
مقدمة
كشف تحقيق لمدى مصر في عام 2022 أن العامل في شركة «طلبات» كان يحصل على 15 جنيهًا عن الطلب إذا احتفظ بتقييم جيد، بينما ينخفض المقابل إلى 13 أو 12 جنيهًا مع انخفاض التقييم. بذلك أصبح موقع العامل داخل نظام التقييم جزءًا من تحديد ما يحصل عليه مقابل العمل، إلى جانب خصائص المهمة نفسها. وكان التقييم يتأثر بعوامل مثل الالتزام بمواعيد الوردية وقواعد قبول الطلبات، وبوقائع قد لا يملك العامل السيطرة الكاملة عليها، مثل تأخر المطعم أو مشكلات التواصل مع العميل.
لا تثبت هذه الحالة أن «طلبات» كانت تحدد لكل عامل سعرًا فريدًا وفق حاجته الاقتصادية أو تقدّر الحد الأدنى الذي سيقبل العمل مقابله، لكنها تثبت نقطة أن منصة عمل في مصر استخدمت بيانات مرتبطة بالعامل لتقسيم العمال إلى مستويات مختلفة من المقابل. ومع توسع قدرة المنصات على جمع بيانات عن معدلات القبول والرفض، وأنماط النشاط، والتقييمات، والسلوك السابق، يصبح السؤال أوسع من مجرد اختلاف الأجر بسبب المهمة؛ إذ يتعلق أيضًا بالحد الذي يمكن عنده استخدام المعرفة المتراكمة عن العامل نفسه في تحديد السعر الذي يُعرض عليه.
في سياق آخر، أفادت عاملات قابلتهن مؤسسة روزفلت في الولايات المتحدة بأن ورديات أو أسعارًا مختلفة قد تظهر لأشخاص مختلفين رغم تقارب مكان العمل وتوقيته وطبيعته، وقد لا تظهر بعض الورديات لهن أصلًا. لا تقدم هذه الإفادات مقارنة مضبوطة بين شاشتين في اللحظة نفسها، لكنها تكشف مشكلة أن كل عاملة ترى عرضها منفردًا، من دون أن تعرف نطاق الأجور المتاحة للعمل نفسه أو المعايير التي تفسر الفروق بينها. سجل تقرير روزفلت إفادات عن اختلاف إتاحة الورديات والمقابل من دون أن تكشف المنصات المعادلات التي تحدد هذه الاختلافات.
لا ينبغي التعامل مع هذه الحالات كحالة عامة مطبّقة على كل عمال المنصات، لكنها تكشف تحولًا أوسع يمكن أن تحدثه أنظمة الإدارة والتسعير الخوارزمية في علاقة العامل بأجره. تستطيع المنصة أن تغيّر المقابل وفق ظروف مشتركة في السوق، فترفعه عند اشتداد الطلب أو تخفضه مع زيادة عدد العمال المتاحين. لكن هذا التخصيص يأخذ شكلًا مختلفًا عندما تدخل خصائص العامل نفسه وتاريخه السلوكي ضمن عملية التسعير، فتستخدم المنصة بيانات مثل معدلات القبول والرفض، وأنماط النشاط، لتقدير السعر الذي يُرجح أن يقبله كل شخص. عندئذ لا يعود المقابل محددًا بخصائص المهمة وشروطها أو بمعايير مهنية معلنة وحدها، بل قد يتأثر أيضًا بتقدير المنصة لقدرة العامل على رفض العرض.
صاغت الباحثة فينا دوبال مفهوم «التمييز الخوارزمي في الأجور» لوصف تحول في طريقة تحديد الأجر، تصبح فيه أجور العمال قابلة للتخصيص باستخدام معادلات متغيرة تستند إلى بيانات تفصيلية عن العامل وسلوكه وموقعه، إلى جانب بيانات العرض والطلب، بحيث يمكن أن يتلقى أفراد أجورًا مختلفة مقابل أعمال متشابهة إلى حد بعيد. ولا يقتصر هذا النظام على تحديد سعر المهمة؛ فتضمّن مفهوم دوبال أيضًا القرارات الخوارزمية المتعلقة بتوزيع العمل وتحديد من يحصل على أي فرصة، لأن هذه القرارات تؤثر بدورها في الأجر الفعلي وفي قدرة العامل على الوصول إلى العمل.
تربط دوبال هذه الممارسة بنقل منطق «التمييز السعري» من سوق المستهلك إلى سوق العمل. فكما تستطيع الشركة استخدام المعلومات لتقدير السعر الذي قد يكون المستهلك مستعدًا لدفعه، يمكن للمنصة، من حيث المبدأ، استخدام ما تعرفه عن العمال لتخصيص المقابل والحوافز بما يخفض تكلفة العمل أو يدفع العامل إلى سلوك معين. ويعمل هذا النظام في ظل تفاوت واضح في المعلومات، إذ تجمع المنصة بيانات واسعة عن العمال والسوق وتستخدمها في تحديد الأجر وتوزيع الفرص، بينما لا يعرف العامل عادة لماذا حصل على هذا العرض تحديدًا أو كيف يقارن بما عُرض على غيره.
تكمن أهمية مفهوم «التمييز الخوارزمي في الأجور» لهذه الورقة في أنه ينقل تحليل الأجر الخوارزمي من مسألة تقنية تتعلق بكيفية حساب السعر إلى مسألة تتعلق بعلاقة العمل نفسها. فالمشكلة لا تنشأ لمجرد أن الخوارزمية تنتج أسعارًا متغيرة، وإنما عندما تمنح المعرفة المتراكمة لدى المنصة قدرة على التمييز بين العمال وتخصيص أجورهم، في وقت لا يمتلك فيه العامل معرفة مماثلة تمكّنه من مقارنة عرضه أو فهم أساسه أو التفاوض عليه. بهذا المعنى، يصبح تخصيص الأجر أحد أشكال ممارسة السلطة داخل علاقة العمل، لا مجرد طريقة أكثر تعقيدًا لحساب المقابل.
تتناول هذه الورقة انتقال المنصات من تحديد المقابل وفق خصائص المهمة وظروف السوق إلى إمكان تخصيصه وتوزيع فرص العمل وفق بيانات كل عامل وسلوكه. وتوضح الفروق بين التسعير الديناميكي والتسعير الفردي، وتراجع حالات من قطاعات النقل والتوصيل والتمريض مع بيان حدود الأدلة المتاحة. كما تحلل أثر غموض معايير الأجر وغياب بيانات المقارنة في قدرة العمال على تقييم أجورهم، وكشف التمييز، والتفاوض بشأن المقابل. وتقترح الورقة ضمانات تتيح للعمال معرفة نطاق الأجور ووسيطها وتوزيعها في الأعمال المماثلة، وفهم العوامل المؤثرة في تحديد المقابل والطعن فيها، وتقييد استخدام البيانات غير المرتبطة بقيمة العمل، ودعم الرقابة والمفاوضة الجماعية.
١. من السعر المتغير إلى السعر الفردي
في صورته غير الفردية يغيّر التسعير الديناميكي مقابل العمل وفق خصائص مشتركة في المهمة أو السوق، مثل ساعة الذروة أو نقص العمال في منطقة معينة أو الحاجة إلى إنجاز المهمة بسرعة. ويبقى أساس المقارنة واضحًا عندما يخضع الأشخاص المستوفون للشروط نفسها لقاعدة مشتركة ترتبط بالوقت أو المكان أو صعوبة العمل. أما التسعير الفردي فيضيف خصائص الفرد أو تاريخه ضمن العوامل المؤثرة في العرض، وقد يجتمع النوعان داخل النظام نفسه.
يضيف التسعير الفردي ملف العامل إلى عملية تحديد المقابل. وتشمل المدخلات الموثقة أو المعلنة في بعض أنظمة الإدارة الخوارزمية التقييم، وسجل إنجاز المهام، ومعدل القبول أو الإلغاء، والمؤهلات المهنية. وقد تتيح البنية التقنية استنتاج مؤشرات أخرى من زمن الاستجابة، والأوقات المعتادة للنشاط، والمبالغ المقبولة سابقًا، والمسافات المقطوعة أو خصائص الجهاز، من دون أن يثبت ذلك استخدامها فعلًا في تسعير الأجر. بعض المدخلات يتصل بالعمل اتصالًا مشروعًا، مثل شهادة تخصص أو معيار جودة موثوق. وبعضها، إذا استُخدم لخفض العرض، يقيس قدرة العامل على المساومة أكثر مما يقيس قيمة ما سيقدمه.
قد يحدث التخصيص في ستة مواضع مترابطة. تختار المنصة من يرى المهمة؛ وتحدد السعر الذي يظهر لكل شخص؛ وترتب العروض بحيث تختفي الخيارات الأفضل تحت خيارات أضعف؛ وتعدل الحوافز والمكافآت؛ وتقرر الرسوم أو الخصومات؛ ثم تستخدم التقييمات ومعايير الأهلية لتحديد الوصول إلى فرص لاحقة. ولا يلزم أن تضع الخوارزمية رقمًا مختلفًا صراحة لكل عامل كي تنشئ أثرًا فرديًا، يكفي أحيانًا أن تحجب المهمة الأعلى أجرًا عن فئة من العمال، أو تعرضها متأخرة، أو تربط الوصول إليها بسلوك سابق لا يعرف العامل وزنه.
يصعب اكتشاف هذا النمط لأن كل عامل يرى العروض التي تظهر له وحده. في بعض أماكن العمل التقليدية، خصوصًا حيث توجد اتفاقيات جماعية أو درجات وظيفية أو نطاقات أجور منشورة، يملك العمال مرجعًا مشتركًا للمقارنة، ويمكنهم أحيانًا معرفة أجور زملائهم ومقارنتها بأجورهم أو بما يُعرض عليهم مقابل العمل نفسه. أما على المنصات، فقد تختلف العروض وترتيبها من حساب إلى آخر، وتختفي المهام سريعًا، ولا يوفر التطبيق بالضرورة سجلًا كاملًا لما ظهر واختفى. لذلك يرى كل عامل جزءًا محدودًا من السوق، ويصعب عليه من حسابه وحده معرفة ما إذا كان العرض الذي تلقاه مماثلًا لما تلقاه غيره أم جزءًا من نمط أوسع في اختلاف الأجور.
ينطلق تقييم التسعير الفردي من الحق في شروط عمل عادلة ومرضية، بما يشمل الأجر المنصف والمساواة في الأجر عن العمل المتساوي القيمة دون تمييز، الذي تقرره المادة 7 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وتوضح اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أن عدالة الأجر ترتبط بمعايير موضوعية، من بينها المسؤوليات والمهارة المطلوبة وظروف العمل والمخاطر المرتبطة به، وأن تحديد ما إذا كان العمل متساوي القيمة يستلزم تقييمه وفق معايير موضوعية. وتؤكد اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 100 بدورها أهمية التقييم الموضوعي للوظائف على أساس العمل المؤدى، وتجيز فروق الأجر عندما تعكس فروقًا موضوعية في العمل نفسه.
ومن هذا الأساس، ينبغي ألا يتحمل العامل وحده عبء إثبات كيفية عمل نظام تسعير لا يملك الوصول إلى بياناته. فإذا قدم العامل أو ممثله مؤشرات معقولة على اختلاف المقابل بين أعمال قابلة للمقارنة، ينبغي تمكين الجهة المختصة من فحص سجلات العروض والعوامل التي دخلت في تحديد الأجر، وتمكين العامل من معرفة سبب الفرق والطعن فيه. ويتسق ذلك مع تأكيد اللجنة على ضرورة وجود آليات فعالة للرقابة والمساءلة والانتصاف عند انتهاك الحق في شروط عمل عادلة ومرضية. ويصبح السؤال عند فحص اختلاف الأجر هو ما إذا كان يستند إلى أساس موضوعي مرتبط بطبيعة العمل ومتطلباته، أم إلى خصائص في العامل لا تبرر اختلاف المقابل عن عمل متساوي القيمة.
لا يكفي أن تنسب المنصة اختلاف الأجر إلى طريقة توزيع المهام أو تحديد العروض لكل عامل؛ فعليها أن تبين لماذا تلقى عامل مبلغًا أقل من غيره مقابل عمل قابل للمقارنة. وقد يكون اختلاف الأجر مبررًا، مثلًا، إذا كانت إحدى المهام تتضمن تعرضًا لمحتوى مؤذٍ نفسيًا أو قيادة ليلية في ظروف خطرة، وكانت الزيادة مرتبطة بهذه الظروف وتطبق على كل من يؤدي المهمة نفسها. لذلك يتعلق التقييم بما إذا كان سبب اختلاف الأجر مرتبطًا بطبيعة العمل ومتطلباته، أم بخصائص العامل التي تستخدمها المنصة لتخفيض ما يُعرض عليه.
يساعد هذا التمييز أيضًا على عدم خلط التسعير الفردي بفروق الأجور بين البلدان. فقد تدفع شركات التعهيد الرقمي أجورًا مختلفة للعاملين في دول مختلفة، مستفيدة من تفاوت تكاليف المعيشة وقيمة العملات وضعف قدرة العمال على الانتقال. تستحق هذه الممارسة نقدًا مستقلًا لما قد تنطوي عليه من استغلال، لكنها لا تثبت أن عاملين داخل السوق نفسها تلقيا مقابلين مختلفين لأن المنصة قدرت أن أحدهما سيقبل أجرًا أقل. ينصب التحليل هنا على استخدام المنصة بيانات تخص العامل نفسه لتحديد مقابل مختلف له عن غيره في عمل قابل للمقارنة.
٢. ما الذي تثبته الحالات الواقعية؟
وردية واحدة وعرضان
يقدم سوق التمريض عبر التطبيقات مثالًا واضحًا على هذه المشكلة. تصف العاملات اللواتي قابلتهن مؤسسة روزفلت يوم العمل بأنه يبدأ بالبحث بين ورديات متفرقة، وقد يُطلب من العاملة تحديد الأجر الذي تقبل به أو انتظار عرض يصلها خلال وقت قصير. كما قد تعرض بعض المنصات ورديات أو أجورًا مختلفة لأشخاص مختلفين رغم تشابه المستشفى والتوقيت وطبيعة العمل. وفي بعض الحالات، تتنافس الممرضات على الوردية بأن تقبل كل منهن أجرًا أقل من الأخرى حتى تحصل إحداهن على العمل. بذلك لا يكتفي التطبيق بعرض الفرص، بل يحدد من يراها وكيف يتنافس العمال عليها، مستفيدًا من معلوماته عن تاريخ كل عاملة وسلوكها.
أفادت ١٤ عاملة من أصل ٢٩ قابلتهن مؤسسة روزفلت إن دخل التطبيقات وحده لا يكفي للعيش. لا تثبت هذه الإفادات أن المنصات استخدمت حاجة العاملات في تحديد الأجر، لكنها توضح أهمية الهشاشة الاقتصادية في هذا النقاش؛ فكلما زاد اعتماد العامل على المنصة للحصول على دخل، ازدادت خطورة استخدام بياناته وسلوكه السابق لاستنتاج مدى استعداده لقبول أجر أقل. وتصبح المشكلة أكثر حدة إذا امتلكت المنصة هذه المعرفة بينما يظل العامل غير قادر على مقارنة ما عُرض عليه بما تلقاه غيره مقابل عمل مماثل.
لا يثبت تقرير روزفلت كذلك أن المنصات تستخدم بيانات شخصية بعينها لتحديد أجر كل عاملة، كما لا يكشف الأسباب التقنية لاختلاف العروض، لكنه يوثق إفادات متكررة عن اختلاف الورديات والأجور التي تظهر لعاملات يعملن في ظروف متقاربة، من دون أن يستطعن معرفة أسباب هذه الفروق أو مقارنتها بما عُرض على غيرهن.
أوبر وحدود الدليل
حلل باحثون من جامعة أكسفورد بيانات نحو ١٫٥ مليون رحلة نفذها ٢٥٨ سائقًا لدى «أوبر» في المملكة المتحدة، وقارنوا أوضاعهم قبل إدخال نظام التسعير الديناميكي وبعده. ووجدوا أن متوسط الدخل الحقيقي عن كل ساعة عمل انخفض من ٢٢٫٢٠ إلى ١٩٫٠٦ جنيهًا إسترلينيًا قبل خصم مصروفات التشغيل. واستند هذا الحساب إلى تعريف المحكمة لوقت العمل، الذي يشمل الفترة التي يكون فيها السائق متصلًا بالتطبيق ومتاحًا لقبول الرحلات، بما في ذلك وقت الانتظار.
ظل متوسط حصة السائق من قيمة الرحلة قريبًا من ٧٥ في المئة، مقابل نحو ٢٥ في المئة لـ«أوبر». لكن وسيط حصة السائق انخفض إلى ٧١ في المئة، مقابل ٢٩ في المئة لـ«أوبر». ويشير الوسيط هنا إلى النسبة الواقعة في منتصف توزيع حصص السائقين، بحيث يقع نصف السائقين فوقها والنصف الآخر دونها. ويوضح الفرق بين المتوسط والوسيط أن المتوسط العام قد لا يعكس مقدار الحصة التي يحصل عليها السائق الواقع في منتصف التوزيع. كما وجد بحث جامعة أكسفورد أن الأجر وتوزيع الرحلات أصبحا أقل قابلية للتوقع، وأن التفاوت في الدخل بين السائقين ازداد بعد إدخال نظام التسعير الديناميكي.
تثبت الدراسة أن نظامًا ديناميكيًا غير شفاف يستطيع نقل جزء أكبر من قيمة الرحلة إلى المنصة، إلى جانب زيادة عدم اليقين بشأن العائد. وقد نسب الباحثون جانبًا مهمًا من النتيجة إلى اتساع سلطة المنصة في تحديد أسعار الركاب وأجور السائقين على نحو منفصل. هذه التفرقة ضرورية؛ فالضرر قد ينشأ من احتكار معلومات السوق والتحكم في السعرين، حتى قبل إثبات تخصيص الأجر استنادًا إلى هشاشة كل سائق.
تكشف هذه الدراسة حدود ما يستطيع السائق معرفته من معلومات من تجربته الفردية. فتغير السعر وطريقة توزيع الرحلات في الوقت نفسه يجعل من الصعب تحديد سبب انخفاض العائد اعتمادًا على رحلة واحدة أو من سجل حساب واحد. فلم يظهر التغير في نصيب الشركة والتفاوت بين السائقين إلا بعد جمع بيانات عدد كبير من الرحلات ومقارنتها، وهو ما أمكن التمييز بين التقلب اليومي المعتاد وبين نمط متكرر يمكن قياسه وتحليله.
Lyft: تخصيص معلن للحوافز
توفر Lyft (خدمة نقل ذكي أمريكية) مثال مباشر على تخصيص أحد عناصر التعويض على مستوى العامل نفسه. ففي صفحة المساعدة الخاصة ببرنامج Earnings Challenges، توضح الشركة أن عروض الأرباح مخصصة لكل متلقٍ على حدة. يحصل السائق في هذا البرنامج على مكافأة إذا بلغ هدفًا محددًا من الأرباح خلال فترة معينة، ولا تشترط المنصة أن يتلقى جميع السائقين الهدف أو العرض نفسه. بذلك يصبح تخصيص الحوافز واقعة تقر بها المنصة نفسها، لا مجرد احتمال تقني.
لا يكشف البرنامج كيف تحدد Lyft قيمة العرض الذي يتلقاه كل سائق، ولا ما إذا كانت تستخدم حاجته الاقتصادية أو تاريخ قبوله للعروض في هذا القرار. في المقابل، يثبت البرنامج أن جزءًا من التعويض يمكن أن يختلف من عامل إلى آخر داخل المنصة نفسها، بينما تظل أسباب هذا الاختلاف خارج ما يستطيع العامل معرفته من العرض وحده.
Shipt: الخسارة التي كشفها العمال بجمع بياناتهم
تكشف منصة Shipt (منصة أمريكية لخدمات التسوق والتوصيل عند الطلب) أهمية المقارنة الجماعية في فهم أثر خوارزميات الأجر. كانت الشركة تعتمد معادلة معلنة نسبيًا، ثم انتقلت في عام 2020 إلى نظام يحدد المقابل وفق تقدير للجهد المطلوب. ولأن تفاصيل المعادلة الجديدة لم تكن متاحة، تعاون العمال مع باحثين وطوّروا أداة لجمع بيانات أجورهم ومقارنتها. ووجدت دراسة استندت إلى بيانات قدمها 140 عاملًا أن متوسط الأجر لكل طلب ارتفع، لكن قرابة نصف المشاركين تعرضوا في الوقت نفسه لخفض غير معلن في أجورهم، كما سجل بعضهم فترات عمل كان المقابل فيها أقل من الحد الأدنى للأجر في ولاياتهم.
توضح الدراسة أن ارتفاع متوسط الأجر على مستوى منصة Shipt لم يعنِ استفادة جميع العمال من النظام الجديد، إذ تفاوت أثره بينهم بدرجة كبيرة. فبينما ارتفع المتوسط العام، انخفض دخل مجموعة كبيرة من المشاركين. ولم يكن من الممكن اكتشاف هذا التفاوت من خلال بيانات حساب عامل واحد، وإنما اتضح بعد جمع بيانات عدد من العمال ومقارنتها.
DoorDash و#DeclineNow: رفض السعر حتى يرتفع
تكشف حملة #DeclineNow جانبًا آخر من قدرة المنصة على تعديل السعر وفق استجابة العمال للعروض. نظم سائقو DoorDash (منصة أمريكية لتوصيل الطعام والسلع عند الطلب) أنفسهم لرفض الطلبات ذات المقابل المنخفض. واستندت الحملة إلى ملاحظة العمال أن الطلب المرفوض قد يُعرض على عمال آخرين بمقابل أعلى وأن استمرار رفضه قد يؤدي إلى زيادة المقابل تدريجيًا. ووفقًا لتقارير عن الحملة، بلغ عدد أعضاء المنتدى المرتبط بها نحو 40 ألفًا.
أوضحت هذه الحملة أن السعر الذي تعرضه DoorDash ليس بالضرورة رقمًا ثابتًا ملازمًا للمهمة؛ إذ يمكن للمنصة أن تبدأ بعرض منخفض وتعدله مع استمرار الرفض حتى تجد عاملًا يقبله. كما تكشف أن الرفض الجماعي يستطيع تعطيل هذه الآلية جزئيًا، لأن امتناع عدد كافٍ من العمال عن قبول الأسعار المنخفضة يرفع كلفة العثور على عامل مستعد لتنفيذ المهمة بهذا المقابل.
«طلبات» في القاهرة: التقييم يغيّر قيمة ما يحصل عليه العامل
تقدم «طلبات» في القاهرة واحدة من أوضح الحالات المصرية على دخول بيانات مرتبطة بالعامل نفسه في تحديد المقابل. ففي أبريل 2022، أضرب عمال التوصيل في الشركة لمدة ثلاثة أيام مطالبين بزيادة أجر توصيل الطلب. وكشف تحقيق لـ«مدى مصر» عن الإضراب وظروف العمل أن قيمة ما يحصل عليه العامل عن التوصيل كانت ترتبط بتقييمه داخل التطبيق: 15 جنيهًا لمن يتمتعون بتقييم «جيد»، مقابل 13 أو 12 جنيهًا لمن يقل تقييمهم عن ذلك. وبذلك لم يكن التقييم مجرد مؤشر ظاهر لجودة العامل، بل كان مرتبطًا مباشرة بالمقابل الذي يحصل عليه من التوصيل.
وذكر التحقيق أن التقييم كان يمكن أن ينخفض أيضًا بسبب تأخر المطعم في إعداد الطلب أو اتصال العامل بالعميل للاستفسار عن العنوان. كما كان إنهاء الوردية قبل موعدها أو أخذ استراحة يُعامل باعتباره غيابًا أو تأخرًا يؤدي إلى خفض التقييم آليًا.
وثق التحقيق أن التقييم، وهو خاصية مرتبطة بملف العامل داخل التطبيق، كان يحدد مستوى المقابل الذي يحصل عليه، وأن تغيره كان ينقل العامل من مستوى أجر إلى آخر. كما تأثر التقييم بجودة تنفيذ التوصيل، ومدى الامتثال لقواعد المنصة، ووقائع قد تقع خارج سيطرة العامل. ويوضح هذا المثال كيف أدى تقسيم العمال وفق بيانات فردية إلى اختلاف مباشر في المقابل الذي يحصلون عليه عن العمل.
«أوبر» في مصر: عمولة متغيرة وقاعدة غير واضحة للسائقين
تقدم تجربة سائقي «أوبر» في مصر مثال أقل حسمًا، لكنها تكشف جانبًا آخر من صعوبة معرفة القاعدة التي تحدد صافي دخل العامل. ففي استعراض لاحتجاجات عمال المنصات، ذكر تقرير لـ«مدى مصر» أن سائقين تجمعوا أمام مقر الشركة في وسط القاهرة عام 2021 للمطالبة بخفض العمولة. وأفاد أحد السائقين إن عمولة «أوبر» كانت تبلغ في المتوسط نحو 27% وتصل في بعض الحالات إلى 35%، مضيفًا أن تحديدها يجري وفق سياسة الشركة التي لا يفهم السائقون قاعدتها.
تؤثر العمولة مباشرة في صافي ما يحتفظ به السائق من قيمة الرحلة، ولذلك فإن تغير نسبتها يثير السؤال نفسه الذي تطرحه اختلافات الأجر: ما القاعدة التي تحدد ما يحصل عليه العامل فعليًا، وهل يستطيع مقارنتها بما يطبق على غيره؟
٣. الأجر يحتاج إلى أساس للمقارنة
يقر العهد الدولي بحق كل شخص في شروط عمل عادلة ومرضية، تشمل أجرًا منصفًا وأجرًا متساويًا عن العمل المتساوي القيمة ومستوى معيشة لائقًا للعامل وأسرته. ويوضح التعليق العام رقم ٢٣ أن تقييم الأجر المنصف يجب أن يستند إلى معايير موضوعية، وأن المساواة تتعلق بقيمة العمل الفعلية لا بمجرد تشابه المسميات. لكن تطبيق هذه القواعد يتطلب إمكان معرفة ما إذا كان اختلاف الأجر يعكس اختلافًا حقيقيًا في العمل أم فرقًا غير مبرر بين العمال.
يصعب على العامل إثبات حصوله على أجر أقل عن عمل متساوي القيمة إذا لم يعرف ما عُرض على غيره أو كيفية تحديد أجره. وقد تسمح بعض النظم باستخدام بيانات إحصائية أو تلزم صاحب العمل بتقديم السجلات، ولذلك لا يتطلب الإثبات دائمًا معرفة أجر زميل بعينه. ولا ينص العهد أو التعليق العام على قابلية مقارنة الأجر باعتبارها حقًا مستقلًا. ومع ذلك، تمثل هذه القابلية شرطًا عمليًا يساعد على إثبات فروق الأجر غير المبررة.
لا تعني المقارنة معرفة راتب عامل آخر بالاسم. في العمل عبر المنصات، يحتاج العامل إلى معرفة نطاق الأجور المعروضة لمهام متشابهة، والوسيط الذي يبين القيمة الواقعة في منتصف هذه الأجور بعد ترتيبها، ويمكن الاستعانة بالمتوسط لمعرفة المستوى العام للعروض. ويحتاج كذلك إلى معرفة عدد العروض وأسباب الفروق المرتبطة بالوقت أو المكان أو الخطر، إضافة إلى الرسوم والخصومات والوقت غير المدفوع. ويمكن تقديم هذه المعلومات بصورة مجمعة تحمي خصوصية العمال.
ولا يكفي اسم المهمة لتحديد ما إذا كان العمل متساوي القيمة. فقد تستخدم المنصة أسماء مختلفة لأعمال متشابهة، أو الاسم نفسه لمهام تختلف في متطلباتها. لذلك ينبغي أن تقوم المقارنة على المهارة والجهد والمسؤولية وظروف التنفيذ. فإذا تطلبت مهمتان المستوى نفسه من التدريب والجهد والمسؤولية، يمكن مقارنتهما رغم اختلاف اسميهما. وفي المقابل، قد يبرر اختلاف الخطر أو المسؤولية فرقًا في الأجر بين مهمتين تحملان الاسم نفسه.
توفر قواعد شفافية الأجور الأوروبية مثالًا جزئيًا على هذا المنطق. يلزم توجيه الأجور الدول الأعضاء بأن تتيح للعاملين طلب معلومات عن مستوى أجرهم ومتوسط مستويات الأجور لفئات تؤدي العمل نفسه أو عملًا متساوي القيمة، مصنفة بحسب الجنس، وأن تتيح معايير تحديد الأجر والتقدم فيه. ولا تمتد هذه الضمانات تلقائيًا إلى كل متعاقد عبر منصة، لكنها توضح إمكان إتاحة بيانات أجور مجمعة مع حماية الخصوصية.
في العمل عبر المنصات، ينبغي أن تصل معلومات المقارنة إلى العامل قبل قبول المهمة حتى يستطيع تقييم العرض في الوقت المناسب. كما ينبغي أن يعرف سبب ابتعاد عرضه عن المستوى المعتاد، وأن يحصل بعد إنجاز المهمة على سجل يوضح الأجر والرسوم والوقت الفعلي وأي قرار أدى إلى خفض المقابل.
تفيد هذه المعلومات في التفاوض الجماعي أيضًا. فالعامل المنفرد لا يرى عادة سوى العرض الذي يظهر على شاشته، بينما تستطيع مجموعة من العمال، عند مقارنة البيانات، اكتشاف انخفاض مستمر في الأجر لدى فئة معينة، أو أن مكافأة رافقها خفض في السعر الأساسي، أو أن وقت الانتظار أصبح تكلفة يتحملها العمال. بذلك يمكن أن ينتقل التفاوض من عروض فردية متفرقة إلى القواعد التي تحدد الأجر.
لكن معرفة هذه المعلومات لا تزيل اختلال القوة بين العامل والمنصة. فقد يعرف العامل أن عرضه أقل من المعتاد ويظل مضطرًا إلى قبوله. لذلك تحتاج الشفافية إلى ضمانات أخرى، مثل حد أدنى للأجر، وحق العمال في التنظيم، وقيود على البيانات التي يجوز استخدامها في تحديد المقابل، وجهة رقابية تستطيع فحص السجلات وفرض التصحيح أو التعويض.
ويجب ألا تؤدي المقارنة إلى كشف بيانات العمال الشخصية. فقد تسمح البيانات الخاصة بعدد قليل من العمال في منطقة أو مهنة محددة بالتعرف عليهم، كما لا ينبغي أن يضطر العامل إلى كشف معلومات عن صحته أو دخله أو ظروفه الأسرية لإثبات اختلاف أجره. لذلك تقع على المنصة مسؤولية تجميع البيانات وإخفاء الهوية، مع إتاحة معلومات أوسع للجهات الرقابية وممثلي العمال وفق ضمانات مناسبة.
وفي كل الأحوال لا يجوز استخدام الأداء كمبرر عام لأي فرق في الأجر. فقد يتأثر التقييم بانحياز العملاء، وقد يعكس معدل قبول المهام استعداد العامل لقبول أجر منخفض أكثر مما يعكس جودة عمله، كما قد تتأثر سرعة الاستجابة بالإعاقة أو مسؤوليات الرعاية أو جودة الاتصال. لذلك يجب أن تثبت المنصة صلة كل معيار بالعمل، وأن تراجع أثره دوريًا، وأن تتيح للعامل تصحيح بياناته والاعتراض على النتائج المبنية عليها.
٤. البيانات والقوة التفاوضية
قد تسجل المنصة قبول العامل للعروض ورفضه لها، ومدة انتظاره، وعدد مرات عودته إلى التطبيق. ويجب التمييز بين قدرة المنصة على جمع هذه البيانات، وجمعها فعلًا، ثم استخدامها في تحديد الأجر أو توزيع المهام؛ فإثبات إحدى هذه المراحل لا يثبت المراحل الأخرى. لكن امتلاك بيانات عدد كبير من العمال يمنح المنصة قدرة على تجربة أسعار مختلفة ومتابعة استجابتهم لها، بينما لا يرى كل عامل سوى العروض التي تظهر له. لذلك تتطلب المساءلة معرفة البيانات التي جُمعت والغرض الذي استخدمت من أجله.
لا تحتاج الخوارزمية إلى معلومة صريحة عن فقر العامل أو مسؤولياته الأسرية حتى تستنتج وضعه الاقتصادي. فقد ترتبط بيانات مثل توقيت قبول العروض، أو تكرار العودة إلى التطبيق، أو الرمز البريدي، أو نوع الجهاز، بالدخل أو بدرجة الاعتماد على العمل. لذلك ينبغي أن تفحص الرقابة ما تجمعه المنصة، وكيف تستخدمه في قرار المقابل، وما إذا كانت تستنتج منه معلومات لا تتصل بالعمل نفسه.
كما قد يتقاطع تسعير هشاشة العامل مع التمييز المحظور قانونًا، من دون أن يتطابقا في جميع الحالات. فقد يؤدي استخدام بعض المؤشرات إلى الإضرار بفئات محمية قانونًا، مثل النساء أو الأشخاص ذوي الإعاقة أو جماعات عرقية معينة. وقد يتضرر أيضًا عامل مثقل بالديون أو فقد مصدرًا آخر للدخل، من دون أن تندرج حالته وحدها ضمن قوانين مكافحة التمييز. لذلك تحتاج هذه الحالات إلى حماية الأجر والبيانات من الاستخدام الذي يستغل ضعف قدرة العامل على رفض العرض.
بالإضافة إلى ذلك، قد يؤدي تخصيص الأجر إلى إضعاف قدرة العمال على تكوين سعر مرجعي مشترك. فإذا تلقى كل عامل عروضًا وحوافز مختلفة لا يعرف أسبابها، يصبح من الصعب معرفة ما إذا كان انخفاض الأجر تجربة فردية أم اتجاهًا يشمل مجموعة أكبر. يزيد ذلك من صعوبة اكتشاف الاتجاه العام للمنصة في تحديد الأجور وتكوين مطلب مشترك بشأنها.
يقدم باحثون في دراسة عن خفض الأجور في منصات العمل نموذجًا نظريًا رياضيًا لاختبار أثر تفاوت المعلومات بين المنصة والعمال. يفترض النموذج أن المنصة تعرض أسعارًا متتابعة لإنجاز مجموعة من المهام، وأن العامل يقبل المهمة إذا بلغ العرض الحد الذي يراه مناسبًا لأدائها. ويبين الباحثون أن المنصة، إذا امتلكت معلومات عن توزيع الأسعار التي يقبلها العمال واستطاعت انتظار من يقبل عرضًا منخفضًا، يمكنها في ظروف معينة خفض إجمالي ما تدفعه. كما وضحوا أن وجود حد أدنى للسعر، أو تنسيق العمال على عدم قبول عروض تقل عنه، يحد من هذه القدرة. لا يثبت النموذج أن منصة حقيقية تستخدم هذه الآلية، لكنه يوضح نظريًا كيف يمكن لتفاوت المعلومات واختلاف استعداد العمال للقبول أن يمنح المنصة قوة أكبر في تحديد الأجر.
يظل أثر الرفض الفردي محدودًا إذا استطاعت المنصة تسجيله، ثم تقديم سعر آخر أو إرسال المهمة إلى عامل مختلف. أما تبادل بيانات الأجور والعروض بين العمال فيسمح لهم برؤية ما لا يظهر في حساب فردي. ويمكن للسجلات الجماعية المجهولة الهوية وأدوات المقارنة النقابية وحق ممثلي العمال في فحص النظام أن تقلل الفجوة بين ما تعرفه المنصة وما يعرفه العمال عن السوق.
لا يعني ذلك منع استخدام بيانات العامل في كل قرارات الأجر. فقد يكون المؤهل المهني أو الخبرة أو زيادة المسافة عوامل مبررة إذا كانت مرتبطة فعلًا بالعمل. أما استخدام سجل قبول العامل السابق لتخفيض عرضه اللاحق فلا يقيس قيمة المهمة، بل يستخدم استجابته السابقة للسعر لمعرفة ما قد يقبله في المرة التالية. لذلك يجب أن تكون البيانات المستخدمة في تحديد المقابل ضرورية لغرض مشروع، ومرتبطة بالعمل، وقابلة للمراجعة والاعتراض.
٥. القانون يرى القرار ولا يرى توزيع الأجور
تعالج قواعد العمل والأجور، وحماية البيانات، وتنظيم الإدارة الخوارزمية، جوانب متفرقة من مشكلة استخدام المنصات بيانات العامل في تحديد المقابل أو توزيع فرص العمل، لكنها لا تجمعها في حماية واحدة. فتلزم بعض القواعد المنصة بإبلاغ العامل بأجره والخصومات، وتتيح له قواعد أخرى طلب تفسير للقرارات الآلية، أو تقيد استخدام أنواع معينة من البيانات، أو تسمح بمقارنة الأجور في سياقات محددة، مثل دعاوى المساواة في الأجر. ومع ذلك، تظل هذه الضمانات موزعة بين أطر قانونية مختلفة ولا توفر مجتمعة حماية متكاملة للعامل.
الاتفاقية رقم ١٩٣ بشأن العمل في اقتصاد المنصات
اعتمد مؤتمر العمل الدولي في ١٢ يونيو ٢٠٢٦ الاتفاقية رقم ١٩٣ بشأن العمل في اقتصاد المنصات، وهي أول معيار دولي للعمل مخصص لهذا القطاع. وتشمل بعض ضماناتها العاملين عبر المنصات بصرف النظر عن وضعهم التعاقدي، وتتناول المقابل المالي، وحرية التنظيم والمفاوضة الجماعية، وعدم التمييز، والسلامة المهنية، وسبل الانتصاف. وحتى تاريخ إعداد هذه الورقة، لم تكن قاعدة NORMLEX تسجل أي تصديق على الاتفاقية. ووفق المادة ٢٧، تدخل الاتفاقية حيز النفاذ بعد اثني عشر شهرًا من تسجيل تصديق دولتين عليها.
تنظم المادتان ١٠ و١١ جانبًا من المقابل والشفافية. فتقرر المادة ١٠ دفع المقابل كاملًا وفي موعده، وتلزم بالنسبة إلى العمال في علاقة عمل بضمان الحد الأدنى للأجر ورد المصروفات المرتبطة بالعمل. وتطلب من الدول النظر في مد ضمان الحد الأدنى للأجر إلى العاملين عبر المنصات الذين لا تربطهم علاقة عمل. كما تكفل المادة ١١ حصول العامل على معلومات واضحة وفي الوقت المناسب عن المقابل والخصومات. وتضيف المادة ١٣ حقه في معرفة الأنظمة الآلية التي تراقبه أو تقيمه أو تتخذ قرارات تؤثر في شروط عمله أو فرص حصوله على العمل.
وتضيف المواد ١٤ إلى ١٦ ضمانات تتعلق بالأنظمة الآلية والبيانات. فتدعو المواد إلى استخدامها بما يتفق مع الحقوق الأساسية، وتتيح للعامل طلب تفسير مكتوب لبعض القرارات السلبية المهمة، وتقرر في حالات معينة إمكان مراجعة قرارات مثل عدم الدفع أو تعليق الحساب أو إلغائه. كما تلزم بتحديد أغراض معالجة بيانات العامل وتقر حقوقًا في الوصول إليها وتصحيحها وحذفها.
مع ذلك، لا تمنح الاتفاقية العامل صراحة حقًا في معرفة الأجور التي عُرضت على عمال آخرين لمهام مماثلة، أو معرفة وسيط هذه الأجور وتوزيعها. كما لا تحظر صراحة استخدام سجل قبول العامل للعروض لاستنتاج مدى استعداده لقبول سعر أقل. لذلك تعزز الاتفاقية حق العامل في معرفة أجره وكيف تؤثر الأنظمة الآلية فيه، لكنها لا تسد بالكامل فجوة قابلية مقارنة الأجر التي تناقشها هذه الورقة. وسيعتمد مدى سد هذه الفجوة على التشريعات الوطنية وآليات التفتيش والمفاوضة الجماعية.
الاتحاد الأوروبي
ينظم توجيه العمل عبر المنصات الأوروبي استخدام الأنظمة الآلية في إدارة العمال. وتشمل قواعده القرارات التي تؤثر في الدخل، وتسعير المهام، وتوزيع العمل. ويلزم المنصات بإبلاغ العمال وممثليهم بالأنظمة المستخدمة، وفئات البيانات التي تعالجها، والقرارات التي تؤثر فيها، مع اشتراط رقابة بشرية وتقييم دوري لبعض آثار هذه الأنظمة وإتاحة تفسير ومراجعة لبعض القرارات المهمة. ويجب على الدول الأعضاء نقل التوجيه إلى قوانينها الوطنية بحلول ٢ ديسمبر ٢٠٢٦، لذلك لا تعد جميع أحكامه مطبقة بالطريقة نفسها في كل دولة قبل اكتمال هذا النقل.
ويضع التوجيه قيودًا على البيانات التي يمكن استخدامها في الإدارة الخوارزمية. فيحظر، من بين أمور أخرى، معالجة البيانات المتعلقة بالحالة العاطفية أو النفسية، والمحادثات الخاصة، وبعض البيانات التي تجمع خارج وقت العمل، والبيانات المستخدمة للتنبؤ بممارسة حقوق أساسية مثل النشاط النقابي. كما يحظر استنتاج بعض البيانات الحساسة، مثل الأصل العرقي والمعتقدات والإعاقة والصحة والعضوية النقابية. لكنه لا يحظر صراحة مؤشرات مثل الفقر أو الديون أو تاريخ قبول الأجور المنخفضة، لذلك تظل إمكانية استخدام بيانات تكشف هشاشة العامل بحاجة إلى معالجة مستقلة.
أما قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي فيركز على مخاطر الأنظمة نفسها. ويصنف بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي المستخدمة في التوظيف وإدارة العمال وتوزيع المهام ومراقبة الأداء باعتبارها عالية المخاطر، ويفرض عليها متطلبات تتعلق بإدارة المخاطر وجودة البيانات والتوثيق والرقابة البشرية. لكن هذه المتطلبات لا تحسم وحدها عدالة سياسة الأجر؛ فقد يكون النظام دقيقًا وموثقًا، بينما يطبق قاعدة أجور غير عادلة.
وتكمل هذه القواعد توجيه شفافية الأجور، لكن لكل نص نطاقًا مختلفًا. فتوجيه المنصات ينظم البيانات والقرارات الآلية، وتوجيه شفافية الأجور يتيح المقارنة في إطار المساواة في الأجر بين النساء والرجال، بينما ينظم قانون الذكاء الاصطناعي مخاطر الأنظمة وحوكمتها.
محاولة كولورادو
تكشف تجربة ولاية كولورادو الأمريكية محاولة تشريعية مباشرة لتنظيم الأجور الفردية المبنية على بيانات العمال. فقد سعى مشروع قانون ٢٠٢٥ إلى حظر استخدام أنظمة آلية تحلل بيانات مستمدة من مراقبة العامل أو الاستدلال على خصائصه وسلوكه لتحديد أجر فردي له. وكان تعريف بيانات المراقبة يشمل بيانات عن الخصائص الشخصية والسلوك والقياسات الحيوية، لكنه لم يصبح قانونًا بعد أن قررت اللجنة القضائية في مجلس النواب تأجيله إلى أجل غير مسمى في ٢٢ أبريل ٢٠٢٥.
عاد المشرعون في مشروع ٢٠٢٦ بصياغة أكثر تفصيلًا. حظر المشروع استخدام خوارزميات تجعل بيانات المراقبة عاملًا مؤثرًا في تحديد أجر فردي، لكنه استثنى الفروق التي تعتمد فقط على أقدمية العامل أو طبيعة المهام التي يؤديها، بشرط الكشف للعامل عن البيانات المستخدمة وكيف تؤثر في تحديد الأجر. كما ألزم مستخدمي هذه الأنظمة بوضع إجراءات تسمح للعامل بمعرفة البيانات المجمعة عنه وتصحيحها أو الاعتراض عليها. وأقر مجلسا الولاية المشروع قبل أن ينقضه الحاكم في ٢ يونيو ٢٠٢٦، فلم يدخل حيز القانون.
تقترب هذه الصياغة من التمييز الذي تقترحه الورقة بأنه ليس كل تخصيص للأجر غير مشروع؛ فقد يكون الفرق مبررًا إذا استند إلى الخبرة أو طبيعة العمل، بينما تظهر المشكلة في استخدام بيانات عن سلوك العامل أو ظروفه لتحديد ما يمكن أن يقبل به. كما تبين التجربة أهمية ألا يقتصر التنظيم على حظر أنواع محددة من البيانات، بل أن يلزم المنصة بتبرير صلة كل عامل مستخدم بالعمل، والكشف عن البيانات المؤثرة، وتمكين العامل من تصحيحها والطعن فيها. وفي الوقت نفسه، يوضح فشل المشروعين أن تحويل هذا المبدأ إلى حظر قانوني نافذ يظل محل خلاف حول حدود التخصيص المشروع والاستثناءات التي ينبغي السماح بها.
حدود الحماية القانونية للعامل من التسعير الفردي في مصر
يفتح قانون العمل المصري رقم ١٤ لسنة ٢٠٢٥ مجالًا لحماية بعض العاملين عبر المنصات إذا ثبت أنهم يعملون لقاء أجر ولصالح صاحب عمل وتحت إدارته أو إشرافه. فالمادة ٩٦ لا تحصر «أنماط العمل الجديدة» في العمل عن بعد أو المرن، بل تسمح بإضافة صور أخرى، بينما تقرر المادة ٩٧ سريان حقوق العمل التقليدية عليها، ومنها الحد الأدنى للأجر والمفاوضة الجماعية والحرية النقابية. وتسمح المادة ٩٩ بإثبات علاقة العمل بجميع طرق الإثبات. كما يلزم القانون صاحب العمل بالاحتفاظ ببيانات وسجلات تتعلق بأجر العامل وما يطرأ عليه.
لكن القانون لا يحدد صراحة كيف يثبت الإشراف عندما تمارسه المنصة عبر تحديد السعر، وترتيب فرص العمل، والتقييم، أو التحكم في الوصول إلى المهام. وحتى إذا ثبتت علاقة العمل، لا يمنح القانون العامل حقًا واضحًا في معرفة ما عُرض على غيره مقابل عمل مماثل، ولا يضع قواعد خاصة لاستخدام بياناته السلوكية في تحديد الأجر. لذلك تحتاج الحماية إلى اعتبار تحكم المنصة في السعر والتقييم والوصول إلى العمل من القرائن التي يمكن الاستناد إليها لإثبات الإدارة أو الإشراف، مع إلزامها بالاحتفاظ ببيانات تسمح بتفسير فروق الأجر ومقارنتها.
ويوفر قانون حماية البيانات الشخصية رقم ١٥١ لسنة ٢٠٢٠ مدخلًا آخر، إذ يشترط أن يكون جمع البيانات ومعالجتها لأغراض مشروعة ومحددة ومعلنة، ويقرر حقوقًا في الوصول إلى البيانات وتصحيحها والاعتراض على بعض صور معالجتها. ويمكن لهذه القواعد أن تساعد العامل على معرفة البيانات التي تحتفظ بها المنصة عنه، لكنها لا تحدد متى يكون استخدام هذه البيانات في تحديد الأجر مشروعًا، ولا تمنحه حقًا في مقارنة أجره بأجور العمال الآخرين. وتحتاج هذه الفجوة إلى قواعد خاصة بالاستنتاجات التي تؤثر في الأجر، وإلى سجلات توضح البيانات المستخدمة وأثرها في تحديد المقابل.
أما قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية رقم ٣ لسنة ٢٠٠٥ فيتناول قوة السوق والممارسات التي تقيد المنافسة. وقد تصبح هذه القواعد ذات صلة إذا تمتعت منصة بقوة كبيرة في شراء خدمات العمل أو التحكم في وصول العمال إلى الطلب. لكن القانون لا يضع إطارًا خاصًا لقوة المشتري في سوق العمل، ولا يعالج كل فرق فردي في الأجر، كما لا يمنح العامل بيانات مقارنة مباشرة. لذلك يحتاج تطبيقه على أسواق العمل المنصي إلى إدماج أثر قوة المنصة على شروط شراء العمل، وإلى تنسيق أوضح بين جهاز حماية المنافسة والجهات المختصة بالعمل والبيانات.
تكمن الفجوة المصرية في أن كل قانون يعالج جزءًا مختلفًا من المشكلة. فقانون العمل يحمي الأجر عندما تثبت علاقة العمل، وقانون البيانات ينظم جمع معلومات العامل واستخدامها، وقانون المنافسة يمكن أن يتدخل عندما تتحول قوة السوق إلى قيد على المنافسة. لكن لا يوجد إطار يجمع هذه الجوانب عندما تستخدم المنصة بيانات العامل لتحديد مقابل فردي مع غياب حقه في معرفة موقع هذا المقابل بين عروض العمل المماثلة والطعن في سبب اختلافه.
٦. شروط حماية قابلة للإنفاذ
يمكن صياغة المبادئ التي تقترحها الورقة في قاعدة عدم تسعير هشاشة العامل. والمقصود بها منع المنصة من خفض الأجر أو حجب فرصة أفضل اعتمادًا على بيانات تكشف حاجة العامل إلى الدخل أو استعداده السابق لقبول مقابل أقل.
قاعدة لمشروعية البيانات المستخدمة
يمكن التمييز بين ثلاثة أنواع من البيانات. أولًا، بيانات لا تقيس قيمة العمل، مثل تاريخ قبول العامل للعروض المنخفضة أو استنتاج دخله وديونه؛ وينبغي ألا تستخدم لخفض أجره. ثانيًا، عوامل مرتبطة مباشرة بالمهمة، مثل المؤهل والخبرة والمسؤولية والخطر والمسافة، ويمكن استخدامها إذا طبقت وفق قاعدة واحدة على العمال الذين يؤدون أعمالًا قابلة للمقارنة. ثالثًا، بيانات قد يتغير معناها بحسب استخدامها، مثل سرعة الاستجابة والموقع ونوع الجهاز وتوقيت النشاط؛ فلا ينبغي استخدامها.
ولا يكفي وضع قائمة ثابتة بالبيانات المحظورة، لأن النظام يستطيع استنتاج المعلومة نفسها من مؤشرات أخرى. لذلك ينبغي أن يخضع استخدام كل نوع من البيانات لاختبار يحدد الغرض منه، وصلته المباشرة بالعمل، ومدى ضرورته، وإمكان تحقيق الغرض بوسيلة أقل مساسًا بحقوق العامل. ويجب إخضاع أي بيانات تُستخدم لخفض الأجر لتدقيق خاص عندما تشير إلى حاجة العامل إلى الدخل أو ضعف قدرته على رفض العرض، من دون أن ترتبط بقيمة المهمة.
معلومات يمكن استخدامها فعليًا
سبق أن بينت الورقة ضرورة تمكين العامل من مقارنة عرضه بعروض الأعمال المماثلة قبل القبول. ويضاف إلى ذلك ضرورة الاحتفاظ بسجل يمكن الرجوع إليه بعد انتهاء المهمة، يتضمن العرض الذي ظهر للعامل، ووقت ظهوره وقبوله، والمقابل النهائي والخصومات، وأهم العوامل التي أثرت فيه. ويجب الاحتفاظ بهذه السجلات طوال المدة اللازمة لتقديم الشكاوى أو المطالبات، ووقف حذفها عند وجود نزاع أو تحقيق حتى لا يختفي الدليل بتحديث النظام.
ولا يحتاج الجميع إلى الدرجة نفسها من الوصول إلى البيانات. يحصل العامل على المعلومات اللازمة لفهم عرضه والاعتراض عليه. ويحصل ممثلو العمال والنقابات على بيانات مجمعة تكشف توزيع الأجور والعروض والعوامل المستخدمة من دون تحديد هوية الأفراد. أما الجهة الرقابية أو المدقق المستقل فينبغي أن تتمكن عند الحاجة من فحص السجلات وطريقة عمل النظام والعوامل المؤثرة في القرار. ولا يجوز استخدام حماية الأسرار التجارية لمنع الجهة المختصة من التحقق من سبب اختلاف الأجر.
تدقيق وإنفاذ جماعي
ينبغي إخضاع الأنظمة التي تستطيع تغيير الأجر أو فرص الوصول إلى العمل لتدقيق مستقل قبل استخدامها وعلى فترات منتظمة وبعد التعديلات الجوهرية. ويفحص التدقيق ما إذا كانت عوامل تحديد الأجر مرتبطة بالعمل، وما إذا كانت تنتج فروقًا منتظمة بين عمال يؤدون أعمالًا قابلة للمقارنة. وينبغي أن يشارك ممثلو العمال في تحديد المسائل التي يفحصها التدقيق، وأن تحصل الجهة الرقابية على البيانات والمنهج الكاملين، مع نشر نتائج عامة لا تكشف بيانات الأفراد.
وعندما يقدم العامل أو ممثله قرائن معقولة على وجود فرق غير مفسر في الأجر، ينبغي أن تنتقل إلى المنصة مسؤولية تقديم السجلات وشرح أسباب الفرق، لأنها الطرف الذي يسيطر على هذه المعلومات. وإذا امتنعت من دون مبرر عن تقديمها، يمكن للقانون أن يرتب على ذلك قرينة ضدها. وتشمل سبل الانتصاف دفع فروق الأجر المستحقة، وتصحيح البيانات، وتعويض الضرر، ووقف استخدام النظام غير المشروع في تحديد المقابل.
كما يجب أن يكون الاعتراض ممكنًا من داخل التطبيق وخارجه، ومن دون تكلفة، مع مراجعة بشرية للقرارات المهمة. وينبغي حظر خفض العروض أو تجميد الحساب أو تقليل فرص العمل بسبب الشكوى أو تبادل معلومات الأجر أو النشاط النقابي. فالعامل قد لا يُفصل رسميًا، لكن يمكن معاقبته بخفض عدد المهام التي تظهر له، ولذلك يجب أن تشمل الرقابة تغير حجم العمل المتاح بعد الاعتراض.
أرضية تمنع اختبار الحاجة
لا تكفي الشفافية إذا كان السعر الأساسي نفسه منخفضًا إلى درجة تجبر العامل على القبول. بالنسبة إلى من تثبت لهم علاقة عمل، تطبق ضمانات الحد الأدنى للأجر ووقت العمل والمصروفات وفق القانون المختص. ولا يدخل كل انتظار أو انتقال تلقائيًا في وقت العمل، لكن أساس احتسابه يقوى عندما تفرض المنصة وجود العامل أو تقيد حريته خلال هذا الوقت، كما تظهر مسألة وقت الإتاحة في قضية أوبر البريطانية.
أما العاملون عبر المنصات المصنفون قانونًا كعاملين لحسابهم الخاص أو متعاقدين مستقلين، فلا تضمن لهم الاتفاقية رقم ١٩٣ الحد الأدنى للأجر مباشرة، لكنها تلزم الدول بالنظر في مد حماية الحد الأدنى المقررة للعاملين في علاقة عمل إليهم. وتقترح هذه الورقة قاعدة أوسع تضمن حدًا أدنى فعليًا للمقابل يأخذ في الحسبان الوقت والتكاليف الضرورية لأداء المهمة. ولا يمنع هذا الحد زيادة المقابل بسبب الخبرة أو المسؤولية أو الخطر، بل يمنع المنصة من خفضه إلى مستوى يستفيد من حاجة العامل إلى الدخل أو ضعف قدرته على رفض العرض.
ويمكن للجهات العامة والشركات الكبيرة التي تشتري خدمات عبر المنصات أن تفرض هذه الضمانات في عقودها. فقد تشترط حدًا أدنى للمقابل، والإفصاح عن سلسلة المتعهدين، وحظر استخدام مؤشرات الحاجة في التسعير، وحق تدقيق يشمل المتعهدين الفرعيين. تكتسب هذه الشروط أهمية خاصة عندما يعمل الشخص عبر منصة لحساب مؤسسة أخرى لا يتعامل معها مباشرة.
لا تسعير لهشاشة العامل
تكشف قابلية مقارنة الأجر ما لا يستطيع العامل معرفته من عرضه الفردي: هل حصل على مقابل مختلف بسبب العمل نفسه، أم لأن النظام عامله بطريقة مختلفة؟ ويصبح هذا السؤال أكثر أهمية عندما تجمع المنصة بيانات عن قبول العمال ورفضهم وتستخدم معرفتها بالسوق بينما لا يملك العامل معرفة مماثلة.
لا تكفي معرفة كيفية عمل الخوارزمية إذا كانت القاعدة التي تنفذها غير عادلة. المعيار هو سبب اختلاف الأجر، يجوز أن يزيد المقابل بسبب المهارة أو المسؤولية أو الخطر، لكن لا ينبغي أن ينخفض لأن البيانات تشير إلى أن عاملًا بعينه أكثر حاجة إلى المال أو أقل قدرة على رفض العرض. هنا يقع الحد الذي يقترحه مبدأ «لا تسعير لهشاشة العامل».
تحتاج حماية هذا الحد إلى ثلاثة عناصر مترابطة تشمل قدرة العامل على مقارنة عرضه، وإلزام المنصة بتبرير البيانات التي تستخدمها، ووجود حماية جماعية ورقابية تستطيع فحص النظام ووقف الاستخدام غير المشروع. عندئذ يصبح اختلاف الأجر قرارًا يمكن تفسيره والطعن فيه، لا نتيجة لا يعرف العامل لماذا ظهرت له ولا كيف تقارن بما عُرض على غيره.
خاتمة
لا تكمن مشكلة التسعير الفردي في مجرد اختلاف الأجر بين مهمة وأخرى أو بين عامل وآخر، فقد تكون بعض الفروق مبررة بالمهارة أو المسؤولية أو الخطر أو تكلفة أداء المهمة. تبدأ المشكلة عندما تدخل معرفة المنصة بالعامل نفسه في تحديد ما يعرض عليه، بحيث يصبح سلوكه السابق أو درجة اعتماده على العمل أو استعداده للقبول مصدرًا يمكن استخدامه لتخفيض المقابل. ولا تثبت الحالات التي تناولتها الورقة أن جميع المنصات تمارس هذا النوع من التسعير، لكنها تظهر أن البنية اللازمة له موجودة بالفعل في أشكال مختلفة: تخصيص الحوافز، وربط المقابل بالتقييم، وتغيير الأسعار استجابة لقبول العمال ورفضهم، واستخدام أنظمة تجمع بيانات واسعة عن أدائهم وسلوكهم.
يزيد أثر هذه القدرة لأن العامل لا يرى عادة سوى عرضه الخاص. فإذا اختلف المقابل بين حساب وآخر، لا يستطيع الفرد وحده معرفة ما إذا كان الفرق مرتبطًا بالمهمة أم بالبيانات التي تعرفها المنصة عنه. لذلك تصبح قابلية مقارنة الأجر ضرورية لتطبيق الحق في الأجر المنصف والمساواة في الأجر عن العمل المتساوي القيمة، وهي تتطلب تمكين العمال من معرفة موقع عروضهم بين عروض الأعمال القابلة للمقارنة، والعوامل التي تفسر الفروق بينها. وتمنح هذه المعرفة العمال أيضًا قدرة جماعية على اكتشاف الاتجاهات التي لا تظهر في حساب فردي، والتفاوض على القواعد التي تحدد المقابل بدل التعامل مع كل عرض باعتباره واقعة منفصلة.
تكشف القواعد القانونية التي تناولتها الورقة أن عناصر الحماية موجودة لكنها موزعة بين مجالات مختلفة. تنظم بعض القواعد الأجر، وأخرى البيانات والقرارات الآلية، وأخرى شفافية الأجور أو قوة السوق، من دون أن تنشئ جميعها حقًا واضحًا للعامل في معرفة سبب اختلاف عرضه ومقارنته بعروض العمل المماثلة. وتظهر هذه الفجوة بوضوح في مصر، حيث يمكن لقانون العمل وقانون حماية البيانات وقانون المنافسة أن يوفر كل منها جزءًا من الحماية، لكن لا يوجد إطار يعالج استخدام بيانات العامل في تحديد مقابل فردي ويمنحه في الوقت نفسه الوسائل اللازمة لاكتشاف الفرق والطعن فيه.
يقترح مبدأ «لا تسعير لهشاشة العامل» حدًا لهذه السلطة. لا يمنع المبدأ المنصة من استخدام عوامل ترتبط فعلًا بقيمة العمل، لكنه يرفض تحويل حاجة العامل إلى الدخل أو ضعف قدرته على الرفض إلى سبب لدفع مقابل أقل. ويتطلب إنفاذ هذا الحد أن تظل فروق الأجر قابلة للمقارنة والتفسير، وأن تحتفظ المنصات بسجلات يمكن فحصها، وأن يتمكن العمال وممثلوهم والجهات الرقابية من الاعتراض على استخدام البيانات غير المرتبطة بالعمل. فكلما ازدادت قدرة المنصة على معرفة السعر الذي قد يقبله كل عامل، ازدادت الحاجة إلى ضمان ألا تتحول هذه المعرفة إلى وسيلة لانتزاع العمل بأقل سعر تسمح به ظروفه الشخصية. يجب أن يظل الأجر قابلًا للتبرير بما يقدمه العامل وما تتطلبه المهمة، لا بما تعرفه المنصة عن اللحظة التي يصبح فيها غير قادر على الرفض.