البيانات البديلة: كيف تعيد التكنولوجيا الرقمية تشكيل الإقراض الاستهلاكي في مصر وتوسع مخاطره؟

القسم:

تاريخ النشر:

مارس 31, 2026

تاريخ النشر:

مارس 31, 2026

مقدمة

ظهر خلال الأعوام الأخيرة عدد متزايد من تطبيقات الهاتف المحمول التي تقدم خدماتها تحت عنوان “اشتر الآن وادفع لاحقًا.” من وراء هذه التطبيقات شركات تعمل في قطاع اقتصادي تم تنظيمه بقانون صدر منذ ما يقرب من ست أعوام فقط. هذا القطاع الاقتصادي الجديد يمارس نشاطًا قديمًا بأدوات جديدة سمحت له بالنمو بمعدلات هائلة في فترة زمنية قصيرة.

الإقراض الاستهلاكي، أي تقديم قروض للأفراد بغرض تمكينهم من شراء السلع والخدمات، هو ممارسة بالغة القدم. وكذلك السعي لاستخدام بيانات مختلفة لتقييم قدرة الأفراد على الوفاء بالالتزامات المترتبة على حصولهم على قروض شخصية. وتسمى هذه البيانات بالبيانات البديلة إشارة إلى كونها بديل عن الاعتماد على البيانات المصرفية التي تستخدمها البنوك لتقييم أهلية المؤسسات والأفراد للحصول على قروض وحدود التسليف التي يمكن توفيرها لهم.

ما تضيفه التكنولوجيا الرقمية إلى هذه الممارسات هو توفير سبل أسهل وأسرع للوصول إلى خدمات الإقراض الاستهلاكي. كما أنها توفر إمكانية أوسع للوصول إلى بيانات تفصيلية ذات حجم كبير حول الأفراد مع إتاحة أدوات للتحليل يمكنها التعامل مع الكم الكبير من البيانات الذي يتم جمعه مما يؤدي إلى أتمتة عملية تقييم أهلية الأفراد للحصول على قروض استهلاكية.

الفرضية التي تطرحها هذه الورقة هي أن استخدام التكنولوجيا الرقمية في جمع ومعالجة ما يسمى بالبيانات البديلة لأغراض الإقراض الاستهلاكي يتخطى مجرد كونها أداة للتيسير والتوسع. وفي السياق المصري، بصفة خاصة، يمكن لهذا الاستخدام أن تكون له آثار بالغة الأهمية والخطورة تمتد من حياة الأفراد إلى أنماط الاستهلاك وصولًا إلى أثر ذلك على وضع العدالة الاجتماعية وعلى بنية الاقتصاد ككل. وتلخص الورقة فرضيتها الرئيسية في عنوان “الاستثمار في الفقر” وهو ما تسعى إلى إيضاح أنه لا يعني فقط استغلال معدلات الفقر المتزايدة لتحقيق مزيد من الأرباح بل أنه يعني أيضًا توسيع دائرة الفقر ومفاقمة حدة لخدمة مصالح السوق الرأسمالي واستمرارية تمدده.

توضح الورقة مفهوم البيانات البديلة والغرض منها، ثم تعرض مصادر هذه البيانات وأدوات معالجتها، وتتوقف أمام إمكانية الانحياز في عمليات جمع ومعالجة البيانات البديلة. كما تقدم صورة عامة لواقع الإقراض الاستهلاكي واستخدام البيانات البديلة فيه في السياق المصري، وتتعرض لكل من تطور ونمو قطاع الإقراض الاستهلاكي في مصر، وما ينظمه القانون من أنشطة هذا القطاع وما يغفله.

تناقش أيضًا الورقة الاستخدام الملتوي لمفاهيم الشمول المالي والعدالة الاجتماعية في إطار الترويج للإقراض الاستهلاكي في مصر. وتتناول إشكاليات خاصة بالسياق المصري تمثل عوامل تفاقم من الآثار السلبية لاستخدام البيانات البديلة ونماذج الذكاء الاصطناعي في قطاع الإقراض الاستهلاكي في مصر. وتركز الورقة على كل من طبيعة سوق العمل ومصادر الدخل، وتذبذب أنماط الاستهلاك، وهشاشة بنية الاقتصاد وتربط كل ذلك لتناقش طرحها لفهم عمل هذا القطاع بوصفه تطبيق لمفهوم الاستثمار في الفقر بجوانبه المختلفة.

ما هي البيانات البديلة وما الغرض منها؟

يمكن لمصطلح البيانات البديلة أن يشير إلى أنواع مختلفة من البيانات حسب السياق الذي يتم فيه جمع ومعالجة هذه البيانات. بصفة عامة يشير تمييز هذا النوع من البيانات بصفة البديلة إلى أنها تقوم مقام البيانات التي يتم جمعها بشكل تقليدي في سياق ما. والغرض العام من البيانات البديلة هو تسهيل أنشطة تعتمد على بيانات من نوع ما ولكن هذه البيانات في الظروف التقليدية إما لا تكون موجودة على الإطلاق أو لا توجد بشكل منتظم أو معبر بالقدر الكافي للوصول إلى المعلومات المراد التحقق منها.

على سبيل المثال إذا كانت أنشطة الإقراض التقليدية تعتمد على السجلات البنكية وتاريخ معاملات الإيداع والسحب على الحسابات البنكية للشخص فلا مجال لتطبيقها على أشخاص ليس لديهم حسابات بنكية أو لا يستخدمون حساباتهم البنكية بشكل منتظم في معاملاتهم المالية الدورية وهو في الواقع الحال السائد للأفراد في مصر.

يُفترض كذلك أن تمتد البيانات البديلة لتشمل بيانات لا تؤخذ تقليديًا في الاعتبار، ويعني هذا التوسع في جمع البيانات حول الأفراد أن تقدم البيانات البديلة صورة أكثر دقة وشمولًا حول السلوك الفردي يمكن الاعتماد عليها بشكل أكثر موثوقية من البيانات التقليدية.

على سبيل المثال، في سياق البيانات المالية يمكن أن تظهر البيانات البديلة مؤشرات لا يمكن ملاحظتها من خلال السجل البنكي للشخص حول قدر التزامه بسداد الأعباء المالية الدورية. كذلك يسمح جمع حجم بيانات أكبر حول الفرد إلى إمكان استخدام أدوات تعتمد في دقتها على وفرة البيانات مثل تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

في الحالة المصرية، ومع وجود سوق بالغ الضخامة نتيجة تعداد السكان، يحول تدني القدرة الشرائية لغالبية هؤلاء السكان دون تحقيق الاستفادة المرجوة من هذا السوق. وقد تفاقم هذا الوضع بصفة خاصة في الأعوام الأخيرة مع انخفاض قيمة الجنيه المصري بمعدلات كبيرة وفي فترة قصيرة مما أدى إلى مزيد من تدني القدرة الشرائية. أدى ذلك الانخفاض بدوره إلى أن مزيدًا من الفئات الاجتماعية التي كانت من بين الأعلى استهلاكًا للسلع والخدمات لم تعد لديها القدرة المالية الكافية للحفاظ على المستويات المعتادة لها من الاستهلاك. وما يعنيه ذلك هو مزيد من الحاجة إلى توفير خدمات الإقراض الاستهلاكي للحد من انكماش الأسواق.

في الوقت نفسه، يترافق مع تدني القدرة الشرائية للغالبية نقص كبير في نسبة الوصول إلى الخدمات البنكية التقليدية. وبالتالي، لا يمكن لخدمات الإقراض التقليدية التي تعتمد على بيانات المعاملات البنكية كمصدر لتحديد ملائمة الأفراد لتلقي قروض استهلاكية أن تساعد على استيعاب أكبر عدد ممكن من المستهلكين في السوق.

مصادر البيانات البديلة وأدوات معالجتها

يشير تقرير للمعهد المصرفي المصري التابع للبنك المركزي إلى أن البيانات البديلة تشمل كل من “أنماط استخدام الهاتف المحمول، المعاملات على المحفظة الرقمية (المحافظ التابعة لشركات الهاتف المحمول)، مدفوعات الإيجارات والمرافق، سلوكيات التسوق على الإنترنت، وحتى مؤشرات التفاعل على شبكات التواصل الاجتماعي.”

وفي المجمل تٌستخدم هذه البيانات لرسم صورة شخصية يمكن من خلالها الحكم على مدى مسؤولية الشخص المعني، ومدى وجاهة خياراته في التعاملات المالية، ومن ثم إلى أي حد يمكن ضمان قدرته واستعداده للالتزام بالأعباء المالية المترتبة على تلقي قرض بحجم معين.

يتطلب الوصول إلى هذه البيانات أن يقدم المستفيد من الخدمة بعضها بنفسه في صورة وثائق ورقية أو رقمية. ويعتمد الوصول إلى البعض الآخر الحصول عليها من أطراف ثالثة، إضافة إلى الحسابات الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي والبيانات التي تحتفظ بها التطبيقات العاملة على الهاتف المحمول للمستفيد من الخدمة. وفي المحصلة، يتخطى حجم البيانات البديلة المستخدمة لأغراض التمويل الاستهلاكي أي حجم للبيانات التي اعتمدت عليها سبل التقييم التقليدية لطلبات الحصول على قروض، ونتيجة لذلك تتطلب معالجة هذه البيانات استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي.

إمكانيات الانحياز في عمليات جمع ومعالجة البيانات البديلة

تعيد نماذج الذكاء الاصطناعي إنتاج الإنحيازات المتضمنة في حزم البيانات التي تعتمد عليها. وتتنوع مثل هذه الانحيازات حيث تشمل الانحيازات الإحصائية، والانحيازات المفهومية، وانحيازات الأحكام المسبقة، وانحيازات الصور النمطية. وفي سياق عمليات معالجة البيانات البديلة لأغراض الإقراض الاستهلاكي تتمثل الانحيازات الإحصائية في قدر البيانات التي يمكن جمعها عن فئات من الأفراد مقارنة بغيرهم.

على سبيل المثال، تختلف أنماط استخدام الأفراد للهاتف المحمول حسب فئاتهم الاجتماعية المختلفة، وكذلك يختلف مدى اعتمادهم على معاملات المحافظ الرقمية ومدى توافر سجلات لمدفوعات الإيجارات والمرافق التي يقومون بها. كما يختلف الأفراد في قدر استخدامهم لخدمات التسوق من خلال الإنترنت، وأخيرًا تتباين تفاعلاتهم من خلال شبكات التواصل الاجتماعي بشكل كبير حسب الفئات الاجتماعية التي ينتمون إليها.

في المحصلة، ثمة تفاوت كبير في قدر البيانات الممثلة لهم من خلال المصادر المشار إليها، وهو ما قد يؤدي إلى استبعادهم فقط لأن قدر المتاح من بيانات ممثلة لهم أقل من الحد الأدنى الذي تحتاجه تطبيقات معالجة البيانات للخروج بنتائج مقبولة حول مدى أهليتهم لتلقي قروضًا بحجم بعينه.

بالإضافة إلى ذلك، تنطوي عمليات جمع ومعالجة البيانات البديلة على انحيازات مفهومية، بمعنى أن مفاهيم مثل العمل الدائم والدخل المستقر والمعاملات المالية الرشيدة تعتمد جميعها على تعريفات ومؤشرات قد تنطبق على ظروف الواقع بالنسبة لفئات اجتماعية بعينها دون غيرها.

يفاقم من ذلك أن ما تعكسه البيانات المتاحة قد يكون في حالات كثيرة جزئيًا ومنقوصًا، ومن ثم لا يعبر عن الواقع بشكل صحيح. وبالتالي، قد لا تنطبق المفاهيم المعتادة على ظروف عمل ومصادر دخل العديد من الفئات ولا على معاملاتهم المالية التي تتوافر عنها بيانات قابلة للاستخدام، وهو ما قد يؤدي بدوره إلى تعرضهم للتمييز وحرمانهم من فرص التمويل الاستهلاكي برغم أنهم واقعيًا مؤهلون للوفاء بالالتزامات المالية المطلوبة.

على جانب آخر، تعد نماذج الذكاء الاصطناعي عرضة بصفة خاصة لانحيازات الأحكام المسبقة والصور النمطية السائدة، حيث أن جانبًا هامًا من البيانات التي تعتمد عليها هو النتائج السابقة لعمليات التقييم التي أجراها متخصصون بشريون. وتنطوي هذه النتائج سواء بشكل متعمد أو تلقائي على عديد من الأحكام المسبقة والصور النمطية السائدة. وينعكس ذلك في صورة إحصائية من حيث معدلات النتائج السلبية لتقييم الأفراد من فئات بعينها في مقابل معدلات النتائج الإيجابية لغيرهم.

على سبيل المثال، قد تنطوي البيانات السابقة على معدلات تقييم سلبية مرتفعة للنساء تعكس صورة نمطية سائدة حول عدم تمتعهن بالمسؤولية في معاملاتهن المالية أو في أحكامهن المتعلقة بالاستهلاك. كذلك قد تنطوي مثل هذه البيانات على معدلات تقييم سلبية بناء على الحالة الاجتماعية لغير المتزوجين أو المطلقين، أو بناء على عدد الأبناء أو ملكية محل السكن وغير ذلك. ويؤثر ذلك بشكل كبير على نماذج الذكاء الاصطناعي التي تعتمد على حزم بيانات تنطوي على مثل هذه الانحيازات بحيث تميل إلى إعادة إنتاجها.

تطور حجم خدمات الإقراض الاستهلاكي المعتمدة على التكنولوجيا الرقمية في مصر

“اشتر الآن وادفع لاحقًا” هو الشعار الدعائي لخدمات الإقراض الاستهلاكي الجديدة في مصر، والتي تعتمد في انتشارها بشكل كبير على تطبيقات الهواتف المحمولة لتصل إلى أكبر عدد ممكن من أفراد فئاتها المستهدفة. هذا التوجه نحو الاعتماد على الهواتف المحمولة لتوفير الخدمة ليس فقط خيارًا تفضيليًا للشركات العاملة في مجال الإقراض الاستهلاكي بل إنه أيضًا توجه تدعمه المؤسسات الرسمية.

في 13 أكتوبر 2024 أصدرت هيئة الرقابة المالية قرارًا بوقف تلقي طلبات التأسيس لنشاط التمويل الاستهلاكي بالطرق التقليدية لمدة عام، واستثنت من الخضوع لهذا القرار الجهات الراغبة في مزاولة هذا النشاط باستخدام مجالات التكنولوجيا المالية. وعلى رغم أن القرار قد نص صراحة على كونه غير قابل للتجديد إلا أن الهيئة مددت العمل به لعام آخر في أكتوبر 2025.

أصدرت السلطة التشريعية القانون رقم18 لسنة2020، والذي تم تحديثه في عام 2022، لتنظيم عمل مقدمي خدمات التمويل الاستهلاكي. وشمل القانون إخضاع مقدمي هذه الخدمات لإشراف هيئة الرقابة المالية بوصفها القائمة على تنفيذ هذا القانون والمنوط بها إصدار القرارات الإدارية ذات الصلة به. كذلك نص القانون على إنشاء كيان لتمثيل مقدمي خدمات الإقراض الاستهلاكي هو الاتحاد المصري للجهات العاملة في مجال التمويل الاستهلاكي.

وفق تصريحات تليفزيونية لرئيس الاتحاد المصري للتمويل الاستهلاكي مؤخرًا فإن سوق التمويل الاستهلاكي ينمو حاليًا بنسبة 50% سنويًا. وقد ارتفع الحجم الإجمالي للتمويل الذي تقدمه الشركات العاملة في هذا النشاط خلال عام واحد (2024-2025) من 47 مليار جنيه إلى 74 مليار جنيه بنهاية أكتوبر 2025. ارتفع أيضًا عدد العملاء في نفس الفترة من 5 إلى 9 ملايين عميل، وتتراوح نسبة التعثر في سداد الالتزامات المالية بين 2% إلى 4%.

تختلف الأرقام الواردة في هذا التصريح عن التي توردها مصادر صحفية اعتمادًا على البيانات الرسمية لهيئة الرقابة المالية، وإن كانت الأخيرة تعكس أيضًا النمو المتسارع لسوق التمويل الاستهلاكي خلال الأعوام الأخيرة بالشكل الموضح بالجدول التالي:

العامقيمة التمويلات (مليار جنيه)نسبة التغير
20208.4
202117.2104.8%
202229.867.4%
202347.358.7%
202461.3 29.6%

ما ينظمه القانون وما يغفله

تتناول مواد قانون تنظيم إنشاء وعمل الجهات العاملة في نشاط التمويل الاستهلاكي كافة الاشتراطات اللازم توافرها في الجهات المتقدمة لطلب الترخيص بمزاولة هذا النشاط، بما في ذلك اشتراط توافر “التجهيزات والبنية التكنولوجية وأنظمة المعلومات اللازمة لمباشرة النشاط وفقًا للمتطلبات التي تحددها الهيئة.” ويعنى القانون بشكل تفصيلي بالاشتراطات المتعلقة بالملاءة المالية للشركات ولضمانات عدم استغلال عملياتها في ممارسات غسيل الأموال أو تمويل الإرهاب.

تتعرض مادة وحيدة من مواد القانون لحقوق العملاء وهي المادة رقم 5 والتي تنص على:

“تلتزم شركات التمويل الاستهلاکی ومديروها ومستشاروها ومقدمو التمويل الاستهلاكي والعاملون لدى أي منهم بالمحافظة على السرية التامة لعملائهم، وعدم إفشاء أي معلومات عنهم أو عن معاملاتهم إلى الغير بدون موافقتهم الكتابية المسبقة وفي حدود هذه الموافقة، وذلك باستثناء الحالات التي يلزم فيها تقديم معلومات محددة وفقًا لما تفرضه القوانين المعمول بها.”

لا يشير القانون إلى أية التزامات للجهات الخاضعة له تجاه حماية البيانات الشخصية في إطارات العمليات التي قد تقوم بها هذه الجهات من جمع أو تخزين أو معالجة أو مشاركة البيانات الشخصية. وينبغي ملاحظة أن عبارات المحافظة على السرية التامة وعدم إفشاء أي معلومات هي عبارات عامة وفضفاضة ولا تشمل متطلبات حماية البيانات.

بصفة خاصة، لا تشمل هذه العبارات أية ضمانات لعدم إساءة استخدام البيانات الشخصية بأي شكل. كذلك لا يشير القانون إلى خضوع الجهات التي ينظم عملها لقانون حماية البيانات الشخصية، حتى بعد التحديث الصادر في 2022 . ويفترض حسب مواد القانون الأخير أن تخضع له الجهات مثل شركات التمويل الاستهلاكي، حيث لا يسري عليها الاستثناء الذي يشمل الجهات الخاضعة لإشراف البنك المركزي.

لا يتعرض كذلك القانون للبرمجيات ونماذج الذكاء الاصطناعي التي يمكن للجهات الخاضعة له استخدامها في عمليات جمع ومعالجة البيانات الخاصة بعملائها. كما أنه لا يشير بأي شكل لأية ضمانات تحول دون الانحياز أو التمييز في عمليات التقييم والتعامل مع العملاء، سواء كان ذلك نتيجة لاستخدام التكنولوجيا الرقمية أو من خلال عنصر بشري.

الإقراض الاستهلاكي والشمول المالي والعدالة الاجتماعية

تقدم الهيئة العامة للرقابة المالية نشرة تعريفية بالتمويل الاستهلاكي على موقعها الرسمي. تذكر هذه النشرة بين عوامل أهمية التمويل الاستهلاكي أنه “أحد الوسائل الرئيسية لتحقيق العدالة الاجتماعية لأنه يتيح للطبقات متوسطة ومحدودة الدخل استخدام الخدمات المالية بدلًا من قصرها على الشركات الكبرى والأفراد ذوي الملاءة المالية.” وتعد نشرة التمويل الاستهلاكي كأحد مكونات “الشمول المالي” والذي تشير إلى أنه “من أركان أهداف التنمية المستدامة التي أقرتها منظمة الأمم المتحدة في دورة الجمعية العامة التاسعة والستين.”

يتناقض خطاب الهيئة العامة للرقابة المالية مع مفهوم العدالة الاجتماعية الذي يتعلق بالأساس بمبدأ التوزيع العادل للثروة وتضييق الفجوة في الدخل بين فئات المجتمع. وهو يتجاهل أن تدني دخول الأفراد بحيث يصعب أو يستحيل عليهم الحصول على السلع والخدمات الضرورية لإعادة إنتاج نمط معيشتهم بشكل طبيعي يعكس في الواقع غيابًا للعدالة الاجتماعية.

إيجاد بديل تترتب عليه أعباء إضافية للوصول إلى هذه السلع والخدمات ينطوي في حد ذاته على تمييز إضافي ضد أصحاب الدخول المحدودة والمنخفضة، لأنهم فعليًا يحصلون على نفس السلع والخدمات بسعر أعلى نتيجة للفوائد المترتبة على حاجتهم للاقتراض لشراء هذه السلع والخدمات.

إضافة إلى ذلك، يتحمل مستخدمو خدمات “اشتر الآن وادفع لاحقًا” تكلفة غير منظورة نتيجة لاستخدام البيانات البديلة في عمليات هذه الخدمات. تتعلق هذه التكلفة باضطرارهم إلى تسليم بيانات شخصية حساسة إلى جهة غير ملزمة عمليًا بحمايتها في ظل البيئة التشريعية الحالية. وكذلك ارتهان قراراتهم المالية بما تقرره عنهم نظم رقمية لمعالجة بياناتهم وتقييم سلوكهم دون أية ضمانات لعدم انطواء عمليات المعالجة والتقييم هذه على انحيازات تؤدي إلى التمييز ضدهم نتيجة لأية انتمائات هوياتية أو أية تصنيفات سلوكية ونفسية لهم.

على جانب آخر، لا يتعلق الشمول المالي بأي مفهوم للعدالة الاجتماعية، وإنما يتعلق تحديدًا بتوسع السوق لاستيعاب الدخول الضئيلة المتاحة للغالبية التي أفقرتها ممارسات هذا السوق، وذلك لحماية الاستثمارات الرأسمالية التي يهددها انكماش السوق نتيجة لعدم قدرة أصحاب الدخول المحدودة والمنخفضة على شراء السلع والخدمات التي يقدمها.


اشكاليات استخدام البيانات البديلة في السياق المصري


طبيعة سوق العمل ومصادر الدخل

يمكن تصنيف الاقتصاد المصري حاليًا بين ما يطلق عليه باقتصادات الهامش. والمقصود هنا هو اقتصادات الدول التي تعتمد درجة شمولها في الاقتصاد العالمي على الحاجة المتغيرة لهذا الاقتصاد إلى التمدد أو الانكماش. والدور الذي تلعبه اقتصادات الهامش هو الحد من عواقب التذبذب بين التمدد والانكماش بالنسبة للاقتصادات المركزية.

ما يترتب على ذلك هو أن الاقتصاد المصري في حالة تذبذب مستمر بين مراحل للنمو ومراحل للانكماش نتيجة للعوامل الخارجية، ويضاف إلى ذلك العديد من العوامل الداخلية التي تفاقم من حدة آثار العوامل الخارجية. وفي المجمل لا يسمح هذا الوضع بتجذر ممارسات اقتصادية مطردة.

يؤدي هذا الوضع إلى عدم إمكان الحفاظ على علاقات عمل مستقرة، وبالتالي إلى ارتفاع كلفة توفير وظائف آمنة. في نفس الوقت شهد الاقتصاد المصري في الأعوام الأخيرة صدمات عديدة نتيجة انخفاض سعر الجنيه وارتفاع معدل التضخم وبالتالي زيادة أعباء المعيشة. ويضع ذلك العمالة في مصر تحت ضغط الحاجة إلى قبول أي فرصة للتوظيف بغض النظر عن توافر أية اشتراطات للأمان الوظيفي.

وفي المحصلة، تتميز الممارسات السائدة في سوق العمل في مصر بعدم النظامية، أي عدم الالتزام بالنصوص القانونية المنظمة لعلاقات العمل بصورة أو بأخرى. ونظرًا إلى أن العمل هو المصدر الرئيسي وغالبًا الوحيد لدخول الغالبية العظمى من المصريين فالطبيعي أن تكون علاقات العمل هي المصدر الرئيسي لأية بيانات ذات صلة بقدراتهم المالية. ولكن في ظل عدم انتظام علاقات العمل التي ينخرط فيها أغلب العاملين في مصر فإن هذه البيانات إما غير مسجلة على الإطلاق أو أن ما هو مسجل منها لا يعكس الواقع.

فعلى سبيل المثال، يعمل الكثيرون في وظائف دائمة عمليًا في حين أن علاقتهم الرسمية كما تعكسها الأوراق بجهات عملهم هي علاقة تعاقد مؤقت. في المقابل، تٌسجِل الأوراق الرسمية لآخرين رواتب شهرية أساسية مختلفة عما يتقاضونه بالفعل لتجنب أعباء التأمينات الاجتماعية.

إلى جانب ما سبق، تعمل نسبة كبيرة من أفراد المجتمع المصري في إطار ما يسمى بالاقتصاد غير الرسمي، وهو اقتصاد يقع بالكامل خارج إطار السجلات الرسمية سواء كانت ورقية أو رقمية. من بين أمثلة العمل بالاقتصاد غير الرسمي عمالة المساعدة المنزلية والباعة الجائلين والعديد من أصحاب الحرف وغيرهم. هؤلاء جميعًا لا يمكن الوصول إلى بيانات حول دخولهم والغالبية العظمى من معاملاتهم المالية.

تذبذب أنماط الاستهلاك

واحدة من أنوع البيانات البديلة التي تعتمد عليها أنشطة التمويل الاستهلاكي أو “اشتر الآن وادفع لاحقًا” هي السلوك الاستهلاكي للفئات المستهدفة. غالبًا ما يكون المصدرالمتاح لهذه البيانات هو تاريخ الشراء من خلال تطبيقات الهاتف المحمول والإنترنت، وهو ما قد لا يمثل في حالة الكثيرين صورة كاملة لسلوكهم الاستهلاكي. في المقابل، يوجد جانبًا آخر يصعب على أدوات التقييم الرقمية أخذه في الاعتبار بشكل صحيح، وهو الطبيعة المتذبذبة لأنماط الاستهلاك السائدة عند المصريين. وتنتج هذه الطبيعة المتذبذبة عن تلاقي عوامل عدة بعضها فقط اقتصادي في حين أن بعضها الآخر اجتماعي وثقافي بالأساس.

على المستوى الدوري المتكرر سنويًا، تشهد أنماط الاستهلاك لدى المصريين ارتفاعات متفاوتة في حجم الاستهلاك تواكب مواسم دينية مثل الأعياد. على جانب آخر، بعض الأحداث الاجتماعية ذات الأهمية الخاصة مثل التحضير للزواج يؤدي إلى ارتفاع بالغ في معدل شراء السلع والخدمات لا يمكن عادة تغطيته إلا بالاقتراض، وفي أحيان كثيرة تكون المخاطرة بالتعثر في السداد كبيرة.

غلبة المتطلبات والضغوط الاجتماعية والثقافية في هذه الحالات على مقتضيات المسؤولية المالية كبيرة إلى حد خلقها لظاهرة اجتماعية كاملة هي ظاهرة الغارمات، وهن نساء اضطررن إلى الاستدانة لتغطية تكاليف الأسرة بأكثر مما تطيق قدرتهن على السداد ودفعن ثمن ذلك بالتعرض للسجن.

استخدام بيانات الاستهلاك والاستدانة وربما بيانات التعرض للملاحقة القضائية والسجن نتيجة الاخفاق في السداد في تقييم ملاءمة الأفراد للحصول على قروض استهلاكية من شأنه أن يؤدي إلى استبعاد كثير من المصريين الذين توحي سجلات سلوكهم الاستهلاكي إن توافرت بعدم المسؤولية المالية. وفي حين أن ذلك قد يعد صحيحًا عمليًا في الحالات الحادة إلا أنه لن يكون دقيقًا عند الحكم على أنماط استهلاك موسمية سنوية تخضع لمقتضيات اجتماعية وثقافية، ولكن نماذج الذكاء الاصطناعي لا يمكنها التمييز بين هذه الحالات.

وينبغي ملاحظة أن التفاوت في معدلات الاستهلاك الموسمية يبدو دائمًا أكثر حدة كلما انخفض معدل الدخل في حين أنه قد لا يكون ملحوظًا بالنسبة لأصحاب الدخول المرتفعة والذين تتميز أنماط إنفاقهم الاستهلاكي بأنها مرتفعة بصفة عامة، كما أنها تظل في حدود قدرتهم الشرائية. ومن ثم فإن إغفال الأسباب الحقيقية لتذبذب أنماط الاستهلاك بهذه الطريقة يعد واحدة من صور التمييز ضد ذوي الدخول المنخفضة والمتوسطة.

البنية الهشة للاقتصاد

المقصود بهشاشة البنية الاقتصادية هو عدم قدرتها على تحمل الصدمات المفاجئة الناتجة عن الظروف الخارجية أو الداخلية غير المتوقعة. تؤدي هذه الهشاشة إلى عدم توفير أي قدر من الحماية لأفراد المجتمع في مواجهة الصدمات ويجعلهم عرضة لاختلالات سريعة وكبيرة في معدلات الدخل والقدرة على الإنفاق والحفاظ على أنماط معيشتهم.

في ظل هذه البنية الهشة للاقتصاد تعد أية التزامات مالية إضافية طويلة الأمد مخاطرة كبيرة بالنسبة لأصحاب الدخول المحدودة والمنخفضة. على سبيل المثال، أدت مجموعة من العوامل الخارجية والداخلية في الأعوام القليلة الماضية إلى انخفاض قيمة الجنيه المصري إلى نصف ما كانت عليه. أثر ذلك الانخاض على الفئات منخفضة ومتوسطة الدخل كان فادحًا، وفي ظل غياب هامش كاف لحماية مخصصات إنفاق هذه الفئات على الضروريات اليومية لحياتهم أدى إنخفاض القيمة الشرائية للجنيه إلى اضطرارهم إلى التخلي على بعض هذه الضرورات.

في ظل انتشار وتوسع خدمات “اشتر الآن وادفع لاحقًا” يحاول كثير من المصريين استعادة نمط معيشتهم من خلال الاقتراض للحصول على ضرورات معيشية حرمتهم منها نسب التضخم الكبيرة في الأعوام الماضية. أقساط سداد هذه القروض تعتمد على أي هامش ضئيل متاح لهذه الفئات اليوم يزيد عن الحد الأدنى لاحتياجاتهم، وما يعنيه ذلك هو أن أية صدمة جديدة ترفع نسبة التضخم إلى أكثر مما هي عليه اليوم ستؤدي حتمًا إلى تعثر عدد كبير من متلقي خدمات التمويل الاستهلاكي في السداد.

عواقب هذا التعثر قد تكون مدمرة لحياة كثيرين. ويرفع الاعتماد على البيانات البديلة ونظم الذكاء الاصطناعي من إمكانيات حدوث مثل هذا السيناريو لأنها ببساطة لا يمكنها أن تأخذ في الاعتبار أثر البنية الهشة للاقتصاد على قدرة المواطنين العاديين على تحمل التزاماتهم المالية.

احتمالات التعثر بالجملة في ظل هشاشة بنية الاقتصاد أيضًا تعني أن قطاع الإقراض الاستهلاكي برمته قد يتحول إلى قنبلة موقوتة يؤدي انفجارها إلى تفاقم أية أزمة جديدة لقيمة العملة المصرية. الحجم الذي نما إليه القطاع والحجم المتوقع أن ينمو إليه في الأعوام القليلة المقبلة يعني أن تحول نسبة كبيرة من التزامات عملائه إلى ديون معدومة سيكون له أثر كبير على الاقتصاد المصري.

ويزيد من إمكانية ذلك اتجاه الشركات العاملة في القطاع إلى إصدار سندات توريق لمحافظها المالية. وبصورة مبسطة يعني ذلك أن تشارك جهات مالية واستثمارية مثل البنوك ومحافظ الاستثمار وصناديق التأمينات والمعاشات في تحمل مخاطر الديون المستحقة لشركات الإقراض الاستهلاكي، ومن ثم تكون عرضة لخسائر كبيرة في حال تعثر سداد هذه الديون.

الاستثمار في الفقر

ليس ثمة تعريف للفقر أكثر وضوحًا ومباشرة من قصور دخل الفرد أو الأسرة عن سداد قيمة السلع والخدمات التي يتطلبها نمط معيشتهم. بخلاف العمل في نشاط تمويل إنشاء وتشغيل منشآت هادفة للربح بأي حجم والذي يمكن وصفه بالاستثمار في تطلع الأفراد إلى تنمية مصادر دخلهم وتحقيق أرباح فإن نشاط التمويل الاستهلاكي لا يمكن وصفه إلا بأنه استثمار في حاجة الأفراد إلى شراء سلع وخدمات ضرورية يقصر دخلهم عن سداد قيمتها بشكل طبيعي. فما تحققه هذه الجهات من أرباح، أي عوائد استثمارها، يقتطع من كلفة إضافية يضطر مستخدمو خدماتهم إلى دفعه فوق نسبة فائدة على القرض تحتسب للتحوط لنسبة التضخم المتوقعة خلال فترة السداد. هذا كله إضافة إلى السعر الأصلي للسلع والخدمات التي يحتاجونها والذي قد يكون في حد ذاته أعلى من المقتضيات الطبيعية لعوامل العرض والطلب.

ومن ثم، ففي أبسط تعريف، له يعد هذا النشاط في معظمه على الأقل استثمارًا في الفقر. وربما ليس أدل على ذلك من أن النمو الكبير لهذا القطاع في مصر كان استجابة لتدني كبير وسريع لقيمة العملة أدى إلى انخفاض القدرة الشرائية لغالبية المصريين إلى النصف.

قد يقدم البعض تعريفًا للتمويل الاستهلاكي على أنه استثمار في التطلعات الاستهلاكية للأفراد التي تتخطى قدراتهم المالية الوقتية ولكنها في حدود قدراتهم المالية عبر فترة زمنية مناسبة. وقد يكون ذلك صحيحًا في سياقات أخرى غير السياق المصري وقد يكون صحيحًا في ذلك السياق لنسبة محدودة من متلقي خدمات هذا القطاع. وكمؤشر لذلك نورد في الجدول التالي أرقامًا تمثل نسب توزيع التمويل الاستهلاكي على أكبر 7 قطاعات استهلاكية مستفيدة منه:

القطاعنسبة نصيبه من التمويل الاستهلاكي
السيارات20.5%
الأجهزة الإلكترونية17.1%
الأجهزة الكهربائية والمنزلية15.9%
السلع الاستهلاكية عبر كارت التمويل12.4%
التشطيبات المنزلية4.1%
الملابس والأحذية والشنط والساعات والمجوهرات والنظارات4%
الأثاث وتجهيزات المنزل2.7%

قد يبدو ما يرد بهذا الجدول لأول وهلة مناقضًا لما طرحته الفقرة السابقة عليه، ولكن مع ملاحظة أن الوارد هنا هو نسبة التمويل، أي المبالع المدفوعة لشراء السلع المذكورة، فإن تحويل هذه النسب إلى نسب للأفراد الحاصلين على التمويل مع وضع سعر الوحدة من السلع المختلفة يعكس حقيقة أن الغالبية العظمى من الحاصلين على تمويل استهلاكي هم في الواقع من استخدموا هذا التمويل لشراء سلع استهلاكية عبر كارت التمويل في حين يمثل من استخدموه لشراء سيارات على سبيل المثال هم أقلية ضئيلة (عدة آلاف على الأكثر بين ملايين العملاء). في الترتيب الثاني تأتي الأجهزة الكهربائية والمنزلية والأجهزة الإلكترونية (الهواتف والحواسيب) والتي تعد من ضرورات نمط معيشة الطبقة المتوسطة وبنسبة متزايدة الطبقات الأقل دخلًا أيضًا نتيجة متطلبات الحياة اليومية السائدة اليوم.

الاستثمار في الفقر له وجه آخر يتمثل في أن ممارسة الإقراض الاستهلاكي على نطاق واسع ومؤثر في السوق يؤدي بالضرورة إلى مزيد من الفقر. فهو من ناحية يضع على المستهلكين أعباءً أضافية فوق السعر الأصلي للسلعة أو الخدمة المشتراة تتضمن تكاليف الخدمة المقدمة وهامش الربح الذي يستهدفه مقدم الخدمة إضافة إلى نسبة التحوط للتضخم. وفي حال استهداف توريق محفظة الديون ثمة أيضًا هامش للربح يقتطع بعضه من أرباح مقدم الخدمة (مقابل استرداده للتمويل وسرعة دوران الأموال المستثمرة) ولكن يضاف البعض الآخر إلى الأعباء التي يتحملها المستهلك.

ولكن أثر نمو هذا النشاط، عند وصوله إلى حجم إجمالي مؤثر في مجمل سوق الاستهلاك، لا يقتصر فقط على الحاصلين على خدماته بل يمتد إلى غيرهم ممن لا يحصلون عليها بطريق غير مباشر. فهو في الحقيقة يشكل طلبًا غير واقعي على السلع والخدمات يؤدي إلى ارتفاع أسعارها، ومن ثم إلى دفع نسب التضخم.

وبناء على حجم سوق التمويل الاستهلاكي، قد يؤدي إلى تحويل قدر من المدخرات المودعة في البنوك إلى الانفاق الاستهلاكي، وفي حين يمكن للبنوك استرداد هذه الإيداعات من خلال عمليات التوريق بحيث تتحول نفس المدخرات المستوجبة لدفع أرباح لأصحابها إلى ديون يتقاضى البنك فائدة عليها فإن أصحاب هذه الإيداعات يتحولون من دائنين إلى مدينين.

وفي الواقع يمثل ذلك أحد الأوجه غير الظاهرة للتطبيق العملي الحقيقي لمفهوم الشمول المالي. ففي هذا التطبيق يعني الشمول المالي استيعاب أكبر قدر ممكن من الأموال الموجودة في صورة مبالغ نقدية صغيرة في التداول اليومي، أو في صورة إيداعات صغيرة ذات كلفة مرتفعة نسبيًا، في منظومة الأموال المجمعة بأحجام كبيرة في القطاع البنكي والمتاحة لسوق الاستثمار الرأسمالي.

خاتمة

في إطار هذه الصورة التي طرحتها الورقة تلعب البيانات البديلة والتكنولوجيا الرقمية دورًا هامًا لحماية الاستثمارات الموجهة للتمويل الاستهلاكي وخفض حجم المخاطرة فيها، ومن ثم فهي ضرورية لعمل ماكينة مهمتها هي استخراج الهامش الضئيل من الأموال الذي لا يزال في أيدي الفئات الأقل دخلًا في المجتمع واستيعابه في السوق لتحقيق مزيد من الأرباح. وفي السياق المصري، يتضاعف أثر هذه الماكينة بفعل هشاشة البنية الاقتصادية، وعدم انتظام سوق العمل، وضعف الأطر التشريعية الحاكمة لحماية البيانات والحد من التمييز، بما يجعل الأفراد عرضة لأعباء مالية متزايدة وممارسات رقمية تفتقر إلى الشفافية والمساءلة. ومن ثم، فإن التعامل مع هذه الظاهرة يستدعي إعادة نظر شاملة في سياسات حماية البيانات، وضمانات العدالة الخوارزمية، وربط مفاهيم الشمول المالي باعتبارات العدالة الاجتماعية، بما يكفل ألا تتحول التكنولوجيا الرقمية إلى أداة لإعادة إنتاج الفقر بدلًا من معالجته.