حوكمة الإنترنت والعدالة الجندرية: فجوات التمثيل وحدود نموذج تعددية الأطراف ذات المصلحة

مقدمة

أصبحت التكنولوجيات الرقمية، وبصفة خاصة الإنترنت، من العوامل الرئيسية المؤثرة في تشكيل المجتمعات البشرية اليوم وفي المستقبل القريب. ويعني ذلك أن الطريقة التي تتطور بها الإنترنت، وطبيعة التفاعلات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي تتيحها، تسهم في تحديد الإطار الذي تتشكل داخله الظواهر الاجتماعية المختلفة، بما في ذلك التفاعلات الجندرية بمختلف أبعادها.

وفي حين أن طبيعة الإنترنت ومسار تطورها خلال العقود الماضية يجعلانها عصية على محاولات إدارتها أو توجيه تطورها، فإن ذلك لم يمنع وجود مساع متواصلة للوصول إلى إطار توافقي بين الأطراف ذات الصلة. وتهدف هذه المساعي إلى وضع مجموعة من القواعد التي تمثل الحد الأدنى المطلوب لتحقيق توازن بين مصالح الأطراف المختلفة.

يُطلق على هذا الإطار اليوم اسم حوكمة الإنترنت (Internet Governance). وفي صورته الحالية، تقوم أنشطة حوكمة الإنترنت على مساحات منتظمة للتفاوض تجمع عددًا من الأطراف الرئيسية، تشمل حكومات الدول، وشركات التكنولوجيا، والمنظمات الدولية، ومنظمات المجتمع المدني. وتعقد هذه الأطراف اجتماعات دورية تناقش خلالها قضايا الإنترنت التي ترى أنها الأكثر أهمية، وتسعى إلى التوصل إلى صيغ توافقية للتعامل مع هذه القضايا. ورغم أن إطار حوكمة الإنترنت، بصيغته الحالية، لا يملك سيطرة مباشرة على توجهات إدارة الإنترنت، فإن له تأثيرًا كبيرًا عليها، إذ تشارك فيه الأطراف الأكثر نفوذًا، والتي تميل إلى الالتزام بما يتم التوافق عليه حفاظًا على المصالح المتبادلة فيما بينها.

في ذات الوقت، لا تزال النساء يواجهن أشكالًا متعددة من التمييز الجندري في مختلف المجتمعات، وإن تفاوتت حدته وصوره. علاقة الإنترنت بالتمييز الجندري هي علاقة معقدة وتنطوي على متناقضات حادة. فمن جهة، تتيح الإنترنت مساحة أوسع للتعبير والتواصل، وقد تسهم في زيادة حضور الفئات الأقل تمثيلًا، مما يجعلها أداة محتملة لدعم الجهود الرامية إلى تحقيق قدر أكبر من المساواة الجندرية. ومن جهة أخرى، تعكس الإنترنت في كثير من الأحيان علاقات القوة والتراتبية القائمة في المجتمعات، وقد تؤدي إلى إعادة إنتاجها أو تعزيزها، كما قد تفرز أنماطًا من التعبير عن التمييز تكون أكثر انتشارًا وتأثيرًا مقارنة بما هو قائم في الواقع غير الرقمي. ويستلزم تعزيز الأثر الإيجابي المحتمل للإنترنت في مجال المساواة الجندرية، والحد في الوقت نفسه من آثارها السلبية، تبني مقاربات شاملة ومتسقة، وهو ما لم يتحقق بعد على نحو كافٍ.

وتبرز أهمية حوكمة الإنترنت في كونها الإطار المتاح حاليًا للسعي إلى مثل هذه المقاربات الشاملة والمتسقة في التعامل مع الظواهر المرتبطة بالإنترنت. فالتوافقات التي يتم التوصل إليها من خلال عمليات حوكمة الإنترنت تتميز بطابعها الشامل، إذ تشمل نطاقًا واسعًا من الأنشطة الأكثر انتشارًا على الإنترنت. كما تتسم بالاتساق من خلال تطبيق مجموعة موحدة من القواعد على نطاق واسع. وبناءً على ذلك، تمثل حوكمة الإنترنت المسار المتاح اليوم للإجابة عن تساؤل كيفية تحويل الفضاء السيبراني، بوجه عام، إلى بيئة أكثر أمانًا للنساء، تسهم بفاعلية في دعم تطلعاتهن نحو العدالة الجندرية، وتحد تدريجيًا من مظاهر التمييز الجندري.

في هذا السياق، تناقش الورقة العلاقة المركّبة بين حوكمة الإنترنت وقضايا العدالة الجندرية. وتعرض أولًا أهمية التمثيل الجندري العادل في مشهد حوكمة الإنترنت، ثم تنتقل إلى استعراض الواقع الحالي لهذا التمثيل. كما تتناول الفجوة الجندرية في هذا المشهد، الذي يغلب عليه الطابع المؤسسي الذي يهمش النساء بطبيعته، وتوضح أثر نموذج تعددية الأطراف ذات المصلحة، المطبق في إدارة عمليات حوكمة الإنترنت، على مستوى التمثيل الجندري وحضوره.

وأخيرًا، تطرح الورقة تساؤلًا محوريًا: هل يمكن تحقيق تمثيل جندري أكثر عدالة في مشهد حوكمة الإنترنت؟ وتبحث هذا التساؤل من خلال مناقشة أدوار ومواقف ثلاثة أطراف فاعلة في هذا المشهد، هي حكومات الدول، وشركات التكنولوجيا، والمنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني.

ضرورة التمثيل الجندري العادل في مشهد حوكمة الإنترنت

يمثل التمثيل الجندري العادل في مشهد حوكمة الإنترنت ضرورة ديمقراطية أساسية، شأنه في ذلك شأن ضمان تمثيل أي فئة اجتماعية لها احتياجات وتطلعات مختلفة في الأطر التي تمتلك سلطة تؤثر في تحقيقها. فمن منظور ديمقراطي، يعتمد أي نظام سياسي على حق مختلف الفئات في الدفاع عن مصالحها عبر آليات تفاوض تتيح الوصول إلى توافقات تراعي قدر الإمكان مصالح الجميع.

ورغم وضوح هذا المبدأ، إلا أن تطبيقه عمليًا على مسألة التمثيل الجندري يواجه إشكالية متكررة في الأطر الديمقراطية كافة. تكمن الإشكالية في الاعتراف بأن الجندر هو عامل تمييز فئوي ينتج اختلافًا في المصالح، ومن ثم ضرورة تمثيل هذه المصالح. وبرغم أن الممارسة السياسية تجاوزت هذا التحدي جزئيًا، إلا أنه يعود للظهور كلما طُرحت الحاجة إلى تمثيل جندري عادل في أطر جديدة مثل عمليات حوكمة الإنترنت.

يناقش هذا القسم أهمية ضمان تمثيل جندري عادل من عدة زوايا. فهو يستعرض أولًا الفائدة العامة لإشراك المقاربات التي يمكن للنساء الإسهام بها في مناقشات حوكمة الإنترنت، بما في ذلك المقاربات غير المرتبطة مباشرة بقضايا الجندر. كما يوضح الحاجة الملحة لحضور هذه القضايا في نقاشات الحوكمة بالنظر إلى تأثيرها الكبير على مستقبل الإنترنت وعلى المجتمعات البشرية عمومًا. وأخيرًا، يعرض هذا القسم مجموعة من القضايا التي تُعد ذات أولوية من منظور السعي إلى تحقيق العدالة الجندرية.

تمثيل النساء وضبط بوصلة مناقشات حوكمة الإنترنت

لا تتعلق الحاجة إلى تمثيل جندري عادل في مشهد حوكمة الإنترنت فقط بحماية مصالح النساء ذات الصلة بعمل الإنترنت وتفاعلهن معها. فكما أثبتت تجارب عديدة في مجالات مختلفة، يضيف التمثيل الجندري العادل إلى أي بيئة يتحقق فيها قدرًا كبيرًا من التنوع في المقاربات المبنية على تبني النساء لسبل مختلفة عن الرجال سواء في فهم الظواهر المختلفة أو في تصوراتهن لطرق التعامل معها.

وبالنظر إلى طبيعة مشهد حوكمة الإنترنت الحالي، فإن هذا المشهد يحتاج على نحو خاص إلى ما يمكن أن تضيفه النساء من مقاربات وأساليب للتعامل مع قضايا الإنترنت. فهذه المقاربات قد تسهم في إعادة توجيه الاهتمام ليصبح أكثر تركيزًا على الأفراد وحقوقهم، في مقابل التركيز الواسع اليوم على مصالح المؤسسات الكبرى، مثل حكومات الدول وشركات التكنولوجيا.

وتُظهر تجارب الحركة النسوية العالمية في العقود الأخيرة قدرة المقاربات النسوية على التأثير في تطور المجتمعات. ويمكن لقضايا محورية في نقاشات حوكمة الإنترنت، مثل الأمن السيبراني وخطاب الكراهية على الإنترنت، أن تستفيد كثيرًا من النظر إليها من هذا المنظور الذي يضع تجارب الأفراد، بما في ذلك تجارب النساء، في قلب هذه القضايا.

يسهم حضور أكبر للأصوات النسائية في مشهد حوكمة الإنترنت في معالجة القصور الناتج عن تهميش مستخدمي الإنترنت أنفسهم في النقاشات التقنية والسياسية. كما يفتح المجال أمام رؤى جديدة تساعد على فهم قضايا الإنترنت من منظور الفئات التي تعرّضت للتهميش، بما في ذلك الأقليات الإثنية والدينية. فالنساء غالبًا ما يدركن الترابط بين أشكال الغبن الاجتماعي التي تواجهها الفئات الأقل تمثيلًا، وبين ظواهر مثل خطاب الكراهية، والتضييق على المشاركة الديمقراطية.

الحاجة إلى حضور قضايا الجندر في حوكمة الإنترنت

يُعد إدراك أهمية الإنترنت كافيًا لفهم أهمية أي عملية يمكن أن تؤثر في توجيه عملها ومستقبلها، سواء كان هذا التأثير مباشرًا أو محدودًا. وفي هذا السياق، تأتي عمليات حوكمة الإنترنت التي تقع في موقع وسيط بين التأثير الفعلي والتأثير الشكلي؛ فهي ليست الجهة الأكثر قدرة على تحديد مستقبل الإنترنت، لكنها تظل مؤثرة بدرجة تجعل دورها مهمًا ولا يمكن تجاهله.

وبالنظر إلى حدود هذا التأثير، يبرز حضور قضايا الجندر داخل عمليات حوكمة الإنترنت كأمر بالغ الأهمية. فتشهد اليوم المكاسب التي حققتها حركات حقوق النساء، عبر نضال يمتد لما يقارب قرنين، تراجعًا ملموسًا في مناطق مختلفة حول العالم. ويكشف الفضاء السيبراني عن هشاشة هذه المكاسب وقابليتها للانتكاس، بل ويسهم أحيانًا في هذا التراجع، على خلاف ما توقعه كثيرون ممن رأوا في الإنترنت أداة لتعزيز الحقوق والمساواة منذ ظهورها الأول.

أصبح الفضاء السيبراني اليوم ساحة مركزية للصراع حول العدالة الجندرية، وتؤدي طبيعته التي تجمع بين الانفتاح وغياب الضوابط الكافية إلى إتاحة مساحة أكبر للأصوات والممارسات المناهضة لحقوق النساء. وقد تناولت دراسات عديدة المخاطر التي تشكلها ظواهر الإنترنت المختلفة على جهود تحقيق العدالة الجندرية، في حين تظل الإنترنت قادرة أيضًا على دعم هذه الجهود إذا توافرت الشروط المناسبة. ومن ثم، فإن الإنترنت تجمع بين فرص وإشكاليات حقيقية عندما يتعلق الأمر بالعدالة الجندرية، ويصبح لأي أداة قادرة على ترجيح أحد هذين المسارين وزن كبير، بما في ذلك أدوات حوكمة الإنترنت.

لا تستمد قضايا الجندر أهميتها في إطار حوكمة الإنترنت من اعتبارات نظرية وإنما من الواقع اليومي المعاش لمئات الملايين من النساء واللاتي تمثل الإنترنت جزءًا أساسيًا من حياتهن وواقع تفاعلهن مع المجتمع. يشهد واقع النساء في الفضاء السيبراني مستويات مرتفعة من العنف الجندري، والتنمر، والتمييز، وانتهاك الحقوق. فتسهل الإنترنت التواصل بين البشر ووصول كل منهم إلى الآخر. وفي ظل مجتمعات لا زال فيها التمييز ضد النساء وممارسة العنف ضدهن ظواهر سائدة، تعني هذه السهولة في التواصل والوصول فرصًا أكبر لممارسة العنف الجندري.

لذلك، فإن توفير مساحة تُناقش فيها مظاهر الغبن الجندري المرتبط بالإنترنت يمثل ضرورة لا يمكن التقليل من أهميتها. ويتجاوز الأمر مجرد النقاش، ليشمل السعي إلى اتخاذ خطوات عملية للحد من هذه الظواهر وتحويل الفضاء الرقمي إلى بيئة أكثر أمانًا.

قضايا حوكمة الإنترنت ذات الأولوية لمساعي العدالة الجندرية

لا تزال معالجة الفجوة الجندرية في الوصول إلى الإنترنت هي القضية الأكثر تأثيرًا في إمكانية استغلال الإنترنت لصالح دفع مساعي تحقيق العدالة الجندرية. وبرغم أن المشاهدات الانطباعية حول نسبة وصول النساء إلى الإنترنت قد توحي بتراجع هذه الفجوة بمعدل متزايد في السنوات الأخيرة، فإن الأرقام الإجمالية لنسبة النساء من مستخدمي الإنترنت حول العالم تكشف تباطأ في تراجعها.

وتكمن الإشكالية الأساسية في أن غالبية النساء المحرومات من الوصول إلى الإنترنت ينتمين إلى فئات وطبقات مهمشة في مجتمعات الدول الأقل تنمية والأكثر فقرًا. وتُعد هؤلاء النساء من أكثر الفئات تعرضًا للتهميش على المستوى العالمي، وهو ما يؤدي بدوره إلى تهميش قضاياهن واحتياجاتهن. ومن ناحية أخرى، يُنظر في كثير من الأحيان إلى وصول النساء إلى الإنترنت على أنه رفاهية يمكن تأجيلها، مقارنة باحتياجات أساسية غير متحققة، مثل الأمن على الحياة، والغذاء، والمأوى.

وبرغم أن العمل على شمول الوصول إلى الإنترنت هو من بين القضايا الأقل خلافية بين الأطراف المتداخلة في عمليات حوكمة الإنترنت إلا أن المقاربات الغالبة على تعامل هذه الأطراف مع هذه القضية لا تسمح بوضع وصول الفئات المهمشة إلى الإنترنت كأولوية إلا بطريقة صورية. فغالبًا ما تدور هذه المقاربات حول حسابات العائد مقابل التكلفة. وعندما يتعلق الأمر بتمكين النساء المحرومات من الوصول إلى الإنترنت، يظل العائق الرئيسي هو ارتفاع التكلفة في مقابل محدودية العائد المادي المتوقع. ويتساوى في هذا المنطق كل من حكومات الدول المعنية وشركات الإنترنت.

يعود ارتفاع التكلفة إلى أن أغلب النساء اللاتي لا يتمكنّ من الوصول إلى الإنترنت يعشن في مناطق تعاني من ضعف البنية التحتية والخدمات الأساسية، مثل المناطق الريفية والنائية، أو الأحياء الفقيرة داخل المدن. وفي جميع هذه الحالات، تترتب تكلفة مرتفعة على مد شبكات الاتصالات اللازمة لدعم الوصول إلى الإنترنت. في المقابل، وبسبب انخفاض متوسط الدخل لدى نسبة كبيرة من هؤلاء النساء، إلى جانب افتقار كثيرات منهن إلى الاستقلال المادي، يُنظر إليهن على أنهن فئة غير مستهدفة لتحقيق عائد اقتصادي من توسيع نطاق وصولها إلى الإنترنت.

وجود قضية تضييق الفجوة الجندرية في الوصول إلى الإنترنت على أجندة حوكمة الإنترنت بشكل جاد يعني قبل أي شيء التعامل مع الوصول إلى الإنترنت بوصفه حقًا من حقوق الإنسان، ومن ثم لا يجوز قبول التمييز على أساس الجندر في تمتع الأفراد به. وهو يعني أيضًا أن يكون التخلص من هذه الفجوة احتياجًا إنسانيًا عامًا يتجاوز حدود الدول والمصالح الاقتصادية الضيقة لشركات التكنولوجيا. ويمكن ترجمة هذا التوجه عمليًا من خلال جهود دولية تستهدف دعم توفير الوصول إلى الإنترنت للنساء المحرومات منه في مختلف أنحاء العالم، بغض النظر عن اعتبارات التكلفة أو العائد.

القضية الثانية المتصلة بحوكمة الإنترنت وذات الأولوية لتحقيق العدالة الجندرية هي العمل على أن تكون الإنترنت مساحة آمنة للنساء. وتمثل هذه القضية مظلة واسعة يندرج تحتها العديد من الظواهر التي نوقشت على نطاق واسع إعلاميًا وأكاديميًا، ومنها خطاب الكراهية والعنف السيبراني ضد النساء، والتمييز المؤسسي والمجتمعي ضد مستخدمات الإنترنت من حيث ممارسة حقهن في حرية التعبير، ومن حيث حماية حقهن في الخصوصية.

ولا تزال سبل معالجة هذه الظواهر متباينة بشكل كبير بين الدول والمجتمعات المختلفة حول العالم. ويظهر هذا التباين بوضوح في تشريعات الدول المختلفة، وبصورة أكثر حدة في تطبيق هذه التشريعات عند وجودها. في المقابل، لا تزال غالبية شركات التكنولوجيا المسؤولة عن إدارة منصات التواصل الاجتماعي ومحركات البحث الأكثر استخدامًا تتعامل مع حماية المستخدمات بشكل إنتقائي ومحدود.

وفي هذا السياق، ينبغي أن تكون عمليات حوكمة الإنترنت هي البديل الذي يوفر إمكانية اتساق جهود تحويل الإنترنت إلى مساحة آمنة للنساء حول العالم، بشكل فعال ودون تمييز بينهن. فحوكمة الإنترنت هي نظريًا الإطار الجامع والمتجاوز للحدود السياسية بين الدول والذي ارتضته الأطراف المختلفة كمساحة للتفاوض حول قواعد إدارة الشبكة. ومن ثم، يمكن في إطار عمليات حوكمة الإنترنت العمل على وضع قواعد موحدة توجه تشريعات الدول وممارسات شركات التكنولوجيا المتعلقة بحماية النساء على الإنترنت. كما يمكن، إذا توافرت لأطراف هذه العمليات الإرادة الكافية، تطوير هذه القواعد وتحويلها إلى اتفاقية دولية ملزمة، تكفل حقوق النساء على الإنترنت على غرار القانون الدولي لحقوق الإنسان بمكوناته المختلفة.

الواقع الحالي للتمثيل الجندري وقضايا الجندر في مشهد حوكمة الإنترنت

تمثل الفجوة الجندرية في مشهد حوكمة الإنترنت امتدادًا للفجوة الجندرية القائمة في عدد من القطاعات ذات الصلة. تشمل هذه القطاعات صناعة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والمؤسسات الحكومية في مختلف الدول، وجهات الخبرة الفنية المستقلة المرتبطة بعمل الإنترنت، بل وحتى منظمات المجتمع المدني العاملة في مجال تكنولوجيا المعلومات، باستثناء تلك المعنية أساسًا بقضايا الجندر والدفاع عن حقوق المرأة. ونظرًا لأن هذه الجهات نفسها هي الأطراف المنخرطة في فعاليات حوكمة الإنترنت، فإن ضعف تمثيل النساء داخلها ينعكس بشكل مباشر على مستوى تمثيلهن في هذه الفعاليات.

على مستوى القاعدة والمقصود بها هنا مستخدمي الإنترنت حول العالم، لا تزال الفجوة الجندرية كبيرة. فلا يزال حوالي 62% من مستخدمي الشبكة من الرجال، في مقابل نحو 57% من النساء. وتؤدي هذه الفجوة، كما تشير الدراسات، إلى أن نسبة تمثيل النساء في الملتقيات المختلفة لحوكمة الإنترنت، وفي مقدمتها منتدى حوكمة الإنترنت (IGF)، لا تزيد عن 30% فقط من إجمالي المشاركين.

ومن جهة أخرى، يُلاحظ وجود انحياز اجتماعي وثقافي ممتد حتى إلى الأوساط الأكاديمية المعنية بحوكمة الإنترنت. فقد أظهرت دراسات تناولت سياسات الاقتباس والإحالة في الأوراق الأكاديمية ذات الصلة أن الأعمال التي ينشرها باحثون من الرجال تحظى بمعدلات اقتباس وإدراج في البرامج الدراسية أعلى من تلك التي تنشرها الباحثات، وذلك بغض النظر عن مستوى الخبرة أو القيمة الأكاديمية لهذه الأعمال.

نموذج تعددية الأطراف ذات المصلحة وأثره على التمثيل الجندري وقضايا الجندر

ينبغي بداية ملاحظة أن نموذج تعددية الأطراف ذات المصلحة طُرح بوصفه بديلًا عن نموذج الديمقراطية التمثيلية في إدارة التعارض والتباين بين المصالح الفئوية. وقد جاء تبنّي هذا النموذج في مراحله الأولى استجابة لصعوبة تطبيق الديمقراطية التمثيلية في أطر لا تتوافر فيها شروطها العملية التقليدية. ورغم تقديمه باعتباره بديلًا فعالًا للتمثيل الديمقراطي، فإن نموذج تعددية الأطراف ذات المصلحة يعتمد على آليات مختلفة جوهريًا، ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى نتائج تبتعد عن التصورات المرتبطة بالإدارة الديمقراطية للقضايا العامة. ويُعد غياب قواعد واضحة للتمثيل الفئوي أحد أبرز أوجه هذا الاختلاف، وهو ما يتجلى في حالة حوكمة الإنترنت بشكل خاص، حيث تتفاقم الإشكالية بسبب صعوبة تحديد الفئات التي يُفترض تمثيلها من الأساس.

في صورته الحالية، يقوم هذا النموذج على شرط عملي يتمثل في القدرة على بلورة إرادة مشتركة يمكن تنفيذها دون معارضة فعّالة تعيقها. ويعني ذلك السعي إلى جمع أكبر عدد ممكن من الأطراف التي تمتلك نفوذًا مباشرًا أو غير مباشر على عمل الإنترنت، بما يضمن أن تكون التوافقات التي يتم التوصل إليها قابلة للتنفيذ، ولا يمكن لأيه أطراف غيرها تعطيلها. ونتيجة لذلك، تتشكل النواة الأساسية لفعاليات التفاوض في مشهد حوكمة الإنترنت من حكومات الدول الكبرى والمؤثرة، إلى جانب شركات التكنولوجيا الأكبر حجمًا والأكثر تأثيرًا، ويُضاف إليها عدد من المؤسسات الدولية المستقلة التي تضطلع بأدوار فنية محورية في إدارة الشبكة. ورغم أن النموذج يتيح، من حيث المبدأ، مشاركة أطراف أخرى مثل حكومات الدول الأقل تأثيرًا ومنظمات المجتمع المدني، فإن التأثير الفعلي لممثلي هذه الأطراف على التوافقات الجوهرية يظل محدودًا، وقد يكون منعدمًا في بعض الحالات العملية.

وتضيف طبيعة نموذج تعددية الأطراف ذات المصلحة بُعدًا آخر إلى فجوة التمثيل الجندري في مشهد حوكمة الإنترنت، يتمثل في محدودية قدرة النساء المشاركات، بصرف النظر عن عددهن، على التعبير عن قضاياهن واهتماماتهن. فالنموذج يقوم أساسًا على التمثيل المؤسسي، حيث تشارك الأطراف المختلفة بصفتها مؤسسات حكومية أو كيانات من القطاع الخاص أو منظمات مجتمع مدني. ونتيجة لذلك، لا يعبر الأفراد المشاركون عن مواقفهم الشخصية، وإنما عن سياسات وأولويات المؤسسات التي يمثلونها، والتي غالبًا ما لا تحتل قضايا الجندر موقعًا متقدمًا ضمن اهتماماتها. وبناءً عليه، فإن نسب المشاركة المحسوبة وفق الجندر لا تعكس بالضرورة واقع التمثيل الجندري، إذ تشارك كثير من النساء بوصفهن ممثلات لمؤسساتهن، وليس باعتبارهن معبرات عن قضايا النساء أو مستخدمات الإنترنت.

من جهة أخرى، يواجه نموذج تعددية الأطراف ذات المصلحة إشكالية أساسية تؤثر على قدرته على الإسهام في دفع جهود تحقيق العدالة الجندرية. تتمثل هذه الإشكالية في أن تبنّي هذا النموذج وقبول الأطراف المختلفة له يرتبط، في جزء منه، بتجنب نماذج إدارة العلاقات الدولية القائمة على التزامات قانونية واضحة ومحددة، مثل نموذج الأمم المتحدة، أو الأطر التي يفرضها القانون الدولي والاتفاقيات والمعاهدات والمواثيق الدولية. ويُعد التقدم في مسار تحقيق العدالة الجندرية من بين المجالات التي تتردد أطراف عديدة في الالتزام بقواعد ملزمة تحكمها. ويظهر ذلك بوضوح عند النظر إلى تاريخ الجهود الرامية إلى إقرار معاهدات دولية تتعلق بحقوق النساء، وما واجهته من صعوبات في الاعتماد والتصديق، إلى جانب محدودية التزام الدول بتنفيذها.

في هذا السياق، فإن نموذج تعددية الأطراف ذات المصلحة، القائم في الأساس على توافقات غير ملزمة، يميل بطبيعته إلى تجنب القضايا الخلافية التي يصعب التوصل بشأنها إلى مثل هذه التوافقات. كما يتيح، في كثير من الأحيان، الاكتفاء بإصدار بيانات ومواقف عامة، دون أن تترتب عليها التزامات فعلية على الأطراف المشاركة. وينطبق ذلك بوضوح على كثير من المواقف المعلنة في إطار فعاليات حوكمة الإنترنت المتعلقة بقضايا الجندر.

موقع قضايا الجندر في مناقشات حوكمة الإنترنت

أُدرجت قضايا الجندر ضمن أجندات مؤتمرات وملتقيات حوكمة الإنترنت منذ مراحلها الأولى. ومع ذلك، ظلت جلسات مناقشة هذه القضايا محدودة من حيث عددها، إذ لم تتجاوز في معظم الحالات نسبة تتراوح بين 5% و10% من إجمالي جلسات أي ملتقى أو مؤتمر. كما ظلت هذه الجلسات محدودة من حيث مستوى الاهتمام الذي تحظى به من الأطراف الرئيسية المشاركة، وهو ما ينعكس في انخفاض فعاليتها، وضعف قدرتها على الوصول إلى توافقات ملزمة على أرض الواقع.

يتضح ذلك من خلال استمرار إدراج قضايا مثل العنف السيبراني ضد النساء، والفجوة الجندرية في الوصول إلى الإنترنت، على أجندات غالبية مؤتمرات وملتقيات حوكمة الإنترنت على مدار سنوات طويلة، دون أن يقترن هذا الإدراج بتقدم ملموس في التعامل معها. ويمكن القول إن حضور قضايا الجندر في هذه الأجندات يظل، في أغلب الأحيان، حضورًا شكليًا، نتاجًا للجهود المتواصلة التي تبذلها منظمات المجتمع المدني، ولا سيما المنظمات النسوية، للضغط من أجل إدراج هذه القضايا. غير أن هذه الجهود، على أهميتها، لا تزال تفتقر إلى الثقل الكافي الذي يمكن أن يترجم هذا الحضور المتكرر إلى أثر فعلي على السياسات والممارسات.

وتعود محدودية الاهتمام بقضايا الجندر في ملتقيات ومؤتمرات حوكمة الإنترنت إلى مجموعة من العوامل، في مقدمتها أن هذه القضايا لا تُعد من بين أولويات الجهات الرئيسية المشاركة. بعبارة أخرى، لا تنظر هذه الأطراف إلى العمل على قضايا الجندر بوصفه مجالًا يحقق لها عائدًا مباشرًا، كما لا ترى في إهمالها مخاطر تسعى إلى تفاديها. فعلى سبيل المثال، تتركز أولويات حكومات الدول أساسًا حول مفاهيم الأمن القومي، وما يرتبط بها من تهديدات، إضافة إلى اعتبارات النفوذ الدولي وإمكانات توظيف الإنترنت لتعزيزه أو الحفاظ عليه. في المقابل، تنصب أولويات شركات التكنولوجيا على التوسع في الأسواق وزيادة الأرباح، وهو ما يرتبط غالبًا بالسعي إلى تقليص التدخلات التنظيمية التي قد ترفع من تكاليف التشغيل أو تحد من العوائد.

وفي هذا السياق، تميل الأطراف المشاركة إلى التعامل مع قضايا الجندر باعتبارها مدخلًا لفرض التزامات إضافية لا ترغب في تحملها، سواء تمثلت في تشريعات جديدة من جانب الحكومات أو في آليات تنظيمية من جانب شركات التكنولوجيا. كما تتجنب بعض الأطراف الخوض في هذه القضايا نظرًا لحساسيتها الثقافية لدى أطراف أخرى، وبخاصة حكومات الدول المحافظة، وذلك خشية التأثير السلبي على المصالح المشتركة معها. وبوجه عام، تتراوح مواقف الأطراف الأكثر تأثيرًا في مشهد حوكمة الإنترنت إزاء قضايا الجندر بين التحفظ على مناقشتها، أو تجنب التعامل معها، أو التعامل معها بدرجة محدودة من الاهتمام.

هل يمكن تحقيق تمثيل جندري أكثر عدالة في مشهد حوكمة الإنترنت؟

تعديل نموذج تعددية الأطراف ذات المصلحة

يعاني نموذج تعددية الأطراف ذات المصلحة من أوجه قصور جوهرية تحدّ من قدرته على دعم تحقيق تمثيل جندري عادل في عمليات حوكمة الإنترنت، كما يضعف إتاحة مساحة مناسبة لقضايا الجندر ضمن أجندة هذه العمليات وأولوياتها. ويعود هذا الأثر السلبي إلى مشكلتين أوسع في النموذج نفسه؛ الأولى تتعلق بتهميش مستخدمي الإنترنت في عمليات الحوكمة، والثانية ترتبط بمحدودية فعالية هذه العمليات بسبب اعتمادها على توافقات غير ملزمة، تقوم أساسًا على المصالح المتبادلة بين الأطراف الأكثر تأثيرًا.

وتبرز مقاربتان رئيسيتان للتعامل مع أوجه القصور المرتبطة بهذا النموذج. تنطلق المقاربة الأولى من الدعوة إلى تعزيز انخراط مستخدمي الإنترنت وتأثيرهم في عمليات حوكمتها، من خلال توفير صيغة ديمقراطية تضمن تمثيلًا فعّالًا وغير صوري لهم. أما المقاربة الثانية فتركز على زيادة فعالية عمليات حوكمة الإنترنت عبر إرساء التزامات قانونية واضحة وملزمة للأطراف المشاركة إزاء ما يتم التوصل إليه من قواعد وقرارات. وتقوم هذه المقاربة عمليًا على استبدال نموذج تعددية الأطراف ذات المصلحة بنموذج أقرب إلى المنظمات الدولية العاملة تحت مظلة الأمم المتحدة، مثل الاتحاد الدولي للاتصالات أو منظمة العمل الدولية.

غير أن أيًا من هذين البديلين لا يعالج سوى جانب واحد من الإشكالية. فإتاحة تمثيل أوسع لمستخدمي الإنترنت في إطار عمليات توافقية غير ملزمة لا تضمن بالضرورة تأثيرًا فعليًا على أرض الواقع، ومن ثم لا تكفل تحقيق مصالحهم. وفي المقابل، فإن إخضاع عمليات حوكمة الإنترنت لإدارة منظمة أو منظمات دولية من شأنه أن يحدّ بشكل كبير من تمثيل مستخدمي الإنترنت، وقد يؤدي أيضًا إلى استبعاد أطراف أخرى تمتلك نفوذًا عمليًا مؤثرًا في إدارة الشبكة، بما قد يفرغ هذا البديل من هدفه الأساسي.

ويتمثل الخيار الأقرب إلى الجمع بين هدفي التمثيل الفعّال لمستخدمي الإنترنت وضمان فعالية عمليات الحوكمة في التوصل إلى إطار قانوني دولي ينظم عمليات حوكمة الإنترنت، ويحدد قواعد تمثيل الأطراف المختلفة، بما في ذلك مستخدمو الإنترنت، ويُنشئ التزامات قانونية واضحة لهذه الأطراف. ويعني ذلك الإبقاء على الصيغة العامة لنموذج تعددية الأطراف ذات المصلحة، ولكن ضمن إطار قانوني منظم.

ويمكن لمثل هذا التوجه أن يتيح تحقيق تمثيل جندري أكثر عدالة من خلال آليات معروفة، مثل نظام الكوتة المعمول به في المجالس النيابية وغيرها من المؤسسات في عدد من الدول. كما يتيح هذا الإطار للنساء المشاركات في عمليات حوكمة الإنترنت العمل على ضمان حضور قضايا الجندر بما يتناسب مع أهميتها، باعتبارهن ممثلات لمصالح مستخدمات الإنترنت، لا لمصالح مؤسسات حكومية أو خاصة.

ومن المهم الإقرار بأن هذا البديل يظل، في السياق الراهن، تصورًا طموحًا وبعيدًا عن التحقق الفوري. ومع ذلك، فإنه يظل قابلًا للتطبيق من حيث المبدأ إذا ما توافر ضغط كافٍ لتحقيقه. ومن ثم، يمكن النظر إليه كهدف استراتيجي تسعى منظمات المجتمع المدني، ولا سيما المنظمات النسوية، إلى الدفع باتجاهه على المدى المتوسط والطويل.

مسؤوليات حكومات الدول

في ظل استبعاد إمكانية التوصل إلى بديل لنموذج تعددية الأطراف ذات المصلحة لإدارة عمليات حوكمة الإنترنت في المستقبل المنظور، تظل المساحة المتاحة للعمل على تحقيق تمثيل جندري عادل داخل هذه العمليات، وتعزيز حضور قضايا الجندر في أجندتها، مرتبطة بقدرة الفاعلين المعنيين على التأثير في الأطراف الأكثر نفوذًا فيها. وتختلف المقاربات المتاحة لهذا التأثير بين حكومات الدول من جهة، وشركات التكنولوجيا من جهة أخرى.

تنص غالبية الدساتير المعمول بها في دول العالم اليوم على التزام الدول، ومن ثم سلطاتها المختلفة، بتحقيق المساواة والعدالة الجندرية. ويمثل هذا الالتزام الدستوري مدخلًا مهمًا للضغط على حكومات الدول من أجل توظيف موقعها في عمليات حوكمة الإنترنت لدعم التمثيل الجندري العادل، وضمان إدراج قضايا الجندر ضمن أولويات هذه العمليات. ويمكن أن يتخذ هذا الضغط أشكالًا متعددة، من بينها المسارات القانونية، أو الجهود الدعائية والمناصرة العامة.

ومن ناحية أخرى، أصدرت عدة دول تشريعات تتعلق بحوكمة الإنترنت، بينما تعمل دول أخرى على إعداد مثل هذه التشريعات. وتشكل النقاشات المجتمعية المصاحبة لصياغة هذه القوانين، وسبل مخاطبة الجهات المشاركة في إعدادها وإقرارها، سواء داخل المؤسسات الحكومية أو المجالس التشريعية وغيرها، مساحة مناسبة لإدماج أولويات العدالة الجندرية وحقوق النساء ضمن هذه الأطر القانونية. وبالطبع، تختلف طبيعة نظم الحكم بين الدول، وهو ما ينعكس على تفاوت فرص الضغط لتوجيه تشريعاتها وسياساتها بدرجات كبيرة. ومع ذلك، تظل هناك إمكانية لممارسة هذا النوع من الضغط في مختلف السياقات السياسية، سواء في الدول ذات النظم الديمقراطية أو في الدول ذات النظم السلطوية.

وبوجه عام، ينبغي الإقرار بأن فرص إلزام حكومات الدول بالوفاء بمسؤولياتها تجاه تحقيق العدالة الجندرية، سواء في إطار حوكمة الإنترنت أو في غيرها من المجالات، تظل مرتبطة بالسياق الاجتماعي والثقافي السائد في هذه المجتمعات. فالحكومات في الدول التي تسود فيها مواقف محافظة أو تمييزية تجاه النساء تكون أقل استعدادًا للاستجابة لمطالب تحقيق العدالة الجندرية، ما لم تكن هذه المطالب مدعومة بإلزام دولي. ومن ثم، قد يشكل وجود اتفاقيات دولية ملزمة، تنظم قواعد عامة لحقوق مستخدمي الإنترنت، بما في ذلك الحق في المساواة والعدالة الجندرية، أحد أكثر المسارات فاعلية لدفع الحكومات نحو الالتزام بهذه المسؤوليات في تشريعاتها وممارساتها المرتبطة بحوكمة الإنترنت.

ضبط التزامات شركات التكنولوجيا

يُعد ضبط التزامات شركات التكنولوجيا تجاه تحقيق العدالة الجندرية أكثر تعقيدًا من إلزام حكومات الدول بمسؤولياتها في هذا المجال. فعادةً ما تفتقر شركات القطاع الخاص، بوجه عام، إلى التزامات قانونية واضحة تتعلق بمسؤولياتها تجاه المجتمع وحقوق أفراده. ومع ذلك، تظل هناك إمكانية لممارسة ضغوط على شركات التكنولوجيا من خلال فئتين رئيسيتين. تتمثل الأولى في الجهات المعلِنة، التي تشكل المصدر الأساسي لإيرادات أغلب المنصات الرقمية، بينما تتمثل الثانية، وإن كان تأثيرها أقل، في مستخدمي هذه المنصات أنفسهم.

وتتيح طبيعة العلاقة بين شركات التكنولوجيا وكل من المعلنين والمستخدمين هامشًا للضغط باتجاه تحقيق تقدم في ملفات العدالة الجندرية، ولا سيما في ما يتعلق بحماية النساء من العنف السيبراني وخطاب الكراهية. غير أن هذا النوع من الضغط لا يتحقق في الواقع إلا في حالات محدودة، غالبًا ما ترتبط بانتهاكات استثنائية، سواء كانت محدودة النطاق لكنها شديدة الحدة، أو واسعة الانتشار إلى درجة تثير ردود فعل عامة. تدفع هذه الحالات المعلنين إلى إعادة النظر في علاقتهم بالشركة المعنية، أو تشجع أعدادًا كبيرة من المستخدمين على التفكير الجدي في الانتقال إلى منصات بديلة.

وتشير التجارب المتاحة إلى أن استجابة شركات التكنولوجيا لضغوط من هذا النوع ارتبطت في الغالب بحالات تتعلق بخطاب الكراهية العنصري أو الطائفي، وما نتج عنه من أعمال عنف جسيمة، كما في النقاشات المتعلقة بمسؤولية شركة ميتا عن دور منصتها في أعمال العنف التي شهدتها ميانمار. وفي المقابل، فإن حالات العنف السيبراني الجندري، وخطاب الكراهية الموجَّه ضد النساء، على الرغم من اتساع نطاقها وحدّة كثير من مظاهرها، لا تؤدي في العادة إلى مستوى الغضب العام نفسه الذي يدفع إلى مساءلة شركات التكنولوجيا بصورة فعالة. ويعود ذلك، في جانب منه، إلى التطبيع المجتمعي الواسع مع العنف الجندري وخطاب الكراهية ضد النساء، وما يصاحبه من ميل إلى تحميل الضحايا مسؤولية ما يتعرضن له.

لذلك، تظل مساءلة شركات التكنولوجيا عن مسؤولياتها تجاه تحقيق العدالة الجندرية رهينة بقدرة المجتمعات على ممارسة ضغوط فعالة. وطالما استمر التسامح المجتمعي مع العنف الجندري وخطاب الكراهية ضد النساء، سيبقى مجال الضغط على هذه الشركات محدودًا. وفي هذا السياق، تبقى التشريعات الوطنية الملزمة التي تطبقها الدول على الشركات المسجلة أو العاملة ضمن ولايتها الأداة الأكثر فاعلية لضبط التزامات شركات التكنولوجيا، وهو ما يعيد بدوره إلى الإشكالية الأوسع المتعلقة بتداخل مسؤوليات المجتمع الدولي، وحكومات الدول، وشركات التكنولوجيا، وغياب حدود واضحة تفصل بينها.

دور المنظمات الدولية بين الحكومية ومنظمات المجتمع المدني

لا تنفصل مناقشة دور المنظمات الدولية، سواء كانت بين حكومية أو منظمات مجتمع مدني، في دعم تحقيق العدالة الجندرية ضمن إطار عمليات حوكمة الإنترنت عن التحليل الذي قدمته الورقة في أقسامها السابقة. وبداية، لا يمكن إنكار أن المنظمات والمؤسسات الدولية، إلى جانب منظمات المجتمع المدني، ولا سيما تلك المعنية بمراقبة تنفيذ المواثيق والعهود الدولية لحقوق الإنسان، تعبر في خطابها المعلن وأدبياتها المنشورة، وكذلك في عدد من ممارساتها، عن التزام واضح بدعم العدالة الجندرية. ونظرًا لأن عددًا من هذه المنظمات يشارك بالفعل في عمليات وفعاليات حوكمة الإنترنت، فإنها تسعى من خلال هذا الموقع إلى الدفع باتجاه تعزيز التمثيل الجندري العادل، وإثارة قضايا الجندر ضمن نقاشات المؤتمرات والملتقيات المعنية. ومع ذلك، يظل الأثر العملي لهذه الجهود على أرض الواقع محدودًا.

وفي هذا السياق، تلعب المنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني في مشهد حوكمة الإنترنت دورًا مشابهًا لدور المنظمات النسوية والعناصر التقدمية في مجتمعات مختلفة، حيث يظهر تأثيرها بصورة أكبر على مستوى الخطاب وإبراز القضايا، مقابل محدودية انعكاس هذا التأثير على الممارسات العملية والنتائج النهائية.

ويمكن فهم هذا الوضع بوصفه تعبيرًا عن نوع من تقاسم الأدوار بين الأطراف المختلفة المنخرطة في عمليات حوكمة الإنترنت في ظل نموذج تعددية الأطراف ذات المصلحة. إذ يتيح هذا النموذج لكل طرف أن يؤدي الدور الذي يتماشى مع مسؤولياته ومصالحه الأساسية، دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى تغيير جوهري في التوافقات التي يتم التوصل إليها. فحكومات الدول تظل ملتزمة بما تدرك أنه يتوافق مع توجهات قواعدها المجتمعية، وإدارات شركات التكنولوجيا تركز على ما يحقق مصالح المساهمين فيها، في حين تواصل المنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني أداء دورها في الدفاع عن القضايا التي تمثلها. وفي المحصلة، يظل التزام كل طرف حاضرًا في الخطاب والمواقف المعلنة خلال النقاشات العلنية، لكنه لا ينعكس بالقدر نفسه على طبيعة النتائج النهائية أو على ما يتحقق فعليًا على أرض الواقع.

خاتمة

تشير المناقشة التي قدمتها هذه الورقة إلى أن واقع التمثيل الجندري وحضور قضايا الجندر في مشهد حوكمة الإنترنت لا يزال محدودًا، ولا يوفر في صورته الحالية أساسًا كافيًا للتفاؤل بإمكانية أن يشكل هذا المشهد ساحة داعمة لتحقيق تقدم فعلي ومستدام في مسار العدالة الجندرية. وتتمثل إحدى النتائج الأساسية في أن نموذج تعددية الأطراف ذات المصلحة، الذي تُدار من خلاله عمليات حوكمة الإنترنت، يسهم بدرجة كبيرة بحكم طبيعته وآليات عمله في استمرار تهميش النساء وقضايا الجندر ضمن هذا المشهد. أما النتيجة الأوسع دلالة، فتتمثل في أن التوجهات السائدة داخل المجتمعات المختلفة تظل العامل الأكثر تأثيرًا في تحديد مدى حضور النساء وقضاياهن في عمليات حوكمة الإنترنت، وهو ما يتناقض مع التصورات المبكرة التي رافقت نشأة الإنترنت، والتي راهنت على دورها في دفع المجتمعات نحو مزيد من الانفتاح والتقدم.

ومع ذلك، فإن محدودية الواقع الحالي لا تعني استحالة تغييره. إذ تشير المناقشات التي عرضتها الورقة إلى أن أي تحسن ملموس في موقع النساء وقضايا الجندر ضمن مشهد حوكمة الإنترنت يظل مرهونًا بتدخلات متدرجة ومتعددة المستويات. ويشمل ذلك، من ناحية، تعزيز الضغط على حكومات الدول لاستخدام مواقعها داخل عمليات حوكمة الإنترنت بما يتسق مع التزاماتها الدستورية والدولية تجاه المساواة والعدالة الجندرية، سواء من خلال دعم تمثيل جندري أكثر توازنًا أو الدفع نحو إدراج قضايا الجندر ضمن أولويات هذه العمليات.

ومن ناحية أخرى، يتطلب الأمر العمل على ضبط التزامات شركات التكنولوجيا عبر تشريعات وطنية وإقليمية ملزمة، تعزز حماية النساء على الإنترنت وتحد من العنف السيبراني وخطاب الكراهية، في ظل محدودية فعالية الضغوط الطوعية. وعلى مستوى عمليات الحوكمة ذاتها، تبرز الحاجة إلى تطوير الإطار القائم لنموذج تعددية الأطراف ذات المصلحة، بما يسمح بإدخال آليات تنظيمية أكثر وضوحًا لتمثيل مستخدمي الإنترنت، وبخاصة النساء، ويحد من الطابع الشكلي لمشاركتهم. وفي هذا السياق، يظل الدور التراكمي لمنظمات المجتمع المدني، ولا سيما المنظمات النسوية، أساسيًا في بناء ضغط مستدام يستهدف تحويل الالتزامات الخطابية إلى ممارسات قابلة للقياس، وفتح المجال تدريجيًا أمام مقاربة لحوكمة الإنترنت تكون أكثر اتساقًا مع مبادئ حقوق الإنسان والعدالة الجندرية.