
مقدمة
تُعد قضايا نشر الصور والمقاطع والتسجيلات دون موافقة إحدى صور الاعتداء على الحياة الخاصة عبر الوسائل الرقمية، لأنها تمس خصوصية المجني عليها وسمعتها وسلامتها النفسية والاجتماعية في وقت واحد. وقد يصاحب النشر تهديد أو ابتزاز أو تشهير أو ضغط أسري أو مهني أو اجتماعي، خاصة عند إرسال المحتوى إلى الأسرة أو جهة العمل أو الأصدقاء، أو نشره داخل مجموعات مغلقة أو عبر حسابات مزيفة أو صفحات مخصصة للإساءة.
يقدم هذا الدليل إطارًا عمليًا للمحامي الذي يتولى تمثيل المجني عليها في هذا النوع من القضايا، بدءًا من المقابلة الأولى، ومرورًا بتثبيت الأدلة وصياغة البلاغ وتحديد الطلبات الفنية والإجرائية ومتابعة التحقيق والتعامل مع تقارير الفحص الفني، وصولًا إلى الادعاء المدني وطلب التعويض. ويركز الدليل على ضرورة التحرك السريع، ودقة التوثيق، وإدارة التواصل بحذر مع المجني عليها وجهات التحقيق.
يعالج الدليل المشكلة العملية التي تواجه المحامي في هذا النوع من الملفات، وهي أن قوة الواقعة لا تظهر دائمًا من دليل فني واحد مباشر، وإنما تتكون غالبًا من مجموعة مترابطة من الأدلة والقرائن، مثل رابط منشور، ولقطة شاشة واضحة، ومحادثات أصلية، ورقم هاتف، واسم حساب، ورسائل تهديد، وشهود، وتوقيت النشر أو الإرسال، ووجود علاقة سابقة بين الأطراف، أو اعتراف ضمني من المشكو في حقه. لذلك يركز الدليل على بناء ملف إثبات متماسك يحافظ على تسلسل الأحداث ويحد من احتمال ضياع الأدلة أو إضعافها.
كما يوضح الدليل كيفية التعامل مع عنصر الموافقة باعتباره من أكثر الدفوع شيوعًا في هذه القضايا. فالموافقة على التصوير لا تعني الموافقة على النشر، والإرسال الخاص لشخص محدد لا يبيح التداول أو التشهير أو الابتزاز، ووجود علاقة عاطفية أو خطبة أو زواج لا يمنح الطرف الآخر حق استخدام المحتوى الخاص للإضرار بالمجني عليها.
يساعد الدليل المحامي على تحديد صورة الواقعة، وفهم التكييف القانوني الملائم، وتجهيز ملف الأدلة، وصياغة البلاغ والطلبات، وتجنب الأخطاء الشائعة منذ بداية التعامل مع القضية. وتهدف هذه الخطوات إلى حماية المركز القانوني للمجني عليها، ودعم موقفها أمام جهات الفحص والتحقيق والمحاكمة، وتمكينها من المطالبة بحقوقها الجنائية والمدنية استنادًا إلى ملف واضح ومنظم.
الطبيعة الخاصة لقضايا نشر الصور والمقاطع والتسجيلات دون موافقة
تندرج قضايا نشر الصور والمقاطع والتسجيلات دون موافقة ضمن جرائم الاعتداء على الحياة الخاصة عبر الوسائل الرقمية، إذ تمس خصوصية المجني عليها وحقها في التحكم في صورتها وبياناتها ومحادثاتها، فضلًا عما قد يترتب عليها من مساس بكرامتها وسمعتها. ويتسع الضرر المحتمل عندما يكون المحتوى المنشور أو المرسل ذا طبيعة شخصية أو خاصة أو حميمية، أو عندما يستخدمه الجاني للضغط أو الانتقام أو التشهير أو الابتزاز.
تتسم هذه القضايا بأنها سريعة الأثر وصعبة الاحتواء. فقد يحدث النشر خلال ثوان، وينتقل المحتوى من حساب إلى آخر أو من مجموعة مغلقة إلى نطاق أوسع. وقد يُحذف المنشور الأصلي بعد وقوع الضرر، بينما تبقى نسخه لدى المتلقين أو ضمن لقطات شاشة أو رسائل أعيد إرسالها. لذلك يتعامل المحامي مع واقعة قابلة للتغير خلال فترة قصيرة، ما يتطلب التحرك سريعًا لتثبيت الأدلة المتاحة قبل حذفها أو تعديلها أو إنكار صلة الجاني بها.
تشمل صور الاعتداء النشر العلني على الصفحات العامة في منصات التواصل الاجتماعي، وإرسال المحتوى إلى شخص واحد بقصد الإهانة أو الضغط أو التهديد، ونشره داخل مجموعة محدودة، وتداوله بين الأصدقاء أو أفراد الأسرة أو زملاء العمل، واستخدامه عبر حسابات مزيفة أو صفحات مخصصة للتشهير، وإعادة نشر محتوى سبق حذفه، والتهديد بنشره قبل تنفيذ التهديد. وتشمل أيضًا تسجيل المجني عليها أو تصويرها خلسة، واستخدام محتوى حصل عليه الجاني أثناء علاقة عاطفية أو خطبة أو زواج للإضرار بها بعد وقوع خلاف بينهما.
تتطلب هذه القضايا من المحامي التعامل مع الملف من خلال ثلاثة مسارات مترابطة. يتعلق المسار الأول بالإثبات، ويشمل حفظ الرابط، واسم الحساب، ورقم الهاتف، وتاريخ النشر أو الإرسال، والمحادثات الأصلية، ورسائل التهديد، وبيانات الشهود، وأي قرائن تربط الجاني بالفعل. ويتعلق المسار الثاني بالحماية الإجرائية، ويشمل إرشاد المجني عليها إلى عدم حذف الأدلة أو الدخول في مواجهة مباشرة مع الجاني، وتوجيهها إلى تأمين حساباتها عند وجود شبهة اختراق، وتقديم طلبات فنية واضحة إلى جهة الفحص أو التحقيق. ويركز المسار الثالث على الضرر، من خلال بيان الآثار النفسية والاجتماعية والمهنية والأسرية التي ترتبت على الفعل، بما يدعم موقف المجني عليها في التحقيق والادعاء المدني وطلب التعويض.
من الأخطاء الشائعة في التعامل مع هذه القضايا اختزال ملف الإثبات في لقطة شاشة أو منشور منفرد. فقد يتطلب إثبات الواقعة الجمع بين الأدلة الرقمية والقرائن الواقعية وسياق العلاقة بين الأطراف وسلوك الجاني قبل النشر وبعده. وقد يكون الحساب مجهولًا، بينما تساعد الرسائل السابقة، أو رقم الهاتف، أو أسلوب التهديد، أو توقيت النشر، أو معرفة الجاني وحده بالمحتوى، أو اعترافه الضمني، في ربطه بالواقعة عند عرض هذه العناصر وفق تسلسل واضح.
كما ينبغي الانتباه إلى أن هذه القضايا كثيرًا ما يحاول فيها الجاني نقل مركز النقاش من فعل النشر أو التهديد إلى سلوك المجني عليها أو علاقتها السابقة به أو طريقة حصوله على المحتوى. لذلك، يتعين على المحامي إعادة تركيز الملف على الفعل محل الجريمة، فالعلاقة السابقة لا تبيح النشر، وإرسال المحتوى في نطاق خاص لا يبيح تداوله، والموافقة على التصوير لا تعني الموافقة على استخدام الصورة أو التسجيل للإساءة أو التشهير أو الضغط.
يتطلب التعامل المهني مع هذه القضايا فهم حساسيتها والحاجة إلى التحرك العاجل، ثم بناء ملف أدلة منظم، وصياغة بلاغ واضح يمكن فحص عناصره فنيًا، ومتابعة إجراءات الفحص والتقرير والطلبات التكميلية. ويسهم تدخل المحامي في مرحلة مبكرة وبطريقة منظمة في حماية المركز القانوني للمجني عليها، وتثبيت الواقعة، ودعم الأدلة التي تربطها بمرتكبها، وتمكينها من المطالبة بحقوقها الجنائية والمدنية استنادًا إلى ملف واضح ومدعوم بالأدلة.
خريطة النصوص القانونية ذات الصلة
يتطلب التعامل مع قضايا نشر الصور والمقاطع والتسجيلات دون موافقة خريطة قانونية عملية تربط بين صورة الواقعة والنص الملائم لها والطلب الإجرائي اللازم لإثباتها. فقد تبدأ الواقعة بصورة أُرسلت في نطاق خاص، ثم تتطور إلى تهديد، أو إرسال المحتوى إلى الأسرة أو جهة العمل، أو نشره عبر حساب مزيف. وقد يقترن ذلك بعبارات تتضمن سبًّا أو تشهيرًا، أو بطلب مال أو منفعة. لذلك يتمثل دور المحامي في تفكيك الواقعة إلى أفعال قانونية محددة والتمييز بينها، مثل النشر، والإرسال، والتداول، والتهديد، والابتزاز، والتصوير، والتسجيل، واستخدام الحسابات الإلكترونية، والإزعاج، وانتهاك حرمة الحياة الخاصة.
قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات
يُعد قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 القانون الأقرب إلى الوقائع التي تحدث عبر الشبكة المعلوماتية، أو وسائل تقنية المعلومات، أو تطبيقات المراسلة، أو منصات التواصل الاجتماعي. وينطبق بصفة خاصة عندما يقع الفعل من خلال حساب إلكتروني، أو رقم مستخدم في تطبيق مراسلة، أو صفحة، أو مجموعة مغلقة، أو رابط منشور، أو وسيلة رقمية استُخدمت في نشر المحتوى الخاص بالمجني عليها أو إرساله أو تداوله.
وتُعد المادة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات من النصوص الأساسية التي يمكن أن يستند إليها المحامي في هذه القضايا، لأنها تتعلق بانتهاك حرمة الحياة الخاصة، وإرسال أو نشر بيانات أو معلومات أو أخبار أو صور وما في حكمها دون رضا صاحب الشأن. ويمكن الاستناد إليها في صور متعددة، منها نشر صورة خاصة للمجني عليها على منصة للتواصل الاجتماعي، أو إرسال مقطع خاص عبر تطبيق مراسلة، أو تداول لقطات شاشة من محادثة خاصة، أو نشر بيانات شخصية مرتبطة بالمحتوى بما يمس خصوصيتها أو سمعتها.
ينبغي قبل الاستناد إلى المادة 25 بيان وجه انطباقها على الواقعة. فإذا فوجئت المجني عليها بنشر صورها دون موافقتها، يجب توضيح أن محل الجريمة يتمثل في انتهاك خصوصيتها من خلال نشر صور أو بيانات تخصها دون رضاها. ويظل الفعل محلًا للمساءلة عند إرسال المحتوى إلى عدد محدود من الأشخاص متى تم ذلك دون موافقة وبقصد الإضرار أو التشهير أو الضغط. وإذا كان النشر داخل مجموعة مغلقة، وجب توضيح أن محدودية نطاق التداول لا تنفي تحقق الاعتداء، وإنما تؤثر فقط في تقدير مدى الانتشار والضرر.
وتنطبق المادة 26 من القانون ذاته على الحالات التي يتجاوز فيها الفعل نشر المحتوى كما هو، إذ يستخدم الجاني تقنية أو برنامجًا لمعالجة الصورة أو البيانات الشخصية وربطها بمحتوى آخر، أو لإظهار المجني عليها في سياق مهين أو مضلل أو ماس بسمعتها.1 وتشمل هذه الوقائع تركيب صورة على جسد آخر، أو تعديل مقطع، أو إضافة عبارات أو مؤثرات أو بيانات توحي بمعنى غير حقيقي، أو استخدام صورة صحيحة في سياق كاذب أو مسيء. ويتعين على المحامي التمييز بين النشر دون موافقة وبين المعالجة أو التركيب أو إعادة التوظيف الرقمي. فتتطلب وقائع المعالجة أو التركيب طلبات فنية أكثر تحديدًا، تشمل فحص الصورة أو المقطع، وبيان ما إذا كان قد خضع للتعديل أو المعالجة، أو أُعيد نشره في سياق مختلف.
قانون العقوبات
يتضمن قانون العقوبات نصوصًا تتعلق بحرمة الحياة الخاصة، من بينها المادة 309 مكررًا، التي تنطبق على الوقائع التي تتضمن تسجيل محادثات خاصة أو نقلها، أو التقاط صورة لشخص في مكان خاص أو نقلها، بغير رضاه وفي غير الأحوال المصرح بها قانونًا. وتشمل الوقائع التي يمكن أن تنطبق عليها هذه المادة التصوير خلسة، والتسجيل دون علم المجني عليها، والحصول على تسجيل لمحادثة خاصة، وتصوير المجني عليها في مكان خاص ثم استخدام المحتوى ضدها في وقت لاحق.2
وتغطي المادة 309 مكررًا (أ) إذاعة التسجيل أو المستند أو الصورة المتحصلة من الاعتداء على الحياة الخاصة، أو تسهيل إذاعتها أو استعمالها، حتى إذا لم يحدث ذلك في نطاق علني واسع. وتنطبق المادة كذلك على التهديد بإفشاء أمر تم الحصول عليه عن طريق الاعتداء على الخصوصية، بهدف حمل المجني عليها على القيام بعمل أو الامتناع عنه. ولهذا النص أهمية عملية في قضايا التهديد والابتزاز، إذ قد يستخدم الجاني حيازته للمحتوى وسيلةً للضغط على المجني عليها أو مساومتها أو إخضاعها نفسيًا، حتى قبل نشره.3
وقد تتداخل الواقعة مع جرائم التهديد المنصوص عليها في قانون العقوبات، بحسب مضمون الرسائل أو المكالمات أو المحادثات. فإذا هدد الجاني المجني عليها بإرسال الصور إلى أسرتها أو جهة عملها، أو بنشرها على منصات التواصل الاجتماعي، أو بإلحاق ضرر بسمعتها، وجب إثبات عبارات التهديد كاملة، وتاريخها، والوسيلة التي وردت بها، وصلتها بالمحتوى محل الواقعة. وإذا اقترن التهديد بطلب مال أو منفعة أو مقابلة أو استمرار علاقة أو الامتناع عن إجراء معين، وجب توضيح هذا الارتباط في البلاغ باعتباره عنصرًا أساسيًا لفهم الواقعة وتحديد تكييفها القانوني.
كما قد تنطوي بعض الوقائع أيضًا على سب أو قذف، متى اقترن نشر الصورة أو التسجيل بعبارات مهينة أو بنسبة وقائع محددة إلى المجني عليها تمس شرفها أو اعتبارها. ويتعين على المحامي التمييز بين الاعتداء على الخصوصية والعبارات المصاحبة له. فإذا تمثل الفعل الأساسي في نشر صورة خاصة دون موافقة، ينبغي ألا يقتصر البلاغ على السب أو القذف، لأن ذلك قد يضيق نطاق التحقيق الفني. وإذا تضمنت المنشورات أو الرسائل ألفاظًا مهينة أو اتهامات محددة، فيجب إثباتها وإدراجها ضمن الوقائع التي تدعم إثبات التشهير والضرر.456
قانون الاتصالات
تنطبق أحكام قانون تنظيم الاتصالات، وبخاصة المادة 76 المتعلقة بإساءة استعمال أجهزة الاتصالات في إزعاج الغير أو مضايقته، على الوقائع التي تحدث عبر الهاتف أو الرسائل أو تطبيقات المراسلة على نحو متكرر أو ينطوي على ضغط.7 فقد يرسل الجاني المحتوى إلى المجني عليها، أو يرسل إليها رسائل تهديد متكررة، أو يستخدم أكثر من رقم للتواصل معها، أو يجري مكالمات تتضمن تهديدًا أو ابتزازًا أو إساءة. وفي هذه الحالات، يوفر النص المتعلق بإساءة استعمال وسائل الاتصال سندًا قانونيًا إضافيًا، خاصة عند طلب الاستعلام عن مالك الخط، أو تتبع الرقم، أو ضم المحادثات والرسائل والمكالمات التي تثبت المضايقة.
القواعد الإجرائية والفنية
لا تقل القواعد الإجرائية والفنية أهمية عن النصوص العقابية، إذ يتطلب إثبات القضية الجمع بين الوصف القانوني ودليل رقمي قابل للفحص. لذلك يجب على المحامي أن يربط النص القانوني بالطلب الفني المناسب. فإذا تعلق النص بالنشر، وجب طلب فحص الرابط أو الحساب أو الصفحة. وإذا تعلق بالإرسال عبر رقم هاتف، وجب طلب الاستعلام عن الرقم وفحص الرسائل أو التطبيق في النطاق اللازم لإثبات الواقعة. وإذا تعلق بحساب مزيف، وجب طلب تحديد القائم على إدارته والوسائل التي تربطه بالمشكو في حقه. وإذا تعلق بصورة مفبركة أو معدلة، وجب طلب فحص فني يبين ما إذا كانت قد خضعت للمعالجة أو التركيب أو التعديل.
يجب استكمال الطلبات الفنية اللازمة لإثبات الواقعة قبل إحالة الدعوى إلى المحاكمة، لأن غيابها قد يضعف الدليل على نسبة الفعل إلى المتهم. وقد يؤدي خلو الأوراق من استعلام من شركة الهاتف المحمول عن مالك خط الهاتف ومستخدمه إلى إثارة الشك في عناصر الواقعة.8 ويوضح الحكم الآتي أثر غياب هذه الاستعلامات ونتائج الفحص الفني:
«الأوراق قد خلت من ثمة استعلام من شركة الهاتف المحمول على مستخدم الرقم المشكو فى حقه، لاسيما وان المجنى عليها لم تتهمه بشخصه، بالإضافة إلى تقرير الفحص الفني تعذر الوصول الى القائم بسرقة الحساب الخاص بالمجنى عليها، بالإضافة إلى ان الأوراق قد خلت من نتيجة للفحص الفني وأن الصورة الضوئية المرفقة لم يتم فحصها فنيا وعليه فقد أضحت الأوراق خالية تماما من ثمة دليل يقيني على نسبة الاتهام في حق المتهم والذي بني إلا على أقوال المجني عليها التي لم يعضدها ثمة دليل آخر على نحو ما سلف، الأمر الذي تتشكك معه المحكمة في توافر عناصر الواقعة وأركانها التي لم تظهر جلية بالأوراق.»
تنظم اللائحة التنفيذية لقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات ضوابط فحص الدليل الرقمي والتحفظ عليه وإثباته فنيًا. ويجب أن تراعي صياغة الطلبات هذه الضوابط من خلال تحديد موضوع الفحص ونطاقه. ويُطلب فحص هاتف المجني عليها عند الضرورة وفي أضيق نطاق مرتبط بالواقعة، مع بيان الغرض من الفحص، مثل إثبات المحادثات الأصلية أو رسائل التهديد أو بيانات الإرسال. كما يجب أن يحدد طلب فحص هاتف المشكو في حقه العناصر المراد التحقق منها، مثل وجود الصور أو المحادثات أو الحساب المستخدم أو آثار تسجيل الدخول أو الإرسال، بدلًا من طلب فحص الهاتف بصورة عامة.
نظمت المادتان (9) و(10) من اللائحة ضوابط جمع الأدلة الرقمية واستخراجها وتوثيقها. وتقرر المادة (9) تمتع الأدلة الرقمية بالقيمة والحجية المقررتين للأدلة الجنائية المادية في الإثبات الجنائي عند توافر الشروط والضوابط الآتية:
- أن تتم عملية جمع أو الحصول أو استخراج أو استنباط الأدلة الرقمية محل الواقعة باستخدام التقنيات التي تضمن عدم تغيير أو تحديث أو محو أو تحريف للكتابة أو البيانات والمعلومات، أو أي تغيير أو تحديث أو إتلاف للأجهزة أو المعدات أو البيانات والمعلومات، أو أنظمة المعلومات أو البرامج أو الدعامات الإلكترونية وغيرها. ومنها على الأخص تقنية Digital Images Hash، Write Blocker، وغيرها من التقنيات المماثلة.
- أن تكون الأدلة الرقمية ذات صلة بالواقعة وفي إطار الموضوع المطلوب إثباته أو نفيه، وفقًا لنطاق قرار جهة التحقيق أو المحكمة المختصة.
- أن يتم جمع الدليل الرقمي واستخراجه وحفظه وتحريزه بمعرفة مأمورى الضبط القضائي المخول لهم التعامل في هذه النوعية من الأدلة، أو الخبراء أو المتخصصين المنتدبين من جهات التحقيق أو المحاكمة، على أن يبين في محاضر الضبط، أو التقارير الفنية على نوع ومواصفات البرامج والأدوات والأجهزة والمعدات التي تم استخدامها، مع توثيق كود وخوارزم Hash الناتج عن استخراج نسخ مماثلة ومطابقة للأصل من الدليل الرقمي بمحضر الضبط أو تقرير الفحص الفني، مع ضمان استمرار الحفاظ على الأصل دون عبث به.
- في حالة تعذر فحص نسخة الدليل الرقمي وعدم إمكانية التحفظ على الأجهزة محل الفحص لأى سبب يتم فحص الأصل ويثبت ذلك كله في محضر الضبط أو تقرير الفحص والتحليل.
- أن يتم توثيق الأدلة الرقمية بمحضر إجراءات من قبل المختص قبل عمليات الفحص والتحليل له وكذا توثيق مكان ضبطه ومكان حفظه ومكان التعامل معه ومواصفاته.
وتنص المادة (10) على توصيف الدليل الرقمي وتوثيقه من خلال طباعة نسخ من الملفات المخزن عليها أو تصويرها بأي وسيلة مرئية أو رقمية، واعتمادها من الأشخاص القائمين على جمع الأدلة الرقمية أو استخراجها أو الحصول عليها أو تحليلها، مع تدوين البيانات الآتية على كل نسخة:
- تاريخ ووقت الطباعة والتصوير.
- اسم وتوقيع الشخص الذي قام بالطباعة والتصوير.
- اسم أو نوع نظام التشغيل ورقم الإصدار الخاص به.
- اسم البرنامج ونوع الإصدار أو الأوامر المستعملة لإعداد النسخ.
- البيانات والمعلومات الخاصة بمحتوى الدليل المضبوط.
- بيانات الأجهزة والمعدات والبرامج والأدوات المستخدمة.
تقتضي قواعد الإثبات الجنائي تقييم الدليل الرقمي مع بقية القرائن المتصلة بالواقعة. فقد لا يثبت التقرير الفني وحده أن المشكو في حقه هو القائم بالنشر، وقد تؤيد ذلك قرائن أخرى، مثل وجود علاقة سابقة، أو تهديدات سابقة بالنشر، أو امتلاك الجاني وحده للمحتوى، أو تطابق رقم الهاتف، أو توقيت الواقعة، أو شهادة الأشخاص الذين تلقوا المحتوى، أو اعتراف ضمني ورد في محادثة لاحقة. لذلك ينبغي للمحامي ألا يؤخر بناء الملف إلى حين الحصول على دليل فني كامل، وأن يجمع الأدلة الرقمية والقرائن الواقعية ويرتبها في ملف مترابط.
تساعد هذه الخريطة القانونية المحامي على صياغة بلاغ محدد ومدعوم بعناصر قابلة للفحص. ويجب أن يتجاوز البلاغ الاكتفاء بذكر تعرض المجني عليها لنشر صورها دون موافقتها، فيحدد وسيلة النشر، وطبيعة المحتوى، ونطاق النشر أو الإرسال، وصلة المشكو في حقه بالفعل، والضرر المترتب عليه، والنصوص القانونية المحتمل انطباقها، والطلبات الفنية اللازمة. كما يبين ما إذا كانت الواقعة تتضمن انتهاكًا للخصوصية، أو تهديدًا، أو ابتزازًا، أو استخدامًا لحساب مزيف، أو تسجيلًا خفيًا، أو سبًّا وقذفًا، أو إساءة استعمال وسائل الاتصال.
استقبال المجني عليها وبناء الصورة الأولية للواقعة
تؤسس المقابلة الأولى مع المجني عليها لملف قضية نشر الصور والمقاطع والتسجيلات دون موافقة. فمن خلالها يتحدد شكل البلاغ، ونطاق الأدلة، وطبيعة الطلبات الفنية، والمسار القانوني للملف. وتساعد إدارة المقابلة بهدوء ودقة على حماية المركز القانوني للمجني عليها وتجنب الأخطاء التي قد تضعف الملف في المراحل اللاحقة.
تتطلب طبيعة هذه القضايا أن يتعامل المحامي مع المجني عليها بقدر عالٍ من الوعي والحساسية. فقد تكون في حالة خوف أو ارتباك أو شعور بالخجل أو القلق من الأسرة أو العمل أو المجتمع، وقد تتردد في عرض التفاصيل كاملة. لذلك يجب تهيئة المقابلة منذ بدايتها لتكون مساحة مهنية آمنة تهدف إلى جمع المعلومات اللازمة لحماية حقوقها، مع الامتناع عن محاكمتها أو تقييم سلوكها الشخصي. وينبغي تجنب الأسئلة اللائمة أو ذات الطابع الأخلاقي، والتركيز على الوقائع القابلة للإثبات، ومنها نوع المحتوى، ومكان وجوده، ووسيلة النشر أو الإرسال، وصلة المشكو في حقه بالواقعة، والأدلة المتاحة.
يبدأ المحامي بتحديد طبيعة المحتوى محل الواقعة. فقد يكون صورة شخصية أو خاصة، أو مقطعًا مرئيًا، أو تسجيلًا صوتيًا، أو محادثة مكتوبة، أو لقطة شاشة، أو مادة جرى تعديلها أو تركيبها أو عرضها في سياق مضلل. ويؤثر تحديد طبيعة المحتوى في التكييف القانوني والطلبات الفنية. فإثبات نشر صورة دون موافقة يختلف عن إثبات فبركة مقطع، كما يختلف التعامل مع تسجيل صوتي عن التعامل مع محادثة مسربة، ويختلف التهديد بالنشر عن النشر الذي وقع بالفعل، مع احتمال اجتماع أكثر من صورة في ملف واحد.
ينتقل المحامي بعد ذلك إلى تحديد مكان النشر أو الإرسال. ويشمل ذلك معرفة ما إذا كان المحتوى قد نُشر على صفحة عامة، أو حساب شخصي، أو حساب مجهول، أو داخل مجموعة على واتساب أو تليجرام، أو أُرسل إلى شخص محدد، أو إلى الأسرة، أو جهة العمل، أو الأصدقاء. وقد يكون إرسال المحتوى إلى شخص واحد كافيًا لإثبات فعل الاعتداء إذا تم دون موافقة وبقصد الإهانة أو الضغط أو التهديد أو التشهير. ويظل النشر داخل مجموعة مغلقة قابلًا للفحص والإثبات متى أمكن تحديد المجموعة أو أعضائها أو الرسائل المتداولة داخلها.
يجب أن يثبت المحامي وقت علم المجني عليها بالواقعة، ووقت النشر أو الإرسال قدر الإمكان. ويساعد تحديد التاريخ والوقت على ترتيب تسلسل الأحداث، وتقييم سرعة التحرك، وربط الواقعة برسائل تهديد سابقة أو لاحقة. وإذا لم تعرف المجني عليها وقت النشر بدقة، فيكفي في البداية تحديد وقت علمها بالواقعة، ووقت تلقيها الرابط أو الصورة أو الرسالة، واسم الشخص الذي أخبرها أو أرسل إليها ما يثبتها. وقد تمثل شهادة هذا الشخص أو محادثته مع المجني عليها دليلًا مساندًا يجب الحفاظ عليه.
وتشمل المقابلة الأولى تحديد ما إذا كانت المجني عليها تعرف المشكو في حقه. فقد تربطه بها علاقة سابقة، مثل الخطبة أو الزواج أو علاقة عاطفية أو علاقة عمل أو صداقة. وقد يكون مجهولًا في الظاهر، لكنه يستخدم حسابًا أو رقمًا توجد قرائن تربطه به. كما يجب على المحامي البحث عن الصلة العملية بين الشخص والواقعة، وتشمل الأسئلة التي تساعد على تحديد هذه الصلة ما يأتي:
- هل كان الشخص يملك المحتوى؟
- هل سبق أن هددها؟
- هل أرسل رسائل مشابهة في وقت سابق؟
- هل يستخدم الرقم أو الحساب محل الواقعة؟
- هل يعرف المشكو في حقه تفاصيل لا يعرفها غيره؟
- هل توجد محادثات أو اعترافات ضمنية تربطه بالنشر أو التهديد؟
يمكن أن تساعد هذه القرائن على تحديد صلة المشكو في حقه بالواقعة، خاصة إذا كان الحساب المستخدم مزيفًا أو كانت بياناته مجهولة. ويجب أيضًا حصر الأدلة الموجودة لدى المجني عليها قبل اتخاذ أي إجراء. ويشمل ذلك الروابط، ولقطات الشاشة، وتسجيلات الشاشة، والمحادثات الأصلية، والرسائل الصوتية، وأرقام الهواتف، وأسماء الحسابات، وصور الحسابات، وتواريخ الرسائل، وأسماء الأشخاص الذين شاهدوا المحتوى أو تلقوه. ويجب فحص لقطة الشاشة التي تحتفظ بها المجني عليها للتأكد من وضوحها وظهور اسم الحساب أو الرقم والتاريخ والمحتوى محل الواقعة قدر الإمكان. كما يجب الاحتفاظ بالمحادثات الأصلية داخل الهاتف أو الحساب، لأن النسخ المرسلة أو الصور المتداولة وحدها قد لا توفر جميع البيانات اللازمة للفحص.
ويجب سؤال المجني عليها عما قامت به بعد علمها بالواقعة. فقد تكون قد حذفت محادثات، أو حظرت الجاني، أو واجهته، أو نشرت تفاصيل الواقعة على منصات التواصل الاجتماعي، أو أرسلت الأدلة إلى عدد كبير من الأشخاص، أو طلبت من الجاني حذف المحتوى. ولا تعني هذه التصرفات بالضرورة ضعف موقفها، إلا أن فهمها مبكرًا يساعد المحامي على التعامل معها بوضوح ومنع تكرار ما قد يضر بالملف. ويجب أن يوجه المحامي المجني عليها فورًا إلى عدم حذف أي دليل، أو الدخول في مواجهة مباشرة مع الجاني، أو إرسال المحتوى محل الواقعة دون ضرورة، أو نشر تفاصيل الواقعة على منصات التواصل الاجتماعي.
ينبغي تناول وقائع التهديد والابتزاز بدقة خلال المقابلة الأولى. فإذا هدد الجاني بنشر الصور أو التسجيلات أو إرسالها إلى الأسرة أو جهة العمل، أو طلب مالًا أو منفعة أو مقابلة أو استمرار علاقة أو الامتناع عن تصرف معين، فيجب إثبات ذلك. ويشمل التوثيق حصر الرسائل التي تتضمن التهديد، وتحديد وسيلة إرسالها وتاريخها والعبارات المستخدمة فيها ومدى ارتباطها بالمحتوى محل الواقعة. فقد يؤثر وجود التهديد في طريقة صياغة البلاغ وتحديد الطلبات العاجلة، كما قد يقتضي التحرك بسرعة أكبر لتثبيت الأدلة ووقف استمرار الضغط على المجني عليها.
يجب أن تتناول المقابلة أيضًا الضرر الذي وقع على المجني عليها. ويشمل ذلك الضرر النفسي، أو اضطراب علاقاتها الأسرية، أو تعرضها لمشكلات في العمل، أو تلقيها اتصالات أو رسائل من آخرين، أو شعورها بالخوف من استمرار تداول المحتوى، أو اضطرارها إلى تغيير رقمها أو إغلاق حساباتها. ويساعد توثيق هذه الأضرار على دعم موقفها أمام جهة التحقيق وبناء طلب التعويض عند الادعاء المدني لاحقًا.
ينبغي أن تتوافر لدى المحامي في ختام المقابلة صورة أولية واضحة عن العناصر الآتية:
- نوع المحتوى.
- وسيلة النشر أو الإرسال.
- تاريخ العلم بالواقعة.
- صلة المشكو في حقه.
- الأدلة المتاحة.
- وجود تهديد أو ابتزاز.
- الشهود المحتملون.
- التصرفات التي صدرت عن المشكو في حقه بعد الواقعة.
يحوّل المحامي هذه المعلومات إلى خطة عمل تحدد الإجراءات العاجلة، وتشمل حفظ الأدلة وترتيبها، وتجهيز البلاغ، وصياغة الطلبات الفنية، وتحديد ما يلزم تقديمه إلى مباحث الإنترنت أو النيابة.
الإجراءات العاجلة لحماية مركز المجني عليها
تتطلب الساعات الأولى في قضايا نشر الصور والمقاطع والتسجيلات دون موافقة تحركًا سريعًا، لأن الدليل الرقمي قابل للحذف أو التعديل أو الإخفاء أو النقل من منصة إلى أخرى خلال وقت قصير. ويبدأ المحامي إجراءات الحفظ والتوثيق دون انتظار اكتمال جميع التفاصيل. وتُخصص الساعات الأربع والعشرون الأولى لتثبيت الأدلة وحمايتها وتنظيم الملف، سواء قبل تقديم البلاغ أو بالتوازي معه.
أول إجراء يجب التركيز عليه هو حفظ موضع النشر أو الإرسال. فإذا كان المحتوى منشورًا على صفحة أو حساب أو داخل مجموعة أو عبر رابط، فيجب حفظ الرابط كاملًا، واسم الحساب أو الصفحة، وصورة الحساب، والبيانات الظاهرة، مثل اسم المستخدم وتاريخ النشر وعدد المشاركات أو التعليقات إن وجدت. وإذا أُرسل المحتوى عبر واتساب أو تليجرام أو ماسنجر أو غيرها من تطبيقات المراسلة، فيجب حفظ رقم الهاتف أو اسم الحساب، وبيانات المحادثة، وتوقيت الإرسال، وأي رسائل سابقة أو لاحقة مرتبطة بالواقعة.
في هذا السياق، يجب أن تكون لقطات الشاشة واضحة، وأن تُظهر أكبر قدر ممكن من البيانات، ومنها اسم الحساب أو الرقم، وتاريخ الرسالة أو النشر، والمحتوى محل الواقعة، والرابط أو اسم المستخدم عند الإمكان. وفي الوقائع التي يظهر فيها المحتوى داخل صفحة أو محادثة ممتدة، يساعد تسجيل الشاشة على توثيق التسلسل، وطريقة الوصول إلى المنشور، ووجوده داخل الحساب أو المحادثة الأصلية. ويجب أيضًا الحفاظ على المحتوى الأصلي داخل الهاتف أو الحساب، لأن الصور المنسوخة وحدها قد لا تتضمن جميع البيانات اللازمة للفحص.
ينبغي أن يوجه المحامي المجني عليها فورًا إلى عدم حذف أي محادثة أو صورة أو رسالة أو إشعار، حتى إذا كان وجودها يسبب لها ضيقًا أو خوفًا. فقد يؤدي حذف الدليل إلى إضعاف إمكانية فحصه فنيًا أو إثارة الشك في اكتمال الرواية. كما يجب تنبيهها إلى تجنب مواجهة الجاني أو تهديده أو سبه أو الدخول معه في نقاش طويل، لأن ذلك قد يدفعه إلى حذف المحتوى أو تغيير الحساب أو افتعال محادثات مضادة أو محاولة إظهار المجني عليها في موقف دفاعي مرتبك.
يجب خلال هذه المرحلة تحديد الشهود المحتملين. وقد يكون الشاهد شخصًا رأى المنشور، أو تلقى الصورة أو المقطع، أو أرسل إلى المجني عليها ما يثبت الواقعة، أو حضر تهديدًا أو مكالمة، أو تلقى من الجاني محتوى خاصًا بها. ينبغي حفظ بيانات هؤلاء الأشخاص وما لديهم من رسائل أو لقطات شاشة أو روابط، مع تجنب دفعهم إلى تداول المحتوى أو إعادة إرساله خارج أضيق نطاق لازم للإثبات، وبطريقة منظمة.
إذا وجدت شبهة اختراق لحساب المجني عليها أو استخدام غير مشروع لبياناتها، فيجب توجيهها إلى تأمين حساباتها فورًا. وتشمل إجراءات التأمين تغيير كلمات المرور، وتفعيل التحقق الثنائي، ومراجعة الأجهزة المتصلة بالحساب، وحفظ إشعارات تسجيل الدخول أو رسائل البريد الإلكتروني التي تشير إلى محاولات دخول غير معتادة. ويجب تنفيذ هذه الإجراءات بحذر لتجنب فقدان سجلات أو إشعارات أو محادثات قد تفيد في الإثبات.
بعد مرور الساعات الأربع والعشرين الأولى، ينبغي أن يكون لدى المحامي ملف أولي منظم يتضمن ملخصًا زمنيًا للواقعة، وبيانات المجني عليها، وبيانات المشكو في حقه إن كان معلومًا، والروابط أو الصور أو تسجيلات الشاشة، والمحادثات الأصلية، وأرقام الهواتف أو الحسابات، ورسائل التهديد أو الابتزاز، وبيانات الشهود، وبيانًا مختصرًا بالضرر الواقع. يساعد هذا الملف على صياغة بلاغ واضح وقابل للتحقيق، مع بقاء الحاجة إلى الفحص الفني، كما يحد من احتمال ضياع العناصر الأساسية في بداية الإجراءات.
تهدف إجراءات الساعات الأربع والعشرين الأولى إلى تثبيت الأدلة المتاحة، وحماية المواد القابلة للفحص، ومنع التصرفات التي قد تضر بالمجني عليها، وتجهيز الملف لعرضه على مباحث الإنترنت أو النيابة ضمن طلبات محددة. ويسهم التحرك السريع والمنظم في دعم إثبات النشر أو الإرسال أو التهديد، وربط الفعل بالمشكو في حقه، وبناء مسار قانوني واضح منذ بداية الإجراءات.
تنظيم الأدلة وربطها بعناصر الجريمة
يمثل بناء ملف الأدلة خطوة أساسية في قضايا نشر الصور والمقاطع والتسجيلات دون موافقة، لأن قدرة المحامي على تنظيم الوقائع والأدلة تؤثر في مسار البلاغ. يتولى المحامي مهمة تحويل رواية المجني عليها إلى ملف إثبات منظم يمكن فحصه وعرضه أمام مباحث الإنترنت والنيابة والمحكمة. وتقوم هذه القضايا عادة على مجموعة مترابطة من الأدلة والقرائن، يجمع بينها تسلسل منطقي يثبت وجود المحتوى، وطريقة نشره أو إرساله، وصلته بالمجني عليها، وعدم موافقتها، وصلة المشكو في حقه بالفعل، والضرر المترتب عليه.
تبدأ عملية بناء ملف الأدلة بإثبات وجود المحتوى محل الواقعة وتحديد طبيعته بدقة. وقد يكون المحتوى صورة شخصية أو خاصة، أو مقطعًا مرئيًا، أو تسجيلًا صوتيًا، أو محادثة مكتوبة، أو لقطة شاشة، أو محتوى معدلًا أو مفبركًا. ويجب أن يصف البلاغ المحتوى بالقدر اللازم لتحديده، لأن الإشارة العامة إلى نشر «صور» أو «محادثات» قد لا توضح محل الواقعة. ويراعي هذا الوصف تجنب الإسراف في التفاصيل أو إعادة نشر معلومات تمس خصوصية المجني عليها. ويتيح ذلك لجهة الفحص والتحقيق فهم محل الجريمة دون تكرار الاعتداء على خصوصية المجني عليها داخل الأوراق.
يجب بعد ذلك إثبات واقعة النشر أو الإرسال أو التداول. ويتطلب إثبات النشر وجود قرائن أو أدلة على استخدام الجاني للصورة أو التسجيل أو إرساله أو التهديد به، لأن حيازته للمحتوى وحدها لا تثبت النشر. لذلك ينبغي حفظ الرابط الذي ظهر عليه المحتوى، واسم الحساب أو الصفحة أو المجموعة، ورقم الهاتف المستخدم في الإرسال، واسم المستخدم في التطبيق، والرسالة التي تضمنت المحتوى. وإذا أُرسل المحتوى إلى شخص معين، فيجب تحديد هذا الشخص، ووسيلة الإرسال وتاريخها، وما إذا كان لا يزال يحتفظ بالمحادثة أو الرسالة. وإذا وقع النشر داخل مجموعة مغلقة، فيجب حفظ اسم المجموعة، وبيانات الحساب الذي نشر المحتوى، وتوقيت النشر، وأسماء من شاهدوا المحتوى أو تلقوه متى أمكن ذلك.
يتبع ذلك إثبات صلة المحتوى بالمجني عليها. فقد يكون المحتوى ظاهرًا فيه وجهها أو صوتها أو بياناتها أو اسمها أو رقم هاتفها، وقد تكون الصلة مفهومة من سياق المحادثة أو من تعليقات الناشر أو من إرساله إلى أشخاص يعرفونها. وفي بعض الحالات، قد ينكر الجاني أن المحتوى يخص المجني عليها، أو يدعي أن الصورة مفبركة أو تخص شخصًا آخر. لذلك يجب جمع ما يثبت هذه الصلة دون تعريض المجني عليها لمزيد من الانتهاك. وقد يشمل ذلك شهادة الأشخاص الذين تلقوا المحتوى وتعرفوا إليها فيه، وارتباط المحتوى باسمها أو حسابها، والرسائل التي يقر فيها الجاني صراحة أو ضمنًا بأن المحتوى يخصها، والظروف السابقة التي تثبت حيازته لهذا المحتوى الخاص بها.
يجب أيضًا إثبات عدم موافقة المجني عليها على النشر أو التداول. فكثير من الدفوع في هذه القضايا يستند إلى الادعاء بأنها أرسلت الصورة بنفسها، أو كانت على علاقة بالمشكو في حقه، أو وافقت على التصوير. لذلك يجب أن يميز ملف الأدلة بوضوح بين حيازة الجاني للمحتوى وحقه في نشره. فقد تكون المجني عليها قد أرسلت صورة في نطاق خاص لكن ذلك لا يعني الموافقة على نشر المحتوى أو إرساله إلى الغير أو استخدامه في الإهانة أو التشهير أو الابتزاز. ويمكن إثبات عدم الموافقة من خلال رسائل الاعتراض، وطلبات الحذف، ورسائل التهديد، ومحاولة الجاني إخفاء هويته أو استخدام حساب مزيف، وطبيعة إرسال المحتوى إلى الغير دون علم المجني عليها، وشهادات الأشخاص الذين تلقوه دون توقع منها أو علم مسبق.
بالإضافة إلى ما سبق، ينبغي إثبات صلة المشكو في حقه بالحساب أو الرقم أو الوسيلة المستخدمة. وقد تكون هذه الصلة مباشرة إذا وقع النشر من حسابه المعروف أو من رقم مسجل باسمه، وقد تكون غير مباشرة إذا استخدم حسابًا مزيفًا أو رقمًا غير معلوم أو تطبيقًا يتيح إخفاء الهوية. وعند تعذر معرفة البيانات الرسمية للحساب، يبحث المحامي عن القرائن التي تربط المشكو في حقه بالفعل. وتشمل هذه القرائن حيازته السابقة للمحتوى، وتهديده بنشره قبل وقوع النشر، وتطابق العبارات المستخدمة مع رسائل سابقة، ومعرفته بتفاصيل لا يعلمها غيره، وتوقيت النشر بعد خلاف مباشر، واعترافه الضمني في محادثة لاحقة، واستخدام رقم أو بريد إلكتروني أو صورة أو اسم مستعار له صلة به.
يجب جمع هذه القرائن وترتيبها، لأنها قد تسهم، عند ضمها إلى نتائج الفحص الفني، في إثبات صلة المشكو في حقه بالفعل. وقد يؤدي إهمال التحقق منها أو إثباتها إلى غياب دليل يربط المتهم بارتكاب الجريمة. وتوضح أحكام عدة لمحكمة القاهرة الاقتصادية أثر هذا النقص، ومنها حكم قضى ببراءة المتهم لخلو الأوراق من دليل يثبت أنه المستخدم الفعلي لخط الهاتف المحمول الذي أُرسلت منه الرسائل محل الجريمة.
«وحيث إنه ولما كان ما تقدم وترتيبها عليه وكانت المحكمة قد طالعت أوراق الدعوى عن بصر وبصيرة وأحاطت بظروفها وبأدلة الثبوت التي قام عليها الاتهام ووازنت بينها وبين أدلة النفي فداخلها التربية في صحة عناصر الإثبات ولم تطمئن إليها، آية ذلك أن التقرير الفني توصل فصب إلى أن مستخدم هاتف من الهواتف المبلغ ضدها هو المتهمة (…) وجاء تفريغ المقطع الصوتي من هاتف المجني عليها بمحضر استيفاء النيابة من رقم مسجل باسم (…)، لا سيما وأن الأوراق لم تفصح عن دليل فني قاطع أن المتهمة هي المستخدم الفعلي للشريحة أو أنها هي من أرسلت الرسائل وهو الأمر الذي تتشكك معه المحكمة في صحة إسناد التهم المسندة للمتهمة، ولما كانت الأحكام الجنائية يجب أن تبنى على الجزم واليقين لا الشك والتخمين مما يتعين معه القضاء ببراءة المتهم من التهم المنسوبة إليه».
تتطلب صورة الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة، من خلال نشر معلومات أو أخبار أو صور تنتهك خصوصية شخص، توافر ركنين، هما الركن المادي والركن المعنوي. يتحقق الركن المادي بقيام الجاني بنشر أمور ذات طابع خاص تخص شخصًا آخر عبر الشبكة المعلوماتية، دون رضا صاحبها أو موافقته. ولا يؤثر مصدر الأخبار أو المعلومات أو البيانات في قيام هذا الركن، سواء حصل عليها الجاني من المجني عليه نفسه أو من الغير. كما أن سماح المجني عليه للجاني بالاطلاع عليها لا يمنحه حق إفشائها أو نشرها دون موافقته. وإذا تضمن النشر وقائع غير صحيحة من شأنها أن تؤدي إلى احتقار المجني عليه بين مجتمعه وأهله، فقد تتوافر جريمة السب أو القذف.
ويتمثل الركن المعنوي في توافر القصد الجنائي بعنصريه، العلم والإرادة. فيجب أن يعلم الجاني أنه ينشر بيانات أو معلومات شخصية تخص غيره، وأن صاحب الحق فيها لم يأذن له بذلك، وأن يتم النشر عبر الشبكة المعلوماتية أو إحدى وسائل تقنية المعلومات، وأن تتجه إرادته إلى نشرها دون موافقة صاحبها.
وقررت محكمة النقض في تفسيرها القضائي لهذه الجريمة المبدأ الآتي:
«القصد الذي يتطلبه الشارع في جريمة انتهاك حرمة الحياة الخاصة المنسوبة إلى الطاعنة والمعاقب عليها بنص المادة 25 من القانون رقم 175 لسنة 2018 بشأن تقنية المعلومات هو القصد العام الذي يتحقق بمجرد ارتكاب الفعل المادي وتستوي البواعث التي دفعت المتهم على فعله، وأن مجرد انتهاك حرمة الحياة الخاصة للمجنى عليه بإرسال العديد من الرسائل الإلكترونية دون رضاه وبما ينتهك خصوصيته يفترض فيه القصد إذا ما توافر عنصراه العلم والإرادة، وإذ كان الحكم المطعون فيه قد استظهر ثبوت الفعل المادي لجريمة انتهاك حرمة الحياة الخاصة بغير رضاء المجنى عليها بما مفاده قيام الطاعنة بإرسال العديد من الرسائل الإلكترونية دون رضاها وتعمد إزعاجها وتساند في قضائه إلى أدلة منتجة من شأنها أن تؤدى إلى ما انتهى إليه؛ ومن ثم فإن ما تثيره الطاعنة في هذا الشأن يكون غير سديد».
وتناولت أحكام محكمة القاهرة الاقتصادية أركان الجريمة على النحو الآتي:
«تتطلب صورة الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة بالقيام بنشر معلومات أو أخبار أو صور تنتهك خصوصية أى شخص ركنين هما: الركن المادي – ويتمثل في أن يقوم الجاني بالنشر على الشبكة المعلوماتية ما يخص هذا الشخص من هذه الأمور التي هي ذات طابع خاص، وأن يتم هذا النشر دون رضاء وموافقة صاحب هذه الخصوصيات ، بغض النظر عن كون تلك الأخبار أو المعلومات أو البيانات فيستوي أن يكون قد تحصل عليها من المجنى عليه نفسه أو من الغير، فإباحة المجني عليه اطلاع الجاني على تلك البيانات أو المعلومات لا يقرر له الحق في إفشائها او نشرها دون موافقته، ولا يخفى أنه فى حالة نشر وقائع غير صحيحة قد تقوم جريمة السب والقذف أن استوجبت تلك الوقائع احتقاره بين مجتمعه وأهله. والثاني الركن المعنوي ويتمثل في توافر القصد الجنائي بعنصريه العلم والإرادة بأن يعلم الجاني أنه يقوم بنشر بيانات ومعلومات شخصية تخص غيره وأن صاحب الحق فيها لم يأذن له في ذلك، وأنه يقوم بنشرها من خلال الشبكة المعلوماتية أو إحدى وسائل تقنية المعلومات وأن تتجه إرادته إلى نشرها دون موافقة صاحب هذه المعلومات».
إذا تضمنت الواقعة تهديدًا أو ابتزازًا، فيجب تخصيص جزء مستقل لهذا العنصر داخل ملف الأدلة. ويضم هذا الجزء رسائل التهديد بنشر الصور أو إرسالها إلى الأسرة أو جهة العمل، وطلبات المال أو المنفعة أو المقابلة أو استمرار العلاقة، والتهديدات الموجهة إلى المجني عليها إذا أبلغت عن الواقعة أو رفضت الاستجابة. ويجب حفظ الرسائل بنصها الكامل، مع تاريخها ووسيلة إرسالها، لأن الإشارة العامة إلى تعرض المجني عليها للتهديد لا توضح مضمونه أو صلته بالواقعة. كما يجب ربط التهديد بالمحتوى محل الواقعة، بما يبين استخدام الجاني للصورة أو التسجيل أو المحادثة وسيلةً للضغط على المجني عليها.
تتضمن جريمة التهديد عناصر تميز نموذجها الإجرامي. وقد قررت محكمة النقض في تفسيرها القضائي المستقر لهذه الجريمة ما يأتي:
«الركن المادي في جريمة التهديد المنصوص عليها في الفقرة الأولى من المادة 327 من قانون العقوبات يتوافر إذا وقع التهديد كتابة بارتكاب جريمة ضد النفس أو المال أو بإفشاء أو نسب أمور خادشة للشرف، وكان التهديد مصحوبا بطلب أو تكليف بأمر، وكان الحكم قد أورد بأسبابه قيام الطاعن بتهديد المجني عليها عبر موقع التواصل الاجتماعي – فيس بوك – بمقطع مرئي لديه قام بتسجيله خلسة منها أثناء معاشرته لها جنسيا أثناء فترة زواجهما بمسكن الزوجية طالبا إياها تسجيل مقطع صوتي لها مفاده تبرئته في الجنحة رقم 1320 لسنة 2019 جنح مرسى علم من أجل العودة لعمله وكذا مبلغ مالي وهددها بنشر المقطع المرئي على جروب الفيس بوك الخاص ببلدتها، وإذ كان مصطلح الكتابة قد ورد في المادة 327 سالفة الذكر على سبيل البيان في صيغة عامة لتشمل كافة وسائل الكتابة المختلفة سواء كانت بالطرق التقليدية أو بإحدى الوسائل الإلكترونية الحديثة، فإذا أثبت الحكم على الطاعن إرساله عبارات التهديد عن طريق الوسائط الإلكترونية الحديثة – وهي لوحة المفاتيح – بقصد إيقاع الخوف في نفس المجني عليها لحملها على أداء ما هو مطلوب منها، فإنه يكون قد استظهر الركن المادي لجريمة التهديد موضوع الاتهام كما هي معرفة به في القانون، وكان من المقرر أن القصد الجنائي في جريمة التهديد يتوافر متى ثبت للمحكمة أن الجاني ارتكب التهديد وهو يدرك أثره من حيث إيقاع الرعب في نفس المجني عليه وأنه يريد تحقيق ذلك الأثر بما قد يترتب عليه من أن يذعن – مرغما – إلى إجابة الطلب، وكان لا يلزم التحدث استقلالا عن هذا الركن، بل يكفي أن يكون مفهوما من عبارات الحكم وصراحة عبارات التهديد وظروف الواقعة كما أوردها – كما هو الحال في الدعوى المطروحة – فإن النعي على الحكم بالقصور في هذا الصدد يكون غير سديد».
يُنظم ملف الأدلة وفق تسلسل زمني. يبدأ بالعلاقة السابقة بين الأطراف أو سبب حيازة المحتوى، إذا كان ذلك ضروريًا، ثم رسائل التهديد أو الخلاف السابق، وواقعة النشر أو الإرسال، ووقت علم المجني عليها، والأدلة التي تثبت الواقعة، وتصرفات الجاني اللاحقة، والضرر، والشهود. ويساعد هذا التسلسل جهة التحقيق على فهم الواقعة، ويحد من تشتت الملف واحتمال إغفال طلب فني أو قرينة مهمة.
يجب أن يقتصر ملف الأدلة على المواد التي تخدم عناصر الواقعة. فقد يؤدي تقديم صور أو محادثات غير لازمة إلى تشتيت التحقيق أو فتح مسائل جانبية لا تخدم المجني عليها. لذلك ينبغي اختيار الأدلة وترتيبها وشرح صلتها بالواقعة، مع الاحتفاظ بالأصول الرقمية قدر الإمكان، وتقديم نسخ منظمة عند تحرير البلاغ أو المذكرة.
التمييز بين الرضا الخاص والنشر غير المشروع
يُعد الدفع بتوافر الموافقة من الدفوع المتكررة في قضايا نشر الصور والمقاطع والتسجيلات دون موافقة. وقد يحاول المشكو في حقه نقل موضوع النزاع من فعل النشر أو الإرسال أو التهديد إلى سلوك المجني عليها السابق، فيدعي أنها أرسلت الصورة طوعًا، أو وافقت على التصوير، أو كانت تربطهما علاقة عاطفية أو خطبة أو زواج، أو سبق لها نشر صورة مشابهة على حسابها. وقد يصرف هذا الدفع مسار التحقيق نحو مناقشة الحياة الشخصية للمجني عليها، بدلًا من التركيز على الفعل محل الشكوى، إذا لم يتعامل معه المحامي بوضوح منذ البداية.
تقوم القاعدة العملية في هذا الفصل على أن حيازة المحتوى لا تمنح حائزه حق نشره أو تداوله أو إرساله إلى الغير. فقد يحصل المشكو في حقه على الصورة أو التسجيل أثناء علاقة خاصة، أو يتلقاه من المجني عليها في نطاق محدد من الثقة، أو في محادثة خاصة بينهما، أو يكون حاضرًا في ظرف سمحت فيه بالتصوير. ولا يمنحه أي من ذلك حق استخدام المحتوى لاحقًا للإضرار بها أو الضغط عليها أو التشهير بها أو تهديدها. وتظل الموافقة، متى وُجدت، مقيدة بحدودها وسياقها والغرض الذي صدرت من أجله، ولا تمتد إلى أفعال لم توافق عليها المجني عليها.
يجب على المحامي التمييز بدقة بين صور الرضا المختلفة. فالموافقة على التصوير لا تشمل الموافقة على النشر، وإرسال صورة إلى شخص محدد لا يسمح له بإرسالها إلى أسرته أو أصدقائه أو زملاء المجني عليها أو نشرها في مجموعة أو صفحة. كما أن المشاركة في محادثة خاصة لا تتيح تسريبها أو تصويرها أو اقتطاع جزء منها وتداوله. ولا يترتب على الموافقة على علاقة شخصية أو زوجية أو عاطفية إسقاط الحق في الخصوصية أو منح الطرف الآخر سلطة استخدام المحتوى الخاص خارج النطاق الذي أُتيح فيه.
يؤثر هذا التمييز في صياغة البلاغ وفي إعداد أقوال المجني عليها. ولا يلزم إنكار كل علاقة سابقة أو تعامل خاص إذا كان ذلك غير صحيح أو غير ضروري. ينبغي أن تعرض المجني عليها موقفها بوضوح ودقة. فقد تكون هناك علاقة سابقة، وقد يكون المشكو في حقه قد حصل على المحتوى في سياق خاص، بينما ينصب موضوع الشكوى على نشره أو إرساله أو التهديد به دون موافقتها. ويحول هذا العرض دون استخدام العلاقة أو التواصل السابق لصرف النظر عن الفعل محل الجريمة أو تقديم الواقعة على أنها مجرد خلاف شخصي.
ومن الدفوع المتكررة أيضًا الادعاء بوجود رضا ضمني. وقد يستند المشكو في حقه إلى عدم اعتراض المجني عليها فورًا، أو ردها عليه بعد التهديد، أو مطالبتها إياه بحذف المحتوى قبل تحرير البلاغ، أو خشيتها من التصعيد. في هذا السياق يجب توضيح أن الصمت أو الخوف أو محاولة احتواء الموقف لا يُعد أي منها موافقة على النشر أو التداول. فقد تتصرف المجني عليها تحت ضغط نفسي شديد عند تهديدها بنشر صورها أو تسجيلاتها، فتحاول استرداد المحتوى أو إقناع المشكو في حقه بحذفه أو تجنب ما قد يترتب على نشره من آثار اجتماعية. ولا يصح اعتبار هذا السلوك الدفاعي دليلًا على رضاها بالفعل محل الشكوى.
وقد يدفع المشكو في حقه بأن المجني عليها سبق أن نشرت صورًا لنفسها على حساباتها. ولا يكفي هذا الدفع لنفي الجريمة، لأن نشر صورة محددة في سياق اختارته صاحبتها لا يبيح استخدام صور أخرى أو إعادة نشر الصورة نفسها في سياق مهين أو مضلل أو إرسالها إلى الغير. كما أن إتاحة صورة على حساب شخصي لا تسمح باقتطاعها أو تركيبها أو ربطها بعبارات أو منشورات تمس السمعة أو الاعتبار. لذلك يجب على المحامي توضيح الفرق بين ممارسة المجني عليها حقها في التحكم في صورتها ونطاق نشرها وبين استخدام الغير لهذه الصورة خارج السياق الذي اختارته.
في حالات الخطبة أو الزواج أو العلاقة العاطفية، لا تمنح العلاقة السابقة أيًا من الطرفين حقًا دائمًا في استخدام الصور أو المحادثات أو التسجيلات. فالثقة الناشئة داخل علاقة خاصة لا تصلح سندًا للنشر بعد وقوع الخلاف، ولا تبرر إرسال المحتوى إلى الأسرة أو جهة العمل أو الأصدقاء، ولا تعفي المشكو في حقه من المساءلة. في المقابل، قد تمثل العلاقة السابقة قرينة تربط المشكو في حقه بالواقعة، لأنها تفسر كيفية حصوله على المحتوى وتبين أنه كان في موضع ثقة ثم استخدم المحتوى للإضرار بالمجني عليها.
يجب أن ينعكس الرد على دفع الموافقة في تنظيم ملف الأدلة. فيُثبت المحامي رسائل الاعتراض، وطلبات الحذف، ورسائل التهديد، واستخدام المشكو في حقه حسابًا مزيفًا أو رقمًا غير معلوم، وشهادات من تلقوا المحتوى دون علم المجني عليها، وأي محادثات تبين أن النشر أو الإرسال تم رغم رفضها أو دون علمها. كما ينبغي إبراز توقيت النشر، خاصة إذا وقع بعد خلاف أو رفض طلب أو انتهاء علاقة، لأن هذا التوقيت قد يدعم الاستدلال على استخدام المحتوى للانتقام أو الضغط، وينفي الادعاء بوجود موافقة.
ينبغي أيضًا أن يركز الدفاع القانوني على حق المجني عليها في الخصوصية، إذ ينصب موضوع الملف على استخدام المحتوى في النشر أو الإرسال أو التهديد دون موافقتها. ويجب أن توضح صياغة البلاغ والمذكرة أنه حتى بافتراض حصول المشكو في حقه على المحتوى في سياق خاص، فإن ذلك لا يبيح له نشره أو تداوله أو استخدامه وسيلةً للضغط أو التشهير أو الابتزاز.
يُعد التعامل مع عنصر الموافقة جزءًا أساسيًا من استراتيجية تمثيل المجني عليها. ويبدأ المحامي الاستعداد للرد على هذا الدفع منذ المقابلة الأولى، من خلال جمع الأدلة التي تنفي الرضا وصياغة الواقعة بما يميز بين حيازة المحتوى في نطاق مشروع أو خاص وبين استخدامه على نحو غير مشروع. ويساعد توضيح هذا التمييز منذ البداية على مواجهة دفوع المشكو في حقه والحفاظ على تركيز التحقيق على فعل النشر أو الإرسال أو التهديد دون موافقة.
وتتضمن أحكام محكمة النقض والمحاكم الجنائية تطبيقات أدانت متهمين في وقائع مماثلة. ومن بينها حكم صادر عن محكمة النقض برفض الطعن وتأييد حكم محكمة الجنايات بإدانة المتهم ومعاقبته بالسجن خمس سنوات، مع مصادرة الهاتف المحمول المضبوط. وثبتت في الدعوى اتهامات عدة ارتكبها المتهم في حق المجني عليها، منها تهديدها بإفشاء معلومات أو محتوى يمس خصوصيتها واعتبارها تمثلت في صور ومقاطع مرئية خاصة بها، حصل عليها باستخدام هاتف محمول في مكان خاص ودون رضاها. واقترن التهديد بطلب مبلغ مالي، كما ثبت انتهاكه حرمة حياتها الخاصة على النحو الآتي:
«إن الحكم الابتدائي المؤيد لأسبابه بالحكم المطعون فيه بين واقعة الدعوى في قوله: “…. تتحصل في أن صداقة وثيقة جمعت المجني عليها بشقيق المتهم وتوطدت العلاقة بينهما ثم تطورت فصارت ترسل له صورها الشخصية بملابسها المنزلية، وكان المتهم على علم بأمر هذه العلاقة وبأن المجني عليها ترسل لشقيقه صورها الشخصية تلك، فتحصل على الصور التي تخص المجني عليها ورقم هاتفها من هاتف شقيقه بدون علم الأخير، وأنشأ حساب على تطبيق المراسلة (تليجرام) باسم (……) باستخدام رقم الهاتف (……)، وأرسل للمجني عليها على هاتفها الخاص رسائل تحتوي على صورها الشخصية المنزلية وتهديد لها بفضحها ونشر تلك الصور على مواقع التواصل الاجتماعي إن لم تدفع له مبلغ عشرة آلاف جنيه، فأبلغت بذلك قسم تكنولوجيا المعلومات بقطاع أمن….، وتظاهرت بمسايرة المتهم حتى يتم ضبط الواقعة، وأجرى الملازم أول/…… الضابط بقسم تكنولوجيا المعلومات بقطاع أمن….. تحريات أسفرت عن ارتكاب المتهم/…. لجريمة تهديد المجني عليها بنشر صور خادشة لها بقصد الحصول على مبلغ عشرة آلاف جنيه، فاستصدر إذن من النيابة العامة بتاريخ 22/2/2024 لضبطه، ونفاذا لهذا الإذن توجه ومعه قوة الضبط إلى محل إقامة المأذون بضبطه وأجرى ضبط المتهم بمنزله ومعه الهاتف المستخدم في الجريمة بحوزته في الساعة الواحدة صباحا يوم 23/2/2024 ثم عرضه على النيابة العامة بتاريخ ذات اليوم الساعة الرابعة مساء، وأثبت النقيب/…… الضابط بقسم تكنولوجيا المعلومات بقطاع أمن…. المرافق لقوة الضبط في تقرير الفحص الفني المرفق بالتحقيقات أن الهاتف المحمول المضبوط مع المتهم به الشريحة رقم (……..) وأن تطبيق (تليجرام) المثبت على الهاتف مفعل عليه الحساب المسمى….. باسم (……) منشأ برقم (…….) وتبين وجود محادثات بينه وبين المجني عليها تتضمن عبارات التهديد بنشر الصور محل الابتزاز المصحوبة بطلب مبلغ عشرة آلاف جنيه، وأن معرض الصور يحتوي على صور ومقاطع فيديو تخص المجني عليها محل الواقعة “، وساق على ثبوت الواقعة على هذه الصورة في حق الطاعن أدلة استقاها من أقوال كلا من…..، والملازم أول/…….، والنقيب/……… الضابطان بقسم تكنولوجيا المعلومات بقطاع أمن…..، ومن إقرار المتهم في تحقيقات النيابة العامة، ومما ثبت بتقرير الفحص الفني للهاتف المضبوط وهى أدلة سائغة من شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه الحكم عليها. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن الاعتراف في المسائل الجنائية من عناصر الاستدلال التي تملك محكمة الموضوع كامل الحرية في تقدير صحتها وقيمتها في الإثبات، ولها أن تأخذ به متى اطمأنت إلى صدقه ومطابقته للحقيقة والواقع».
صياغة البلاغ
تمثل صياغة البلاغ في قضايا نشر الصور والمقاطع والتسجيلات دون موافقة مرحلة فاصلة في تحديد مسار الملف. فالبلاغ هو الأداة الأولى التي تنقل الواقعة إلى جهة الفحص أو التحقيق في صورة منظمة وقابلة للتحقق الفني والقانوني. وكلما كان البلاغ واضحًا ومحددًا ومدعومًا بالأدلة والطلبات المناسبة، زادت فرص التعامل معه بجدية وسرعة، وقلت احتمالات ضياع عناصر مهمة أو انتقال التحقيق إلى مسائل جانبية لا تخدم مركز المجني عليها.
يبدأ البلاغ بالبيانات الأساسية للمجني عليها، مع تجنب التفاصيل الشخصية التي لا ترتبط بالواقعة. ثم تُذكر بيانات المشكو في حقه متى كان معلومًا، مثل اسمه ورقم هاتفه وحسابه على منصات التواصل ومحل إقامته إن كان معروفًا وطبيعة علاقته السابقة بالمجني عليها إن وجدت. وإذا كان المشكو في حقه غير معلوم الاسم، يركز البلاغ على البيانات الفنية المتاحة التي قد تساعد على تحديد القائم بالفعل، ومنها الحساب المستخدم، ورقم الهاتف، والرابط، واسم المستخدم، والبريد الإلكتروني، وصورة الحساب، وأي قرائن أخرى مرتبطة به.
يلي ذلك عرض الواقعة وفق تسلسل زمني يبدأ بالخلفية الضرورية، ثم ينتقل إلى الفعل محل الشكوى. فإذا كانت هناك علاقة سابقة بين المجني عليها والمشكو في حقه، تُذكر بالقدر اللازم لتفسير كيفية حصوله على المحتوى أو سبب وجود تواصل بين الطرفين، من دون الخوض في تفاصيل شخصية غير لازمة. ويهدف ذكر العلاقة إلى توضيح صلة المشكو في حقه بالمحتوى والواقعة، وإثبات أن استخدامه اللاحق للمحتوى خرج عن حدود الثقة أو التعامل الخاص.
يجب وصف المحتوى محل الواقعة بقدر كافٍ من الدقة. ولا تكفي عبارات عامة مثل «قام بنشر أشياء تخصها» أو «صور مسيئة»، كما ينبغي تجنب الإسراف في وصف التفاصيل الحميمية أو الخاصة على نحو يعيد انتهاك خصوصية المجني عليها داخل البلاغ. ويقتصر الوصف على تحديد نوع المحتوى، مثل صورة خاصة، أو مقطع مرئي، أو تسجيل صوتي، أو محادثة خاصة، أو لقطات شاشة، أو محتوى معدل أو مفبرك، مع بيان أنه يخص المجني عليها أو منسوب إليها، وأنه استُخدم دون موافقتها وترتب عليه ضرر.
كما يجب أن يحدد البلاغ مكان النشر أو الإرسال. فإذا نُشر المحتوى على منصة تواصل اجتماعي، يُذكر اسم المنصة واسم الحساب أو الصفحة والرابط إن وجد وتاريخ ظهور المحتوى. وإذا أُرسل عبر تطبيق للمراسلة، يُذكر اسم التطبيق ورقم الهاتف أو اسم الحساب وبيانات الشخص أو الأشخاص الذين تلقوه متى أمكن. وإذا وقع النشر داخل مجموعة مغلقة، يُذكر اسم المجموعة، وكيف علمت المجني عليها بما نُشر فيها، وبيانات الأشخاص الذين شاهدوا المحتوى أو أبلغوها عنه. يتيح هذا التحديد لجهة الفحص التعرف على المحل الرقمي للواقعة وإجراء الفحص الفني المطلوب.
ينبغي أن يتضمن البلاغ أيضًا تاريخ علم المجني عليها بالواقعة، وتاريخ النشر أو الإرسال متى كان معروفًا. وقد يتعذر عليها تحديد وقت النشر بدقة، لكنها تستطيع غالبًا تحديد وقت تلقي الرسالة، أو وقت إبلاغ أحد الأشخاص لها، أو وقت مشاهدتها المحتوى بنفسها. وتساعد هذه البيانات في بناء التسلسل الزمني وربط النشر برسائل تهديد سابقة أو خلاف سابق أو محادثات لاحقة، كما تمكّن جهة الفحص من تتبع الروابط أو الرسائل أو الحسابات خلال نطاق زمني محدد.
يجب عرض صلة المشكو في حقه بالفعل بوضوح. فإذا كان الحساب أو الرقم المستخدم معروفًا ومملوكًا له، يُذكر ذلك مع الأدلة أو القرائن المؤيدة. وإذا استُخدم حساب مزيف أو رقم غير معلوم، تُعرض القرائن التي تربطه بالواقعة، ومنها حيازته السابقة للمحتوى، وتهديده بنشره قبل وقوع النشر، وتطابق العبارات المستخدمة مع رسائل سابقة، وعلمه بتفاصيل خاصة، وتوقيت النشر بعد خلاف بين الطرفين، واعترافه الضمني، أو إرسال المحتوى من رقم سبق أن استخدمه. ولا تحل هذه القرائن محل الفحص الفني، لكنها تساعد على توجيه التحقيق وتوفر مؤشرات تحول دون التعامل مع البلاغ على أنه موجّه ضد مجهول دون معلومات يمكن تتبعها.
إذا تضمنت الواقعة تهديدًا أو ابتزازًا، فيجب تخصيص فقرة واضحة لهما داخل البلاغ. وتُذكر فيها رسائل التهديد، ووسيلة إرسالها، وتاريخها، ومضمونها، وما إذا كان المشكو في حقه قد طلب مالًا أو منفعة أو مقابلة أو استمرار علاقة أو الامتناع عن إجراء معين. كما يجب بيان صلة التهديد بالمحتوى محل الواقعة، لأن التهديد بنشر صورة أو تسجيل خاص يختلف في مضمونه القانوني عن الخلاف اللفظي. وقد يستلزم استمرار التهديد أو إرسال المحتوى أو توسيع نطاق تداوله تقديم طلبات عاجلة إلى جهة الفحص أو التحقيق.
يجب أن يبين البلاغ الضرر الذي لحق بالمجني عليها، بما يشمل الأضرار النفسية والاجتماعية والأسرية والمهنية متى وُجدت. فقد تتلقى المجني عليها اتصالات أو رسائل من أشخاص شاهدوا المحتوى، أو تتعرض لمشكلات أسرية أو مهنية، أو تضطر إلى إغلاق حساباتها أو تغيير رقم هاتفها، أو تخشى استمرار النشر. ولا يلزم إرفاق جميع المستندات التفصيلية المثبتة للضرر عند تقديم البلاغ الأول، مع ضرورة وصفه بوضوح تمهيدًا لدعمه لاحقًا بالشهادات أو المستندات أو التقارير أو القرائن.
تُذكر النصوص القانونية بعد عرض الوقائع باعتبارها سندًا محتملًا للتكييف، ولا تغني الإشارة إليها عن بيان تفاصيل الواقعة. ويُوضح أن الأفعال قد تشكل، بحسب الأحوال، انتهاكًا لحرمة الحياة الخاصة، ونشرًا أو إرسالًا لمحتوى خاص دون رضا، وتهديدًا أو ابتزازًا متى توافرت عناصر أي منهما، وإساءة لاستعمال وسائل الاتصال إذا وقعت الأفعال عبر الرسائل أو الاتصالات أو تطبيقات المراسلة. وقد تتوافر أيضًا جريمتا السب أو القذف إذا صاحبت النشر عبارات مهينة أو اتهامات تمس الاعتبار.
تشكل الطلبات الفنية والإجرائية جزءًا أساسيًا من البلاغ. فيجب أن يطلب المحامي فحص الرابط أو الحساب أو الصفحة محل الواقعة، وتحديد القائم على إدارته، والاستعلام عن الرقم المستخدم في الإرسال أو التهديد، وفحص المحادثات الأصلية المقدمة من المجني عليها في نطاق محدد، والتحفظ على الأدلة الرقمية، وسماع أقوال الشهود الذين شاهدوا المحتوى أو تلقوه، وفحص هاتف المشكو في حقه أو أجهزته عند ضبطها، وضم رسائل التهديد أو الابتزاز، واستكمال الفحص الفني إذا ظهرت عناصر جديدة.
ينبغي أن تحدد الطلبات محل الفحص والغرض منه والبيانات المطلوب الاستعلام عنها. ولا يكفي الاكتفاء بطلب «اتخاذ اللازم قانونًا» من دون بيان الإجراءات المطلوبة. ويوفر هذا التحديد لجهة الفحص تصورًا أوليًا لمكان النشر، والحساب أو الرقم المستخدم، والمحتوى محل الواقعة، وصلة المشكو في حقه بها، والأدلة التي تحتاج إلى فحص.
تحتاج صياغة البلاغ إلى الهدوء والدقة. فتعرض الصياغة المهنية الواقعة بوضوح، وتحمي خصوصية المجني عليها، وتحدد عناصر الجريمة، وتربط الأدلة بالطلبات. يتيح ذلك استخدام البلاغ أداةً لبدء تحقيق فني وجنائي منظم، وحماية مركز المجني عليها، والتمهيد للمطالبة بحقها المدني.
الادعاء المدني والتعويض
يمتد تمثيل المجني عليها في قضايا نشر الصور والمقاطع والتسجيلات دون موافقة من تقديم البلاغ ومتابعة التحقيق الجنائي إلى المطالبة بالتعويض عن الأضرار الناتجة عن الواقعة. فقد تترتب على هذه الأفعال أضرار شخصية واجتماعية ونفسية ومهنية. لذلك ينبغي أن يضع المحامي مسألة التعويض في اعتباره منذ بداية الملف، وأن يجمع ما يثبت الفعل والضرر وعلاقة السببية بينهما.
يرتكز التعويض في كثير من هذه القضايا على الضرر الأدبي، لأن الاعتداء قد يمس الحياة الخاصة والسمعة والاعتبار والشعور بالأمان. وقد تعاني المجني عليها خوفًا مستمرًا من تداول المحتوى، أو شعورًا بالانكشاف والإهانة، أو ضغطًا أسريًا أو اجتماعيًا، أو اضطرابًا في حياتها اليومية، أو تتجنب الظهور والتواصل والعمل والدراسة. وتظل هذه الآثار محلًا للتعويض حتى إذا تعذر تحديد قيمة حسابية مباشرة لها. وعلى المحامي وصف الضرر الأدبي بعبارات واضحة ومحددة تبين أثر الواقعة على حياة المجني عليها، مع تجنب العبارات العامة التي لا توضح طبيعة هذا الأثر.
وقد يصاحب الضرر الأدبي ضرر مادي قابل للإثبات. ومن أمثلته اضطرار المجني عليها إلى ترك عملها أو التغيب عنه، أو تغيير رقم هاتفها، أو إغلاق حسابات مرتبطة بنشاط مهني، أو تحمل نفقات العلاج النفسي أو الاستشارات الطبية، أو دفع تكاليف تقنية لتأمين حساباتها، أو فوات فرص مهنية بسبب وصول المحتوى إلى جهة العمل أو العملاء أو الزملاء. ويساعد تدعيم هذه الأضرار بالمستندات أو الرسائل أو الشهادات على توضيح أساس طلب التعويض وإثبات عناصره.
أما الادعاء المدني أمام المحكمة الجنائية، فيكون وسيلة عملية للمطالبة بتعويض مؤقت أو نهائي بحسب الأحوال، مع ربط الطلب بالفعل الجنائي المنسوب للمتهم. ويستند هذا المسار إلى الوقائع نفسها محل الدعوى الجنائية، كما يتيح للمجني عليها الحضور بصفتها مدعية بالحق المدني، ومتابعة الدعوى، والمطالبة بجبر الضرر. ويجب على المحامي أن يقدّر في كل ملف مدى كفاية الادعاء المدني أمام المحكمة الجنائية، وما إذا كانت طبيعة الضرر ونطاقه يستلزمان رفع دعوى مدنية مستقلة لاحقًا للمطالبة بتعويض أشمل.
يجب ألا تقتصر صياغة طلب التعويض على القول إن المجني عليها أصابها ضرر مادي وأدبي. وينبغي أن يوضح الطلب الفعل الذي ارتكبه المتهم، والنتيجة التي ترتبت عليه، وصورة الضرر الذي لحق بالمجني عليها، وعلاقة السببية بين هذه العناصر. ويساعد هذا الربط المحكمة على تقدير ثبوت الضرر وجسامة الفعل.
تدخل جسامة الفعل ونطاق انتشار المحتوى ضمن العوامل المؤثرة في تقدير التعويض. فالنشر على صفحة عامة يختلف عن الإرسال إلى شخص واحد، وقد يكون إرسال المحتوى إلى الأسرة أو جهة العمل أشد أثرًا من نشره في نطاق لا يضم أشخاصًا يعرفون المجني عليها. كما قد تؤدي إعادة النشر أو مواصلة التهديد إلى زيادة الضرر. ويؤخذ استخدام حساب مزيف أو عبارات مهينة أو اقتران التهديد بطلب منفعة أو مال في الاعتبار عند تقدير طبيعة السلوك والقصد المرتبط به. لذلك يجب أن يبين طلب التعويض نطاق الانتشار، وطبيعة الجمهور الذي وصل إليه المحتوى، واستمرار الأثر، وسلوك المتهم قبل الواقعة وبعدها.
يمكن الاستعانة بالشهود في بعض الملفات لإثبات الضرر، مثل أحد أفراد الأسرة، أو زميل في العمل، أو شخص تلقى المحتوى، أو شخص شاهد أثر الواقعة على المجني عليها. كما يمكن الاستناد إلى المستندات والمراسلات والتقارير الطبية أو النفسية متى وُجدت، دون إعداد مستندات غير ضرورية أو تحميل المجني عليها أعباء إضافية. ويجب أن يعرض ملف التعويض الضرر بصورة واقعية، وأن يبين صلته بالفعل محل الجريمة.
نموذج محضر تحريات صادر عن الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات في جريمة تقنية معلومات
وزارة الداخلية
الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات
إدارة البحث الجنائي
فتح المحضر بتاريخ …/…/…… الساعة (…)
بمعرفتنا نحن/ (…) الضابط بالإدارة
أثبت الآتي
بشأن المحضر رقم (…) بتاريخ …/…/……، والمتضمن بلاغًا مقدَّمًا من/ (…)، لتضرره من مستخدم الحساب المسمى (…) على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، لقيامه بنشر منشور يتضمن (…)
وبإجراء التحريات اللازمة حول الواقعة، والتحريات السرية والفنية باستخدام الأساليب والوسائل الفنية الحديثة، وبالاستعانة بقسم المساعدات الفنية بالإدارة، أسفرت التحريات عن أن مرتكب الواقعة هو/ (…)، المقيم في (…)، ويحمل رقم قومي (…)
وعليه، أُقفل المحضر في ساعته وتاريخه عقب إثبات ما تقدم، وللنيابة العامة للتصرف.
(توقيع محرر المحرر)
نموذج تقرير فحص فني صادر عن الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات في جريمة تقنية معلومات
وزارة الداخلية
الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات
إدارة مباحث مكافحة جرائم الحاسبات وشبكات المعلومات
قسم المساعدات الفنية
تقرير فحص فني
بالنسبة إلى واقعة المحضر رقم (…) أحوال الإدارة بتاريخ …/…/……، بشأن البلاغ المقدَّم من/ (…)، والمتعلق بقيام مستخدم الحساب المسمى «………………»، والرابط الخاص به https://www.facebook.com/………………، على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، بنشر منشور عبر صفحته يتضمن (…)، مصحوبًا بعبارات مسيئة إلى سمعة مقدم البلاغ بقصد التشهير به وتهديده بالإيذاء.
الفحص:
| اسم التطبيق | فيسبوك |
| عنوانه اﻹلكتروني | https://www.facebook.com |
| وصف التطبيق | منصة للتواصل الاجتماعي تتيح لأعضائها إنشاء حسابات باستخدام البريد الإلكتروني أو رقم الهاتف، ونشر البيانات والصور والتعليقات عبر صفحاتهم. |
| الحساب مرتكب الواقعة | ……………………….. |
| الرابط الخاص به | ……………../https://www.facebook.com |
| نتيجة التتبع الفني | بإجراء التحريات الفنية تبين أن الحساب مربوط برقم (……………………………). |
| بيانات مستخدم الهاتف | بإجراء التحريات الفنية تبين أن مستخدم الهاتف المحمول سالف البيان هو المدعو / …………………………….. رقم قومي / ………………………….. |
مرفقات:
صور لما توصل إليه الفحص الفني، مطبوعة في عدد (٢) ورقة، ومؤشر عليها منا بالنظر والإرفاق.
(توقيع القائم بالفحص) (توقيع مدير وحدة/ قسم المساعدات الفنية)
الهوامش
1 تنص المادة (26) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات على أن “يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تجاوز خمس سنوات ، وبغرامة لا تقل عن مائة ألف جنيه ولا تجاوز ثلاثمائة ألف جنيه ، أو بإحدى هاتين العقوبتين ، كل من تعمد استعمال برنامج معلوماتى أو تقنية معلوماتية فى معالجة معطيات شخصية للغير لربطها بمحتوى مناف للآداب العامة ، أو لإظهارها بطريقة من شأنها المساس باعتباره أو شرفه.”
2 تنص المادة (309 مكرراً) من قانون العقوبات على أن: يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة كل من اعتدى على حرمة الحياة الخاصة للمواطن وذلك بأن ارتكب أحد الأفعال الآتية في غير الأحوال المصرح بها قانوناً أو بغير رضاء المجني عليه: (أ) استرق السمع أو سجل أو نقل عن طريق جهاز من الأجهزة أياً كان نوعه محادثات جرت في مكان خاص أو عن طريق التليفون. (ب) التقط أو نقل بجهاز من الأجهزة أياً كان نوعه صورة شخص في مكان خاص. فإذا صدرت الأفعال المشار إليها في الفقرتين السابقتين أثناء اجتماع على مسمع أو مرأى من الحاضرين في ذلك الاجتماع، فإن رضاء هؤلاء يكون مفترضاً. ويعاقب بالحبس الموظف العام الذي يرتكب أحد الأفعال المبينة بهذه المادة اعتماداً على سلطة وظيفته. ويحكم في جميع الأحوال بمصادرة الأجهزة وغيرها مما يكون قد استخدم في الجريمة، كما تحكم بمحو التسجيلات المتحصلة عنها أو إعدامها.”
3 تنص المادة (309 مكرر/ أ) من قانون العقوبات على أن “يعاقب بالحبس كل من أذاع أو سهل إذاعة أو استعمل ولو في غير علانية تسجيلاً أو مستنداً متحصلاً عليه بإحدى الطرق المبينة بالمادة السابقة أو كان بغير رضاء صاحب الشأن. ويعاقب بالسجن مدة لا تزيد على خمس سنوات كل من هدد بإفشاء أمر من الأمور التي تم التحصل عليها بإحدى الطرق المشار إليها لحمل شخص على القيام بعمل أو الامتناع عنه. ويعاقب بالسجن الموظف العام الذي يرتكب أحد الأفعال المبينة بهذه المادة اعتماداً على سلطة وظيفته. ويحكم في جميع الأحوال بمصادرة الأجهزة وغيرها مما يكون قد استخدم في الجريمة أو تحصل عنها، كما يحكم بمحو التسجيلات المتحصلة عن الجريمة أو إعدامها.”
4 تنص المادة (306) من قانون العقوبات على أن “كل سب لا يشتمل على إسناد واقعة معينة بل يتضمن بأي وجه من الوجوه خدشاً للشرف أو الاعتبار يعاقب عليه في الأحوال المبينة بالمادة ١٧١ بغرامة لا تقل عن ألفي جنيه ولا تزيد على عشرة آلاف جنيه”
5 تنص المادة (308 مكرر) من قانون العقوبات على أن “كل من قذف غيره بطريق التليفون يعاقب بالعقوبات المنصوص عليها في المادة ٣٠٣. وكل من وجه إلى غيره بالطريق المشار إليه بالفقرة السابقة سباً لا يشتمل على إسناد واقعة معينة بل يتضمن بأي وجه من الوجوه خدشاً للشرف أو الاعتبار يعاقب بالعقوبة المنصوص عليها في المادة ٣٠٦. وإذا تضمن العيب أو القذف أو السب الذي ارتكب بالطريق المبين بالفقرتين السابقتين طعناً في عرض الأفراد أو خدشاً لسمعة العائلات يعاقب بالعقوبة المنصوص عليها في المادة ٣٠٨.”
6 تنص الفقرة الأولى من نص المادة (302) من قانون العقوبات على أن “يعد قاذفاً كل من أسند لغيره بواسطة إحدى الطرق المبينة بالمادة ١٧١ من هذا القانون أموراً لو كانت صادقة لأوجبت عقاب من أسندت إليه بالعقوبات المقررة لذلك قانوناً أو أوجبت احتقاره عند أهل وطنه.”
7 تنص المادة (76) من قانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003 على أن “مع عدم الإخلال بالحق فى التعويض المناسب، يعاقب بالحبس وبغرامة لا تقل عن خمسمائة جنيه ولا تجاوز عشرين ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من: ١ – استخدم أو ساعد على استخدام وسائل غير مشروعة لإجراء الاتصالات. ٢ – تعمد إزعاج أو مضايقة غيره بإساءة استعمال أجهزة الاتصالات.”
8 حكم محكمة القاهرة الاقتصادية، دائرة الجنح، جلسة 25-10-2025، في الدعوى رقم 7257 لسنة 2025 جنح اقتصادية القاهرة.