المؤثرون على وسائل التواصل الاجتماعي: مسؤوليات استثنائية وغياب للضمانات في ظل قانون تنظيم الإعلام

مقدمة

يواجه المؤثرون على وسائل التواصل الاجتماعي مخاطر وتهديدات قانونية متعددة، وهي مخاطر قد يتعرض لها أي مستخدم لوسائل التواصل الاجتماعي. لكن ترتفع المخاطر في حالة المؤثرين بسبب احتمالات الانتشار الواسع للمحتوى الذي تنشره هذه الحسابات وارتفاع عدد المتابعين. يتيح ذلك للسلطات والجهات المختلفة متابعة المحتوى المنشور ومن ثم تطبيق قوانين قد تؤدي إلى سجن هؤلاء المؤثرين في بعض الأحيان.

اتسعت المخاطر القانونية بعد صدور قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات. حمل القانون بين طياته عقوبات سالبة للحرية وأخرى مالية يمكن توقيعها بغير ضوابط قانونية منضبطة. تضمن القانون جرائم غير محددة يمكن من خلالها مسائلة أي مستخدم، مثل جريمة استخدام حساب بهدف ارتكاب جريمة معاقب عليها قانونًا، وجريمة الاعتداء على قيم الأسرة المصرية، وجريمة اصطناع موقع أو حساب وغيرها من الجرائم.

تزايدت هذه المخاطر مع قانون تنظيم الصحافة والإعلام، الصادر عام 2018. أفرد القانون بعض النصوص الخاصة التي فتحت الباب لمسؤوليات مباشرة يتحملها المؤثرون. أتت هذه المسؤوليات في صورة أقرب لمحاولة تنظيمية لفرض رقابة على المحتوى المُقدّم وعقوبات إن لم تكن سالبة للحرية فهي قادرة على تعطيل عمل المؤثرين.

تهدف هذه الورقة إلى تحديد المخاطر التي يضعها قانون تنظيم الصحافة والإعلام على المؤثرين مباشرة. كما تتناول الورقة التأثيرات المتعلقة بالسياسات واللوائح التي أنتجها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام على عمل صفحات المؤثرين. وأخيرًا تناقش الورقة غياب أي ضمانات لعمل المؤثرين في مواجهة المسؤوليات المتعددة التي تفرضها قوانين ولوائح قانون تنظيم الصحافة والإعلام.

المقصود بالمؤثرين وطبيعة عملهم في ظل قانون تنظيم الإعلام

يتناول قانون تنظيم الصحافة والإعلام القواعد الأساسية المتعلقة بعمل وسائل الإعلام والصحف بأشكالها المختلفة، سواء كانت مرئية أو مقروءة أو مسموعة. من بين هذه القواعد الضوابط المتعلقة بترخيص عمل الوسائل الصحفية والإعلامية، وحقوق وضمانات عمل الصحفيين، وكذلك العقوبات التي يتم تطبيقها في حال مخالفة القواعد المنصوص عليها.

يشير قانون تنظيم الصحافة والإعلام إلى أن الهدف العام من صدوره هو وضع قواعد تنظيمية لوسائل الإعلام المختلفة فقط. أكد على ذلك الفقرة الثانية من المادة الأولى من مواد القانون، والتي تُخرِج المواقع والحسابات الإلكترونية الشخصية من نطاق تطبيق هذا القانون.

تنص المادة على:

يعمل بأحكام القانون المرافق في شأن تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، وتسرى أحكامه على جميع الكيانات والمؤسسات والوسائل الصحفية والإعلامية والمواقع الإلكترونية، ويستثنى من ذلك الموقع أو الوسيلة أو الحساب الإلكتروني الشخصي ما لم ينص القانون المرافق على خلاف ذلك1

رغم وضوح القانون في الهدف العام من إصداره، إلا أن المُشرّع استغل المساحة التي أتاحتها عبارة “ما لم ينص القانون المرافق على خلاف ذلك“. وبالفعل، أورد قانون تنظيم الصحافة والإعلام نصًا استثنائيًا يمنح للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام -بوصفه الجهة المعنية بمتابعة عمل وسائل الإعلام المختلفة- صلاحيات واسعة.

يقع ضمن صلاحيات المجلس توقيع عقوبة الحجب على الوسائل الإعلامية أو المواقع والحسابات الإلكترونية الشخصية في حالة قيامهم بنشر أو بث أخبار كاذبة أو ما يدعو أو يحرض على مخالفة القانون أو إلى العنف أو الكراهية، أو ينطوي على تمييز بين المواطنين أو يدعو إلى العنصرية أو التعصب أو يتضمن طعنًا في أعراض الأفراد أو سبًا أو قذفًا لهم أو امتهانًا للأديان السماوية أو للعقائد الدينية2.

يوضح القسم التالي من الورقة الأفراد والجهات المخاطبة بالاستثناء المتعلق بإمكانية تطبيق عقوبة الحجب على الحسابات والمواقع الشخصية. تضمن قانون تنظيم الصحافة والإعلام معيارين للتفرقة بين وسائل الإعلام التي تخضع لكامل القانون، وبين غيرها من المواقع والحسابات التي يُطبّق عليها بعض العقوبات، مثل عقوبة الحجب بشكل استثنائي.

المعيار الأول: اعتبار الحساب أو الموقع أو الوسيلة “حساب إلكتروني شخصي”

لم تشمل التعريفات الواردة بقانون تنظيم الصحافة والإعلام تعريفًا واضحًا لمفهوم الحساب أو الموقع الشخصي أو معيار التفرقة بين المواقع الشخصية وغيرها من المواقع الإلكترونية الأخرى.

استمرت حالة غياب التعريفات حتى عام 2020، حين أصدر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام لائحة تنظيم التراخيص. تضمنت اللائحة عدد من التعريفات الجديدة التي لم يذكرها القانون.3

من بين هذه التعريفات تعريف الموقع الشخصي والحساب الشخصي:

  • الموقع الإلكتروني الشخصي: موقع إلكتروني ينشئه شخص على شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت) لعرض سيرته الذاتية أو اهتماماته أو هواياته أو أفكاره.
  • الحساب الشخصي: حساب إلكتروني على أحد المواقع الإلكترونية ينشئه شخص لعرض سيرته الذاتية أو اهتماماته أو هواياته أو أفكاره.4

لم تنجح التعريفات الواردة بلائحة تنظيم التراخيص في توضيح الطبيعة الخاصة أو المميزة للموقع أو الحساب الشخصي. عرض الاهتمامات أو الأفكار الخاصة بالشخص عبر الحساب الشخصي هو أمر متوقع، لذلك لا تُعَد العبارات المستخدمة في التعريف كافية للتمييز بين الحساب أو الموقع الشخصي وغيره من المواقع.

بالإضافة إلى ذلك، التعريفات الواردة تفتح الباب لإمكانية فرض رقابة على المواقع التجارية التي قد تعرض أو تعلن عن منتجاتها أو خدماتها. كما أنه غاب عن اللائحة أن تُقدّم تعريفًا للمواقع والحسابات المخاطبة بأحكام القانون واللائحة.

المعيار الثاني: تجاوز عدد متابعي الحساب أو الموقع أو الوسيلة 5 آلاف متابع

المعيار الأخر أو المعيار المُكمّل للمعيار الأول هو أن يكون لدى الحساب أو الموقع الإلكتروني الشخصي خمسة آلاف متابع أو أكثر. ولم يحدد القانون أو لائحته التنفيذية الهدف من وراء رقم خمسة الآف متابع.

يمكن أن يُفهم ضمنًا من هذا المعيار أن قانون تنظيم الصحافة والإعلام

يتبع في ذلك القواعد المعمول بها في مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصًا فيسبوك. يفرّق فيسبوك بين الأصدقاء والمتابعين، حيث يضع حدًا لعدد الأصدقاء وهو خمسة آلاف صديق، أما عدد المتابعين فلا حد له. فيتعامل القانون مع الصفحات والحسابات التي تتجاوز الحد الأقصى لعدد الأصدقاء على أنها صفحات عامة لها متابعين.

استنادًا إلى ما سبق، يمكن القول أن قانون تنظيم الصحافة والإعلام لم يكن قادرًا على وضع تعريف دقيق ومباشر لفئة المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي. كما أن القواعد المعيارية التي استخدمها القانون ليفرّق بين الحسابات والمواقع الشخصية وغيرها من المواقع لم تنجح في توضيح السبب من استهداف هذه الحسابات والمواقع بعقوبات قابلة للتوقيع أو الأسس التي اعتمد عليها القانون للانتهاء إلى هذه المعايير.

حدود المسؤوليات التي تقع على عاتق المؤثرين

منذ صدور قانون تنظيم الصحافة والإعلام ولائحتي تنظيم التراخيص والجزاءات وهناك التباس حول صلاحيات المجلس في متابعة عمل الحسابات والمواقع الإلكترونية الشخصية، وطبيعة المسؤوليات التي تقع على عاتق المؤثرين فيما يتعلق بإدارة حساباتهم ومواقعهم الشخصية.

كما أنه هناك بعض النقاط المهمة التي لا تزال غير واضحة حتى وقت كتابة هذه السطور، وهي؛

  • الحسابات/الصفحات التي يتجاوز عدد متابعيها خمسة الآف متابع
  • إلزامية الحصول على ترخيص عمل لهذه الصفحات من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام
  • المخالفات التي يمكن أن تقع فيها هذه الحسابات
  • العقوبات التي يمكن أن يتعرض لها مُديري هذه الحسابات
  • نطاق الحماية القانونية التي يحظي بها “المؤثرون” في مقابل العقوبات التي يُحتمل أن يواجهوها

تُقدّم الورقة في الأجزاء التالية توضيحًا للمسؤوليات القانونية لهذه الحسابات من منظور قانون تنظيم الصحافة والإعلام وما يرتبط به من لوائح وقرارات. لكن لا تتعرض الورقة للقوانين الأخرى التي قد تفرض بعض العقوبات على المستخدمين بغض النظر عن طبيعة المستخدم الذي قام بها.

مدى إلزام المؤثرين بضوابط الحصول على تراخيص عمل من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام

يوجد التباس يتعلق بالمسؤوليات القانونية الواقعة على المؤثرين الذين يديرون حسابات أو مواقع يتجاوز عدد متابعيها 5 آلاف متابع. يتعلق الالتباس بمدى إلزام هذه الفئة بضوابط الحصول على ترخيص أو تصريح من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام لإدارة هذه الحسابات أو المواقع أسوة بوسائل الإعلام والصحف.

سبب رئيسي للالتباس يتعلق بذكر لائحة تنظيم التراخيص للمواقع والحسابات الشخصية ضمن التعريفات. إلا أن اللائحة خلت من أي مسؤوليات واضحة تتعلق بإلزام المؤثرين بالحصول على تراخيص للحسابات والمواقع الشخصية. كما لم تتضمن اللائحة ضوابط أو قواعد متعلقة بشروط تقديم طلب الترخيص، أو أي جزاءات تترتب على عدم الحصول على ترخيص.

السبب الثاني الذي ساهم في عدم وضوح موقف الحسابات والمواقع الشخصية يرتبط بالنماذج الُمعدّة من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام للحصول على ترخيص للعمل داخل مصر. فالنماذج التي نشرها المجلس في مايو 2020 تضمنت واحد وعشرون نموذج للكيانات المختلفة التي يمكن أن تتقدم بطلب الترخيص.

خُصِصت أحد النماذج لطلب ترخيص موقع إلكتروني للأشخاص الطبيعية (النموذج رقم 10). بمطالعة هذا النموذج يتضح أن من ضمن المتطلبات والشروط المتعلقة بترخيص الموقع الإلكتروني للأشخاص الطبيعية أن يكون رأس مال الموقع الإلكتروني لا يقل عن مائة ألف جنيه، وأن يتم إرفاق صورة من البطاقة الضريبية، والسجل التجاري، وشهادة تسجيل للعلامة التجارية.

يُفهَم من ذلك أن المخاطبون بهذا النموذج هي الشركات والمنشآت الفردية وليس الأفراد الطبيعيون. لكن عدم وضوح الصياغات المستخدمة لمسمى الطلب أو النموذج أدى للالتباس حول إلزام الحسابات والمواقع الشخصية بالحصول على ترخيص للعمل داخل مصر.

لذلك يمكن القول أنه لا يوجد أي إلزام للحسابات والمواقع الشخصية التي يتجاوز عدد متابعيها خمسة الآف متابع بأن تحصل على ترخيص من المجلس الأعلى للإعلام، بل أنه لا يوجد بالأساس أي قواعد تنظم طرق التقدم بطلب الحصول على ترخيص.

الجزاءات التي يمكن أن توقّع من المجلس الأعلى للإعلام على المؤثرين

تضمنت التشريعات المختلفة المنظمة لعمل وسائل الإعلام عدد من الجزاءات المحتمل توقيعها في حالة مخالفة قانون تنظيم الصحافة والإعلام أو اللوائح والأكواد المنظمة لعمل وسائل الإعلام.

على الرغم من أن القانون يستهدف بشكل رئيسي تنظيم عمل وسائل الإعلام، وأن توقيع جزاءات بشكل استثنائي على المواقع والحسابات الشخصية جاء في حالة محددة، إلا أن اللوائح والأكواد التي صدرت من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قد تناولت في مواضع مختلفة الجزاءات التي يمكن توقيعها على الحسابات والمواقع الشخصية التي يتجاوز متابعيها خمسة اﻵف متابع أو أكثر.

توسعت لائحة الجزاءات الصادرة من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في الجزاءات التي ذُكرت في قانون تنظيم الصحافة والإعلام.5 الملاحظ في هذه الجزاءات أن المشرّع يساوي بشكل كبير بين وسائل الإعلام التي تعمل من خلال كيانات قانونية، ولها هيكل إداري وسياسات تحريرية، ويعمل بها صحفيون وإعلاميون محترفون، وبين المواقع والحسابات والمدونات الشخصية التي هي بالأساس تعبر عن أفكار أصحابها حسب التعريف الوارد بلائحة التراخيص. يمتد هذا التوسع، في بعض الأحيان، إلى مطالبة المواقع والحسابات الشخصية بالالتزام بميثاق الشرف الصحفي والإعلامي.

حجب المواقع والمدونات والحسابات الشخصية

تضمن قانون تنظيم الصحافة والإعلام نصًا استثنائيًا في الفقرة الثانية من المادة 19 تسمح للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بوقف أو حجب المواقع الإلكترونية الشخصية، أو المدونات الإلكترونية الشخصية، أو الحسابات الإلكترونية الشخصية التي يبلغ عدد متابعيها خمسة آلاف متابع أو أكثر.

فتنص المادة 19 من القانون على:

يُحظر على الصحيفة أو الوسيلة الإعلامية أو الموقع الإلكترونى، نشر أو بث أخبار كاذبة أو ما يدعو أو يحرض على مخالفة القانون أو إلى العنف أو الكراهية، أو ينطوي على تمييز بين المواطنين أو يدعو إلى العنصرية أو التعصب أو يتضمن طعنًا فى أعراض الأفراد أو سبًا أو قذفًا لهم أو امتهانًا للأديان السماوية أو للعقائد الدينية.
ويلتزم بأحكام هذه المادة كل موقع إلكترونى شخصى أو مدونة إلكترونية شخصية أو حساب إلكترونى شخصى يبلغ عدد متابعيه خمسة آلاف متابع أو أكثر.
ومع عدم الإخلال بالمسئولية القانونية المترتبة على مخالفة أحكام هذه المادة يجب على المجلس الأعلى اتخاذ الإجراء المناسب حيال المخالفة وله فى سبيل ذلك، وقف أو حجب الموقع أو المدونة أو الحساب المشار إليه بقرار منه.
ولذوي الشأن الطعن على القرار الصادر بذلك أمام محكمة القضاء الإدارى

على الرغم من أن هذه المادة تبدو متأثرة بصياغة المادة 71 من الدستور المصري، التي تفرض حماية دستورية ضد الرقابة على وسائل الإعلام وعدم توقيع عقوبات سالبة للحرية في قضايا النشر، إلا أن مضمون المادة هو تأسيس لرقابة واسعة على وسائل الإعلام والحسابات والمواقع الشخصية.

فتنص المادة 71 من الدستور المصري على:

يحظر بأي وجه فرض رقابة على الصحف ووسائل الإعلام المصرية أو مصادرتها أو وقفها أو إغلاقها. ويجوز استثناء فرض رقابة محددة عليها في زمن الحرب أو التعبئة العامة. ولا توقع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب بطريق النشر أو العلانية، أما الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو بالتمييز بين المواطنين أو بالطعن في أعراض الأفراد، فيحدد عقوباتها القانون

يتضح من نص المادة 19 من قانون تنظيم الصحافة والإعلام أن المشرّع حاول أن يُعدّد المخالفات التي يمكن ارتكابها من وسائل الإعلام أو من الحسابات والمواقع الشخصية. فاستخدم المشرّع صور المخالفات التي تم ذكرها بنص المادة 71 من الدستور وأدخل عليها صورًا أخرى غير مبررة من المخالفات.

تجاهل المشرّع في هذا الأمر أن هناك عدد من النصوص التي تجرم بالفعل هذه الأفعال؛ فجرائم الاعتداء على الأفراد بالسب أو القذف أو امتهان الأديان السماوية وغيرها من صور التجريم قد تم النص صراحة على تجريمها بقانون العقوبات المصري.

محاكاة النص الدستوري في حقيقة الأمر هو محاولة تشتيت في غير موضعها. ينزع النص الدستوري عن جرائم النشر بشكل عام إمكانية توقيع عقوبة سالبة للحرية، مستثني من ذلك ثلاث صور فقط من جرائم النشر، وهي جرائم التمييز والتحريض على العنف أو الطعن في الأفراد. من جانب آخر، لا يُفهَم على مستوى التطبيق المساواة المطلقة في ارتكاب الأفعال المجرمة في المادة 19 بين الوسائل الإعلامية وبين حسابات أو مواقع شخصية هي بطبيعتها لا تخضع لضوابط مهنية أو تنظيمية.

عقوبات تتعلق بمخالفة ميثاق الشرف الصحفي والإعلامي

أصدر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام عدد من القرارات و الأكواد التي من المفترض أن تهدف إلى تنظيم عمل وسائل الإعلام المختلفة. من بين هذه الإصدارات لائحة الجزاءات، والتي تعتبر جزءًا من لائحة التراخيص.

تهدف لائحة الجزاءات عمومًا إلى تطبيق الجزاءات المنصوص عليها باللائحة في شأن المخالفات التي تقع من المؤسسات الصحفية، والمؤسسات الصحفية القومية، والمؤسسات الإعلامية، والمؤسسات الإعلامية العامة، والوسائل الإعلامية، والوسائل الإعلامية العامة، والمواقع الإلكترونية والصحف والجزاءات والتدابير الإدارية والمالية المقررة لهذه المخالفات.6

واجهت لائحة الجزاءات اعتراضات كبيرة من الأوساط الصحفية عقب صدورها، فاجتمع العديد من العاملين في الصحافة والإعلام على عدم قبول اللائحة.كما أصدرت نقابة الصحفيين بيانًا أوضحت فيه أنها أرسلت تقريرًا بملاحظات على لائحة الجزاءات إلى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام.

تعد مخالفة ميثاق الشرف المهني (ميثاق الشرف الصحفي، ميثاق الشرف الإعلامي)، أو المعايير التي يقرها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، أو الأعراف المكتوبة (الأكواد)، أو التحريض على ارتكاب جريمة جنائية، أو لترصد جهة أو شخص ما بسوء نية، مخالفة تقتضي توقيع أحد الجزاءات الآتية أو بعضها بحسب ما يقدره المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام:

1- لفت النظر.

2- الإنذار.

3- أداء مبلغ مالي لا يزيد مقداره عن مائتين وخمسين ألف جنيه مصري أو ما يعادل هذه القيمة بالعملة الأجنبية.

4- منع النشر أو البث للمادة المخالفة لفترة محددة.

5- حجب الموقع الإلكتروني لفترة محددة أو بصفة دائمة

6-حجب الموقع الإلكتروني الشخصي الذي يزيد عدد متابعيه عن خمسة آلاف متابع7

على الرغم من أن لائحة الجزاءات من المفترض أن تطبق بالأساس على المخاطبين بقانون تنظيم الصحافة والإعلام، وليس من بينهم المواقع والحسابات الإلكترونية الشخصية كما سبق الإشارة، إلا أن اللائحة تضمنت عدد من الجزاءات التي توقع بالتساوي وبذات الضوابط على كل من وسائل الإعلام والمواقع والحسابات الشخصية. تمادت اللائحة أيضًا إلى افتراض أن المواقع والحسابات الشخصية يجب أن تتقيد بميثاق الشرف الصحفي والإعلامي، وهو أمر يجافي المنطق ويصعب وجود تصورات عملية لتطبيقه.

عقوبات تتعلق باستخدام أو السماح باستخدام ألفاظ أو عبارات تؤذي مشاعر الجمهور

لم تقتصر العقوبات المنصوص عليها بلائحة الجزاءات على الالتزام فقط بمعايير وقواعد العمل الصحفي، بل امتدت إلى مساحة عقوبات غير محددة يمكن من خلالها توقيع عقوبات على المواقع الشخصية.

تنص المادة 16 من لائحة الجزاءات على:

“يعد استخدام أو السماح باستخدام ألفاظ أو عبارات تحمل سيئا أو قذفا أو تشهيرا أو طعنا فى الأعراض أو تحقيرا من الأفراد أو تشكيكا فى الذمم المالية أو انتهاك حرمة الحياة الخاصة للمواطنين أو بالتدليس على الجمهور أو اختلاق وقائع غير صحيحة أو إلقاء اتهامات مرسلة دون دليل أو كانت تنطوى على تهديد أو تؤذى مشاعر الجمهور مخالفة تقتضي توقيع أحد الجزاءات التالية:
1- لفت النظر
2- الإلزام بتقديم اعتذار بذات طريقة الإبراز التى وقعت بها المخالفة
3- الإنذار
4- أداء مبلغ مالى لا يزيد مقداره عن مائتين وخمسين ألف جنيه مصرى أو ما يعادل هذه القيمة بالعملة الأجنبية
5- منع نشر أو بث أو حجب الصفحة أو الباب أو البرنامج أو الموقع الالكترونى لفترة محددة
6- حجب المواقع الالكترونية الغير شخصية لفترة محددة أو بصفة دائمة
7- حجب المواقع الإلكترونية الشخصية التي يزيد عدد متابعيها على خمسة آلاف متابع لفترة محددة أو بصفة دائمة”

يتضح من نص المادة أن المؤثرون قد طالهم ما طال المواقع الصحفية والإعلامية المصرية من محاولة وجود مساحات تقديرية تسمح للمجلس الأعلى للإعلام باتخاذ إجراءات من شأنها فرض الرقابة على الحسابات والمواقع الشخصية، دون ضوابط أو معايير محددة. وجود عبارات مثل “إيذاء مشاعر الجمهور” هي عبارة لا يمكن بأي حال الوقوف على أسباب تحققها أو فهم جوانبها الشكلية والموضوعية المكونة لها.

تأثيرات سياسة إزالة المحتوى الضار على عمل المؤثرين

أصدر المجلس الأعلى للإعلام في شهر مايو من عام 2020 لائحة التراخيص التي تُنظِّم مواعيد وإجراءات التقدم بطلبات الحصول على التراخيص اللازمة لممارسة الأنشطة الإعلامية والصحفية.

خاطبت لائحة التراخيص عدد من الكيانات التي تعمل في مجالي الصحافة والإعلام. شملت الكيانات المواقع الإلكترونية الإخبارية، والمواقع الصحفية الإلكترونية، وشركات توزيع الأقنية الفضائية (الكيبل) والمنصات الفضائية والرقمية المشفرة (Platforms). ولم تقتصر لائحة التراخيص على مخاطبة وسائل الإعلام فقط، بل امتدت إلى لمواقع الإلكترونية للشركات التجارية والجمعيات والأندية والأحزاب.

بعد مرور ما يزيد عن ستة أشهر من تاريخ صدور لائحة التراخيص، أدخل المجلس الأعلى للإعلام تعديلات بإضافة كيانات جديدة تخضع للائحة التراخيص. أضاف المجلس ما يعرف ب”شركات تكنولوجيا المعلومات الاجتماعية،” وعرّفتها اللائحة بأنها:

“الشركات التي تدير المنصات أو المواقع الإلكترونية التي تقدم أو تستضيف الخدمات الإخبارية أو الإعلامية أو التي تبث أو تعرض الأعمال الفنية لأغراض ربحية وتسمح بتمكين المستخدمين من تداول أو مشاركة أي محتوى إخباري أو إعلامي مع مستخدمين آخرين أو بإتاحة هذا المحتوى للتداول أو المشاركة بين الجمهور على ذات المنصة أو الموقع الإلكتروني.“

ألزمت لائحة التراخيص تلك الشركات بضرورة الحصول على”شهادة الاعتماد”، وهي شهادة تصدر عن المجلس الأعلى الإعلام تفيد باستيفاء جميع المتطلبات الفنية والقانونية والتنظيمية اللازمة التي يُسمح بموجبها بمزاولة النشاط داخل مصر.

كما وضعت التعديلات التي أُدرجت على لائحة التراخيص بعض الضوابط المتعلقة بالرقابة على المحتوى الذي يتم نشره عبر منصات “شركات تكنولوجيا المعلومات الاجتماعية”. من بين تلك الضوابط أن يكون الطلب المقدَّم بالحصول على شهادة الاعتماد به موافقة على قبول إزالة المحتوى الضار.

حددت المادة 64 في لائحة التراخيص على سبيل الحصر الحالات التي يمكن خلالها اعتبار المحتوى ضار، وهي كالتالي:

  • المحتوى الذي يحض على الكراهية أو يسئ إلى المستخدمين أو يمثل ترهيبًا لهم أو يمس سمعتهم.
  • المحتوى الذي يتضمن الإساءة إلى الأفراد أو مؤسسات الدولة وبما يهدد السلم والأمن الاجتماعي.
  • المحتوى الذي يتضمن التمييز على أساس العرق أو اللون أو الدين أو النسب أو الأصل أو الجنسية.
  • المحتوى الذي يحض على العنصرية أو العنف الخاص أو العام.
  • المحتوى الذي يتضمن التحريض على ارتكاب أفعال تنتهك حقوق الإنسان وتمس كرامته.
  • المحتوى الذي يتضمن ما يشكل جرائم جنائية وفقًا للقوانين السارية في جمهورية مصر العربية.
  • المحتوى الذي ينتهك حقوق النشر أو الملكية الفكرية أو العلامات التجارية.
  • المحتوى الذي يتضمن معلومات زائفة أو شائعات شخصية أو عامة.
  • المحتوى الذي يحض على ارتكاب الجرائم ويشجع مرتكبيها.
  • المحتوى الموجه للأطفال ولا يراعى التصنيف العمري لهم.

تؤكد اللائحة على ضرورة وجود آلية تضمن استجابة شركات تكنولوجيا المعلومات الاجتماعية الحاصلة على شهادة الاعتماد لطلبات إزالة المحتوى الضار خلال 24 من إخطار الشركة بالشكوى المقدمة أو الإزالة الفورية إذا ثبت للمجلس وجود مخالفة من خلال فحص إحدى الجهات المختصة قانونًا. كما يجب على الشركة الاحتفاظ بالمحتوى المخالف لمدة أربعة أشهر كدليل على المخالفة في حال كان القرار بالحذف أو الإزالة.

بالإضافة إلى ذلك، تعطي لائحة التراخيص صلاحية تقديرية للمجلس الأعلى للإعلام باتخاذ الإجراءات المناسبة وفقًا لتقديره حيال عدم الالتزام بتنفيذ الحذف أو الإزالة.

لا تشير لائحة التراخيص صراحة إلى الإجراءات التي يمكن أن يتخذها المجلس، إلا أنه يُفهم ضمنًا إمكانية سحب أو إلغاء شهادة الاعتماد. كما يُفهم أيضًا من السياق العام المتعلق بصلاحيات المجلس المنصوص عليها في قانون تنظيم الصحافة والإعلام، ولائحة التراخيص، ولائحة الجزاءات أن من حق المجلس وقف أو حجب المحتوى الضار متى تراءى له ذلك.

للتعديلات التي أُدخلت على لائحة التراخيص تأثيرات مباشرة على عمل المؤثرين؛ ففي حالة حصول الموقع أو منصة التواصل الاجتماعي على “شهادة اعتماد” داخل مصر أصبح لزامًا على هذه المنصات الخضوع لقرارات المجلس الأعلى للإعلام بحجب المحتوى الضار.

يعني ذلك أن المؤثرين قد أصبحوا أمام حصار يتعلق باحتمالات مرتفعة لحجب أو تعطيل عمل صفحاتهم. فمن ناحية هناك عدد كبير من المخالفات التي لا يمكن معرفة ضوابط تطبيقها مثل مخالفة ميثاق العمل الصحفي أو الإعلامي، ومن ناحية أخرى توجد منصات اجتماعية ملزمة بإنفاذ قرارات المجلس الأعلى للإعلام دون تعقيب أو إعمال لسياستها الداخلية.

خاتمة

بعد الإشارة إلى المحاولات المتعددة لإضفاء أنماط وصور مختلفة للرقابة على عمل المؤثرين، يمكن القول بوضوح أن هناك توسع غير مبرر في إصدار تشريعات مختلفة تحاول أن تساوي بين مسؤوليات المواقع الصحفية والإخبارية أو الإعلامية التي تمارس أنشطتها على وجه الاحتراف وبين المؤثرون.

يكمن الاختلاف هنا بشكل رئيسي إلى أن ممارسة الصحفي أو الإعلامي تأتي في ظل قواعد مهنية متعارف عليها وحماية نقابية تسمح بتمثيل هذه الفئات، بجانب حقوق وضمانات -إن لم تكن كاملة- منصوص عليها صراحة بقانون تنظيم الصحافة والإعلام واللوائح المكملة له، وضمانات دستورية تمثل عائقًا أو مشككًا في صحة ما يصدر من تشريعات مخالفة بحقهم، إلا أن كل هذه الضمانات لا يتمتع بها المؤثرون.

يضاف إلى ذلك حالة عدم اليقين المستمرة التي يسعى المجلس الأعلى للإعلام لإضفائها حول قانونية عمل المؤثرين. فالمجلس الأعلى للإعلام يملك أدوات جزائية ضد المؤثرين ويقف صامتًا حول مدى قانونية عملهم. يترك هذا الأمر أنطباعًا مرتبكًا، ربما متعمدًا، الهدف منه ترك هذه الفئات في حالة خوف وتردد حول المحتوى الذي يتم تناوله عبر المنصات المختلفة.

الهوامش

1المادة الأولى من مواد إصدار قانون تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم 180 لسنة 2018.

2يراجع في هذا المعنى الفقرة الثانية من المادة 19 من قانون تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم 180 لسنة 2018.

3قرار المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم 16 لسنة 2019بشأن إصدار لائحة الجزاءات والتدابير التي يجوز توقيعها على الجهات الخاضعة لأحكام قانون تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام الصادر بالقانون رقم 180 لسنة 2018.

4يراجع في هذا المعنى المادة الأولى من مواد الإصدار رقم من القرار رقم 16 لسنة بشأن إصدار لائحة الجزاءات والتدابير التي يجوز توقيعها على الجهات الخاضعة لأحكام قانون تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام الصادر بالقانون رقم 180 لسنة 2018.

5 المادة 23 من قرار رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم 16 لسنة 2019 بشأن إصدار لائحة الجزاءات والتدابير التي يجوز توقيعها على الجهات الخاضعة لأحكام قانون تنظيم الصحافة والإعلام

6 قرار رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم 26 لسنة 2020 بشأن إصدار لائحة تنظيم التراخيص بالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام.

7 من التعريفات الواردة بالمادة 1 من قرار رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم 26 لسنة 2020 بشأن إصدار لائحة تنظيم التراخيص بالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام.