قبل سنّ القانون: معايير حقوقية لصياغة تشريعات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات

القسم:

تاريخ النشر:

يوليو 6, 2026

تاريخ النشر:

يوليو 6, 2026

مقدمة

أدى التوسع في إصدار تشريعات تتعلق بالاتصالات وتكنولوجيا المعلومات إلى إنتاج إطار تشريعي يغلب عليه الطابع العقابي، ويعتمد في مواضع كثيرة على صياغات فضفاضة تسمح بتفسيرات واسعة، بما يجعل نطاق التطبيق القانوني غير محدد بدقة. في هذا السياق لا تهدف هذه الورقة إلى التشجيع على إصدار مزيد من القوانين في هذا المجال، فهي في المقابل تسعى إلى تقليل الاندفاع نحو التشريع وإبطاء إنتاج النصوص الجديدة، وربما إيقافه كليًا إلا في الحالات القصوى التي يثبت فيها، بالدليل والقياس، أن القوانين القائمة غير كافية لمعالجة خلل محدد.

ينطلق هذا التوجه من أن التشريع المتكرر والمتسارع، خاصة عندما يأتي بصياغات فضفاضة أو بمنطق عقابي، قد يخلق بيئة قانونية مرتبكة تتضمن ثغرات وتعارضات، ويؤدي إلى إضعاف الحقوق وتقليل الثقة في النظام القانوني بدلًا من تعزيزها. لذلك تضع الورقة أمام صانع القرار مجموعة من الاختبارات التحليلية التي يجب أن تسبق أي مقترح قانون جديد، وأن تُستوفى قبل المضي فيه. ويمكن تلخيص هذه الاختبارات في الأسئلة الآتية. هل هناك ضرر حقيقي وملموس لا تستطيع القوانين السارية معالجته؟ هل جُرّبت الأدوات غير التشريعية المتاحة؟ هل طُرحت بدائل تنظيمية أقل تقييدًا للحقوق وأكثر مرونة في التنفيذ؟

وفق هذا التصور، يصبح إقرار القانون آخر الحلول لا أولها، ولا ينبغي اللجوء إليه إلا إذا اجتاز المشرّع هذه الشروط والاختبارات. تهدف الورقة إلى التأكيد على أن الإفراط في سن القوانين قد يتحول إلى عائق أمام التحول الرقمي المستدام وضمان الحقوق الأساسية، وأن السياسة التشريعية الرشيدة في هذا المجال تقوم على الامتناع عن التشريع إلا في أضيق نطاق وبشروط صارمة، بدل التعامل مع كل ظاهرة تقنية باعتبارها سببًا كافيًا لإصدار قانون جديد.

تقدم هذه الورقة سياسات وإرشادات تشريعية مفصّلة للمشرّعين وصنّاع القرار في مصر بشأن إعداد وإصدار قوانين الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات. وتركّز على السياسات والتوجيهات العملية بدلًا من سرد نماذج تشريعية جاهزة، بهدف مساعدة المشرّع على اتخاذ قرارات مستنيرة بشأن جدوى التشريع، وضمان ألا يصدر أي قانون جديد في هذا المجال إلا إذا كان ضروريًا ومحددًا ومتوازنًا.

أولًا: المحددات الدستورية لصياغة قوانين الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات

تمس القوانين المنظمة لقطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الحقوق والحريات الأساسية، وتؤثر في مصداقية النظام القانوني. لذلك، يشكّل احترام الدستور، نصًا وروحًا، الشرط الأول لأي جهد تشريعي في هذا المجال. يضع الدستور قواعد واجبة الاحترام، من بينها حماية حرية التعبير، والحق في الخصوصية، وضمان المحاكمة العادلة. وتقيّد هذه المبادئ سلطة المشرّع، وتلزمها بصياغة القوانين على نحو يحمي الحقوق ولا يوسع القيود عليها.

عند إعداد قوانين جديدة، يقتضي الالتزام بالدستور إخضاع النصوص المقترحة لاختبارات دقيقة. فلا يجوز اللجوء إلى التشريع إلا عند وجود خلل حقيقي لا تكفي القوانين القائمة لمعالجته وبشرط أن تأتي الصياغة محددة وواضحة بما يمنع الغموض ويحد من التفسيرات التوسعية. يؤدي تجاوز هذه المحددات إلى إنتاج نصوص قد تتعارض مع أحكام الدستور، وتصبح عرضة للطعن بعدم دستوريتها، بما يضعف شرعيتها وثقة المخاطبين بها.

ولا يقف الالتزام الدستوري عند مستوى المبادئ العامة، بل يمتد إلى إدماج ضمانات إجرائية ملموسة داخل القوانين التي تنظم الفضاء الرقمي. فالحماية المقررة للخصوصية أو لحرية الصحافة يجب أن تتحول إلى قواعد عملية تقيّد السلطة التنفيذية، بحيث لا يجوز ممارسة الحجب أو المراقبة إلا بأمر قضائي مسبب ومحدد في مدته ونطاقه، مع ضمان توفير سبل طعن فعّالة وسريعة، وإلزام الجهات المنفذة بتسبيب قراراتها ونشر تقارير دورية عن أنشطتها. أي قانون يخلو من هذه الضمانات لا يفي بالحد الأدنى من الالتزامات الدستورية حتى لو بدا منسجمًا مع النصوص العامة.

تحتاج صياغة التشريعات المتعلقة بالفضاء الرقمي أيضًا إلى قراءة تقدمية للنصوص الدستورية. فقد كُتبت هذه النصوص في لحظة تاريخية معينة، لكنها صُممت لتبقى قادرة على استيعاب التطورات الاجتماعية والتكنولوجية. فإذا كان الدستور قد نص على حماية الصحف المطبوعة من الرقابة أو الإيقاف، فإن مضمون هذه الحماية يجب أن يمتد إلى الصحف الإلكترونية، والمواقع الإخبارية، والمنصات الرقمية التي أصبحت من الأدوات الرئيسية لممارسة العمل الصحفي. وبالمثل، فإن النصوص التي تكفل سرية المراسلات والمكالمات يجب أن تشمل البريد الإلكتروني، وتطبيقات التراسل الفوري، وخدمات التخزين السحابي.

تحافظ هذه القراءة التقدمية للنصوص الدستورية على مضمون الحقوق، وتمنع التمييز بين وسائط قديمة وأخرى حديثة. كما تساعد على تحقيق توازن بين احترام نصوص الدستور بروحها، وتكييفها مع واقع رقمي يؤثر في حياة الأفراد والمجتمعات والدول.

ثانيًا: ضرورة التشريع وتقييم البدائل المتاحة

قبل سنّ أي قانون جديد في مجال الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، يجب اتباع نهج تحليلي يستند إلى بيانات وأدلة تثبت وجود مشكلة ذات أثر ملموس تتطلب التدخل. كما يجب التحقق أولًا من مدى قدرة الأدوات القانونية والتنظيمية القائمة على معالجتها.

  • مراجعة المنظومة القانونية القائمة: في كثير من الحالات، قد تكفي القوانين العامة أو القطاعية النافذة لمواجهة المشكلة، إذا ما تم تفعيلها أو تفسيرها بالشكل السليم. على سبيل المثال، بدلًا من استحداث قانون جديد لمعاقبة الاحتيال الإلكتروني، يمكن تعديل مواد قانون العقوبات المتعلقة بالنصب والاحتيال لتشمل الأساليب الإلكترونية. لذا يجب فحص القوانين السارية، مثل قانون العقوبات، والقانون المدني، وقوانين الاتصالات القائمة، لبيان ما إذا كانت تحتوي بالفعل على أدوات تعالج المسألة المثارة.
  • بحث البدائل غير التشريعية: إذا تبيّن قصور التشريعات الحالية، ينبغي النظر في إمكانية تبني إجراءات غير تشريعية أو لوائح تنظيمية فرعية. قد يكفي إصدار لائحة تنفيذية أو قرار وزاري أو مدونة سلوك ملزمة لمعالجة بعض الجوانب التقنية دون حاجة لقانون ذو طابع تشريعي. على سبيل المثال، بدلاً من تجريم بعض سلوكيات سوء استخدام الإنترنت فورًا، يمكن للجهة الإدارية، مثل الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، إصدار مدونة قواعد سلوك للمحتوى الرقمي أو معايير فنية للأمن السيبراني بالتشاور مع المعنيين.
  • الجزاءات الإدارية قبل العقوبات الجنائية: إذا دعت الحاجة إلى التدخل لضبط سلوك معين، فينبغي تدرج الأدوات العقابية. البداية تكون من الإجراءات الإدارية أو العقوبات المالية المتدرجة (كالتنبيه والإنذار، ثم الغرامات المتناسبة مع المخالفة، ثم الإيقاف المؤقت للنشاط إذا لزم) قبل الانتقال إلى التجريم الجنائي كخيار أخير. فالتجريم ينبغي أن يُستخدم فقط عند فشل كافة الوسائل الأقل تقييدًا في ردع السلوك الضار وعندما يكون الضرر الاجتماعي جسيمًا. ويُراعى عندئذ أن تُصاغ الجريمة المحددة على نحو ضيق ودقيق وأن تُراجع بشكل دوري للتحقق من ضرورتها.
  • المراجعة الدورية والإلغاء عند انتفاء الحاجة: حتى بعد إقرار تشريع جديد، يجب النص على إخضاعه للمراجعة بعد فترة زمنية محددة، مثل كل ثلاث أو خمس سنوات، للتأكد من استمرار الحاجة إليه وفعاليته. وإذا تبيّن مع الوقت أن الضرر المستهدف قد زال أو قلّت خطورته، ينبغي للمشرّع تعديل القانون أو إلغاؤه. فالتشريعات في مجال سريع التغير يجب أن تبقى قابلة للمراجعة والتعديل تبعًا لتطور التقنية وحاجة المجتمع.

ثالثًا: مبادئ توجيهية لصياغة التشريعات الرقمية

عند ثبوت الحاجة إلى تشريع جديد، أو إلى تعديل قانون قائم في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، ينبغي أن يلتزم المشرّع بمجموعة من المبادئ التي تضمن اتساق القانون مع أحكام الدستور والتزامات الدولة في مجال حقوق الإنسان، وتحافظ على الحقوق والحريات عند تنظيم هذا المجال. وتشمل هذه المبادئ ما يلي.

مبدأ الضرورة والملاءمة:

لا يجوز سنّ أي نص قانوني جديد، خصوصًا إذا كان يفرض قيودًا على الحقوق أو يقرر عقوبات، إلا بعد ثبوت وجود حاجة اجتماعية ملحّة إليه، وعدم وجود وسائل بديلة أقل تقييدًا يمكن أن تحقق الهدف نفسه. يستند هذا المبدأ إلى الاختبار الثلاثي في القانون الدولي لحقوق الإنسان، الذي يشترط أن تكون القيود على حقوق مثل حرية التعبير مبررة بضرورة ملحّة لحماية مصلحة مشروعة. لذلك، يتعين على المشرّع، قبل اللجوء إلى التجريم، أن يثبت عدم كفاية التدابير الإدارية أو التقنية في معالجة المشكلة المطروحة.

التناسب وتحديد النطاق:

في حالة ثبوت الحاجة إلى التشريع، ينبغي أن تكون أحكامه متناسبة مع حجم الضرر المستهدف، سواء من حيث نطاق التجريم أو شدة العقوبة أو مدة سريان الإجراء التقييدي. ويجب أن يظل أي قيد يفرضه القانون محدودًا بالقدر الضروري لتحقيق الهدف المشروع، وألا يتجاوز ما تقتضيه معالجة هذا الهدف. فعلى سبيل المثال، يجب أن تتناسب العقوبات الجنائية مع جسامة الفعل الجرمي والضرر الناتج عنه، وألا تصل إلى حد المغالاة الذي يحوّلها إلى عقوبات ردعية أكثر من كونها إصلاحية.

الشرعية واليقين القانوني:

احترامًا لمبدأ سيادة القانون، يجب صياغة التشريعات بلغة واضحة ومحددة لا تحتمل التأويل الفضفاض. ينبغي عدم استخدام مصطلحات مطاطة مثل “ما يخل بالأمن القومي الرقمي” أو “الاعتداء على القيم الأسرية” دون تعريف دقيق في متن القانون. فغياب التعريفات يحد من قدرة الأفراد على معرفة السلوك المحظور مسبقًا، ويمنح سلطات إنفاذ القانون هامشًا واسعًا للتفسير. وقد شددت المعايير الدولية على ضرورة تجنب الألفاظ الغامضة في نصوص الجرائم التقنية. لذلك، كلما ظهرت حاجة إلى استخدام مفهوم واسع، يجب أن يعرّفه القانون تعريفًا عمليًا دقيقًا، أو يحيل إلى تعريف محدد في تشريع آخر.

حماية الحقوق والحريات الأساسية:

يجب أن ينطلق أي قانون جديد يتعلق بالتكنولوجيا من منظور صون الحقوق الرقمية وضمان عدم تقييدها إلا في أضيق الحدود ووفق الضمانات القضائية الواجبة. يشمل ذلك احترام حرية التعبير والحق في الخصوصية وحماية البيانات الشخصية، والحق في الاتصال والوصول إلى المعلومات دون تمييز. وينبغي للنصوص القانونية أن تنص صراحةً على عدم مساسها بالأنشطة المشروعة التي يكفلها الدستور؛ كالنشاط الصحفي والإعلامي، والبحث العلمي، والنقد السياسي السلمي، وغيرها من الممارسات المحمية.

المحاسبة والشفافية:

ينبغي أن تتضمن القوانين آليات فعالة للرقابة والمساءلة على تنفيذ أحكامها، بما يعزز مشروعيتها وثقة الجمهور فيها. ويتطلب ذلك إدراج نصوص تلزم الجهات الإدارية، مثل هيئات تنظيم الاتصالات والأجهزة الأمنية، بنشر تقارير دورية عن استخدام صلاحياتها بموجب القانون، بما في ذلك عدد أوامر حجب المواقع الصادرة، وأسبابها، ومددها.

كما يجب إتاحة سبل سريعة وفعالة للطعن القضائي والإداري في القرارات التنفيذية، مثل أوامر الحجب والمراقبة، مع إخطار الجهات أو الأفراد المتأثرين بالقرار لتمكينهم من الدفاع عن حقوقهم. ويجب أيضًا إخضاع الجهات المنفذة، مثل الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، لرقابة برلمانية وقضائية مستقلة، سواء عبر اشتراط موافقة قضائية مسبقة على بعض الإجراءات، أو عبر تمكين البرلمان من طلب تقارير ومساءلة المسؤولين عن تطبيق القانون.

تقليل الطابع الجنائي قدر الإمكان:

يفضّل أن تعتمد التشريعات التقنية، كلما أمكن، على أدوات تنظيمية مدنية أو إدارية بدل التوسع في التجريم والعقاب الجنائي. وإذا كان النص العقابي ضروريًا، فيجب أن يعرّف الجريمة بشكل دقيق ومحصور. أما المخالفات التقنية غير الجسيمة، فيمكن غالبًا التعامل معها من خلال تدابير إدارية، مثل إلزام الجهة المخالفة بتصحيح الثغرة الأمنية خلال فترة محددة، أو من خلال جزاءات مالية تصاعدية في حالة التكرار. يمكن أيضًا اللجوء إلى مدونات سلوك تُعد بالتوافق مع الجهات الفاعلة في القطاع، بدل الإفراط في التجريم الذي قد يقيّد الابتكار. وينسجم تقليل الطابع الجنائي مع طبيعة التقنية سريعة التطور، إذ قد ينتج الخطأ أحيانًا عن جهل أو إهمال غير متعمد، لا عن نية إجرامية تستوجب الردع الجنائي.

الحياد التكنولوجي والتطور المستقبلي:

يجب أن تُصاغ التشريعات بطريقة محايدة تكنولوجيًا قدر الإمكان، بحيث لا ترتبط أحكامها بتقنية محددة أو أداة برمجية قد تصبح غير مستخدمة مع الوقت. فالقوانين التي تسرد أنواعًا تفصيلية من الأجهزة أو الوسائط قد تفقد فعاليتها مع التطورات التقنية السريعة. لذلك، يفضّل اعتماد صياغات عامة تسمح بتطبيق القانون على التقنيات الجديدة. فعلى سبيل المثال، بدلًا من ذكر نوع تشفير محدد بالاسم، يمكن النص على مبادئ استخدام التشفير الآمن بغض النظر عن خوارزميته، مع ترك التفاصيل للمعايير الفنية التي يمكن تحديثها خارج إطار التشريع. ويساعد الحياد التكنولوجي على إطالة العمر التشريعي للنص، ويحد من الحاجة إلى تعديله مع كل تطور تقني جديد.

عدم إزاحة مسؤوليات الدولة إلى الكيانات الخاصة:

يجب أن يتجنب المشرّع منح صلاحيات إنفاذ القانون للجهات الخاصة، مثل شركات الاتصالات ومزودي المنصات، على نحو يحولها إلى جهة تمارس الرقابة المسبقة والشاملة على المستخدمين. فالحفاظ على الأمن والنظام العام مسؤولية أصلية للسلطة العامة عبر أدواتها القضائية والتنفيذية. ولا يجوز أن يفرض القانون على الشركات مراقبة محتوى جميع المستخدمين بشكل استباقي، أو فلترة الاتصالات بشكل شامل، لأن ذلك ينتهك خصوصية المستخدمين ويفرغ الضمانات الإجرائية من مضمونها. وبدلًا من ذلك، يجب أن تقتصر التزامات الوسطاء على التعاون مع السلطات في حدود أوامر قضائية محددة، تتعلق بحالات فردية واضحة، وألا يتحولوا إلى جهة تحقيق أو جمع معلومات دون سند قضائي.

رابعًا: أخطاء تشريعية شائعة يجب تجنّبها

تكشف التجربة التشريعية المصرية خلال العقد الأخير في مجال الاتصالات وتقنية المعلومات عن عدد من الأخطاء والصياغات التي أثارت انتقادات حقوقية، وسببت مشكلات في التطبيق. تعرض الورقة في هذا القسم أبرز هذه الأخطاء التي ينبغي للمشرّع تفاديها مستقبلًا.

الغموض في المصطلحات والصياغات الفضفاضة

يلجأ المشرّع أحيانًا إلى استعمال ألفاظ عامة غير منضبطة مثل “الأمن القومي” أو “النظام العام” أو “الآداب العامة” كأسباب لتقييد المحتوى أو المعاقبة، دون أن يعرّفها بدقة في إطار القانون. كذلك تضمّ بعض القوانين مصطلحات مطاطة لتجريم أفعال مثل “نشر الشائعات” أو “إساءة استخدام وسائل الاتصال” أو “تهديد السلام الاجتماعي” دون بيان الحدود الفاصلة بين ما هو مباح وما هو مجرّم. يخالف هذا الغموض التشريعي مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات ويجعل الأفراد عاجزين عن توقّع العواقب القانونية لأفعالهم، كما يمنح السلطة التنفيذية مساحة واسعة لتأويل النص بما يخدم أهدافها السياسية.

يوسّع هذا الغموض دائرة التجريم بما يتجاوز الأفعال الضارة فعليًا، وقد يطال خطابًا مشروعًا تحت عناوين مثل الأمن القومي أو الشائعات. ويدفع ذلك الأفراد والمؤسسات إلى الرقابة الذاتية، كما يصعّب تطبيق القانون بانضباط في غياب معايير موضوعية واضحة. ولتجنب هذا الخلل، يجب على المشرّع تعريف المصطلحات الرئيسية داخل نص القانون. فإذا ظهرت حاجة إلى استخدام مفهوم واسع مثل الأمن القومي، فيجب أن يقترن بتعريف يحدد المقصود به، مع إدراج معياري الضرورة والتناسب ضمن مواد التجريم.

الإفراط في العقوبات الجنائية بدل التدابير التنظيمية

تميل بعض التشريعات إلى اعتماد نهج تصعيدي في العقاب من خلال تغليظ العقوبات الجنائية، مثل الحبس لمدد طويلة والغرامات الكبيرة، على أفعال يمكن التعامل معها بجزاءات أخف. يظهر ذلك في قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، الذي يفرض عقوبات سالبة للحرية وغرامات عالية على جرائم مثل “انتفاع غير مشروع بخدمة اتصالات” أو “الدخول غير المشروع على موقع حكومي”. قد تنتج هذه الأفعال أحيانًا عن جهل أو عدم فهم، لذلك فهي لا تستدعي دائمًا عقابًا جنائيًا. كما نص القانون على عقوبة الحبس لمديري الشركات مقدمي الخدمة إذا لم ينفذوا أوامر الحجب الفوري للمواقع المخالفة، مما يضع أشخاصًا لم يرتكبوا الجريمة الأصلية أمام خطر السجن بسبب إجراء تقني ربما تعذر تنفيذه بالسرعة المطلوبة.

يؤدي تغليب العقاب الجنائي إلى أثر سلبي على البيئة الرقمية، إذ قد يتجنب الأفراد التجريب والابتكار خوفًا من الاصطدام بنص عقابي صارم. كما يرهق منظومة العدالة الجنائية بعدد كبير من القضايا التي قد لا ترقى إلى خطورة الجرائم الجنائية التقليدية، مما يبطئ الفصل في القضايا ويستنزف موارد الدولة.

الاعتماد المفرط على اللوائح التنفيذية وترك القانون فارغًا

تكتفي بعض التشريعات المصرية الحديثة بسرد مبادئ عامة، ثم تُحيل معظم التفاصيل الجوهرية إلى لوائح تنفيذية أو قرارات وزارية مستقبلية. وقد يكون التفصيل التقني مناسبًا للائحة، لكن المبالغة في الإحالة تؤدي إلى فراغ قانوني إلى حين صدور اللائحة، وقد تخلق غموضًا مستمرًا إذا تأخر إصدارها. وفي مجال التكنولوجيا، يسبب ذلك اضطرابًا لأن كثيرًا من الحقوق والالتزامات تظل غير محددة فعليًا رغم وجود القانون.

يوضح قانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020 هذه المشكلة. فقد ظل القانون لسنوات بعد إصداره دون دخول فعلي حيز التطبيق العملي، بسبب انتظار صدور لائحته التنفيذية. نص القانون على حقوق للمواطنين والتزامات على المعالجين، لكنه أحال أمورًا حيوية إلى اللائحة التنفيذية، مثل معايير نقل البيانات عبر الحدود، وإجراءات الإخطار بحالات خرق البيانات، وآليات تقديم الشكاوى. وصدرت اللائحة بعد تأخر تجاوز أربع سنوات من التاريخ المقرر لإصدارها، مما جعل تطبيق القانون معلّقًا عمليًا خلال تلك المدة.

يؤدي هذا النهج إلى حالة من عدم اليقين لدى المخاطبين بالقانون، إذ لا يعرفون بدقة ما المطلوب منهم لتجنب مخالفته إلى حين صدور اللوائح، التي قد تصدر متأخرة أو غير مكتملة. كما يضعف ذلك قابلية إنفاذ القانون، فلا تستطيع الجهات الإدارية التحرك بفعالية دون إطار تفصيلي، ولا تستطيع المحاكم حسم النزاعات في غياب معايير واضحة لقياس الالتزام. ويفقد القانون بذلك أثره الردعي والوقائي لفترة طويلة.

لذلك، يجب أن يحتوي نص القانون ذاته على الخطوط العريضة الواضحة للحقوق والالتزامات والجزاءات، وألا يُترك جوهر الحق للوائح. وينبغي للمشرّع، عند سن القانون، أن يتصور طريقة تطبيقه عمليًا، وأن يضمن تفصيل العناصر الأساسية بما يكفي. وإذا كانت الإحالة إلى لائحة ضرورية بسبب الطبيعة المتغيرة للتقنية، فيجب النص على مهلة زمنية محددة وقصيرة لإصدارها، مثل ثلاثة أو ستة أشهر من تاريخ نشر القانون. كما ينبغي النص على تطبيق أحكام القانون مباشرةً بمعناها العام، أو تطبيق المعايير الدولية ذات الصلة كتدبير انتقالي، إذا لم تصدر اللائحة خلال المهلة المحددة.

فرض قيود معرقلة على حيازة أدوات الأمن الرقمي واستخدام التشفير

الأصل في التشريع أن الأدوات التقنية المستخدمة لحماية الأفراد والمجتمع من المخاطر لا تُجرَّم بذاتها، بل يقتصر التجريم على الأفعال الضارة التي تُرتكب بها أو بغيرها. ولا يجوز تجريم حيازة أدوات الأمن الرقمي لمجرد احتمال إساءة استعمالها. فهذه الأدوات، من برامج مكافحة الفيروسات إلى أدوات التشفير وإخفاء الهوية وإدارة كلمات المرور، تمثل وسيلة أساسية لحماية أمن الأفراد والمؤسسات والدولة في الفضاء الرقمي. لذلك، ينبغي أن تشجع التشريعات استخدامها الآمن، لا أن تجرّم حيازتها.

تتجه بعض التشريعات إلى عكس هذا الأصل، فتوسّع نطاق التجريم ليشمل حيازة أدوات الأمن الرقمي أو استخدامها بذاتها، حتى في غياب أي سلوك ضار. ويُظهر التشفير هذه الإشكالية بوضوح، باعتباره من أكثر الأدوات استخدامًا وفاعلية في حماية سرية البيانات والاتصالات. فبدل التعامل معه كحق مشروع وأداة ضرورية للأمن الرقمي، تعامله بعض النصوص القانونية كنشاط مشبوه يستوجب الترخيص أو الحظر، بما يؤدي إلى نتائج عكسية.

تجسد المادة (64) من قانون تنظيم الاتصالات هذا النهج، إذ تحظر على كل من مقدّمي خدمات الاتصالات ومستخدميها استخدام أي تجهيزات لتشفير خدمات الاتصالات دون موافقة كتابية مسبقة من الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات ومن جهات أمنية متعددة.كما تُلزم شركات الاتصالات بتركيب تجهيزات فنية تمكّن جهات الأمن من ممارسة الرقابة. وعمليًا، يضع هذا النص قيدًا ترخيصيًا عامًا على التشفير، فيحوّل استخدامه، حتى لأغراض وقائية روتينية مثل تأمين قواعد البيانات أو المعاملات الإلكترونية، إلى نشاط مشروط بالحصول على موافقات متعددة ومعقّدة.

تُضعف القيود المفروضة على أدوات الأمن الرقمي قدرة الأفراد والكيانات على حماية أنظمتهم وبياناتهم، وتزيد قابلية المجتمع للاختراق الإجرامي والتجسّس. كما تؤثر هذه القيود في ثقة المستثمرين في بيئة الاستضافة والبنية التحتية، وتُعقّد تشغيل خدمات سحابية ومراكز بيانات محلية تتطلب تشفيرًا قويًا افتراضيًا. ومن زاوية الحقوق الأساسية، يمسّ التضييق على التشفير الحق في الخصوصية وسرية المراسلات وحرية التعبير، لأنه يعرّض الاتصالات المشروعة للمراقبة المسبقة، ويضيّق على الصحافة، والمدافعين عن الحقوق، والباحثين الذين يعتمدون على أدوات الحماية لضمان السلامة الرقمية.

تتطلب معالجة تجريم أدوات الأمن الرقمي نقل السياسة التشريعية من الحظر العام إلى تنظيم دقيق يرتبط بضمانات قضائية واضحة. ولا يعني ذلك حرمان القانون من أدوات التدخل، إذ يمكن التدخل في حالات محددة وضيقة، عبر مسار قضائي يضمن الضرورة والتناسب والخصوصية الفردية. ويجب ألا يكون التدخل عامًا أو وقائيًا، بل مرتبطًا بجريمة جسيمة محددة وبشخص بعينه، وبأمر قضائي مسبق قابل للمراجعة والطعن والتعويض.

التعريفات الفضفاضة للجرائم ذات الطابع الرقمي دون استثناءات مشروعة

تعاني بعض التشريعات الجنائية في المجال التقني من توسيع نطاق التجريم ليشمل أفعالًا قد تكون، في سياقات معينة، مشروعة أو مفيدة للمجتمع. فعلى سبيل المثال، يجرّم قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات أنشطة مثل “اصطناع المواقع” و”الاعتداء على سلامة البيانات والمعلومات”، دون وضع استثناءات واضحة لمن يقوم بهذه الأفعال لأغراض الاختبار الأمني أو البحث العلمي. وقد يؤدي ذلك إلى تخوف الباحثين في أمن المعلومات من الإبلاغ عن الثغرات أو اختبار الأنظمة الحكومية خوفًا من الملاحقة، رغم الاعتراف بهذه الأنشطة في ممارسات الأمن السيبراني بوصفها وسيلة لتحسين الحماية الرقمية.

كما لا يستثني القانون الحالات التي ينتفي فيها الركن المعنوي، مثل دخول شخص إلى جهاز ظنًا منه أنه يملك الإذن، أو نتيجة خطأ تقني غير مقصود. ويغيب أيضًا استثناء واضح لنسخ المعلومات لأغراض النسخ الاحتياطي أو التعليم، إذ قد يُفهم أي نسخ غير مصرح به لبرامج أو بيانات على أنه موجب للعقاب، حتى إذا لم تقترن به نية التربح أو الإضرار. لذلك، ينبغي صياغة الجرائم ذات الطابع الرقمي في أضيق نطاق ممكن، وبشكل يوضح الركن المادي والركن المعنوي للجريمة. كما يجب تحديد الفعل المادي المحظور على نحو لا يطال الأنشطة المشروعة.

غياب تقييم أثر حقوقي واقتصادي قبل التشريع

تُقر بعض القوانين على نحو متعجل أو كرد فعل لأحداث جذبت انتباه الرأي العام على وسائل التواصل الاجتماعي، دون إجراء دراسات كافية حول أثرها المحتمل على الحقوق الأساسية أو تداعياتها الاقتصادية والتكنولوجية. وقد يؤدي هذا القصور في التحضير التشريعي إلى نتائج غير مقصودة، مثل إضعاف حرية التعبير، أو تحميل الشركات تكاليف امتثال مرتفعة، أو تعطيل بعض الخدمات النافعة. وفي العديد من الدول، أصبح تقييم الأثر التشريعي (Regulatory Impact Assessment)، خطوة لازمة قبل إقرار أي قانون جديد.

يؤدي غياب تقييم الأثر إلى فجوة بين النص القانوني وواقع التطبيق. فقد يتضح بعد صدور القانون أنه غير قابل للتنفيذ إلا بتكاليف عالية، أو أنه يؤثر سلبًا في بيئة الاستثمار. وقد تظهر معارضة شعبية أو اعتراضات من مجتمع الأعمال عند بدء التطبيق، مما يضطر الدولة إلى تعديله أو تجميده. ومن زاوية الحقوق، قد تظهر آثار ضارة بعد بدء التنفيذ، مثل التأثير السلبي على حرية الصحافة. يضع ذلك المشرّع أمام الحاجة إلى الدفاع عن قانون أثار انتقادات واسعة، أو إنفاق مزيد من الوقت والموارد لتصويبه.

لذلك، ينبغي إدخال متطلب قانوني صريح يلزم بإرفاق دراسة أثر حقوقي واقتصادي علنية مع كل مشروع قانون جديد. ويجب أن تتضمن هذه الدراسة تحليلًا لبنود المشروع من منظور حقوق الإنسان، مثل مدى تأثيره على حرية التعبير أو الخصوصية، وما إذا كانت القيود المقترحة مبررة وضرورية. كما يجب أن تتضمن تحليلًا اقتصاديًا، مثل تقدير تكاليف الامتثال على الشركات، وأثر المشروع على الناتج المحلي الرقمي.

يجب إعداد هذه الدراسة من خلال مشاورات عامة مع الأطراف المعنية، مثل شركات التكنولوجيا والاتصالات، ومنظمات المجتمع المدني المعنية بالحريات الرقمية، والخبراء الأكاديميين. كما يلزم نشر مشروع القانون على مواقع رسمية لجمع تعليقات الجمهور لمدة معقولة قبل اعتماده. تساعد هذه المشاورات على رصد المشكلات المحتملة قبل وقوعها، وقد تؤدي أحيانًا إلى العدول عن فكرة التشريع إذا ثبتت محدودية جدواه أو رجحت آثاره الضارة.

خامسًا: التوصيات العملية لتشريعات فعّالة ومتوازنة

يتناول هذا القسم الإجراءات والخطوات التي ينبغي للمشرّع اتباعها حتى تحقق القوانين الصادرة في مجال الاتصالات وتقنية المعلومات أهدافها، دون الإضرار بالحقوق الدستورية أو إعاقة التطور الرقمي.

وضع تعريفات دقيقة للمفاهيم التقنية والأمنية

يجب أن يبدأ أي قانون جديد بمادة تعريفات شاملة للمصطلحات الرئيسية الواردة فيه، خاصة المصطلحات التي قد تُفسر بأكثر من معنى. فعلى سبيل المثال، ينبغي تعريف مصطلحات مثل “الأمن القومي المعلوماتي”، و”السلام الاجتماعي عبر الإنترنت”، و”خطاب الكراهية الرقمي”، و”البيانات الشخصية الحساسة”.

يلزم أن تكون هذه التعريفات تشغيلية وعملية قدر الإمكان، بحيث توضح حدود المفهوم ومعاييره. فتعريف “الأمن القومي” قد يتضمن تحديد الحالات التي تُعد تهديدًا حقيقيًا له، مثل الهجمات السيبرانية على منشآت عسكرية أو شبكات حكومية حيوية. كما يمكن أن يستند تعريف “خطاب التحريض على العنف” إلى التعريفات الأممية، مثل الدعوات الصريحة إلى العنف أو التمييز ضد مجموعة محمية. ويهدف ذلك إلى منع ترك المفاهيم الأساسية للتفسير الواسع بعد إقرار القانون، ويسهم في تعزيز اليقين القانوني، ويحد من استخدام العبارات الفضفاضة لتقييد ممارسة حق مشروع.

تحقيق المواءمة التشريعية وإصدار قانون إطار عند اللزوم

عند سنّ تشريع جديد في موضوع يتقاطع مع قوانين سارية أخرى، يتعين على المشرّع ضمان الاتساق التشريعي. فإذا كان القانون الجديد يمثل السياسة العامة الأشمل، فيمكن جعله “قانون إطار” تندرج تحته المبادئ العامة، وتُعدّل بموجبه القوانين الأخرى لتتطابق معه.

فعلى سبيل المثال، إذا تقرر إصدار قانون شامل لأمن المعلومات، فينبغي أن يتضمن تعديلات على قانون الاتصالات وقانون العقوبات وغيرهما من القوانين ذات الصلة، لإلغاء أي تعارض أو ازدواجية. أما إذا صدر قانون متخصص، مثل قانون حماية البيانات الشخصية، فيجب أن يتضمن مادة تنص على سمو أحكامه على غيرها من القوانين عند التعارض في مجال الخصوصية، مع حصر الاستثناءات في نطاق محدود، مثل حالات التحقيق الجنائي المشروطة بصدور أمر قضائي.

تركيز التجريم على الأفعال الضارة فعليًا وتقنين العقوبات

ينبغي أن يضيّق المشرّع نطاق التجريم ليقتصر على الأفعال التي تُلحق ضررًا ماديًا أو معنويًا جسيمًا بالمجتمع أو الأفراد، ولا يمكن معالجتها بوسائل غير جنائية. لذلك، يلزم مراجعة قائمة الجرائم في القوانين التقنية وتنقيحها. فعلى سبيل المثال، يمكن الاكتفاء بالقضاء المدني التعويضي في جرائم مثل السبّ والقذف عبر الإنترنت، دون إضفاء طابع جنائي عليها.

كما يجدر إلغاء الجرائم الفضفاضة مثل “إساءة استخدام وسائل التواصل”، أو إعادة صياغتها في صورة مخالفات إدارية، مثل توقيع غرامة على نشر محتوى مسيء خارج حدود حرية التعبير. وفي المقابل، ينبغي الإبقاء على تجريم الأفعال ذات الخطورة الواضحة، مثل الاختراق بقصد التخريب، وسرقة الهوية الرقمية بغرض الاحتيال المالي، وبث برمجيات خبيثة تدمر الأنظمة، واستغلال الأطفال جنسيًا عبر الإنترنت. فهذه الأفعال ترتبط بضحايا محددين، أو تهدد الأمن العام والاقتصاد الرقمي بشكل مباشر، بما يبرر تجريمها وفرض عقوبات رادعة عليها. وحتى ضمن هذه الفئة، يجب ربط التجريم بشرط القصد الجنائي حتى لا يُعاقب من لم تتوافر لديه نية إجرامية.

ينبغي أيضًا اعتماد سُلّم عقابي متدرج. فتكون العقوبة الأساسية جنحة، مثل الحبس القصير أو الغرامة، ولا ترتفع إلى جناية إلا في حالات تكرار الفعل أو التسبب في ضرر جسيم. ويجب منع الجمع غير الضروري بين عقوبات متعددة على الفعل نفسه، مثل محاكمة شخص واحد عن منشور واحد بموجب قانون الإرهاب، وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، وقانون العقوبات. وبدلًا من ذلك، يجب أن ينص قانون واحد على العقوبة الواجبة، أو أن تُستبعد ازدواجية المحاسبة تطبيقًا لقاعدة عدم المحاكمة على الجرم ذاته مرتين.

إضافة إلى ذلك، يجب مراعاة التناسب بين العقوبات المقررة للجرائم الرقمية والعقوبات المقررة للجرائم التقليدية المشابهة، حفاظًا على اتساق سلم العقوبات. كما يلزم إدراج بدائل للعقوبات السالبة للحرية، مثل وضع المحكوم عليه في برنامج تدريبي، أو إلزامه بأعمال نفع عام ذات طابع تقني، بما يحقق الردع والإصلاح في الوقت نفسه.

حماية حرية التعبير والصحافة والبحث في التشريعات الرقمية

من الضروري إدراج بنود حمائية ضمن القوانين التي تنظم الفضاء الرقمي، حتى لا تُستخدم لملاحقة التعبير المشروع أو العمل الصحفي والمدني المشروع. ويمكن تحقيق ذلك من خلال عدة أدوات.

  • نص استثناء عام: يمكن، مثلًا، إضافة مادة إلى قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات تنص على الآتي: “لا تسري أحكام هذا القانون على ما يبديه الأفراد من آراء أو محتوى يدخل في نطاق حرية التعبير المكفولة دستوريًا”. ويوجه هذا النص القاضي إلى تفسير القانون في ضوء الاستثناء العام، بحيث لا يمتد التجريم إلى التعبير السلمي أو النقد السياسي المشروع.
  • حماية البحث العلمي والأمني: ينبغي إضافة نص ينص على الآتي: “يُعفى من العقاب من ارتكب فعلًا مجرّمًا بموجب هذا القانون إذا كان ذلك في سياق بحث علمي معتمد أو اختبار أمني لأنظمة معلوماتية بموافقة أصحابها أو لصالح المصلحة العامة وكشف ثغراتها، على أن يتم الإبلاغ عن أي ثغرة مكتشفة للجهات المختصة خلال مدة معقولة”. ويحمي هذا النص القرصنة الأخلاقية والبحث الأمني المسؤول من التفسير الجنائي الواسع.
  • استبعاد المحتوى ذي المصلحة العامة: يجب ألا تؤدي قوانين خطاب الكراهية أو الشائعات إلى إسكات النقاش حول قضايا عامة. فعلى سبيل المثال، يجب أن يستثني تعريف “الأخبار الكاذبة” بوضوح الأخطاء غير المتعمدة في النشر الصحفي، ونشر المعلومات بهدف المصلحة العامة حتى إذا كانت محرجة للدولة.

إلزامية دراسة الأثر الحقوقي والاقتصادي قبل سنّ أي تشريع تقني

قبل إقرار أي قانون جديد يتعلق بالفضاء الرقمي، ينبغي إعداد دراسة أثر شاملة تتضمن العناصر التالية.

تقييم الحقوق المحمية بموجب الدستور والمواثيق الدولية: يجب أن تتحقق الدراسة من أن مشروع القانون لا يمس الحقوق الدستورية، مثل حرية التعبير، والحق في الخصوصية، وضمان المحاكمة العادلة، أو أن توضح كيفية تقليل أي مساس محتمل بهذه الحقوق عبر ضمانات واضحة. كما يجب أن تبيّن ما إذا كانت القيود التي يفرضها المشروع تحقق معياري الضرورة والتناسب، مع الاستعانة بخبراء حقوقيين مستقلين ومنظمات متخصصة.

تقييم الأثر الاقتصادي والتقني: يجب أن تتضمن الدراسة تحليلًا للتكلفة والفائدة. ويشمل ذلك تقدير تكلفة الامتثال التي سيتحملها القطاع الخاص، مثل شركات الاتصالات أو مزودي المحتوى، نتيجة الالتزامات الجديدة، وتأثير هذه التكلفة على أسعار الخدمات، والفترة اللازمة للتكيف، والمنافع المتوقعة، مثل تقدير انخفاض نسبة الجرائم الإلكترونية. كما يجب أن تقيّم الدراسة ما إذا كانت المنافع المتوقعة تفوق التكلفة، وأن تحلل أثر القانون على الابتكار، والشركات الناشئة، والاستثمار الأجنبي، وما إذا كان سيجذب شركات التقنية الكبرى أو يدفعها إلى تجنب السوق بسبب القيود.

البدائل المحتملة: ينبغي أن تستعرض الدراسة البدائل التي نوقشت، وأسباب رفضها لصالح التشريع، لإظهار أن المشرّع درس الخيارات الأقل تقييدًا، وأنها لم تكن كافية قبل اللجوء إلى القانون العقابي.

آراء الجهات المعنية: يجب أن تتضمن الدراسة خلاصة المشاورات العامة، ورأي شركات الاتصالات والتكنولوجيا في المشروع، وملاحظات مؤسسات المجتمع المدني والردود عليها. ويُظهر ذلك أن المشرّع أخذ مختلف وجهات النظر في الحسبان قبل إقرار القانون.

تتيح هذه الدراسة للنواب والجمهور تقييم جدوى القانون قبل صدوره. ويمكن نشرها للعموم لتلقي التعليقات بما يعزز الشفافية. كما يجدر مراجعة هذه الدراسات بعد تنفيذ القانون لفترة، مثل ثلاث سنوات، لمقارنة التوقعات بالواقع وتحديد ما إذا كانت هناك حاجة إلى تعديل.

سادسًا: آليات التنفيذ والمتابعة والتحديث التشريعي

لا تنتهي مهمة المشرّع عند سنّ القانون، بل تمتد إلى ضمان تطبيقه ومراجعته دوريًا. ويتطلب ذلك النص على أدوات وآليات عملية ضمن خطة تنفيذ القوانين، بما يسمح بمتابعة أثر القانون وتعديله عند الحاجة.

آلية المشاورات التشاركية المستمرة:

إلى جانب المشاورات التي تسبق إصدار القانون، يجب أن تستمر قنوات التواصل بين الجهات الحكومية والمجتمع التقني والمدني خلال مرحلة التنفيذ. ويمكن إنشاء لجنة استشارية دائمة لدى الجهاز المنظم أو وزارة الاتصالات، تضم ممثلين عن القطاع الخاص، مثل شركات الاتصالات والإنترنت، وممثلين عن مجتمع المستخدمين، والنقابات المعنية، والجمعيات الحقوقية المتخصصة. وتجتمع هذه اللجنة دوريًا لمناقشة المشكلات أو الثغرات التي تظهر أثناء تطبيق القانون، واقتراح سياسات أو تعديلات تنظيمية لمعالجتها.

خطط تدريجية للتنفيذ:

في حال فرض التزامات جديدة كبيرة، مثل اشتراطات أمن سيبراني على البنوك أو بناء مركز بيانات سيادي، يجب اعتماد تنفيذ تدريجي. وينص القانون أو لائحته على مراحل زمنية محددة تدخل فيها الأحكام حيز النفاذ تباعًا. فعلى سبيل المثال، يمكن أن تلتزم الشركات الكبرى في السنة الأولى، ثم الشركات المتوسطة في السنة الثانية، ثم الشركات الصغيرة في السنة الثالثة. كما يمكن بدء تطبيق العقوبات بعد فترة سماح مدتها ستة أشهر من جاهزية البنية المطلوبة. تساعد هذه الخطط الزمنية، مع مؤشرات أداء لكل مرحلة، على إتاحة وقت كافٍ للتكيف وتجنب اضطراب الخدمات بشكل مفاجئ.

تقارير شفافية دورية:

من المهم إنشاء منصة بيانات مفتوحة تنشرها وزارة العدل أو النيابة العامة، تتضمن إحصاءات سنوية عن عدد قضايا الجرائم ذات الطابع الإلكتروني المنظورة، وطبيعة الأحكام الصادرة، مثل نسب البراءة والإدانة، وعدد الطلبات الرسمية المقدمة إلى الشركات للحصول على بيانات المستخدمين، وكيفية التعامل معها. ويمكن أن تستند هذه المنصة إلى نموذج تقارير الشفافية التي تصدرها شركات مثل فيسبوك وجوجل، لكن من منظور حكومي.

تتيح هذه الشفافية للمشرّع ومؤسسات الرقابة تقييم فعالية القانون. فإذا ارتفع عدد قضايا معينة دون أثر واضح، قد يدل ذلك على أن تجريمها غير مجدٍ. وإذا انخفض معدل الإدانة كثيرًا بسبب صعوبة الإثبات، فقد تكون هناك حاجة إلى تعديل النص ليصبح أوضح أو أقل شدة.

بنود نفاذ مباشر وبنود مؤجلة لحين تحقق شرط وبنود ذات طابع مؤقت:

ينبغي أن يميز القانون بين بنود النفاذ المباشر، والبنود المؤجلة لحين تحقق شرط معين، والبنود ذات الطابع المؤقت. ويقصد بالبنود المؤجلة ألا يدخل القانون، أو بعض أجزائه، حيز التنفيذ إلا بعد تحقق شرط محدد. فعلى سبيل المثال، يمكن النص على عدم تطبيق عقوبات قانون حماية البيانات قبل إنشاء مركز حماية البيانات وتدريب أعضائه، حتى لا يواجه القطاع الخاص التزامات لا يستطيع الاستعداد لها.

أما البنود ذات الطابع المؤقت، فهي التي تحدد مدة زمنية لسريان بعض الأحكام، ثم تُخضع استمرارها للتقييم والتجديد. ويساعد إدراج هذه البنود على دفع الجهات التنفيذية إلى تحقيق الشروط اللازمة للتطبيق، كما يضمن مراجعة القانون دوريًا. فعلى سبيل المثال، يمكن النص على أن “يُعمل بأحكام هذا القانون لمدة خمس سنوات من تاريخ سريانه، على أن يُعرض على البرلمان لتقييم أثره قبل تجديد العمل به لفترة مماثلة”. ويلزم ذلك الجهات المعنية بجمع بيانات عن نتائج تطبيق القانون خلال تلك المدة، بما يسمح بتقييم نجاحه أو قصوره قبل تمديد العمل به.

سابعًا: ضوابط واختبارات إلزامية قبل إدراج أي نص عقابي جديد

يوصى بتبني نهج اختباري أثناء صنع القرار التشريعي، بحيث لا يُدرج أي نص عقابي جديد في القانون إلا بعد اجتيازه مجموعة من الاختبارات المسبقة. وتشمل هذه الاختبارات ما يلي.

  • المشكلة المراد حلها: يجب تحديد ما إذا كانت المشكلة قابلة للمعالجة بوسائل غير جنائية. ويتعين إثبات أن الأدوات التنظيمية الأخرى، مثل التوعية، ومدونات السلوك، والعقوبات الإدارية، والمسؤولية المدنية، قد جُرّبت أو ثبت عدم كفايتها. وإذا وُجد بديل غير جنائي فعّال، فيجب استبعاد النص العقابي.
  • الفعل المجرّم: ينبغي فحص الصياغة المقترحة والتأكد من خلوها من التعميم أو الغموض. ويجب أن يكون كل عنصر في التجريم، مثل الفاعل، والفعل، والأداة، والنتيجة، محددًا قدر الإمكان حتى يكون السلوك المحظور واضحًا للمخاطبين بالقانون. وأي لفظ مطاطي يجب تضييقه أو حذفه.
  • القصد الجنائي الخاص: الأصل في الجرائم التقنية أنها جرائم تتطلب قصدًا خاصًا، فلا يُعاقب عليها إلا إذا توافرت نية واضحة للإضرار أو الكسب غير المشروع. لذلك، يجب على المشرّع إدراج عبارات مثل “بنية ارتكاب جريمة” أو “بقصد الإضرار” في النص، لضمان عدم انطباقه على من لا تتوافر لديه نية إجرامية. كما يُستحسن النص على إعفاء صريح لمن يثبت قيامه بالفعل بحسن نية، أو بناءً على اعتقاد معقول بوجود حق، أو في سياق عمل قد يعرّضه بطبيعته للسلوك المجرّم دون قصد جنائي.
  • النص على استثناءات الأنشطة المشروعة والمحمية: يجب اختبار ما إذا كانت صياغة النص قد تنطبق على نشاط صحفي، أو بحث أمني، أو جمع معلومات بغرض التوثيق الحقوقي، أو نسخ احتياطي مشروع للبيانات. وإذا كان ذلك ممكنًا، فيجب إضافة استثناء يحمي هذه الأنشطة. فعلى سبيل المثال، يجب ألا تشمل جرائم التحريض على الكراهية الدعوة إلى تغيير سياسي سلمي أو انتقاد السلطات، كما يجب أن تستثني جرائم اختراق الأجهزة من لديه تفويض أو قصد مهني مشروع.
  • وجود ضمانات إجرائية كافية ترافق النص العقابي: أي نص عقابي يمنح سلطة ضبط أو تفتيش يجب أن يقترن بضمانات إجرائية كافية. وتشمل هذه الضمانات اشتراط أمر قضائي قبل تفتيش الأجهزة أو البريد الإلكتروني، وتحديد مدة الاحتفاظ بالبيانات المصادَرة، وإتلافها إذا لم تعد لازمة، وضمان حق المتهم في حضور خبير تقني أثناء فحص أجهزته للحد من خطر دس أدلة ملفقة، وإخطار الشخص بالمراقبة وفق الضوابط القانونية. يجب إدراج هذه الضمانات عند صياغة أي تشريع لتجنب شبهة عدم الدستورية لاحقًا.
  • تناسب العقوبة المقترحة متناسبة: ينبغي أن يراجع المشرّع العقوبة المقترحة، سواء كانت حبسًا أو غرامة، مقارنة بخطورة الفعل وبالعقوبات المقررة لأفعال مشابهة خارج المجال التقني. وأي ارتفاع غير مبرر في الحد الأقصى للعقوبة يجب خفضه. فعلى سبيل المثال، إذا اقتُرح الحبس خمس سنوات لجريمة تقنية تسبب ضررًا ماليًا، فيجب مقارنة هذه العقوبة بعقوبات جرائم النصب أو تخريب الممتلكات العامة، وأخذ هذه المقارنة في الاعتبار لضبط التناسب. يهدف ذلك إلا ضمان ألا تتحول القوانين التي تنظم الفضاء الرقمي إلى مصدر لعقوبات أشد من مثيلاتها دون مبرر واضح.
  • تجنب الازدواج العقابي: يجب التأكد من عدم وجود مادة أخرى في قانون آخر تجرّم الفعل ذاته. وإذا وُجدت، فيجب إلغاء إحدى المادتين، أو النص في القانون الجديد على عدم جواز محاسبة الشخص مرتين عن الواقعة نفسها. يحد ذلك من استخدام تعدد النصوص لمراكمة الاتهامات عن فعل واحد.

يساعد إجراء هذه الاختبارات، ويفضل أن يكون ذلك بمشاركة لجنة خبراء مستقلة تُستشار في الصياغة، على ضمان ألا يُضاف أي تجريم جديد دون فحص ضرورته ونطاقه وأثره. كما يربط النصوص العقابية بمعايير محددة، بدل توسيع التجريم لمجرد ظهور مشكلة تقنية أو اجتماعية جديدة.

خاتمة

تؤثر تشريعات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في حقوق الأفراد، وفي تطور الاقتصاد الرقمي، وفي ثقة المخاطبين بالقانون. وتوضح التجربة المصرية في السنوات الأخيرة أن تغليب المقاربة الأمنية والعقابية قد يؤدي إلى تراجع الضمانات الحقوقية، وإلى إضعاف البيئة التنظيمية اللازمة لنمو الخدمات الرقمية. تسعى هذه الورقة إلى تقديم منهجية تشريعية تساعد المشرّعين على معالجة هذه الاختلالات من خلال قواعد أوضح، وضمانات أقوى، واستخدام أكثر تقييدًا للتجريم.

أكدت الورقة ضرورة التعامل مع التشريع الرقمي باعتباره خيارًا أخيرًا بعد فحص البدائل المتاحة، وأن يُبنى أي تدخل تشريعي على مبادئ الشرعية، والتناسب، وحماية الحقوق، والشفافية. كما تناولت أبرز الأخطاء التي ظهرت في القوانين الصادرة خلال الأعوام الأخيرة، مثل غموض النصوص وتضاربها، وغياب الضمانات، والتوسع في العقوبات غير المتناسبة. وقدمت الورقة توصيات عملية لتجنب هذه الأخطاء، من بينها تعريف المصطلحات بدقة، وتقييم الأثر الحقوقي والاقتصادي، وضمان الرقابة والمراجعة الدورية.