أزمة غياب الحماية الدستورية للمواقع الصحفية الإلكترونية

قراءة في نصوص قانون تنظيم الإعلام ومناقشات لجنة إعداد دستور 2014

الفهرس

  • مُقدمة

  • صياغة نصوص الدستور تنتهي إلى أزمات تشريعية مُتكررة

أالحق في الإصدار بين الصحافة الورقية وصحافة المواقع الإلكترونية

بحرية النشر وفرض رقابة على المواقع الإلكترونية الصحفية

جملكية وإنشاء وسائط الإعلام الرقمي

  • الحالة القانونية بعد مرور سبع سنوات على إصدار دستور 2014

أأثر الصياغات الدستورية على قانون تنظيم الصحافة والإعلام

باضطراب أوضاع الصحافة الرقمية في ظل المتغيرات التشريعية

  • توصيات

مُقدمة

منذ عام 2017 تتعرض المواقع الإلكترونية في مصر، التي تقدم محتوًى صحفيًّا أو سياسيًّا، لهجمات مُنتظمة من قبل السلطات لمنع وصول المُستخدمين إليها. وتشمل الإجراءات التقييدية _التي تمارسها السلطات المصرية ضد هذه المواقع_ الحجبَ،1 اقتحام قوات أمنية مقرات بعض المواقع الصحفية،2 الملاحقات القضائية للعاملين في بعض هذه المواقع والتي يترتب عليها الحبس الاحتياطي لصحفيي هذه المواقع لفترات طويلة. ويأتي استهداف المواقع الصحفية الإلكترونية ضمن حملة أمنية أوسع تشنها السلطات منذ عام 2013، لمحاصرة الأصوات المستقلة داخل المجال العام المصري. فبعد نجاح السلطات في منع الاحتجاجات السلمية وتجريمها، ومحاصرة الأحزاب السياسية والجماعات المعارضة، وتقييد عمل الجمعيات الأهلية ومنظمات حقوق الإنسان، والسيطرة الواسعة على السلطتين القضائية والتشريعية، ظل الإنترنت، وما يقدمه من فرص ومنصات متنوعة لممارسة العمل الصحفي، هو المُتنفَّس الوحيد لنقد السلطات ومناقشة أدائها ومساءلتها.

بالطبع بدأت الدولة إستراتيجيتها لاستهداف المواقع الصحفية الإلكترونية من مدخل التنظيم وضرورة خضوع هذه المواقع للقوانين السارية. ففي حالة المواقع التي تعرضت للاستهداف على مدار السنوات القليلة الماضية كانت سلطات التحقيق تطرح دومًا أسئلة ذات صلة بمدى ملاءمة عمل هذه المواقع للقوانين المُنظِّمة للصحافة في مصر. إلا أن الأمر لم يتعلق بحرص الدولة على تنظيم عمل المواقع الصحفية، وإنما بفرض سيطرتها على هذه المواقع في إطار حملتها الأمنية الأوسع تجاه الصحافة والعاملين بها    بشكل عام. وتصبح المخاطر الأمنية والقضائية التي يتعرض لها الصحفيون العاملون في المواقع الإلكترونية المستقلة أكبرَ بكثير من تلك التي يتعرض لها العاملون في الصحف الورقية بسبب الإشكاليات التي تثيرها طبيعة ملكية هذه المواقع، ومدى ملاءمة موقفها القانوني للقوانين المنظمة للصحافة والإعلام والاتصالات، واستيفائها للمتطلبات المتعلقة بمُمارسة أنشطتها، وبالطبع انعكاس ذلك على الموقف القانوني للعاملين بهذه المواقع. ونظرًا إلى توسع قانون تنظيم الإعلام والصحافة في مفهوم الوسائل الإعلامية والصحافية، فقد استحدث    قانون تنظيم الصحافة والإعلام أدوات تنظيمية لكافة المواقع الإلكترونية.

تركزت معظم الاجتهادات البحثية التي تتناول أوضاع حرية الصحافة في مصر عمومًا، والموقف القانوني للمواقع الصحفية الإلكترونية بشكل خاص، على القوانين واللوائح التنفيذية التي تنظم عمل هذه المنصات، وبالرغم من أهمية هذه الاجتهادات فإنها تهمل جانبًا هامًّا في أساس التفرقة القانونية بين الصحافة الورقية والصحافة الإلكترونية، وهو التفرقة في الحماية الدستورية بين هذين النوعين من الصحافة، وكيف رأى المشرِّع الدستوري الصحافة الرقمية والإنترنت عمومًا أثناء مناقشة دستور 2014. إن إهمال الخلفية الدستورية للتنظيم القانوني للمواقع الصحفية الإلكترونية وتركيز التحليل فقط في اتجاه التطورات التشريعية المُتتابعة سواء فيما يتعلق بقانون تنظيم الصحافة والإعلام أو باللوائح الصادرة بناء على هذا القانون، ينتهي بنا إلى دائرة    مُفرغة    يغيب عنها السبب الرئيسي لأزمة المواقع الإلكترونية بشكل عام، والمواقع الخبرية بشكل خاص، وهذه المنهجية لا تساعد في فهم أسباب الثغرات والتناقضات بين تشريعات الصحافة الورقية وتشريعات الصحافة الإلكترونية في المقام الأول، ولفهم هذه التناقضات تنبغي العودة إلى الكيفية التي رأى بها المشرِّع الدستوري المواقع الإلكترونية كمنصات صحفية عند وضع دستور 2014.

التفرقة في الحماية الدستورية بين الصحف الورقية والصحف الإلكترونية

 لمعرفة التفرقة في المراكز القانونية بين الصحف الورقية والصحف الإلكترونية تنبغي العودة إلى عام 2013 حيث جرت مناقشات الدستور الذي سوف يصدر في العام التالي، 2014. خصص المُشرِّع الدستوري _والمقصود به هنا لجنة الخمسين التي أجرت هذه المناقشات وقامت بصياغة المسودة النهائية لدستور 2014، من خلال بعض النصوص الواردة بباب الحقوق والحريات_ عددًا من الضوابط العامة المُتعلقة بالصحافة ووسائل الإعلام، حيث خُصصت المادة رقم 70 من الدستور، لتنظيم الحق في تملك وإصدار الصحف والمادة 71 للنص على الحماية التي تتمتع بها الصحافة، وهي الحماية المرتبطة بعدم جواز فرض الرقابة على الصحف أو الحبس في مواد النشر.

وجاءت صياغة المادتين 70 و71 من دستور 2014 مُتأثرةً بنص المادة 48 من دستور مصر (الملغي) الصادر عام 1971،3 إلا أن دستور 2014 استحدث بعض الضوابط المُتعلقة بملكية وإصدار الصحف، لذلك فربما من الأفضل أن نفرق بين    قراءة العبارات المُتعلقة بملكية وإصدار المواقع الإلكترونية من جهة، وقراءة النصوص التي تتعلق بكفالة بعض الحقوق المُرتبطة بممارسة النشاط والتي ذُكرت في سياقات مُختلفة من جهة أخرى، ومن ثم    قراءة نص المادتين المُنظمتين لحرية الصحافة والإعلام في ضوء نصوص الدستور الأخرى ذات الصلة بالصحافة والإعلام وحرية الرأي والتعبير.

الحق في الإصدار بين الصحافة الورقية والصحافة الإلكترونية     

كفلت المادة 70 من الدستور الصادر عام 2014 للمصريين الحق في تملك وإصدار الصحف، إلا أن نص المادة 70 لم يتضمن الصحف بمعناها الورقي التقليدي فقط، بل أشار أيضًا إلى حق المصريين في إنشاء ما يسمى بوسائل الإعلام المرئية والمسموعة ووسائط الإعلام الرقمي.

مادة (70) "… وللمصريين من أشخاص طبيعية أو اعتبارية, عامة أو خاصة، حق ملكية وإصدار الصحف وإنشاء وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، ووسائط الإعلام الرقمي. وتصدر الصحف بمجرد الإخطار على النحو الذي ينظمه القانون. وينظم القانون إجراءات إنشاء وتملك محطات البث الإذاعي والمرئي والصحف الإلكترونية".

من القراءة الأوليَّة لنص المادة 70 من الدستور نجد أن المُشرِّع قد أقر في البداية حقًّا عامًّا بتملك وإصدار الصحف ووسائل الإعلام وما عرَّفه بوسائط الإعلام الرقمي، وقد قَصَر المشرع ممارسة هذا الحق على المصريين فقط، إلا أن التدقيق في الألفاظ التي خصصها المشرع الدستوري لكل من الصحف ووسائل الإعلام والوسائط الرقمية على حدة، يكشف التباين الكبير في مستوى الحماية الدستورية التي تتمتع بها كل منهم.

ففي العبارة الأولى المُتعلقة بالحق في الملكية والإصدار يَستخدم المُشرع الدستوري مُصطلحين مختلفين، هما “الصحافة” و”وسائط الإعلام الرقمي”، دون ذكرٍ واضحٍ لمُصطلح الصحف الإلكترونية، وهو ما يحتمل أن يتم تفسيره بأن صياغة الجملة تأتي إما بمعنى أن حق التملك وإصدار الصحف يتسع ليشمل الصحف بكافة صورها وأشكالها وإما أن المواقع الصحفية الإلكترونية هي إحدى صور الوسائط الرقمية.    في كل الأحوال فقد عاد المُشرع في العبارة الأخيرة من نص المادة 70 ليحدد الإجراءات التنظيمية المُتعلقة بإصدار الصحف، وهنا ذكر المشرع مُصطلح الصحف الإلكترونية، ليُفرق بين إجراءات الإصدار ليكون إصدار الصحف _ويُقصد هنا الصحف الورقية_ بمجرد الإخطار، أما بالنسبة إلى الصحف الإلكترونية فإنها لا تصدر بمجرد الإخطار، بل ترك المشرع الدستوري تنظيم إصدار وإنشاء الصحف الإلكترونية للقانون، وهو ما يعني أن الصحف الإلكترونية لا يمكنها العمل بمجرد إخطار السلطات بإنشائها، بل عليها    الحصول على ترخيص مسبق من السلطات قبل البدء في مُمارسة أي نشاط وذلك وفقًا للضوابط المحددة التي ينظمها القانون الذي يصدر بهذا الصدد مستقبلًا، وهو في هذه الحالة قانون تنظيم الإعلام والصحافة ولائحة التراخيص الصادرة عن المجلس الأعلى للإعلام.4

ظاهر النص يُشير إلى ارتباك شديد في صياغة نص دستوري ينظم حقًّا جوهريًّا لا يتعلق فقط بحرية مُمارسة العمل الصحفي وما يتطلبه ذلك من ضرورة الإصدار أو الإنشاء للصحيفة بمجرد الإخطار، بل إن النص يرتبط أيضًا بضمانة تتعلق بحق المواطنين في الوصول إلى المعلومات بصورها المختلفة وبحرية الرأي والتعبير. إلا أن التفرقة في الحماية بين الصحف الورقية التي تصدر بالإخطار والصحف الإلكترونية التي لا تصدر قبل الحصول على ترخيص من السلطات لم ينشأ عن مجرد خطأ في الصياغة، بل جاء انعكاسًا للمناقشات التي جرت داخل لجنة الخمسين التي أعدت مسودة الدستور، وقد خرج النص بهذه الصياغة    نتيجة رؤية الأطراف التي انخرطت في مناقشة مواد حرية الصحافة وعلى رأسها نقابة الصحفيين التي كان من المفترض أن تدافع عن أوسع قدر من الحماية لحرية الصحافة بغض النظر عن وسيلة النشر سواء كانت ورقية أم رقمية.5

وتوضح النقاشات بعض النقاط التي تتعلق بالقصد من إصدار النص بهذا الشكل المعيب، فبعد قراءة نص المادة 70 بصياغتها الأولى6 جاء تعليق من أستاذ القانون، الدكتور جابر جاد نصار (المُقرر العام للجنة الخمسين/ مُمثلًا للشخصيات العامة بلجنة الخمسين):

“الفقرتان الأخيرتان تغاير بين إصدار الصحف المطبوعة وبين إنشاء وتملك وسائل الإعلام الأخرى مثل محطات البث الإذاعي والمرئي والصحف الإلكترونية، فجعل الصحف بمجرد الإخطار، أي شخص يُشهر صحيفة بمجرد الإخطار بإرساله طلب الحكومة متضمنًا رغبته في عمل صحيفة أيًّا كان اسمها، إنما محطات البث الإذاعي والمرئي والصحف الإلكترونية لا يمكن أن تكون بالإخطار، فلا بد أن ينظم القانون إجراءات إنشائها وتملكها والترخيص بها، الفقرة الأولى إما كلها صحف وإما وسائل أخرى”.

وقد تدخل ضياء رشوان (المُمثل الأساسي لنقابة الصحفيين في لجنة الخمسين) مُعقبًا على ما جاء بكلام الدكتور جابر جاد نصار:

"... فرقنا في الفقرة الأولى بين حريات الصحافة والطباعة والنشر بكل أشكالها وبين الفقرة الثانية وهي فقرة تنظيمية، الفقرة التنظيمية تبدأ بـ"تصدر الصحف"، وهنا يُقصد الصحف المطبوعة "بمجرد الإخطار على النحو الذي ينظمه القانون"، قد يرى البعض لماذا ينظمه القانون؟ لأن الحق في الإصدار بمجرد الإخطار قائم، لكن هناك تنظيمات أخرى وهي الشركة وحقوق العاملين وكل ما يتعلق بإنشاء صحيفة لا بد أن يكون أيضًا وفقًا للقانون، ومثلما أشار الدكتور جابر فيما يخص محطات البث الإذاعي والمرئي والصحف الإلكترونية، لها إجراءات خاصة تتعلق بأمور فنية، مثلًا إشارات البث أو غيرها، وبالتالي هذه تستلزم تنظيمًا قانونيًّا ولا يُمكن صدورها بمجرد الإخطار، لأنني من المُمكن أن أخطر ولا أستطيع إصدار أو إنشاء تليفزيون أو إنشاء محطة، وبالتالي، الفقرتان مختلفتان، إحداهما للحق والأخرى للتنظيم".

وفي تبرير فكرة انتفاء الحق في إصدار الصحف الإلكترونية بمجرد الإخطار قال ضياء رشوان:

 "... هنا الأمر ليس فيه إخطار لأنه حتى وإن تم الإخطار فلن يستطيع أن يصدر لأنه ليس لديه إشارات بث مثلًا، أو أدوات إلكترونية، وبالتالي فإن الإخطار مُنتَفٍ في حالة الوسائل الأخرى، الإخطار مقدم في حالة الصحف المطبوعة، ومن ثم فإن النص بهذه الصياغة في رأيي واضح بالنسبة للإصدار".

واستطرد ضياء رشوان في شرح مفهوم التنظيم القانوني للصحف ووسائل الإعلام، فيقول ردًّا على أحد المُعترضين على صياغة المادة:

 "وفي الحقيقة هناك معنيين للتنظيم: الأول هو أنه من حق الصحف أن تصدر بمجرد الإخطار، وهذا حق موجود في معظم دول العالم، لكن كما ذكرت سابقًا، أن هذا الحق يعطي للصحيفة أن تصدر بمجرد أن تخطر الجهة والقانون هو الذي سيحددها، وبعد الإخطار هناك إجراءات لإنشاء مؤسسة صحفية وهي تتعلق بقانون العمل وقوانين أخرى، لذلك فإن الإخطار مُقدم بمعنى أنه إذا أراد شخص إصدار صحيفة حتى من منزله، فليصدرها، هذا من حقه، لكن إذا دخل في إطار مؤسسي فسيكون هناك تنظيم قانوني.

الأمر الثاني مُختلف وهو "وينظم القانون إجراءات إنشائه..". وهي محطات البث الإذاعي والمرئي والصحف الإلكترونية، وهنا فإنني أذكركم بأننا لم نقل هنا وثائق7 الإعلام الرقمي، لأن الصحف الرسمية فقط هي التي يُنظمها القانون وليس وسائط الإعلام الرقمي الحرة مثل التويتر والفيسبوك، هنا الأمر ليس فيه إخطار لأنه حتى وإن تم فلن يستطيع أن يصدر لأنه ليس لديه إشارات بث مثًلًا أو أدوات إلكترونية، وبالتالي فإن الإخطار مُنتَفٍ في حالة الوسائل الأخرى، الإخطار مُقدم في حالة الصحف المطبوعة".

يتضح من النقاشات التي دارت بلجنة الخمسين أن كلًّا من نقابة الصحفيين والمجلس الأعلى لتنظيم الصحافة، هما الجهتان اللتان اقترحتا النص بهذه الصياغة، وهو ما أكد عليه ضياء رشوان في أكثر من موضع، مُعبرًا عن تمسك هذه الجهات وارتياحها لهذه الصياغة رغم التحفظات على الإشكاليات المُتعلقة بترابط وترتيب الجُمل، ومن ناحية أخرى تؤكد هذه النقاشات أن الجهة مُقترحةَ النص أرادت عن عمد التفرقة بين الصحف المطبوعة والإلكترونية دون ذكر مُبررات منطقية، بل إن الحُجج التي تم الاستناد إليها لتبرير إصدار الصحف المطبوعة تلائم نموذج الصحف الإلكترونية التي لا تحتاج إلى إجراءات مُعقدة لمُمارسة نشاطها، ولكن نقابة الصحفيين فضَّلت أن تضع الصحافة الإلكترونية ضمن تصنيفات أخرى مُتعددة لوسائل الإعلام المرئية، الأهم ألا ترتبط المواقع بالصحف المطبوعة بأي شكل أو صورة أخرى من صور الصحافة. بالإضافة إلى ذلك، فإنه لا يُمكن التسليم بصحة الحُجج الفنية التي ساقها ضياء رشوان، فالحُجج المُتعلقة بضرورة توفير نطاقات للبث هي أمر تقني يقع على جهة الإدارة عبء توفيره بغض النظر عن الاعتبارات المُتعلقة بإنشاء الكيان الاعتباري واعتماده كأحد الوسائل الإعلامية، وإلا إذا طبقنا هذا المفهوم فسوف تمتنع الجهات الإدارية عن الموافقة بترخيص وسائل الإعلام لأسباب تتعلق بعدم توفر الترددات أو السُّبل الفنية اللازمة للبث أو النشر، وهو ما يُهدر الحقوق الدستورية في حرية الصحافة والإعلام وتداول المعلومات والتعبير. الأمر الآخر يتعلق بمحاولة وضع الصحف الإلكترونية _التي لا تحتاج أي متطلبات تقنية لإنشائها من جانب جهة الإدارة_ في مصافِّ قنوات البث الفضائي وغيرها من الوسائل الإعلامية، التي تحتاج إلى ترتيبات فنية خاصة من جانب الجهات الإدارية المسؤولة عن تنظيم عمل هذه الوسائل الإعلامية. وقد أدت هذه التفرقة بين الصحف الورقية والصحف الإلكترونية إلى حرمان الأخيرة من الحماية الدستورية التي تتمتع بها الأولى بالرغم من قيامها بنفس الدور. هذه التفرقة لم تكن عن جهل بأهمية الصحافة الإلكترونية، بل عن وعي راسخ لدى أجهزة الدولة بأن صعوبة السيطرة على الفضاء الإلكتروني يمتد ليشمل الصحف الإلكترونية، خاصة مع تزايد عدد مستخدمي الإنترنت في مصر في السنوات الأخيرة واجتذاب الصحافة الإلكترونية جمهورًا واسعًا بعد سيطرة الدولة على أغلب الصحف ومحطات البث الإذاعي والتليفزيوني. وبالتالي كان الترخيص وليس الإخطار هو الحل السحري الذي وجدته أجهزة الدولة لجعل الصحافة الإلكترونية خاضعة دائمًا لصور مختلفة من الرقابة الإدارية.

حرية النشر وفرض رقابة على المواقع الإلكترونية الصحفية

مادة (71) "يحظر بأي وجه فرض رقابة على الصحف ووسائل الإعلام المصرية أو مصادرتها أو وقفها أو إغلاقها. ويجوز استثناء فرض رقابة محددة عليها في زمن الحرب أو التعبئة العامة. ولا توقع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب بطريق النشر أو العلانية، أما الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو بالتمييز بين المواطنين أو بالطعن في أعراض الأفراد، فيحدد عقوباتها القانون".

تعمل المادة 71 بشكل أساسي على توفير صور مُختلفة لحماية الصحف ووسائل الإعلام، حيث حظر نصُّ المادة بشكل عام كافة صور الرقابة ثم عَدَّد ثلاث صور من هذه الأشكال، وهي المُصادرة والوقف والغلق، ورغم ارتباط نص المادتين 70 و71 وإصرار المُشرع الدستوري على ذكر أمثلة لأوجه الحماية، بل إن المشرع اعتبر من ضمن الحقوق المكفولة للصحف ما عرفته المادة 70 بـحرية الطباعة، جاءت هذه الحقوق والحريات مكفولة فقط للصحف الورقية دون الصحف الإلكترونية. فعند الانتقال من نص المادة 70 التي يغلب عليها الطابع التنظيمي إلى المادة 71 التي تتحدث عن الحماية من صور الرقابة المُختلفة، لم تمتد هذه الحماية إلى “الصحف الإلكترونية” أو “الوسائط الرقمية”. فإذا كنا نتحدث عن المُصادرة والغلق والوقف باعتبارها ممارسات رقابية تقليدية تحدث ضد الصحف الورقية، فلم يشِر نص المادة 71 على سبيل المثال إلى حماية الصحافة الإلكترونية من ممارسات حجب المواقع كأحد أهم صور الرقابة التي تعمل بشكل أساسي على تصفية المحتوى ومنع وصول المُستخدمين. وصحيح أن النصوص الدستورية لا يستقيم أن تذكر أمورًا تفصيلية وأنها يجب أن تكون نصوصًا شديدة العمومية وتقر الحقوق والحريات بشكل عام، إلا أن هذا أيضًا يستتبعه وضوح صور الحماية إذا اختلفت صور الرقابة باختلاف موضوع الحماية الدستورية نفسه.

من ناحية أخرى، يقتصر حظر فرض الرقابة على الصحف على “فرض رقابة على الصحف ووسائل الإعلام المصرية”، فالمعنى الواضح من نص المادة تؤكده مناقشات لجنة صياغة الدستور، فيوضح ضياء رشوان في مضابط مُناقشة المادة 71:

“أقترح الموافقة التي أضافها السيد اللواء وأن تكون الصياغة النهائية للمادة على أن تكون الجملة الأولى كما هي “يحظر بأي وجه فرض رقابة على الصحف ووسائل الإعلام المصرية، أو مصادرتها، أو وقفها أو إغلاقها”، وهنا ألفت النظر إلى سيادة اللواء مجد الدين بركات، فيما يخص الأمن القومي فنحن هنا حظرنا الرقابة على الصحف المصرية فقط لأن الصحف غير المصرية يجوز التعامل معها”.

هذه الصياغة والهدف من ورائها، يعكس بشكل واضح أن الفلسفة التي يقوم عليها الدستور المصري، تنصرف إلى الوسيلة وإغفال الغاية التي شُرِّع النص من أجلها، وهو أمر شائع في الصياغات الدستورية المصرية. فالأصل أن من ضمن أغراض الدستور، أنه وثيقة تعمل على حماية الحقوق والحريات العامة وكذلك الحقوق والحريات الخاصة بالمواطنين، وعلى سبيل ذلك، يتضمن الدستور عددًا من النصوص التي تُضفي حماية أو تضمن حرية عمل أو استقلال بعض الجهات والمؤسسات، وهذا لا يعني أن حماية هذه المؤسسات هدف في حد ذاته، بل إنه وسيلة لحماية غاية أبعد، وهي إما حق وإما حرية شخصية أو عامة، فعلى سبيل المثال ضمان استقلال القضاء هدفه الأساسي ضمانة وحماية للمُتقاضين وليس حماية المؤسسات القضائية ذاتها، وكذلك الأمر في ما يتعلق بحرية الصحافة، فالهدف ليس حماية المؤسسات الصحفية فقط بل إن هذه الحماية تهدف إلى تمتع الأفراد بمناخ يسمح بالوصول إلى المعلومات بطرق وصور مُختلفة، فإذا كان الهدف هو حق المواطنين في الوصول إلى المعلومات، فكيف نُحدد نطاق الحماية للمؤسسات الصحفية المصرية دون غيرها من وسائل الإعلام والصحف؟

قد لا يكون هناك تخوف كبير فيما يتعلق بالصحف الورقية الأجنبية التي يصعب الوصول إليها بشكل عام، إلا أنه مع التطور التكنولوجي المُستمر، أصبحت الصحافة الإلكترونية الأجنبية، أحد المصادر الرئيسية التي يُتابعها الأفراد لاستقاء المعلومات، ومع غياب نصٍّ دستوري واضح يتسع ليشمل توفير حماية لكافة وسائل الصحافة والإعلام المصرية والأجنبية، تتسع سلطة الجهات الإدارية في فرض رقابتها، وهي الرقابة التي تتطور مع الوقت ليصبح ويتم الوصول إلى المعلومات عبر قنوات صحفية تحددها السلطات مسبقًا.   

ملكية وإنشاء وسائط الأعلام الرقمي

تطرق الجزء الأول من المادة 70 من الدستور المصري إلى حق المصريين من أشخاص طبيعية واعتبارية في تملك وإصدار الصحف، وكذلك حقهم في تملك وإنشاء ما يُعرف بـ”وسائط الإعلام الرقمي” ولم يتطرق النصف الثاني من نص المادة 70 _الجزء الذي يتحدث عن تنظيم إجراءات إصدار الصحف ووسائل الإعلام بموجب القانون_ إلى ما يُعرف بوسائط الإعلام الرقمي، وهو ما يستدعي ضرورة توضيح مفهوم وسائط الإعلام الرقمي، وكذلك مدى إمكانية تنظيم حق ملكية وإنشاء هذه الوسائط بموجب قانون تنظيم الإعلام.

أثناء مناقشات لجنة الخمسين المادة رقم 70 في صورتها الأولى، لم تكن تتضمن ما يعرف بـوسائط الإعلام الرقمي، حيث حَملت المادة في المشروع المُقترح من نقابة الصحفيين رقم 51، التي نصت على:

    “حرية الصحافة والطباعة والنشر الورقي والمرئي والمسموع والإلكتروني مكفولة، وللمصريين من أشخاص طبيعية أو اعتبارية عامة أو خاصة حق الملكية وإصدار الصحف وإنشاء وسائل الإعلام المرئية والمسموعة ووثائق الإعلام الرقمي، وتصدر الصحف بمجرد الإخطار على النحو الذي ينظمه القانون، وينظم القانون إجراءات إنشاء وتملك محطات البث الإذاعي والمرئي والصحف الإلكترونية”.

توضح النقاشات التي دارت _عند وضع المادة_ المقصود بوسائط الإعلام الرقمي، وموقع هذا التعريف من القوانين التي تنظم عمليه إنشاء وإدارة وسائل الإعلام بشكل عام. ففي معرِض الحديث عن نص المادة    يقول    ضياء رشوان: “تتحدث المادة عن إنشاء وسائل الإعلام المرئي والمسموع ووسائط الإعلام الرقمي، هنا قُمنا بالتعميم، تكلمنا عن وسائط الإعلام الرقمي مثلًا، وسائط الإعلام الرقمي قد تكون موقع على الفيس بوك وقد تكون تويتر وهذه لا ينظمها قانون، لأننا لو وضعنا كلمة ينظمها القانون في الفقرة الأولى، معناها أننا نُخضع كل وسائل التعبير الإلكتروني للتنظيم القانوني بما فيها صفحات التويتر، وهذه أمور ليس يصعب بل يستحيل ضبطها بأي قانون، ومن ثم فرقنا في الفقرة الأولى بين حريات الصحافة والطباعة والنشر بكل أشكالها وبين الفقرة الثانية وهي فقرة تنظيمية”.

يُفهم من النقاشات التي دارت حول معنى “وسائط الإعلام الرقمي”، أن المقصود بها الحسابات الشخصية التي تستخدم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مثل: فيسبوك وتويتر، وقد أرسى الدستور المصري فيما يتعلق بهذه الحسابات قاعدتين، الأولى والتي تتعلق بإمكانية وضع قواعد تنظيمية لهذه الحسابات، حيث توضح نقاشات وضع الدستور أنه أمر مُستبعد، لذلك لم يُحَل إلى القانون تنظيم عملية إدارة وملكية هذه الحسابات، مُكتفيًا في هذا الشأن بالإقرار بحق المصريين في استخدام هذه الوسائط.

القاعدة الثانية، تتعلق بتوسع المُشرع الدستوري في مفهوم وسائل الإعلام، لتضم بين وسائل الإعلام الحسابات الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي إن كان نص الدستور استبعدها من الإطار التنظيمي، فإنه فتح الباب أمام فرض صور مُختلفة للرقابة على هذه الوسائل دون النص صراحة على ضمانات أو صور حماية لها.

الحالة القانونية بعد مرور سبع سنوات من النقاشات التي دارت في لجنة الخمسين

عقب إصدار الدستور، مرر البرلمان    قانون “التنظيم المؤسسي للصحافة والإعلام”، في ديسمبر عام 2016، وتأخر إصدار قانون تنظيم العمل الصحفي والإعلامي _قانون الإعلام الموحد_ وتم تشكيل الهيئات الثلاث: المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والصحافة، والهيئتين الوطنيتين للصحافة والإعلام بموجب قانون التنظيم المؤسسي للصحافة والإعلام، ومارست هذه الهيئات اختصاصاتها التي حددها قانون التنظيم المؤسسي، وهو ما هيأ الساحة الإعلامية والصحفية لدور المجلس ولطبيعة قرارته المُستحدثة، حيث تمكن المجلس الأعلى للإعلام خلال هذه الفترة من توقيع جزاءات متنوعة، حيث أصدر عقوبات مُختلفة، مثل: منع ظهور بعض الإعلامين أو الأفراد، وكذلك إلزام بعض المواقع والمؤسسات الصحفية بحذف المحتوى، ومنع الكتابة في بعض الموضوعات، وقد تزايد هذا الدور في ظل غيابِ قانونٍ يوفر حماية للمؤسسات الصحفية والإعلامية، إلى أن وافق البرلمان على “قانون تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام”، في شهر يونيو من العام 2018، ودخل حيز النفاذ بعد تصديق رئيس الجمهورية عليه في شهر أغسطس 2018.

انعكست الصياغات الدستورية التي تفرق بين الصحافة الورقية والصحافة الإلكترونية على النصوص المُنظمة لعمل المواقع الإلكترونية ووسائط الإعلام الرقمي المنصوص عليها بقانون تنظيم الإعلام والصحافة، حيث جاءت أغلب هذه النصوص في صياغات مُلتبسة وغير واضحة، ويُمكن ملاحظة مظاهر الاضطراب التشريعي التي نتجت عن التفرقة في الحماية الدستورية في مواضع مُختلفة، سواء فيما يتعلق بنطاق تطبيق القانون، الذي يتضح من خلاله التوسع في صور الرقابة على المواقع والحسابات الإلكترونية الشخصية، أو من خلال التمييز الواضح بين وسائل الإعلام التقليدية والمواقع الإلكترونية فيما يتعلق بحرية العمل ومُمارسة الأنشطة، كما أُثر الواقع التشريعي على أوضاع الصحافة الرقمية.

توسع قانون تنظيم الإعلام والصحافة في تحديد مفهوم وسائل الإعلام التي تخضع لأحكامه، ومن ثم اتسع    وامتد ليشمل “جميع الكيانات والمؤسسات والوسائل الصحفية والإعلامية والمواقع الإلكترونية”، وقد ذُكرت المواقع الإلكترونية في موضع مُنفصل عن الصحف ووسائل الإعلام، وهو ما يعني أن قانون تنظيم الإعلام والصحافة لا يقتصر تطبيقه على المواقع الإلكترونية التي تعمل كظهير إلكتروني لوسائل الإعلام والصحف فقط، بل يشمل ذلك كافة المواقع الإلكترونية المصرية، وتأكيدًا على هذا المعنى، أوضحت المادة السادسة من قانون تنظيم الإعلام والصحافة أنه “لا يجوز تأسيس مواقع إلكترونية في جمهورية مصر العربية، أو إدارتها، أو إدارة مكاتب أو فروع لمواقع إلكترونية تعمل من خارج الجمهورية، إلا بعد الحصول على ترخيص بذلك من المجلس الأعلى وفق الضوابط والشروط التي يضعها في هذا الشأن”.

ولم يستثنِ القانون من نطاق سريان أحكامه سوى “المواقع والحسابات الإلكترونية الشخصية”، إلا أن نصوص قانون تنظيم الإعلام والصحافة، توضح أن استثناء المواقع والحسابات الإلكترونية الشخصية، يتعلق فقط بعدم خضوع هذه المواقع والحسابات للضوابط التنظيمية المُتعلقة بضرورة الحصول على ترخيص من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، ولكن تخضع هذه المواقع والحسابات لرقابة المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، حيث تُعطي المادة 19 من قانون تنظيم الإعلام والصحافة صلاحية للمجلس لوقف أو حجب الموقع أو المدونة أو الحساب الشخصي.

المادة 19 يحظر على الصحيفة، أو الوسيلة الإعلامية أو الموقع الإلكتروني نشر أو بث أخبار كاذبة، أو ما يدعو أو يحرض على مخالفة القانون أو إلى العنف أو الكراهية، أو ينطوي على تمييز بين المواطنين، أو يدعو إلى العنصرية أو يتضمن طعنًا في أعراض الأفراد، أو سبًّا أو قذفًا لهم، أو امتهانًا للأديان السماوية أو للعقائد الدينية. ويلتزم بأحكام الفقرة السابقة كل موقع إلكتروني شخصي أو مدونة إلكترونية شخصية أو حساب إلكتروني شخصي، يبلغ عدد متابعيه خمسة آلاف متابع أو أكثر. ومع عدم الإخلال بالمسؤولية القانونية المترتبة على مخالفة أحكام هذه المادة، يجب على المجلس الأعلى اتخاذ الإجراء المناسب حيال المخالفة، وله في سبيل ذلك وقف، أو حجب الموقع أو المدونة أو الحساب المشار إليه بقرار منه. ولذوي الشأن الطعن على القرار الصادر بذلك أمام محكمة القضاء الإداري.

أ- أثر الصياغات الدستورية على قانون تنظيم الصحافة والإعلام

 امتد أثر الصياغات الدستورية على نصوص قانون تنظيم الإعلام والصحافة، حيث يضع القانون تنظيمات قانونية مُتعددة للمواقع الإلكترونية، وهو ما يوحي بأن القانون يضع تقسيمات مُختلفة لأنواع المواقع الإلكترونية، وهو أمر يتضح في أكثر من موضع سواء فيما يتعلق بالتعريفات أو التفصيلات الإجرائية، التي تتناولها نصوص القانون، فعلى مستوى التعريفات المنصوص عليها بالمادة 1 من الباب الأول من قانون تنظيم الصحافة والإعلام عُرِّفت المواقع الإلكترونية    الصحفية في موضعين مُختلفين.

* الصحيفة: كل إصدار ورقي أو إلكتروني، يتولى مسؤولية تحريره أو بثه صحفيون نقابيون، ويصدر باسم موحد، وبصفة دورية في مواعيد منتظمة، ويصدر عن شخص مصري، طبيعي أو اعتباري، عام أو خاص، ووفقًا للقواعد والإجراءات التي تنظمها اللائحة التنفيذية لهذا القانون.

* الموقع الإلكتروني: الصفحة أو الرابط أو التطبيق الإلكتروني المرخص له والذي يقدم من خلاله محتوًى صحفي أو إعلامي أو إعلاني نصيًّا كان أو سمعيًّا، أو مرئيًّا ثابتًا، أو متحركًا أو متعدد الوسائط، ويصدر باسم معين، وله عنوان ونطاق إلكتروني محدد، وينشأ أو يستضاف أو يتم النفاذ إليه من خلال شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت).

المادة 1 من التعريفات الواردة بقانون تنظيم الإعلام والصحافة رقم 18- لسنة 2018

أما على مستوى التفصيلات الإجرائية، فنجد أن القانون قد فرَّق بين ملكية وإدارة الصحف الورقية، وغيرها من وسائل الإعلام والمواقع الإلكترونية، بل إن هذه التفرقة قد امتدت إلى التفرقة بين المواقع الإلكترونية التي تعمل كظهير إلكتروني للصحف الورقية، وبين    المواقع الإلكترونية التي لا تتبع صحفًا ورقية، وذلك فيما يتعلق بملكية وإصدار الصحف ووسائل الإعلام المُختلفة، وحرية مُمارسة العمل، وضوابط الرقابة والمُتابعة، حيث تتمتع    الصحف الورقية بميزات نسبية كبيرة، على خلاف وسائل الإعلام الأخرى والمواقع الإلكترونية، وهو ما يُعتبر انعكاسا طبيعيًّا للحماية الدستورية التي أضفاها المُشرِّع الدستوري على الصحف الورقية، هذه الاختلافات يمكن ملاحظتها من المقارنة التالية:

ب- اضطراب أوضاع الصحافة الرقمية في ظل المتغيرات التشريعية

 منذ صدور قانون تنظيم الإعلام والصحافة في العام 2018، وحتى الآن تمر المواقع الإلكترونية العاملة بمجال الصحافة، وغيرها من المواقع بحالة اضطراب تشريعي شديد، وعدم وضوح    للأطر القانونية التي تُنظم عمل هذه المواقع، فرغم صدور اللوائح التنفيذية والإجرائية اللازمة، فإن هذه اللوائح غير قادرة على التمييز بين المواقع الإلكترونية المُختلفة، وضوابط عمل كل منها على سبيل التحديد، فاللوائح المُنظمة، تخاطب كافة المواقع الإلكترونية المصرية، إلا أنها لم تستطع التمييز في الإجراءات بين المواقع الإلكترونية العاملة في مجال الصحافة وبين غيرها من المواقع، مثل المواقع الشخصية ومواقع الشركات. هذا بالإضافة إلى عدم وجود استقرار قانوني في هذا الشأن، يتضح ذلك من التعديلات التي تطرأ على هذه اللوائح رغم حداثة صدورها، والتي تتضمن في كل مرة إجراءات مُختلفة.

عقب إقرار قانون تنظيم الإعلام تصاعدت المُشكلات الإجرائية المُتعلقة بتنظيم ملكية وإدارة المواقع الإلكترونية بشكل عام والحصول على تراخيص المواقع الصحفية على سبيل التحديد،    فبعد شهرين من إقرار قانون تنظيم الإعلام، نشر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في شهر أكتوبر 2018 إعلانًا موجَّهًا إلى مديري المواقع المصرية، بضرورة “تقنين أوضاعهم القانونية”، وذلك من خلال التقدم بطلب ترخيص الموقع والمُستندات اللازمة لذلك، وسداد الرسوم المُقررة والتي تم تحديدها بمبلغ خمسين ألف جنيه، وقد وضع المجلس مُهلة قانونية لتقديم الطلب امتدت إلى منتصف شهر نوفمبر، وخلال هذه الفترة تقدم ما يقرب من 150 موقعًا بطلب الحصول على الترخيص،8 وافق المجلس على أربعين طلبًا من الطلبات المُقدمة إلا أنه لم تصدر أية بيانات توضح أسماء المواقع التي تم منحها الترخيص، أو التي تم رفضها.

* المواقع الإلكترونية التي تقدمت بطلب ترخيص خلال الفترة من 21 أكتوبر 2018 وحتى نهاية يناير 2019، وتضمنت المواقع التي تقدمت بطلبات الترخيص حسب جريدة الوطن9.

وبعد مرور ما يقرب من    عام ونصف من تاريخ صدور قانون تنظيم الإعلام،    قرر    مجلس الوزراء    إصدار اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم اﻹعلام والصحافة، وتلا ذلك إصدار المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام اللائحة التي تُنظم القواعد والإجراءات المُتعلقة بالحصول على تراخيص المواقع “لائحة تنظيم التراخيص”10 والتي جاءت لتوضح الإجراءات التي تتم أثناء عملية الترخيص، والمُدد الزمنية المُتعلقة بدراسة طلب الترخيص، والبيانات والمستندات التي يتم إرفاقها، وقد تضمنت اللائحة إجراءات ترخيص المواقع الإلكترونية المصرية وغير المصرية التي تزاول نشاطًا داخل جمهورية مصر العربية، وتُلزم    اللائحة    كافة المواقع بـ”توفيق أوضاعها القانونية” خلال ستة أشهر من تاريخ صدور اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم الإعلام، والتي تنتهي في منتصف شهر أغسطس 2020، وقد مدد المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام هذه المهلة لمدة ثلاثة أشهر تنتهي في منتصف نوفمبر 2020، ومُددت لمرة أخيرة لفترة تنتهي في مارس 2021، وقد تقدم عدد من المواقع مرة أخرى بطلب توفيق الأوضاع إلا أنه لم تصدر قرارات حتى الآن برفض أو قبول طلبات الترخيص، وما زال هذا الموقف مُعلقًا وغير واضح.

التوصيات

فرَّقت مناقشات لجنة إعداد دستور 2014 بين الصحف الورقية والصحف الإلكترونية من حيث جواز إصدار الأولى بالإخطار، ووجوب إخطار الأخيرة بعد الحصول على ترخيص من الجهات الإدارية المختصة. وكذلك غياب الحماية من صور الرقابة المُختلفة مثل الحجب وتصفية المحتوى المنشور على المواقع الصحفية، وبالرغم من انتهاك هذه التفرقة حرية الصحافة، والحق في الحصول على المعلومات وحرية الرأي والتعبير، وبالرغم من انعكاسها على القوانين المنظمة لعمل الصحف الإلكترونية، فإن هذه التفرقة لم يتم النص عليها صراحة في الصياغة النهائية لنصوص المادتين 70 و71 من الدستور.

ولمَّا كان النص الدستوري يهدف إلى إضفاء حماية على الحقوق والحريات لتكون مكفولة للأفراد دون قيد، فضلًا عن أن نصوص الدستور هي نصوص كاشفة للحقوق وليست مُنشئة لها، وفي هذا الصدد لم ينص الدستور صراحة على وجوب الترخيص المسبق لإصدار الصحف الإلكترونية، فإنه يجب على السلطات السماح للصحف الإلكترونية بالتأسيس بمجرد الإخطار وحرية مُمارسة أنشطتها ووقف المُمارسات المُتعلقة بالحجب وتصفية المحتوى، وذلك لوقف التمييز بين الصحف الإلكترونية وبين الصحف الورقية ولرفع العوائق التي تفرضها هذه القوانين على هذا النوع من الصحافة دون مبرر أو سند دستوري صريح.

الهوامش

1 حسب الرصد الأخير الصادر عن مسار مُجتمع التقنية والقانون في سبتمبر2020، وصل عدد مواقع الوِب المحجوبة التابعة لوسائل إعلامية إلى 116 موقعًا.

2 خبر منشور على موقع المنصة بتاريخ 25 يونيو 2020بعد 26 ساعة من انتزاع حريتها: إخلاء سبيل رئيسة تحرير المنصة نورا يونس بكفالة 10 آلاف جنيه “.

3المادة 48 من دستور جمهورية مصر العربية الصادر سنة 1971 – عُطل دستور 1971 جزئيًّا بموجب الإعلانات الدستورية الصادرة في عام 2011، وتم إيقاف العمل به بعد صدور دستور عام 2012 – “حرية الصحافة والطباعة والنشر ووسائل الإعلام مكفولة، والرقابة على الصحف محظورة وإنذارها أو وقفها أو إلغاؤها بالطريق الإداري محظور، ويجوز استثناء في حالة إعلان الطوارئ أو زمن الحرب أن يفرض على الصحف والمطبوعات ووسائل الإعلام رقابة محددة في الأمور التي تتصل بالسلامة العامة أو أغراض الأمن القومي، وذلك كله وفقًا للقانون”.

4 القانون رقم 180 لسنة 2018 بشأن تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، القرار رقم 26 لسنة 2020 بشأن إصدار لائحة تنظيم التراخيص بالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام.

5نُوقشت المادة رقم 51 في الاجتماع الخامس عشر للجنة الخمسين بتاريخ 31 أكتوبر 2013 وقد حملت المادة رقم 70 أثناء الصياغة النهائية وإعادة ترتيب مواد مشروع الدستور النهائية، يُراجع في ذلك المضبطة رقم 15 صفحة 14 وما بعدها.

6الصياغة الأولى للمادة 51 “حرية الصحافة والطباعة والنشر الورقي والمرئي والمسموع والإلكتروني مكفولة، وللمصريين من أشخاص طبيعية أو اعتبارية عامة أو خاصة حق الملكية وإصدار الصحف وإنشاء وسائل الإعلام المرئية والمسموعة ووثائق الإعلام الرقمي، وتصدر الصحف بمجرد الإخطار على النحو الذي ينظمه القانون، وينظم القانون إجراءات إنشاء وتملك محطات البث الإذاعي والمرئي والصحف الإلكترونية.”

7 استخدمت لجنة الخمسين مصطلحي “وثائق الإعلام الرقمي” و”وسائط الإعلام الرقمي” بشكل تبادلي.

8خبر منشور على بوابة جريدة الوطن بعنوان: تراخيص الأعلى للإعلام توافق على طلبات 40 موقعًا إلكترونيًّا من بين 150 ” بتاريخ 20 يونيو 2019.

9خبر منشور على بوابة جريدة الوطن بعنوان: تراخيص الأعلى للإعلام توافق على طلبات 40 موقعًا إلكترونيًّا من بين 150 ” بتاريخ 20 يونيو 2019.

10أصدر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام القرار رقم 26 لسنة 2020 بإصدار لائحة تنظيم التراخيص بالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بتاريخ 5 مايو 2020.