كيف تقوض سياسات تسعير الإنترنت في مصر الحق في الوصول؟

مقدمة

في عام 2023، دعا المفوض السامي لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة، في خطاب وجّهه إلى مجلس حقوق الإنسان، إلى دعم الوصول الشامل إلى شبكة الإنترنت باعتباره أحد حقوق الإنسان. ورغم وجود توافق واسع في أدبيات المنظمة الدولية وهيئاتها، وكذلك لدى عدد من ممثلي الدول، حول ضرورة الاعتراف بهذا الحق، فإن عددًا محدودًا فقط من دول العالم قد أقرّه رسميًا وألزم نفسه من خلال تشريعاته بضمان تحققه لمواطنيه.

وربما يعود أحد أسباب التعثر في الاعتراف الدولي بالحق في الوصول إلى الإنترنت، برغم الإقرار المتزايد بأنه أصبح من الضرورات الأساسية للحياة اليومية، إلى كون خدمات الإنترنت في مختلف أنحاء العالم سلعة تخضع لقوانين العرض والطلب في سوق يُعد الأسرع نموًا مقارنة بسائر القطاعات الاقتصادية الربحية الأخرى. ومن ثم، فثمة مصالح متجذرة لعدد من الفاعين الذين يتنامى نفوذهم يومًا بعد يوم تتعلق بالحفاظ على الطابع التجاري البحت لخدمات الوصول إلى الإنترنت.

لا تختلف مصر عن غيرها من دول العالم من حيث معدلات النمو المرتفعة لقطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وارتفاع معدلات ربحيته، كما لا تختلف من حيث خضوع الوصول إلى الإنترنت فيها لمقتضيات السوق والسعي إلى تعظيم الأرباح. ورغم الترويج المستمر لمعلومة غير دقيقة تفيد بأن مصر تُعد من بين الدول التي تقدم خدمات الإنترنت بأسعار منخفضة مقارنة بغالبية الدول الأخرى، فإن أسعار هذه الخدمات المتاحة تجاريًا تتجاوز القدرات المالية للغالبية العظمى من المصريين.

تعرض وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بيانات تُظهر الزيادة الكبيرة والمطردة في أعداد المشتركين بخدمات الإنترنت من عام إلى آخر. وعلى الرغم من هذه الزيادة، لا يوجد اهتمام حقيقي بما إذا كانت هذه الاشتراكات في حد ذاتها تمثل وصولًا ذا معنى إلى الإنترنت، وأن ما يحصل عليه المواطنون من خلالها يغطي الاحتياجات الفعلية التي تفرضها الحياة اليومية بشكل متزايد في العصر الرقمي.

تناقش هذه الورقة سياسات تسعير وتقديم خدمات الوصول إلى الإنترنت في مصر من منظور ينحاز بصورة كاملة إلى ضرورة تمتع المصريين بحقهم في وصول عادل وذو معنى إلى الإنترنت، في وقت أصبح فيه هذا الحق الضمانة الأساسية لتمكينهم من التفاعل مع عالم رقمي يتطور بوتيرة متسارعة. وتطرح الورقة سؤالًا محوريًا مفاده: هل تتيح سياسات تسعير خدمات الوصول إلى الإنترنت في مصر وصولًا عادلًا وذا معنى لجميع المصريين، على اختلاف فئاتهم الاجتماعية، أم أنها تمثل عائقًا حقيقيًا وربما رئيسيًا أمام تمتعهم بهذا الحق؟

للإجابة عن هذا السؤال تبدأ الورقة بتقديم أداة عملية لقياس مدى تمتع الأفراد بالحق في الوصول إلى الإنترنت، ثم تناقش سؤالها الرئيسي من خلال استعراض واقع سياسات تسعير خدمات الإنترنت في مصر. بعد ذلك، تقارن الورقة أسعار هذه الخدمات في عدد من دول العالم، مستخدمة مقاربات متعددة لربط تلك الأسعار بمستويات دخول الأفراد والأسر في مصر وفي هذه الدول. كما تناقش إمكانية تحديد حدود عملية يمكن من خلالها قياس مدى تمتع المصريين بالحق في الوصول إلى الإنترنت.

وتتناول الورقة كذلك عددًا من العوامل التي تسهم في ارتفاع أسعار خدمات الوصول إلى الإنترنت في مصر، سواء تلك المتعلقة بسياسات التسعير المعلنة أو بالعوامل الواقعية المرتبطة بطبيعة السوق المصري والممارسات الاحتكارية السائدة فيه. وأخيرًا، تقدم الورقة مجموعة من المقاربات الهادفة إلى تجاوز عائق تسعير خدمات الوصول إلى الإنترنت، بما يتيح توفير هذا الوصول باعتباره حقًا ضروريًا من حقوق المواطنين.

كيف يمكن قياس التمتع الكافي بالحق في الوصول إلى الإنترنت؟

ثمة دائمًا سبل للحكم على مدى تمتع مواطني أي دولة بحقوق مثل حرية التعبير أو الحق في الخصوصية وغيرها من الحقوق. ويعتمد ذلك عادة على فحص القوانين السارية التي تحمي هذه الحقوق، ومدى شمولها وفعاليتها، وكذلك على تقييم مستوى الالتزام بتطبيقها، إلى جانب رصد معدلات انتهاكها. وفي المحصلة، تتوافر في الغالب شواهد يمكن الاستناد إليها في هذا التقييم، وهي نادرًا ما تكون محل خلاف في خطوطها العامة.

يختلف الأمر عند تناول الحق في الوصول إلى الإنترنت، حيث تبرز صعوبة حقيقية في التوافق على الشواهد التي يمكن من خلالها الحكم على مدى تمتع مواطني الدول المختلفة بهذا الحق. ويعود ذلك إلى غياب توافق حول ما يمكن اعتباره وصولًا كافيًا إلى الإنترنت، وهو ما يرتبط بدوره بعدم وضوح الأغراض التي ينبغي أن يحققها هذا الوصول حتى يُعد كافيًا.

على جانب آخر، تثار إشكاليات تتعلق بإمكانية ترجمة الأغراض العملية للوصول إلى الإنترنت إلى مؤشرات رقمية قابلة للرصد والقياس. فعلى سبيل المثال، يظل التساؤل مطروحًا حول ما إذا كان تحقيق هذه الأغراض يُقاس بحد أدنى لعدد ساعات الاتصال بالشبكة، أم بحجم البيانات المستهلكة خلال فترة زمنية محددة، أم بغير ذلك من المعايير، فضلًا عن التساؤل بشأن مدى ضرورة أخذ سعة الاتصال في الاعتبار.

وفي محاولة للإجابة عن هذه التساؤلات، تطرح إحدى الدراسات المعنية بمفهوم «الاتصال ذو المعنى بالإنترنت» أربعة عوامل رئيسية لتقدير ما إذا كان الوصول المتاح إلى الإنترنت يمثل وصولًا ذا معنى، أي يحقق فعليًا الحق في الوصول إلى الإنترنت. وتتمثل هذه العوامل في: الحصول على سرعة اتصال مناسبة، وحيازة أجهزة ومعدات ملائمة، وتوافر قدر كافٍ من البيانات، إلى جانب الاستخدام المنتظم للإنترنت.

في هذا السياق، ينبغي التنبه إلى أن هذه العوامل ترتبط ارتباطًا وثيقًا بتطور أنماط الاستخدام اليومي للإنترنت على مستوى العالم، وهو تطور أسهم في ترسيخ معايير دنيا لتجربة التعامل مع المحتوى عبر الإنترنت. ومن أبرز هذه التطورات خلال السنوات الأخيرة هيمنة المحتوى المرئي، ولا سيما مقاطع الفيديو، على جزء كبير من المحتوى المتداول، وهو ما يجعل سرعة نقل البيانات عامل حاسم عند تقييم مدى تحقق وصول ذي معنى إلى الإنترنت. كما يفرض هذا التطور حدودًا دنيا لاستهلاك البيانات، تحكمها القدرة على الاطلاع على قدر معقول من هذا المحتوى.

من جهة أخرى، أدى اتساع استخدام الإنترنت في مختلف أنشطة الحياة اليومية إلى تزايد الحاجة إلى وصول منتظم ومستمر إلى الشبكة. وبناءً على ذلك، تخلص الدراسة المشار إليها إلى أن تحقق الوصول ذي المعنى إلى الإنترنت يتطلب اتصالًا غير محدود بسرعة لا تقل عن 10 ميجابت في الثانية. وعلى سبيل المثال، يمكن اعتبار الوصول ذا معنى متحققًا في حال امتلاك الفرد هاتفًا ذكيًا متصلًا بالإنترنت عبر شبكة الجيل الرابع (4G).

هل تسمح أسعار وسياسات تقديم خدمات الإنترنت في مصر بوصول كاف إلى الشبكة؟

أسعار خدمات الاتصال بالإنترنت في مصر

تُقدَّم خدمات الاتصال بالإنترنت في مصر حاليًا من خلال أربع شركات رئيسية، هي الشركة المصرية للاتصالات، المملوكة للدولة والمالكة للبنية التحتية لشبكات الاتصالات، إلى جانب شركات فودافون وأورانج واتصالات مصر. وتوفر هذه الشركات خدمات الاتصال بالإنترنت عبر خطوط الهاتف الأرضي أو من خلال شبكات الألياف الضوئية (الفايبر). كما تقدمها عبر شبكات الهاتف المحمول، والتي تعتمد في الغالب على تكنولوجيا الجيل الرابع (4G)، مع استمرار استخدام الجيل الثالث (3G) في بعض المناطق.

تعتمد الشركات الأربع سياسة تسعير متقاربة تقوم على تقديم باقات محددة من حيث سرعة الاتصال وسعة الاستهلاك، أي الحد الأقصى لاستهلاك البيانات المقاس بالجيجابايت. ولا تقدم أي من هذه الشركات خدمة اتصال غير محدود فعليًا بالإنترنت، رغم ما تذكره في مواقعها الرسمية من أن الاتصال يستمر بسرعة أقل بعد استهلاك الحد الأقصى للبيانات المتعاقد عليها. ويُلاحظ التزام الشركات بسياسة تسعير متشابهة، بحيث لا تختلف الباقات المطروحة إلا من حيث تنوعها أو من خلال إضافة بعض الخدمات الترفيهية، مثل إتاحة الوصول المجاني إلى منصات بث محلية أو دولية.

وفيما يتعلق بخدمات الإنترنت عبر شبكات الهاتف المنزلي الثابت، يصعب التمييز بين الشركات الأربع من حيث جودة الخدمة، نظرًا لاعتمادها جميعًا على الشبكة نفسها والتجهيزات ذاتها التي توفرها الشركة المصرية للاتصالات. وعلى النقيض من ذلك، تختلف الشركات من حيث النطاق الجغرافي وجودة التغطية عند تقديم خدمات الإنترنت عبر شبكات الهاتف المحمول، إذ تمتلك كل شركة شبكتها الخاصة وأبراج تقوية الإرسال التابعة لها.

تقدم الشركات الأربع باقات اتصال بسرعات مختلفة، وتتفق جميعها على هذه السرعات وكذلك على طريقة عرضها، حيث تستخدم تعبير «تصل إلى … ميجابت في الثانية». ويعني هذا عمليًا أن السرعة الفعلية للاتصال قد تقل عن السرعة المعلنة، وهو ما يرجع إلى عوامل تقنية، إضافة إلى سياسات تشغيلية غير معلنة تلجأ إليها الشركات لإتاحة الخدمة لعدد من المشتركين قد يتجاوز السعة الكلية المتاحة لها. وتتراوح السرعات المعلنة حاليًا بين 30 ميجابت و200 ميجابت في الثانية.

تختلف أسعار باقات الإنترنت المنزلي عن تلك المقدمة عبر الهاتف المحمول، إذ تعتمد سرعة الاتصال في خدمات الهاتف المحمول على نوع الشبكة المستخدمة، بينما تتفاوت أسعار باقات الإنترنت المنزلي وفقًا لكل من سرعة الاتصال والحد الأقصى لاستهلاك البيانات. وفي الحد الأدنى، تُطرح باقة إنترنت منزلي بسرعة تصل إلى 30 ميجابت في الثانية وبحد أقصى للاستهلاك يبلغ 140 جيجابايت شهريًا مقابل 210 جنيه مصري، وذلك قبل احتساب ضريبة القيمة المضافة البالغة 14%. وبإضافة الضريبة، يصل السعر النهائي للمستهلك إلى 239.4 جنيه، أي ما يعادل نحو 5 دولارات أمريكية.

في المقابل، تُعد أسعار باقات الإنترنت عبر الهاتف المحمول أعلى بفارق كبير مقارنة بخدمات الإنترنت المنزلي. وتقدم الشركات هذه الباقات باستخدام وحدة الميجابايت بدلًا من الجيجابايت، بما يتناسب مع ارتفاع التكلفة. وتبلغ أصغر الباقات المتاحة حدًا أقصى للاستهلاك قدره 781 ميجابايت مقابل 13 جنيهًا، أو 14.82 جنيهًا بعد احتساب ضريبة القيمة المضافة، وتكون صالحة لمدة 28 يومًا.

بمقارنة أسعار الإنترنت المحمول بأسعار الإنترنت المنزلي، يتبين أن متوسط تكلفة استهلاك البيانات عبر شبكات الهاتف المحمول يعادل نحو مائة ضعف التكلفة المقابلة عبر الإنترنت المنزلي. ويعني ذلك أن استهلاك حجم بيانات مماثل لأصغر باقات الإنترنت المنزلي (140 جيجابايت) من خلال شبكات الهاتف المحمول قد يصل فعليًا إلى نحو 3200 جنيه، أو 3648 جنيهًا بعد إضافة ضريبة القيمة المضافة. وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن شركات الاتصالات في مصر لا تطرح باقات إنترنت للهاتف المحمول تتجاوز 62,500 ميجابايت، ويبلغ سعر هذه الباقة 585 جنيهًا.

وعلى الرغم من الارتفاع الكبير في تكلفة الاتصال بالإنترنت عبر شبكات الهاتف المحمول مقارنة بخدمات الإنترنت المنزلي، فإن هذا النمط من الاتصال يظل الأكثر استخدامًا وشيوعًا في مصر. فوفقًا للبيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، يبلغ عدد مستخدمي الإنترنت عبر شبكات الهاتف المحمول نحو 91 مليون مستخدم، مقابل نحو 12.5 مليون مشترك في خدمات الإنترنت المنزلي. ويعكس هذا التفاوت اعتماد قطاع واسع من المواطنين على الإنترنت المحمول، رغم تكلفته المرتفعة، سواء بسبب غياب بدائل ميسورة التكلفة أو نتيجة عدم توافر خدمات الإنترنت المنزلي بصورة منتظمة لدى شرائح واسعة من السكان. ومن ثم، تكتسب سياسات تسعير خدمات الوصول إلى الإنترنت أهمية خاصة عند تقييم مدى إتاحة الوصول الفعلي والمنتظم إلى الإنترنت، وما إذا كان هذا الوصول يحقق شروط الوصول العادل وذي المعنى.

مقارنة أسعار خدمات الاتصال بالإنترنت في مصر ببقية دول العالم

يقدم موقع «جلوبال ريلوكيت» (Global Relocate) مقارنة بين دول العالم من حيث أسعار خدمات الاتصال بالإنترنت عبر شبكات الهاتف المحمول، استنادًا إلى متوسط سعر الجيجابايت من البيانات. ووفقًا لتقديرات الموقع، تأتي مصر في الترتيب رقم 61 من حيث تكلفة الجيجابايت (من الأقل إلى الأعلى تكلفة)، بمتوسط سعر يبلغ 0.65 دولار أمريكي، أي نحو 30.87 جنيهًا مصريًا، مع متوسط سرعة اتصال يقدر بنحو 25.11 ميجابت في الثانية.

وبحسب الموقع ذاته، تتصدر دول مثل فيجي وإيطاليا قائمة الدول الأقل تكلفة، حيث يُقدَّر سعر الجيجابايت في كل منهما بنحو 0.09 دولار أمريكي. وتضم قائمة الدول العشر الأولى دولًا متباينة من حيث مستويات الدخل القومي ودرجات التنمية، من بينها دول منخفضة ومتوسطة الدخل مثل باكستان والهند وكمبوديا، إلى جانب دول مرتفعة الدخل مثل إيطاليا وفرنسا.

على الطرف المقابل، أي بين الدول العشر الأعلى تكلفة للجيجابايت، يمكن ملاحظة عوامل واضحة تفسر ارتفاع الأسعار، إذ تشمل هذه القائمة مناطق نائية مثل جزر الفوكلاند، ودولًا تعاني من نزاعات مسلحة واضطرابات أدت إلى تدمير بنيتها التحتية، مثل اليمن، فضلًا عن دول تعاني من فقر شديد وضعف كبير في البنية التحتية، مثل زيمبابوي وجنوب السودان وجمهورية إفريقيا الوسطى. ومع استبعاد هذه الحالات ذات الظروف الخاصة، تشغل دول مثل الإمارات العربية المتحدة وكندا والولايات المتحدة مراكز متقدمة من حيث ارتفاع التكلفة، بأسعار تبلغ على التوالي 4.61 و5.37 و6 دولارات للجيجابايت.

تشير قراءة هذه القوائم إلى عدم وجود علاقة مباشرة وبسيطة بين مستوى ثراء الدولة أو حجم دخلها القومي ونصيب الفرد منه من جهة، وأسعار خدمات الوصول إلى الإنترنت من جهة أخرى. إذ يتأثر السعر النهائي لهذه الخدمات بمجموعة واسعة من العوامل الاقتصادية والتنظيمية والتقنية. غير أن ما يظل حاسمًا عند تقييم العلاقة بين أسعار الإنترنت والحق في الوصول إليه هو مدى ما تمثله هذه الأسعار من عبء على الغالبية العظمى من المواطنين، وهو أمر يرتبط بالدخل الفعلي للأفراد والأسر. ومن ثم، فإن الاكتفاء بمقارنة السعر الرسمي للخدمة في مصر بنظيره في دول أخرى لا يُعد مؤشرًا كافيًا للحكم على مدى تمتع المصريين بالحق في الوصول إلى الإنترنت مقارنة بمواطني تلك الدول.

توجد عدة أدوات إحصائية تُستخدم لقياس مستويات الدخل السائدة في دول العالم المختلفة. ويُعد متوسط نصيب الفرد من الدخل القومي أكثر هذه الأدوات شيوعًا وأبسطها من حيث الحساب، إذ يُحتسب بقسمة إجمالي الدخل القومي على عدد السكان. إلا أن هذا المؤشر، رغم شيوعه، يُعد من أكثرها بعدًا عن تمثيل الواقع الفعلي للدخل، نظرًا لتجاهله التفاوت الكبير في توزيع الدخول داخل المجتمع.

في المقابل، تُستخدم أدوات أخرى مثل متوسط الأجور أو عائد العمل في القطاعات المختلفة. ومن بين هذه الأدوات، يُعد الوسيط الحسابي للدخل من المؤشرات الأقرب إلى تمثيل الدخل الفعلي، إذ يعبر عن مستوى الدخل الذي يحصل نصف السكان على أقل منه بينما يحصل النصف الآخر على أكثر منه، متجنبًا بذلك بعض الإشكاليات المرتبطة بمتوسطات الدخل، وإن لم يخلُ بدوره من بعض القصور.

يقدم موقع «ورلد بوبيوليشن ريفيو» (World Population Review) ترتيبًا لدول العالم وفقًا للوسيط الحسابي للدخل السنوي. ووفقًا لهذه البيانات، يبلغ الوسيط الحسابي للدخل في مصر نحو 1,455 دولارًا سنويًا، في حين يبلغ نصيب الفرد من الدخل القومي نحو 19,094 دولارًا. وينبغي الإشارة إلى أن حساب الوسيط الحسابي للدخل يقتصر عادة على الأفراد أصحاب الدخول أو المعيلين، وهو ما يكتسب أهمية خاصة في السياق المصري، حيث تعتمد الغالبية العظمى من الأسر على معيل واحد، في حين يبلغ متوسط عدد أفراد الأسرة نحو أربعة أفراد.

باستخدام البيانات الصادرة عن المصدرين المشار إليهما، يمكن مقارنة نسبة تكلفة خدمات الإنترنت إلى الدخل بين مصر وعدد من الدول الأخرى. ولإضفاء معنى عملي على هذه المقارنة، تستخدم المقارنة تكلفة استهلاك 100 جيجابايت من البيانات في مقابل الدخل الشهري. ففي مصر، يُقدَّر سعر 100 جيجابايت من الاتصال بالإنترنت عبر شبكات الهاتف المحمول بنحو 65 دولارًا، في حين يبلغ الدخل الشهري الوسيط نحو 121.25 دولارًا، أي أن تكلفة الإنترنت تمثل نحو 53% من هذا الدخل. ويوضح الجدول التالي مقارنة هذه النسبة بعينة متباينة من الدول، بعضها قريب من مصر من حيث مستوى الدخل، وبعضها ينتمي إلى دول مرتفعة الدخل أو إلى دول تختلف من حيث مستوى أسعار خدمات الإنترنت.

الدولةالدخل الوسيطسعر 100 جيجا بابتالنسبة
مصر121.256553%
فرنسا1364.33201%
باكستان116.581210%
الولايات المتحدة1608.8360037%
المغرب226.336328%

كما أوضحت الورقة سابقًا، فإن الأسعار المستخدمة في هذه المقارنة تعكس خدمات الاتصال بالإنترنت عبر شبكات الهاتف المحمول. وفي المقابل، يقدم الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) خريطة مقارنة لأسعار خدمات الإنترنت عبر الشبكات الثابتة أو الأرضية، إلا أنها تعتمد على مقارنة هذه الأسعار بمتوسط نصيب الفرد من إجمالي الدخل المحلي، وهو مؤشر لا يعكس بدقة الدخل الفعلي للأفراد. كما تعتمد هذه الخريطة على مستوى استهلاك يبلغ 5 جيجابايت شهريًا، وهو تقدير منخفض ولا يعكس الاستخدام الطبيعي للبيانات. ومع ذلك، يوضح الجدول التالي النسب التي توردها هذه الخريطة لنفس الدول، وذلك لأغراض المقارنة.

الدولةنسبة سعر 5 جيجا بابت إلى متوسط نصيب الفرد من الدخل المحلينسبة سعر 100 جيجا بايت
مصر2.52 %50.4 %
فرنسا0.94 %18.8 %
باكستان4.04 %80.8 %
الولايات المتحدة0.76 %15.2 %
المغرب3.04 %60.8 %

يصعب الاعتماد على العروض التجارية لباقات الإنترنت في الدول المختلفة لأغراض المقارنة المباشرة، نظرًا للتفاوت الكبير في السرعات المتاحة، فضلًا عن أن أغلب الدول تقدم خدمات الإنترنت على أساس الوصول غير المحدود، على عكس مصر التي تعتمد على باقات محددة السرعة وسعة الاستهلاك. ومع ذلك، يمكن الاستعانة ببعض الأمثلة التوضيحية من الدول المذكورة سابقًا.

فعلى سبيل المثال، تعرض شركة «أورانج» الفرنسية، التي تقدم خدمات الإنترنت الأرضي في مصر وفرنسا والمغرب، باقات إنترنت في فرنسا بسرعات تصل إلى 8 جيجابت في الثانية، بأسعار شهرية تتراوح بين نحو 28 يورو (33 دولارًا) و45 يورو (53 دولارًا)، وهو ما يعادل نسبة تتراوح بين 2.4% و3.88% من الدخل الوسيط في فرنسا.

كما تعرض الشركة باقات إنترنت في المغرب بسرعة 50 ميجابت في الثانية مقابل 349 درهمًا مغربيًا (نحو 14.65 دولارًا)، أي ما يمثل نحو 6.47% من الدخل الوسيط هناك. وفي المقابل، يبلغ الحد الأدنى لسعر باقة الإنترنت الأرضي في مصر، بحد أقصى للاستهلاك قدره 140 جيجابايت وسرعة تصل إلى 30 ميجابت في الثانية، نحو 239.4 جنيهًا (قرابة 5 دولارات)، أي ما يعادل نحو 4.12% من الدخل الوسيط.

كملاحظة أخيرة، يشير بحث الدخل و الإنفاق الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في أحدث إصداراته الصادرة في سبتمبر 2021 إلى أن متوسط الدخل السنوي للأسرة المصرية يبلغ نحو 69,100 جنيه، أي ما يعادل قرابة 5,758 جنيهًا شهريًا. ويُعد هذا الرقم قريبًا إلى حد كبير من تقدير الدخل الوسيط المستخدم في المقارنات السابقة، وهو ما يشير إلى أن البيانات الصادرة عن الجهات الرسمية في مصر لا تختلف إلا بدرجة محدودة عن التقديرات التي استندت إليها هذه الورقة.

الحق في الوصول إلى الإنترنت في ظل الأسعار التجارية للخدمة في مصر

ناقشت هذه الورقة أسعار خدمات الوصول إلى الإنترنت في مصر، وقارنتها بأسعار الخدمة في عدد من الدول المتباينة حول العالم، كما استخدمت المقارنة بالدخل الوسيط في مصر في مقابل هذه الدول. غير أن السؤال الجوهري يظل قائمًا حول كيفية الربط بين ما تعكسه هذه الأرقام والنسب المقارنة، وبين الحق في الوصول إلى الإنترنت، في ضوء تعريف هذا الحق بوصفه وصولًا ذا معنى.

من حيث المبدأ، يتعارض وجود حد أقصى للاستهلاك الشهري في جميع باقات الإنترنت المتاحة تجاريًا في مصر مع شرط الوصول المنتظم إلى الشبكة، الذي يُعد أحد المكونات الأساسية للوصول ذي المعنى إلى الإنترنت. ولتقدير حجم الاستهلاك اليومي من البيانات اللازم لتحقيق هذا النوع من الوصول، يمكن الاستعانة بمعدلات استهلاك البيانات المرتبطة باستخدام المواقع والتطبيقات الأكثر شيوعًا في مصر وعلى المستوى العالمي، كما يوضحها الجدول التالي.

الموقعمتوسط استهلاك البيانات خلال ساعة من التصفح
تيك توك300 ميجا بايت إلى 1.8 جيجا بايت
فيسبوك50 ميجا بايت إلى 1 جيجا بايت
يوتيوب80 ميجا بايت إلى 1.5 جيجا بايت (باستبعاد خيارات الجودة الفائقة لعرض الفيديو)
الوب60 إلى 80 ميجا بايت

يمكن تقدير أن تطبيقات ومواقع الخدمات الأكثر استخدامًا لشراء السلع وخدمات نقل الركاب (مثل أوبر وكريم)، إلى جانب تطبيقات التواصل الشخصي (مثل واتساب وماسنجر وتيليجرام)، تستهلك البيانات بمعدلات تقع ضمن النطاقات المشار إليها في الجدول، في حين تميل خدمات البث المرئي، مثل مشاهدة الأفلام والمسلسلات، إلى الاقتراب من الحد الأعلى لهذه المعدلات.

وبوجه عام، فإن الاستخدام المتقطع للإنترنت على مدار اليوم، والذي يمكن تقديره بنحو ثلاث إلى خمس ساعات يوميًا للفرد، يستلزم استهلاك بيانات يتراوح بين 2.4 و4 جيجابايت يوميًا، إذا ما اعتُمد متوسط استهلاك يبلغ نحو 800 ميجابايت في الساعة، وهو متوسط يراعي التفاوت بين أنماط الاستخدام المختلفة. وبناءً على ذلك، فإن استهلاك البيانات اليومي لأسرة مكونة من أربعة أفراد، وهو متوسط عدد أفراد الأسرة في مصر، يتراوح بين 9.6 و16 جيجابايت يوميًا، أي ما يعادل نحو 288 إلى 480 جيجابايت شهريًا.

يترتب على هذا المستوى من الاستهلاك تكلفة شهرية، وفقًا لباقات الحد الأدنى من السرعة المتاحة تجاريًا في مصر، تتراوح بين نحو 570 جنيهًا (نحو 650 جنيهًا بعد احتساب ضريبة القيمة المضافة) و850 جنيهًا (نحو 969 جنيهًا بعد الضريبة). وتمثل هذه التكلفة نسبة تتراوح بين 11.2% و16.8% من متوسط الدخل الشهري للأسرة المصرية، وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المشار إليها سابقًا. وينبغي في هذا السياق التنبه إلى أن دخول غالبية الأسر المصرية تقل بالضرورة عن هذا المتوسط. بالتالي، تشير هذه المؤشرات مجتمعة إلى أن مستوى الاستهلاك اللازم لتحقيق وصول ذي معنى إلى الإنترنت يقع عمليًا خارج القدرات المالية لقطاع واسع من الأسر المصرية.

هذه الحقيقة يؤيدها التفاوت الكبير بين نسبة تكلفة خدمات الإنترنت إلى الدخل الوسيط ما بين مصر وبين دول مثل فرنسا والولايات المتحدة برغم أن أسعار الخدمة كأرقام مطلقة أعلى كثيرًا في هذه الدول. ويزداد هذا التباين دلالة إذا ما أُخذ في الاعتبار أن تكلفة توفير خدمات الإنترنت في تلك الدول أعلى مما هي عليه في مصر، نتيجة ارتفاع متوسط الأجور وتكاليف الإنشاءات والتصنيع مقارنة بالسياق المصري.

في هذا الإطار، تجدر الإشارة إلى أن عائدات بيع خدمات الإنترنت في مصر تتجاوز، بحسب التقديرات المتاحة، إجمالي الاستثمارات العامة المخصصة لقطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بعدة أضعاف، وهو وضع يثير تساؤلات مشروعة بشأن معدلات الربحية المتحققة من تقديم هذه الخدمات مقارنة بدول أخرى. ورغم عدم توافر إحصاءات دولية تفصيلية حول هذا الجانب، فإن النمو المتسارع لقطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في مصر، وكونه من بين القطاعات الأعلي نموًا خلال الأعوام الماضية، يشير إلى ارتفاع معدلات الربحية في هذا القطاع.

العوامل المؤثرة في أسعار خدمات الإنترنت في مصر

تكاليف الحاجة إلى تطوير شبكات الاتصالات

بحسب ما أعلنته الجهات الرسمية بشأن موازنة الدولة في مصر للعام المالي 2025–2026، خصصت الحكومة نحو 13 مليار جنيه مصري للاستثمارات العامة في قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات ضمن هذه الموازنة. ويُوجَّه جزء مهم من هذه الاستثمارات إلى أعمال البنية التحتية المرتبطة بخدمات الوصول إلى الإنترنت. وقد شهد هذا القطاع خلال السنوات الماضية مستويات مرتفعة من الإنفاق الحكومي، نتيجة التوسع المتسارع في أنشطته والحاجة المستمرة إلى تطوير البنية التحتية لمواكبة هذا التوسع. كما لا يمكن إغفال أن شبكات الاتصالات في مصر كانت، ولا تزال، في حاجة إلى عمليات إحلال وتجديد تفرضها متطلبات نقل البيانات بسرعات متزايدة، ويأتي في مقدمة هذه العمليات استبدال الشبكات المعتمدة على الكابلات النحاسية بأخرى قائمة على كابلات الألياف الضوئية (الفايبر)، وهي عملية لم تكتمل حتى الآن.

في هذا السياق، يبرز تساؤل مشروع حول مدى تغطية عائدات اشتراكات المواطنين في خدمات الوصول إلى الإنترنت لهذا الإنفاق الاستثماري. فوفقًا للبيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، بلغ عدد اشتراكات خدمات الإنترنت عبر شبكات الهاتف المحمول في مصر أكثر من 91 مليون اشتراك بنهاية عام 2025، في حين بلغ عدد اشتراكات الإنترنت عبر خطوط الهاتف الثابت نحو 12 مليون اشتراك.

وعلى افتراض أن جميع هذه الاشتراكات تندرج ضمن الفئة الدنيا ذات أقل تكلفة شهرية للخدمة، فإن إجمالي ما يدفعه مستخدمو الإنترنت في مصر من اشتراكات شهرية يتجاوز، وفق هذا الافتراض، إجمالي المخصصات العامة لاستثمارات قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بعدة أضعاف، وهو ما يطرح تساؤلات إضافية حول هيكل تسعير الخدمة وعلاقته بتكاليف تطوير البنية التحتية وحق المواطنين في الوصول العادل إلى الإنترنت.

احتكار تطوير البنية التحتية وإتاحة استخدامها

تحتكر الدولة، من خلال الشركة المصرية للاتصالات المملوكة لها، ملكية البنية التحتية للاتصالات في مصر، ويشمل ذلك شبكات الاتصالات وجميع التجهيزات والمعدات المرتبطة بها. وتقوم الشركة المصرية للاتصالات بإتاحة استخدام هذه البنية التحتية للشركات العاملة في قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات نظير مقابل مالي تحدده الشركة. ولا يُسمح لشركات القطاع الخاص، سواء المحلية أو الدولية، بإنشاء شبكات اتصالات مستقلة، على عكس ما هو معمول به في عدد من الدول الأخرى، وغالبًا ما يُبرَّر هذا التوجه باعتبارات تتعلق بالأمن القومي.

يترتب على هذا الإطار التنظيمي نشوء ديناميكية تُقيد إلى حد كبير مبدأ التنافسية في سوق خدمات الإنترنت في مصر، إذ لا تتوافر مساحة حقيقية للتنافس بين الشركات فيما يتعلق بتكلفة البنية التحتية، التي تمثل مكوّنًا رئيسيًا من إجمالي تكلفة الخدمة. وتعتمد جميع الشركات العاملة في السوق على ما تتيحه الشبكات المملوكة للدولة من حيث السرعات القصوى وحدود استهلاك البيانات، وهو ما يحد من قدرة أي منها على تقديم خدمات تختلف عن الأخرى من حيث الكم أو الجودة. ويُضاف إلى ذلك أن الشركة المصرية للاتصالات تُعد في الوقت ذاته أحد مقدمي خدمات الإنترنت، أو بعبارة أصح، هي أكبر مقدمي خدمات الإنترنت في مصر من حيث قاعدة المشتركين، وهو ما يضعها في موقع تنافسي مميز مقارنة ببقية الشركات العاملة في السوق.

ممارسات الاحتكار التضامني

يُقصد بالاحتكار التضامني الحالة التي يتقاسم فيها عدد محدود من الشركات السيطرة على سوق سلعة أو خدمة بعينها، بحيث لا تتنافس فيما بينها بصورة فعلية، بل تتقارب أو تتوافق على تبني سياسات موحدة لتسعير السلعة أو الخدمة، وكذلك على طبيعة المزايا التي تقدمها للعملاء. ولا يختلف هذا النمط من حيث أثره على المستهلك عن الاحتكار التقليدي، الذي تسيطر فيه شركة واحدة على السوق وتتمتع بقدرة واسعة على فرض الأسعار بما يحقق لها أعلى معدلات ربح ممكنة.

وفيما يتعلق بسوق خدمات الإنترنت في مصر، يمكن رصد مظاهر واضحة لممارسات الاحتكار التضامني، حيث تطرح شركات تقديم الخدمة باقات متشابهة إلى حد كبير من حيث الأسعار والسرعات وحدود الاستهلاك، بما يجعل نطاق المفاضلة بينها محدودًا. وفي كثير من الحالات، تنحصر أوجه الاختلاف الأساسية بين هذه الشركات في مستوى كفاءة خدمة العملاء أو جودة الدعم الفني. وضمن هذا الهامش المحدود من التنافس، تحظى الشركة المصرية للاتصالات بالنصيب الأكبر من المشتركين، مستفيدة من تكامل دورها بوصفها مالكة للبنية التحتية ومقدمة للخدمة في الوقت ذاته، وهو ما يتيح لها قدرة أكبر على التعامل مع الأعطال الفنية بصورة أسرع مقارنة ببقية الشركات العاملة في السوق.

فرض ضريبة القيمة المضافة على خدمات الوصول للإنترنت

تفرض الدولة في مصر ضريبة القيمة المضافة على خدمات الوصول إلى الإنترنت بنسبة 14% من سعر الخدمة، وهو ما يؤدي عمليًا إلى زيادة التكلفة النهائية التي يتحملها المستخدمون. وتُعد ضريبة القيمة المضافة من الضرائب غير المباشرة على الاستهلاك، التي يقع عبؤها النسبي بدرجة أكبر على ذوي الدخول المحدودة، خاصة عند فرضها على خدمات أساسية واسعة الاستخدام.

وفي ظل التحول المتسارع نحو الاعتماد على الإنترنت في مختلف شؤون الحياة اليومية، بما يشمل العمل والتعليم والحصول على الخدمات العامة والتواصل الاجتماعي، فإن إخضاع خدمات الإنترنت لهذه الضريبة يسهم في رفع أسعارها، ويزيد من الأعباء المالية التي يتحملها المواطنون، بما قد يقوض فرص الوصول العادل والمنتظم إلى الشبكة، ويؤثر سلبًا على التمتع بالحق في الوصول إلى الإنترنت.

سبل تجاوز عائق سياسات التسعير للحق في الوصول إلى الإنترنت

ضبط ممارسات التسعير وسياسات تقديم الخدمة

تُظهر مناقشة سياسات تسعير خدمات الوصول إلى الإنترنت في مصر أن هذه السياسات تؤدي، في واقعها العملي، إلى فرض أسعار يصعب اعتبارها عادلة، لا سيما عند النظر إلى الفجوة بين التكلفة الفعلية لتقديم الخدمة وسعرها التجاري. ولا يبدو من الممكن تبرير هذا المستوى من الأسعار بالاستناد إلى الإنفاق المطلوب على تطوير البنية التحتية للاتصالات، إذ تشير الأرقام المعلنة للاستثمارات العامة في قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات إلى مستويات تقل بدرجة واضحة عن إجمالي الإيرادات المتحققة من بيع خدمات الإنترنت، حتى عند احتساب هذه الإيرادات في حدها الأدنى. ويشير ذلك إلى أن سياسات التسعير المعمول بها حاليًا في مصر تستدعي إعادة نظر جادة، والعمل على ضبطها بما يحقق قدرًا أكبر من التوازن بين مصالح مقدمي الخدمة وحقوق المستخدمين.

يُعد توسيع نطاق التنافسية بين مقدمي خدمات الإنترنت في مصر أحد المسارات الرئيسية لمعالجة هذا الخلل، وذلك من خلال تشجيع دخول مزيد من الشركات إلى هذا القطاع بما يتيح تنوعًا أوسع في العروض والأسعار. ويكتسب هذا التوجه أهمية خاصة في ضوء محدودية عدد مقدمي خدمات الإنترنت في مصر مقارنة بما هو قائم في أغلب دول العالم، على اختلاف مستويات الدخل وطبيعة النظم الاقتصادية فيها.

من جهة أخرى، تبرز الحاجة إلى إعادة تقييم نظام باقات الإنترنت المحددة بحد أقصى للاستهلاك، وهو نظام لم يعد معمولًا به في العديد من دول العالم. إذ يفرض هذا النظام قيودًا إضافية على استخدام الإنترنت في مصر، ويؤدي إلى رفع التكلفة الفعلية للوصول إلى الشبكة بصورة غير مباشرة. كما يقترن في بعض الحالات بممارسات تفتقر إلى الشفافية، من بينها عدم ترحيل حجم البيانات المتبقي عند انتهاء مدة الباقة قبل استهلاكها بالكامل، وهو ما يعني عمليًا أن المستخدم يدفع مقابل بيانات لا يتمكن من الاستفادة منها، الأمر الذي يثير تساؤلات مشروعة بشأن عدالة هذه السياسات وحماية حقوق المستهلكين.

توفير بدائل لذوي الدخل المحدود

تُقدم العديد من الدول بدائل وسياسات تهدف إلى تمكين ذوي الدخل المحدود من الوصول إلى الإنترنت. ويُعد مثال الولايات المتحدة الأمريكية من النماذج البارزة في هذا السياق، إذ تقدم المفوضية الفيدرالية للاتصالات برنامجًا يتيح للأسر التي تستوفي شروطًا محددة الحصول على اشتراكات مخفضة لخدمات الوصول إلى الإنترنت التي تقدمها الشركات التجارية، دون تمييز في مستوى الخدمة أو جودة الاتصال مقارنة ببقية المشتركين. وإلى جانب هذا البرنامج، توجد مبادرات أخرى تتيح للفئات المستحقة الحصول على اشتراكات بأسعار مخفضة من شركات كبرى مثل «إيه تي آند تي» و«كوكس».

يمكن تبني مبادرات مماثلة في مصر، خاصة في ظل وجود فئات اجتماعية يمكن تحديد استحقاقها لمثل هذه التخفيضات بصورة واضحة. وتشمل هذه الفئات، على سبيل المثال، موظفي القطاع الحكومي ضمن حدود معينة للرواتب المثبتة رسميًا، والطلبة في مختلف المراحل التعليمية، لا سيما في ظل تزايد الاعتماد على الإنترنت في تقديم الدروس والمواد التعليمية، إضافة إلى سكان المناطق الريفية والنائية، وكذلك قاطني مناطق الإسكان غير الرسمي في المدن. ويسهم استهداف هذه الفئات في توسيع نطاق الوصول العادل إلى الإنترنت وتقليص الفجوة الرقمية بين فئات المجتمع المختلفة.

الإعفاءات الضريبية الكاملة أو الجزئية

يُعد فرض ضريبة القيمة المضافة على خدمات الإنترنت، من حيث المبدأ، متعارضًا مع الغاية المعلنة لهذه الضريبة، لما يترتب عليه من تحميل الفئات الأقل دخلًا أعباء إضافية، بدلًا من الإسهام في تحقيق قدر من العدالة الاجتماعية. ومن ثم، تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في إخضاع خدمات الإنترنت لهذه الضريبة، والنظر في إعفائها باعتبارها من الضرورات الأساسية للحياة اليومية لعموم المواطنين، ولا سيما في ظل التحول الرقمي المتسارع واعتماد الدولة بصورة متزايدة على الإنترنت في تقديم العديد من الخدمات الحكومية.

من جهة أخرى، إذا ما اعتُمدت معايير محددة لسرعات الاتصال وحدود استهلاك البيانات بوصفها مؤشرات تقريبية على اختلاف مستويات الدخل بين مستخدمي الإنترنت، فيمكن على الأقل إعفاء باقات الإنترنت ضمن الحدود الدنيا من ضريبة القيمة المضافة، مع الإبقاء عليها بالنسبة للسرعات الأعلى والباقات ذات الاستهلاك المرتفع. وفي حال الانتقال إلى نظام الوصول غير المحدود، يظل من الممكن فرض الضريبة على ما يتجاوز حدًا عادلًا من الاستهلاك، وهو ما يمكن تطبيقه من الناحية التقنية دون صعوبات جوهرية.

خاتمة

ينبغي التأكيد على أن هذه الورقة لا تدّعي أن أسعار خدمات الوصول إلى الإنترنت تمثل العائق الوحيد أمام تمتع المصريين بحقهم في الوصول إلى الشبكة، وإنما سعت إلى إظهار أن هذه الأسعار تشكل عائقًا رئيسيًا من بين عدة عوائق قائمة. كما بيّنت الورقة أن هذا العائق يُعد من العوائق القابلة للمعالجة خلال مدى زمني أقصر مقارنة بعوامل أخرى مرتبطة بظروف اقتصادية وبنيوية أوسع، تتطلب تجاوزها وقتًا أطول. ومن ثم، فإن الاقتراب من تحقيق هدف إتاحة الوصول إلى الإنترنت بوصفه حقًا من حقوق المواطنين المصريين يظل أمرًا ممكنًا، إذا ما أُعيد النظر في ممارسات تسعير خدمات الوصول إلى الشبكة، وعُمل على تعديلها وتصحيحها بما يحقق قدرًا أكبر من العدالة والإنصاف.

يكتسب الحق في الوصول إلى الإنترنت في الوقت الراهن أهمية خاصة، إذ لم يعد استخدام الإنترنت مقتصرًا على أغراض ترفيهية أو اختيارية، بل أصبح عنصرًا أساسيًا يتداخل مع مختلف جوانب الحياة اليومية. فقد أفضى التحول الرقمي المتسارع إلى اعتماد واسع على الإنترنت في مجالات العمل، سواء من خلال أنماط العمل عن بُعد أو البحث عن فرص العمل، كما بات التعليم في مراحله المختلفة يعتمد بصورة متزايدة على المنصات الرقمية والمواد التعليمية الإلكترونية. وبالمثل، توسّع استخدام الإنترنت في تقديم الخدمات الصحية، سواء من خلال حجز المواعيد، أو الاستشارات الطبية عن بُعد، أو الوصول إلى المعلومات الصحية الأساسية، فضلًا عن دوره المتنامي في إتاحة الخدمات الحكومية، والتعاملات المصرفية، والتواصل الاجتماعي، والحصول على السلع والخدمات الأساسية.

في هذا السياق، أصبح الوصول إلى الإنترنت شرطًا لازمًا للمشاركة الكاملة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وأداة أساسية لممارسة حقوق أخرى، من بينها الحق في التعليم، والحق في العمل، والحق في الصحة، والحق في الحصول على المعلومات. ومن ثم، فإن ضمان وصول عادل ومنتظم وذي معنى إلى الإنترنت يُعد ضرورة اجتماعية وحقوقية تفرضها طبيعة الحياة المعاصرة، ويغدو التقصير في توفيره عاملًا من عوامل تعميق أوجه عدم المساواة والإقصاء الرقمي بين فئات المجتمع المختلفة.