكرة الاسترشادية إلى تقديم إطار عمل قانوني وفني يساعد المحامين على التعامل مع هذا النوع من القضايا، لا سيما عندما يكون أحد أدلة الاتهام الأساسية استعلامًا صادرًا عن شركة الاتصالات يفيد بأن الرقم المستخدم في الواقعة مسجل باسم المتهم. كما تساعد الدفاع على تحديد المسائل الإثباتية التي ينبغي فحصها، ومنها الجهاز الذي استُخدمت فيه الشريحة، والشخص الذي كانت له السيطرة على ذلك الجهاز، والبيانات الفنية التي قد تربط استخدام الخط بالمتهم. ويشمل الفحص أيضًا مدى توافق أماكن الاستخدام وتوقيته مع الأدلة الأخرى في الدعوى، ووجود رابطة مادية أو رقمية مستقلة بين المتهم والجهاز الذي استُخدم من خلاله الخط، ووجود أدلة تثبت صدور الفعل المادي المكوّن للجريمة عن المتهم نفسه.

وتكتسب هذه المسائل أهمية إضافية في ضوء القواعد التنظيمية المعلنة لبيع شرائح الهاتف المحمول، والتي تجعل حضور العميل وتقديم أصل بطاقة الرقم القومي والتوقيع على عقد التعاقد عناصر أساسية في عملية الحصول على الخط. وبناءً على ذلك، ينبغي اعتبار عقد شراء الشريحة، والتوقيع المنسوب إلى صاحبها، ونقطة البيع، وتاريخ التفعيل، وسجلات استبدال الشريحة أو تغييرها، وسائر المستندات المرتبطة بإنشاء الخط جزءًا من مادة الإثبات التي قد تساعد على اختبار صحة الربط بين القيد الاسمي والحيازة الفعلية.

وبالمثل، لا ينبغي أن يتوقف الدفاع عند منازعة البيانات الاسمية، وإنما يتعين أن يمتد إلى فحص الدليل الفني الذي يمكن أن يثبت الاستخدام الفعلي. فمن الممكن أن تتضمن الدعوى بيانات عن الأجهزة التي استُخدمت فيها الشريحة، أو معرّفات تلك الأجهزة، أو بيانات تشغيل الخط أو تغيير الشريحة، أو بيانات مكانية مرتبطة بالاستخدام أو أجهزة ضُبطت وخضعت للفحص. تختلف القيمة الإثباتية لكل عنصر بحسب ظروف الدعوى، وطريقة الحصول عليه، وسلامة استخراجه، ودلالته الفنية. لكن المبدأ الذي ينبغي الحفاظ عليه يظل واحدًا وهو أن رقم الهاتف يحدد وسيلة اتصال، لكنه لا يحدد تلقائيًا هوية الشخص الذي استخدمها.

لا يقلل ذلك من أهمية بيانات الاشتراك أو ينفي إمكان الاستناد إليها بوصفها أحد عناصر التحقيق، إذ قد تشكل نقطة بداية مشروعة للبحث عن مستخدم الرقم. غير أن المذكرة تعترض على تحويل هذه النقطة الابتدائية إلى قرينة قاطعة أو شبه قاطعة على هوية مرتكب الجريمة من دون استكمال بقية حلقات الإثبات. فقد يقود التسجيل الاسمي جهة التحقيق إلى شخص معين، لكنه لا يعفيها من إثبات أن هذا الشخص حاز الوسيلة واستخدمها وباشر من خلالها النشاط المجرّم.

يحمل هذا التمييز أثر دستوري وإجرائي إلى جانب أثره الفني. فوجود اسم المتهم في سجلات شركة الاتصالات لا ينبغي أن يؤدي عمليًا إلى نقل عبء الإثبات إليه، بحيث يصبح مطالبًا بإثبات عدم حيازته للخط أو عدم استخدامه له. وتبقى جهة الاتهام مكلفة بإثبات عناصر الجريمة ونسبتها إلى المتهم. كما لا يُلزم المتهم بتفسير قصور محتمل في منظومة تسجيل الخطوط أو بتحديد هوية المستخدم الحقيقي حتى يستفيد من الشك القائم بشأن الإسناد. وإذا لم تستبعد الأدلة بصورة كافية احتمال حيازة شخص آخر للخط أو استخدامه له، فإن هذا الاحتمال يظل جزءًا من تقدير كفاية دليل الاتهام، ولا يتحول إلى عبء دفاعي يقع على عاتق المتهم.

تتناول المذكرة مجموعة مترابطة من الدفوع، منها الدفع ببطلان التحريات تأسيسًا على القول بأنها وليدة جريمة جنائية، وانتفاء صلة المتهم بالواقعة محل الاتهام، وانتفاء حيازته لخط الهاتف أو سيطرته الفعلية عليه وقت ارتكاب الواقعة، وخلو التقرير الفني من دليل فني يربطه بالجريمة، وخلو الاستعلام الرسمي الصادر عن شركة الاتصالات من بيان يفيد بأن المتهم مالك خط الهاتف المشار إليه في تقرير الفحص الفني أو مستخدمه. ولا يُفترض اجتماع هذه الدفوع كلها في كل قضية، وإنما تُختار وتُطوّر وفق الوقائع والأدلة الفعلية الواردة في الأوراق.

محكمة جنايات/ جنح ……….

الدائرة ……….

مذكرة دفاع

مقدمة من / …………………….. صفته / متهم

ضد

النيابة العامة سلطة اتهام

في القضية رقم ………… لسنة ………جنايات …….

والمحدد لنظرها جلسة اليوم …….. الموافق ../../..

الوقائع

تتلخص وقائع الدعوى، وفقًا لما يبين من أوراقها وتحقيقاتها، في أن جهة الاتهام أسندت إلى المتهم ارتكاب الواقعة محل الدعوى باستخدام خط هاتف محمول رقم (………). واستندت في نسبة الخط إليه إلى استعلام صادر عن شركة الاتصالات (…) أفاد بأن الخط مقيد ببياناته الشخصية. وعلى هذا الأساس، عُدّ هذا القيد رابطًا بين المتهم والنشاط الصادر عن الرقم محل الاتهام، فانتقل الاستدلال من ثبوت استخدام الرقم في الواقعة إلى نسبة هذا الاستخدام إلى الشخص المقيد الخط باسمه.

وطلب الحاضر الحكم ببراءة المتهم تأسيسًا على الدفوع المبينة فيما يلي:


الدفوع


الدفع ببطلان التحريات تأسيسًا على أنها وليدة إجراء قد يشكل جريمة جنائية

أسندت النيابة العامة إلى المتهم الجريمة محل الاتهام، وبنت اتهامها على ما خلصت إليه تحريات إدارة جرائم تقنية المعلومات من أن خط الهاتف المستخدم في ارتكاب الجريمة مسجل باسم المتهم لدى شركة (…) للاتصالات. ولم تبين التحريات كيفية الحصول على هذه البيانات، بما يحول دون التحقق من مشروعية الحصول عليها ومدى صحتها.

ويتمسك الدفاع ببطلان التحريات، تأسيسًا على أن الإفصاح عن معلومات أو بيانات عملاء شركات الاتصالات من دون أمر قضائي مسبب يستلزمه التحقيق قد يشكل، إذا ثبتت عناصره، جريمة جنائية. وقد قرر المشرع عقوبة الحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر، وغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تجاوز خمسين ألف جنيه، أو إحدى هاتين العقوبتين، لكل من يفشي، أثناء تأدية وظيفته في مجال الاتصالات أو بسببها ومن دون وجه حق، معلومات خاصة بمستخدمي شبكات الاتصال أو بما يجرونه أو يتلقونه من اتصالات.

وتنص المادة (73) من قانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003 على أن:

«يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تجاوز خمسين ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من قام أثناء تأدية وظيفته فى مجال الاتصالات أو بسببها بأحد الأفعال الآتية: ١ – إذاعة أو نشر أو تسجيل لمضمون رسالة اتصالات أو لجزء منها دون أن يكون له سند قانونى فى ذلك. ٢ – إخفاء أو تغيير أو إعاقة أو تحوير أية رسالة اتصالات أو لجزء منها تكون قد وصلت إليه. ٣ – الامتناع عمدًا عن إرسال رسالة اتصالات بعد تكليفه بإرسالها. ٤ – إفشاء أية معلومات خاصة بمستخدمي شبكات الاتصال أو عما يجرونه أو ما يتلقونه من اتصالات وذلك دون وجه حق».

وتنص الفقرة الثانية من المادة (64) من القانون ذاته على أن:

«ومع مراعاة حرمة الحياة الخاصة للمواطنين التى يحميها القانون يلتزم كل مشغل أو مقدم خدمة أن يوفر على نفقته داخل شبكة الاتصالات المرخص له بها كافة الإمكانيات الفنية من معدات ونظم وبرامج واتصالات داخل شبكة الاتصالات والتى تتيح للقوات المسلحة وأجهزة الأمن القومى ممارسة اختصاصها فى حدود القانون».

كما تنص الفقرة الأولى من المادة (2) من قانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020 على أن:

«لا يجوز جمع البيانات الشخصية أو معالجتها أو الإفصاح عنها أو إفشائها بأي وسيلة من الوسائل إلا بموافقة صريحة من الشخص المعني بالبيانات، أو في الأحوال المصرح بها قانونًا».

وتنص المادة (36) من القانون ذاته على أن:

«يعاقب بغرامة لا تقل عن مائة ألف جنيه ولا تجاوز مليون جنيه كل حائز أو متحكم أو معالج جمع أو عالج أو أفشي أو أتاح أو تداول بيانات شخصية معالجة إلكترونيًا بأي وسيلة من الوسائل في غير الأحوال المصرح بها قانونًا أو بدون موافقة الشخص المعني بالبيانات. وتكون العقوبة الحبس مدة لا تقل عن ستة شهور وبغرامة لا تقل عن مائتي ألف جنيه ولا تجاوز مليوني جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، إذا ارتكب ذلك مقابل الحصول على منفعة مادية أو أدبية، أو بقصد تعريض الشخص المعني بالبيانات للخطر أو الضرر».

وتنص المادة (6) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 على أن:

«لجهة التحقيق المختصة، بحسب الأحوال، أن تصدر أمراً مسبباً لمأمورى الضبط القضائى المختصين، لمدة لا تزيد على ثلاثين يوماً قابلة للتجديد لمرة واحدة متى كان لذلك فائدة فى ظهور الحقيقة على ارتكاب جريمة معاقب عليها بمقتضى أحكام هذا القانون، بواحد أو أكثر مما يأتى: ….، …..، ….، أن تأمر مقدم الخدمة بتسليم ما لديه من بيانات أو معلومات تتعلق بنظام معلوماتى أو جهاز تقنى موجودة تحت سيطرته أو مخزنة لديه، وكذا بيانات مستخدمى خدمته وحركة الاتصالات التى تمت على ذلك النظام أو النظام التقنى. وفى كل الأحوال، يجب أن يكون أمر جهة التحقيق المختصة مسبباً. ….».

استنادًا لهذه النصوص، فإن مُجري التحريات لا يجوز له الحصول على بيانات عملاء شركات الاتصالات إلا تنفيذًا لأمر قضائي مسبب تستلزمه أعمال التحقيق، وقد خلت أوراق الدعوى من أي أمر صادر عن سلطة التحقيق في هذا الشأن. إضافة لذلك أن محضر التحريات محل الدفع بالبطلان قد حُرر بتاريخ سابق على عرض الأوراق على سلطة التحقيق الممثلة في النيابة العامة، وهو تاريخ (…) بينما عُرضت الأوراق على النيابة العامة بتاريخ (…).

وبناءً على ذلك، يكون ما أسفرت عنه هذه التحريات هو وليد إجراء غير مشروع قد يشكل جريمة جنائية إذا ثبتت عناصرها وتستوجب التحقيق من النيابة العامة، ولا يجوز التعويل عليها في إسناد الاتهام في الواقعة الماثلة، وهو ما يستلزم بطلانها.

وتنص المادة (333) من قانون الإجراءات الجنائية رقم 174 لسنة 2025 على أن:

«يترتب البطلان على عدم مراعاة أحكام القانون المتعلقة بأي إجراء جوهري».

كما تنص المادة (334) من القانون ذاته على أن:

«إذا كان البطلان راجعًا لعدم مراعاة أحكام القانون المتعلقة بتشكيل المحكمة أو بولايتها بالحكم في الدعوى أو باختصاصها من حيث نوع الجريمة المعروضة عليها أو بالحرية الشخصية أو حرمة المسكن أو حرمة الحياة الخاصة أو بغير ذلك مما هو متعلق بالنظام العام جاز التمسك به في أية حالة كانت عليها الدعوى وتقضي به المحكمة ولو بغير طلب».

وقضت محكمة النقض بأنه:

«وإن كان لمحكمة الموضوع أن تعول في تكوين عقيدتها على التحريات باعتبار كونها معززة فحسب لما ساقته من أدلة، إلا أنها لا تصلح وحدها لأن تكون دليلًا بذاته أو قرينة بعينها على الواقعة المراد إثباتها».

(حكم محكمة النقض، جنائي، جلسة 4-2-2007، الطعن رقم 56184 لسنة 76 قضائية)

وقضت كذلك بأن:

«التحريات لا تصلح وحدها لأن تكون دليلًا بذاته أو قرينة بعينها على الواقعة المراد إثباتها، وكانت المحكمة ترى في التحريات التي أجراها كل من المقدم (…) والرائد (…) ما يجافي حقيقة الواقع على ما شهد به اللواء (…) في الجناية رقم (…) لسنة (…) مركز (…) بعدم صحة هذه التحريات، وما اعترف به متهمان آخران باقترافهما ذات الواقعة التي حررت بشأنها تلك التحريات، الأمر الذي ترى معه المحكمة إطراحها وعدم التعويل عليها في مقام الإثبات».

(حكم محكمة النقض، جنائي، جلسة 20-12-2006، الطعن رقم 79257 لسنة 75 قضائية)

ولما كانت التحريات لا تصلح وحدها دليلًا أو قرينة مستقلة في الإثبات الجنائي، وإنما تقتصر قيمتها على تعزيز دليل آخر في أوراق الدعوى متى اطمأنت إليه المحكمة، فلا يجوز الاستناد إليها منفردة، حتى على فرض صحتها، في ظل خلو الأوراق من أي دليل يؤيد الاتهام المسند إلى المتهم. وعلى الفرض الجدلي بوجود دليل آخر تضمنته أوراق الدعوى، وهو ما لا تؤيده الأوراق، فلا تضيف إليه التحريات قيمة إثباتية مستقلة، لأنها تعبر عن رأي شخصي لمجريها. كما خلت التحريات من مظاهر الجدية والبحث اللازمة لتحقيق الغاية منها في الإثبات، ونتجت عن إجراء غير مشروع قد يشكل جريمة جنائية إذا ثبتت عناصرها. ويجعل ذلك التحريات محلًا للبطلان، ويترتب عليه بطلان ما تضمنته الأوراق من أقوال مجريها، وعدم التعويل عليها في إثبات الجريمة موضوع المحاكمة.

واستنادًا إلى ما تقدم، ولما كانت أوراق الدعوى تخلو من أي دليل يقيني يثبت ارتكاب المتهم للواقعة محل الاتهام، وكانت النيابة العامة قد أحالته استنادًا إلى التحريات المطعون ببطلانها على النحو المتقدم، فإن إسناد الجريمة إليه يظل محل شك وريبة، ولا يستند إلى دليل يبلغ حد اليقين اللازم للإدانة. وينتفي بذلك الاتهام في حق المتهم، ويظل أصل البراءة قائمًا.

ومن المقرر أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية عادلة تُكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه، وأنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على قانون. وبناءً على ذلك، يلزم القضاء ببراءة المتهم من الاتهام المسند إليه.

الدفع بانتفاء صلة المتهم بالواقعة محل الاتهام

أسندت النيابة العامة إلى المتهم الجريمة محل الاتهام، وبنت اتهامها على قرينة واحدة تمثلت في الاستعلام الصادر عن شركة الاتصالات بشأن مالك خط الهاتف المستخدم في ارتكاب الجريمة. وأفادت الشركة بأن الخط مسجل باسم المتهم بداية من تاريخ (…) وحتى الآن.

ولا يتجاوز تسجيل خط الهاتف باسم المتهم كونه واقعة إدارية تتعلق ببيانات الاشتراك لدى شركة الاتصالات، ولا يكفي بذاته لإثبات توافر المسؤولية الجنائية في حقه. فتسجيل الخط باسمه لا يثبت أنه كان المستخدم الوحيد له وقت ارتكاب الجريمة محل الاتهام.

وفي أقصى ما يمكن أن يدل عليه، قد يشكل خط الهاتف دليلًا أو قرينة على وسيلة الاتصال المستخدمة في ارتكاب الجريمة، لكنه لا يكفي لإسناد الفعل إلى المتهم. فالمسؤولية الجنائية شخصية، ولا يجوز نسبة جريمة إلى شخص، سواء كان المتهم أو غيره، لمجرد أن ملكية وسيلة الاتصال التي يُقال إنها استُخدمت في ارتكابها منسوبة إليه.

ولا يكفي تحديد المالك المسجل للخط، ولو جرى ذلك بطريق مشروع، لتقرير المسؤولية الجنائية في الدعوى. إذ يتطلب الإسناد تحديد هوية الشخص الذي كان يسيطر فعليًا على الخط واستخدمه في ارتكاب الجريمة وقت وقوعها.

والفارق بين الأمرين مؤثر في تقدير الدليل. فتسجيل رقم الهاتف باسم المتهم، على فرض ثبوت صحته، لا يثبت بذاته أنه كان حائزًا للشريحة وقت الواقعة، أو أنه كان يسيطر عليها فعليًا، أو أنها كانت داخل جهاز يحوزه، أو أنه أجرى الاتصال أو أرسل الرسالة أو باشر السلوك الإجرامي محل الاتهام باستخدامها.

وتحتاج كل واقعة من هذه الوقائع إلى دليل يقيني يثبتها، ولا يجوز اختزالها في بيان صادر عن شركة الاتصالات يفيد بأن الرقم مقيد باسم المتهم. فالانتقال من ثبوت تسجيل الخط باسمه إلى نتيجة مؤداها أنه ارتكب الواقعة لا يستوفي متطلبات الإسناد الجنائي، ولا يكفي سندًا للاتهام.

وقضت محكمة القاهرة الاقتصادية بأن:

«حيث ان المحكمة وبمطالعتها لسائر أوراق الدعوى عن بصر وبصيرة تتشكك فى صحة عناصر الاتهام المسند الى المتهم ، آية ذلك وبرهانه أن الاوراق قد خلت من اى دليل فنى يصح معه القضاء بإدانة المتهم إذ ان الدليل الفنى المرفق بالاوراق لم يبين الأصول الفنية المتبعة للوقوف على كون المتهم هو مستخدم الرقم المنوه عنه بالتقرير للولوج الى شبكة الانترنت والقيام بالجريمة المسندة اليه حيث ان الدخول على الانترنت عبر الانترنت المنزلى هو متاح لكل القانطين بالمنزل او بالمكان الموجود به وليس كون تسجيل الخط الوارد بالتقرير الفنى باسم المتهم يعنى انه هو المسئول عن كل ما يمكن ان ينتج عن استخدامه ولابد من قيام ادلة أخرى على ارتكاب المتهم للجريمة المسندة اليه خاصة وان المجنى عليها قد أشارت الى اختلاس الصور الخاصة بها دون ان تبين كيفية وقوفها على ذلك وحيث ان الاوراق قد خلت من ثمة شهادة شهود او تحريات المباحث تفيد قيام المتهم بتلك الجريمتين».

(حكم محكمة القاهرة الاقتصادية – جلسة 29-1-2022 – الدعوى رقم 2161 لسنة 2021 جنح اقتصادية القاهرة)

وقضت كذلك بأن:

«اما بشأن ما اسفر عنه تقرير الفحص الفني من ان الحساب مرتبط برقم مسجل باسم المتهمة الثانية فانه مردود عليه اذ ان الانترنت المنزلي يكون استخدامه مشاعا بين العائلة او القانطين في العين المشتركة في خدمة الانترنت وكذا كافة الزائرين المترددين علي العين ومن ثم فان كان صاحب الخط المنزلي مسئولا عن ذلك الخط والانترنت المرتبط به الا انه يلزم ان يكون هناك قرائن وادلة اخري تفيد مسئوليته وعلمه واتجاه ارادته الي ارتكاب الجرم المنسوب اليه بناء علي تلك المسئولية وهو ما خلت من الاوراق ومن ثم أضحت معه أقوال المجني عليها أقوالا مرسلة وتتشكك المحكمة في ثبوت ذلك الاتهام في حق المتهمين. وهديا بما سلف سرده وقد أحيطت جنبات الواقعة بظلال الشك والريبة فإنه يتعين عملا لنص المادة 1/304 إجراءات».

(حكم محكمة القاهرة الاقتصادية – جلسة 24-2-2024 – الدعوى رقم 2177 لسنة 2023 جنح اقتصادية القاهرة)

واستنادًا إلى ما تقدم، ولما كانت أوراق الدعوى تخلو من أي دليل يقيني يثبت ارتكاب المتهم للواقعة محل الاتهام، وكانت النيابة العامة قد أحالته استنادًا إلى استعلام شركة الاتصالات، فإن إسناد الجريمة إليه يظل محل شك، ولا يستند إلى دليل يبلغ حد اليقين اللازم للإدانة. وينتفي بذلك الاتهام في حق المتهم، ويظل أصل البراءة قائمًا.

ومن المقرر أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية عادلة تُكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه، وأنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على قانون. وبناءً على ذلك، يلزم القضاء ببراءة المتهم من الاتهام المسند إليه.

الدفع بانتفاء حيازة المتهم لخط الهاتف وسيطرته الفعلية عليه وقت ارتكاب الواقعة

يتمسك الدفاع بانتفاء حيازة المتهم لخط الهاتف محل الاتهام أو سيطرته الفعلية عليه وقت وقوع الواقعة. فمجرد قيد الخط باسمه في سجلات شركة الاتصالات لا يصلح بذاته دليلًا أو قرينة على أنه كان واضع اليد عليه، أو قادرًا على استعماله أو التحكم فيه خلال الفترة الزمنية المرتبطة بالجريمة.

فالحيازة الفعلية لخط الهاتف المحمول ليست مجرد وصف قانوني يُستخلص من بيانات الاشتراك، إنما هي واقعة مادية مستقلة يتعين إقامة الدليل عليها. ويختلف قيد الرقم باسم شخص في قاعدة بيانات شركة الاتصالات عن وجود الشريحة في حيازته أو تحت سيطرته الفعلية، وتركيبها داخل جهاز يملكه أو يستخدمه، وقدرته على إجراء الاتصالات منها أو استقبال الرسائل والرموز عليها أو التصرف فيها وقت وقوع الفعل محل الاتهام.

ولا يجوز افتراض الحيازة لمجرد تسجيل الخط باسم المتهم، كما لا يكفي هذا التسجيل وحده لاعتباره قرينة على ارتكاب الجريمة، حتى مع إمكان إثبات عكسها. فقد أظهرت وقائع متعددة إمكان انفصال هوية صاحب البيانات المسجلة عن هوية الحائز الفعلي للخط.

ويؤيد ذلك ما أعلنه الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في بيانات صدرت عنه مؤخرًا، وهي من قبيل العلم العام، بشأن ظهور خطوط مسجلة بأسماء بعض المواطنين من دون علمهم. وأوضح الجهاز أن مجرد تسجيل خط باسم شخص لا يرتب بذاته مسؤوليته عن الأفعال التي تتم باستخدامه، متى ثبت أن الخط لا يخصه أو لم يكن في حيازته أو تحت سيطرته الفعلية.

ولا يقتصر دور سلطة الاتهام في الدعوى الماثلة على تحديد الاسم المسجل به الخط لدى شركة الاتصالات، بل يتعين عليها التحقق من احتفاظ المتهم بالسيطرة المادية والفنية على الشريحة وقت وقوع السلوك الإجرامي محل الاتهام، وإقامة الدليل اليقيني على ذلك.

وقضت محكمة القاهرة الاقتصادية بأن:

«حيث إنه ولما كان ما تقدم وترتيبا عليه وكانت المحكمة قد طالعت أوراق الدعوى عن بصر وبصيرة وأحاطت ظروفها وبأدلة الثبوت التي قام عليها الاتهام ووازنت بينها وبين أدلة النفي فداخلها الريبة في صحة عناصر اﻹثبات لم تطمئن إليها. أية ذلك من أن المحكمة لم تطمئن ﻷقوال المجني عليه استدلالا ولا ينال ما قدمه من مستند يحوي علي رسائل نصية صادرة من الهاتف رقم (…) إذ ان اﻷوراق خلت من إستعلام رسمي من شركة اﻹتصالات الصادرة للشريحة سالفة البيان يفيد من أن المتهم هو مستخدمها ولا ينال ما توصلت إليه التحريات الفنية التي توصلت إلى أن الشريحة المرسل منها الرسالة محل الجريمة مسجلة باسم المتهم إلا أنها لم تتمكن من تحديد المستخدم الفعلي للشريحه إذ أن تلك التحريات لم تطمئن إليها المحكمة أيضا كون اﻷوراق خلت من دليل يقيني مقبول يشد من أزرها، وهو الأمر الذي تشككت معه المحكمة في صحة إسناد التهم المسندة للمتهم مما تقضي معه ببراءته من التهم المنسوبة إليه عملاً بنص المادة 1/304 من قانون اﻹجراءات الجنائية على النحو الذي سيرد بالمنطوق».

(حكم محكمة القاهرة الاقتصادية – جلسة 24-1-2022 – الدعوى رقم 2211 لسنة 2021 جنح اقتصادية القاهرة)

وتخلو أوراق الدعوى الماثلة من أي دليل يثبت وجود الشريحة مع المتهم أو داخل هاتف تحت سيطرته، كما لم تُضبط في حيازته، ولم يثبت ارتباطها بأي جهاز من أجهزته المستخدمة في الاتصال. وتخلو الأوراق كذلك من بيانات فنية تكشف استخدام الخط من خلال جهاز ثبتت صلته بالمتهم، أو من أي عنصر آخر يصلح لإثبات الحيازة الفعلية للخط المستخدم في ارتكاب الجريمة.

واستنادًا إلى ما تقدم، ولما كانت أوراق الدعوى تخلو من أي دليل يقيني يثبت ارتكاب المتهم للواقعة محل الاتهام، وكانت النيابة العامة قد أحالته استنادًا إلى استعلام شركة الاتصالات، فإن إسناد الجريمة إليه يظل محل شك، ولا يستند إلى دليل يبلغ حد اليقين اللازم للإدانة. وينتفي بذلك الاتهام في حق المتهم، ويظل أصل البراءة قائمًا.

ومن المقرر أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية عادلة تُكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه، وأنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على قانون. وبناءً على ذلك، يلزم القضاء ببراءة المتهم من الاتهام المسند إليه.

الدفع بخلو التقرير الفني من دليل فني يربط المتهم بالجريمة

يتمسك الدفاع بخلو التقرير الفني من أي دليل فني على ارتباط المتهم بالجريمة محل الاتهام؛ حيث أسندت النيابة العامة إلى المتهم الجريمة محل الإتهام، وشيدت اتهامها على قرينة واحدة تمثلت في التقرير الفني المرفق بالأوراق. ولم يضف التقرير إلى ما ورد في محضري الضبط والتحريات سوى أن خط الهاتف المستخدم في ارتكاب الواقعة مسجل باسم المتهم.

ولا يتجاوز تسجيل خط الهاتف باسم المتهم كونه واقعة إدارية تتعلق ببيانات الاشتراك لدى شركة الاتصالات، ولا يكفي بذاته لإثبات توافر المسؤولية الجنائية في حقه. فتسجيل الخط باسمه لا يثبت أنه كان المستخدم الوحيد له وقت ارتكاب الجريمة محل الاتهام.

وجاء التقرير قاصرًا عن إثبات الصلة الفنية بين المتهم والخط المستخدم في ارتكاب الجريمة، إذ لم يتضمن ما يفيد وجود علاقة بينه وبين الاستخدام الذي جرى عبر الخط. فصدور اتصال أو رسالة أو نشاط رقمي من رقم هاتف معين لا يكفي بذاته لإثبات أن المتهم هو من باشر هذا الاستخدام، ما لم تتضمن الأوراق دليلًا فنيًا يربط الخط بجهاز أو وسيلة اتصال ثبتت صلتها الفعلية بالمتهم وقت وقوع الواقعة. ولا يقتصر محل الإثبات في الدعوى على تحديد الرقم المستخدم في ارتكاب السلوك الإجرامي، إنما يمتد بالضرورة إلى تحديد المستخدم الفعلي له.

ويلزم التمييز بين دليل يثبت صدور السلوك الإجرامي عبر رقم هاتف معين، ودليل يثبت أن المتهم كان يستخدم ذلك الرقم في التوقيت المرتبط بالواقعة. ولا يغني الدليل الأول عن الثاني، لأن الرقم لا يكشف بذاته هوية مستخدمه الفعلي. كما لا تكشف بيانات الاشتراك وحدها هوية هذا المستخدم، أو جهاز الاتصال الذي استُخدم فيه الخط، أو الشخص الذي استخدمه وقت ارتكاب الجريمة.

واقتصر التقرير على ترديد ما ورد في محضري الضبط والتحريات، إذ حدد خط الهاتف المستخدم في الواقعة، ثم أورد بيانات المشترك لدى شركة الاتصالات. ولم يتضمن أي فحص فني لبيانات الجهاز الذي استُخدم في ارتكاب الجريمة أو لمدى صلته بالمتهم.

وبذلك يكون التقرير، على الفرض الجدلي بصحته من الناحية الفنية، قد حدد وسيلة الاتصال المتمثلة في خط الهاتف من دون تحديد مستخدمه الفعلي. كما لم يبين الجهاز المستخدم في الاتصال أو بياناته، ومن بينها رقم الهوية الدولية للأجهزة المحمولة المعروف بـ IMEI، ولم يحدد النطاق الجغرافي للاتصال لحظة ارتكاب السلوك الإجرامي، ولو على وجه التقريب.

وقضت محكمة النقض بأن:

«التقارير الفنية وإن كانت لا تدل بذاتها على نسبة الجريمة إلى المتهم إلا أنها تصلح كدليل مؤيد لأقوال الشهود فلا يعيب الحكم استناده إليها، ومن ثم فإن مجادلة الطاعن في أن المحكمة عولت على تقريري المعمل الكيماوي والأدلة الجنائية رغم أنهما لا يعدا دليلا على نسبة الاتهام إليه لا يكون له محل».

(حكم محكمة النقض – جلسة 12-5-2026 – الدائرة الجنائية – الطعن رقم 8059 لسنة 95 ق، جلسة 8-2-2026 – الطعن رقم 18908 لسنة 95 ق، جلسة 1-1-2026 – الطعن رقم 17892 لسنة 95 ق)

واستنادًا إلى ما تقدم، ولما كانت أوراق الدعوى تخلو من أي دليل يقيني يثبت ارتكاب المتهم للواقعة محل الاتهام، وكانت النيابة العامة قد أحالته استنادًا إلى ما انتهى إليه استعلام شركة الاتصالات، فإن إسناد الجريمة إليه يظل محل شك، ولا يستند إلى دليل يبلغ حد اليقين اللازم للإدانة. وينتفي بذلك الاتهام في حق المتهم، ويظل أصل البراءة قائمًا.

ومن المقرر أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية عادلة تُكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه، وأنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على قانون. وبناءً على ذلك، يلزم القضاء ببراءة المتهم من الاتهام المسند إليه.

الدفع بخلو الاستعلام الرسمي الصادر عن شركة الاتصالات من بيان يفيد بأن المتهم مالك خط الهاتف المشار إليه في تقرير الفحص الفني أو مستخدمه

الثابت من تحقيقات النيابة العامة أن المتهم قد توجه طواعية بشخصه للنيابة وأنكر أي صلة له بالجريمة موضوع الإتهام وكذلك أنكر ملكيته أو استخدامه لرقم الهاتف الذي أدعت تحريات إدارة تكنولوجيا المعلومات على خلاف الحقيقة أنه مملوك للمتهم، بل أن المتهم هو من طلب الاستعلام رسميًا من شركات الهاتف المحمول عن مالك ومستخدم هذا الخط.

وأفاد الاستعلام الرسمي الصادر عن شركة الاتصالات، بناءً على طلب المتهم، بأن الجهة المالكة للخط والمستخدمة له منذ (…) وحتى الآن هي شركة (…)، ولم يرد اسم المتهم ضمن مالكي الخط أو مستخدميه في أي وقت.

ورغم أن الشركة المسجل باسمها خط الهاتف المستخدم في ارتكاب الواقعة هي جهة عمل المتهم، فإن هذه العلاقة الوظيفية لا تكفي لاتخاذها قرينة على ارتكابه الواقعة. ولو عُدت علاقة العمل قرينة كافية، لامتد المنطق ذاته إلى جميع العاملين في الشركة وإلى ممثلها القانوني. ويتطلب إسناد الاتهام، استنادًا إلى هذا الاستعلام، التحقق من المستخدم الفعلي لخط الهاتف، ولا يكفي تحديد مالكه أو إثبات أن المتهم أحد العاملين لديه.

وقضت محكمة القاهرة الاقتصادية بأن:

«المحكمة بعد أن محصت الدعوى وأحاطت بظروفها وبأدلة الثبوت التى قام الاتهام عليها عن بصر وبصيرة وبعد أن وازنت بينها وبين أدلة النفي قد دخلتها الريبة والشك في صحة عناصر إثبات الاتهام المسند إلى المتهم إذ تحيط به من جوانبه جميعا ظلالا كثيفة من الشكوك والريب بما لا تطمئن معه المحكمة للاتهام المسند للمتهم وآية ذلك عدم وجود ثمة دليل يفيد المستخدم الفعلي للهاتف رقم (…) كما لم يتبين للمحكمة كيفية توصل التقرير الفنى معرفته للمستخدم الفعلى للخط سالف البيان حيث خلت الأوراق من ثمة استعلام من شركة فودافون عن مالك الشريحة سالفة الذكر فضلا عن أن التقرير الفنى لم يقدم ما يفيد ماهية البرامج التى استخدمها لمعرفة شخص المتهم أو التوصل لمرتكب الواقعة كما خلت الأوراق من ثمة اطلاع محرر المحضر على هاتف المجنى عليها أو إثبات المحادثات على تطبيق الواتس اب ومن ثم فقد أضحت شهادة المجنى عليها بمحضر الضبط منقوصة لا ترقى لكونها دليل كامل يصح معه إدانة المتهم ولا تطمئن إليها المحكمة الأمر الذى ترى معه المحكمة أن الدليل قد رهن بالأوراق ولم يستقم فى حق المتهم وأضحى معه الاستعصام بقرينة البراءة يتفق وصحيح القانون سيما وأنها قرينة دستورية تجد فى الأوراق مايدعمها ولما كان ذلك وكانت الأوراق وعلى السياق المتقدم لا يوجد فيها من دليل يصح ادانة المتهم بمقتضاه سوى هذا الدليل القاصر عن بلوغ حد الكفاية للقضاء بإدانته وكان أصل البراءة يلازم الفرد دوما ولا يزايله سواء فى مرحلة ما قبل المحاكمة أو أثناءها وعلى إمتداد حلقاتها مؤدى ذلك إمتناع دحض أصل البراءة بغير أدلة جازمة لإثبات التهمة واستقرار حقيقتها وكانت الأحكام الجنائية تبنى على الجزم واليقين ومن ثم تقضى المحكمة ببراءة المتهم مما أسند إليه».

(حكم محكمة القاهرة الاقتصادية – الدعوى رقم 245 لسنة 2022 جنح اقتصادية القاهرة – جلسة 26-2-2022)

وقضت كذلك بأن:

«المحكمة قد أحاطت بظروف ووقائع وملابسات تلك الجنحة علما وبحثا وقد خالج وجدانها الشك فى صحة نسبة الاتهام للمتهم، وآية ذلك أن الأخير لم تفصح الأوراق عن ثمة دليل إدانة بحقه ولا يقدح فى ذلك ما جاء بأقوال المجنى عليه استدلالا إذ أن أقواله قد جاءت مرسلة غير مدعمة بثمة دليل يعضدها لتقف به المحكمة على أرض صلبة من صحة قيام المتهم بارتكاب الواقعة لاسيما وأن الأوراق قد خلت من استعلام رسمى من شركة المحمول للتأكد من أن الشريحة سالفة البيان مملوكة للمتهم ولا يقدح فى ذلك ما ورد بتحريات مباحث تكنولوجيا المعلومات والثابت بها أن الشريحة المستخدمة فى ارتكاب الواقعة مملوكة للمتهم كونها غير مختصة بالاطلاع على بيانات عملاء شركات الاتصالات للتأكد من كون المتهم هو المالك والمستخدم الفعلى لتلك الشريحة فى تلك الواقعة».

(حكم محكمة القاهرة الاقتصادية – الدعوى رقم 444 لسنة 2022 جنح اقتصادية القاهرة – جلسة 19-4-2022)

وقضت في حكم آخر بأن:

«المحكمة لم تطمئن لأقوال المجنى عليه استدلالا واستيفاء النيابة العامة، ولا ينال ما توصل إليه التقرير الفنى الصادر من الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات من إنه توصل إلى أن الهاتف رقم (…) مرتكب الواقعة وأن مستخدمه هى(…) ”المتهمة سالفة الذكر” إذ أن الأوراق قد تضمنت إفادة رسمية من شركة الإتصالات الخاصة توصلت إلى أن الشريحة رقم (…) مستخدمها وفق آخر تحديث كل من (…)، وهو الأمر الذي تتشكك معه المحكمة فى صحة إسناد الاتهام المسند للمتهمة مما تقضى معه ببراءتها من التهم المنسوبة إليها».

(حكم محكمة القاهرة الاقتصادية – الدعوى رقم 358 لسنة 2022 جنح اقتصادية القاهرة – جلسة 19-4-2022)

كما لم ينسب المجني عليه إلى المتهم ارتكاب أي من الجرائم محل الاتهام، وفقًا لأقواله في محضر الإبلاغ عن الشكوى المحرر بمعرفة إدارة مكافحة جرائم تقنية المعلومات. وجاء في أقواله ما يلي:

س/ هل تعلم مستخدم الحساب مرتكب الواقعة؟

ج/ لا.

ولم يرد اسم المتهم إلا في تحريات إدارة تكنولوجيا المعلومات الواردة في تقرير الفحص الفني، إذ نسب مجري التحريات رقم الهاتف إليه من دون بيان كيفية التوصل إلى المستخدم الفعلي للخط. كما لم يبين البرامج التي استخدمها لمعرفة هوية المتهم أو التوصل إلى مرتكب الواقعة. ولا يعد مجري التحريات من العاملين في شركة الاتصالات المخول لهم الاطلاع على البيانات الشخصية للعملاء أو ما يجرونه من اتصالات، ومن ثم لا يختص بالاطلاع على بيانات عملاء شركات الاتصالات للتحقق من مالك خط الهاتف المشار إليه أو مستخدمه الفعلي.

وعلى فرض صحة هذه التحريات واطمئنان المحكمة إليها، لا يجوز الاستناد إليها إلا على سبيل الاستدلال، ولا تصلح وحدها دليلًا أو قرينة يقوم عليها الاتهام، وإنما قد تعزز دليلًا آخر إن وجد، وهو ما تخلو منه الأوراق. كما أن بطلان التحريات على النحو المتقدم يحيط صحة إسناد الاتهام إلى المتهم بالشك، بما يلزم معه القضاء ببراءته من الاتهامات المنسوبة إليه.