
مقدمة
تضمن قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018 منح المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام سلطة إصدار قرارات بحجب المواقع الإلكترونية، سواء بصورة مؤقتة أو دائمة، حال مخالفة أحكام القانون أو اللوائح والضوابط الصادرة تنفيذًا له. كما توسعت لائحة الجزاءات والتدابير الصادرة عن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في تقرير سلطات الحجب والمنع، بما أتاح للمجلس فرض قيود واسعة على المواقع الإلكترونية ووسائل النشر الرقمي بقرارات إدارية مباشرة.
تثير هذه السلطات شبهة جدية بعدم الدستورية، بالنظر إلى تعارضها مع الضمانات التي كفلها الدستور المصري لحرية الرأي والتعبير، وحرية الصحافة والإعلام، والحق في استخدام وسائل الاتصال، فضلًا عن الحظر الدستوري الصريح لفرض الرقابة على الصحف ووسائل الإعلام أو وقفها أو إغلاقها أو مصادرتها، إلا في الحدود الاستثنائية الضيقة التي نص عليها الدستور في زمن الحرب أو التعبئة العامة.
في هذا السياق، تقدم “مسار” هذه المذكرة الاسترشادية بوصفها نموذجًا قانونيًا يمكن الاستناد إليه في الدفع بعدم دستورية النصوص القانونية التي تمنح المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام سلطة حجب المواقع الإلكترونية، وما يترتب عليها من قرارات إدارية بالحجب. تتناول المذكرة عرضًا للأساس القانوني والإجرائي للدفع بعدم الدستورية، والنصوص الدستورية محل المخالفة، كما تستعرض أوجه عدم الدستورية المتعلقة بفرض الرقابة على الصحافة ووسائل الإعلام، وإهدار حرية الرأي والتعبير والحق في استخدام وسائل الاتصال. كذلك تستند المذكرة إلى عدد من المبادئ والأحكام المستقرة في قضاء المحكمة الدستورية العليا ومحكمة النقض ومحكمة القضاء الإداري، بما يدعم الدفع بعدم دستورية النصوص المطعون عليها.
الدفع بعدم دستورية نصوص المواد (19) و(94)
من قانون تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم 180 لسنة 2018 والمادة (17) من لائحة الجزاءات والتدابير التي يجوز توقيعها على الجهات الخاضعة لأحكام قانون تنظيم الصحافة والإعلام
الممثل القانوني للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام (مدعى عليه)
في الدعوى رقم (…) لسنة (…) المحدد لنظرها جلسة (…) الموافق (…)
وقائع الدعوى
أصدر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قراره المؤرخ (…) بحجب الموقع الإلكتروني المسمى (…) لمدة ثلاثة أشهر تبدأ من تاريخ صدور القرار، زاعمًا مخالفته للأكواد الصادرة عن المجلس ولائحة الجزاءات، واستند في قراره إلى المادتين (19) و(94) من قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018، والمادة (17) من قرار رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم 17 لسنة 2019 بشأن إصدار لائحة الجزاءات والتدابير التي يجوز توقيعها على الجهات الخاضعة لأحكام قانون تنظيم الصحافة والإعلام. وبتاريخ (…) تظلَّم المدعي من هذا القرار، إلا أن تظلُّمه قوبل بالرفض، مما حدا به إلى إقامة الدعوى الماثلة طلبًا للحكم بإلغاء القرار المشار إليه.
الدفاع
مع تمسك الدفاع الحاضر بطلباته وأوجه دفاعه الشكلية والإجرائية والموضوعية، فإنه يلتمس من المحكمة الموقرة وقف الدعوى تعليقيًا، وإحالة أوراقها إلى المحكمة الدستورية العليا، أو التصريح للدفاع بإقامة دعوى أمام المحكمة الدستورية العليا للفصل في مدى دستورية نص الفقرة الثالثة من المادة (19) من قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018، وما تضمنه البند رقم (3) من الفقرة الثالثة من نص المادة رقم (94) من ذات القانون، ونص المادة (17) من قرار رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم 16 لسنة 2019 بشأن إصدار لائحة الجزاءات والتدابير التي يجوز توقيعها على الجهات الخاضعة لأحكام قانون تنظيم الصحافة والإعلام، لمخالفتها نصوص المواد أرقام (57 و65 و70 و71 و92 و94 و101 و211) من دستور جمهورية مصر العربية، وذلك على النحو الآتي:
من الناحية الشكلية:
أولًا: السند القانوني للدفع بعدم دستورية النص القانوني
تنص المادة (192) من الدستور على أن:
“تتولى المحكمة الدستورية العليا دون غيرها الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح، وتفسير النصوص التشريعية، والفصل في المنازعات المتعلقة بشئون أعضائها، وفي تنازع الاختصاص بين جهات القضاء والهيئات ذات الاختصاص القضائي، والفصل في النزاع الذي يقوم بشأن تنفيذ حكمين نهائيين متناقضين، صادر أحدهما من أية جهة من جهات القضاء أو هيئة ذات اختصاص قضائي، والآخر من جهة أخرى منها، والمنازعات المتعلقة بتنفيذ أحكامها والقرارات الصادرة منها. ويعين القانون الاختصاصات الأخرى للمحكمة، وينظم الإجراءات التي تتبع أمامها”.
وتطبيقًا لذلك، نصت المادة (29) من القانون رقم 48 لسنة 1979 بإصدار قانون المحكمة الدستورية العليا – وفقًا لآخر تعديل صادر في 15/8/2021 – على أن:
“تتولى المحكمة الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح على الوجه التالي:
(أ) إذا تراءى لإحدى المحاكم أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي، أثناء نظر إحدى الدعاوى، عدم دستورية نص في قانون أو لائحة لازم للفصل في النزاع، أوقفت الدعوى وأحالت الأوراق بغير رسوم إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في المسألة الدستورية.
(ب) إذا دفع أحد الخصوم، أثناء نظر دعوى أمام إحدى المحاكم أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي، بعدم دستورية نص في قانون أو لائحة، ورأت المحكمة أو الهيئة أن الدفع جدي، أجلت نظر الدعوى وحددت لمن أثار الدفع ميعادًا لا يجاوز ثلاثة أشهر لرفع الدعوى بذلك أمام المحكمة الدستورية العليا، فإذا لم تُرفع الدعوى في الميعاد اعتُبر الدفع كأن لم يكن”.
كما تنص المادة (30) من ذات القانون على أنه:
“يجب أن يتضمن القرار الصادر بالإحالة إلى المحكمة الدستورية العليا، أو صحيفة الدعوى المرفوعة إليها وفقًا لحكم المادة السابقة، بيان النص التشريعي المطعون بعدم دستوريته، والنص الدستوري المدعى بمخالفته، وأوجه المخالفة”.
وحيث إن المقرر في قضاء المحكمة الدستورية العليا أن الرقابة على دستورية القوانين واللوائح، من حيث مطابقتها للقواعد الموضوعية التي تضمنها الدستور، إنما تخضع لأحكام الدستور القائم دون غيره، إذ إن هذه الرقابة تستهدف أصلًا صون هذا الدستور وحمايته من الخروج على أحكامه، لكون نصوصه تمثل القواعد والأصول التي يقوم عليها نظام الحكم، ولها مقام الصدارة بين قواعد النظام العام التي يتعين الالتزام بها ومراعاتها، وإهدار ما يخالفها من التشريعات، باعتبارها أسمى القواعد الآمرة. (1)
ومن المقرر أيضًا في قضائها أن المصلحة الشخصية المباشرة، وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية، مناطها أن يكون الحكم في المسألة الدستورية لازمًا للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها والمطروحة على محكمة الموضوع.(2)
ثانيًا: النص القانوني محل الطعن بعدم الدستورية
يدفع المدعي بعدم دستورية نص الفقرة الثالثة من المادة (19) من قانون تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم 180 لسنة 2018، التي تنص على الآتي:
“ومع عدم الإخلال بالمسئولية القانونية المترتبة على مخالفة أحكام هذه المادة، يجب على المجلس الأعلى اتخاذ الإجراء المناسب حيال المخالفة، وله في سبيل ذلك وقف أو حجب الموقع أو المدونة أو الحساب المشار إليه بقرار منه. ولذوي الشأن الطعن على القرار الصادر بذلك أمام محكمة القضاء الإداري.”
كما يدفع بعدم دستورية البند رقم (3) من الفقرة الثالثة من نص المادة رقم (94) من ذات القانون، التي تنص على الآتي:
“… ويجوز أن تتضمن هذه اللائحة ما يأتي: 1- … 2- … 3- منع نشر أو بث المادة الإعلامية لفترة محددة أو بصفة دائمة”.
ويدفع أيضًا بعدم دستورية نص المادة رقم (17) من قرار رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم 16 لسنة 2019 بشأن إصدار لائحة الجزاءات والتدابير التي يجوز توقيعها على الجهات الخاضعة لأحكام قانون تنظيم الصحافة والإعلام، التي تنص على الآتي:
“يُعد قيام الصحيفة أو الوسيلة الإعلامية أو الموقع الإلكتروني بنشر أو بث أخبار كاذبة، أو شائعات، أو ما يدعو إلى مخالفة القانون أو التحريض على ذلك، أو الحض على العنف أو الكراهية أو التمييز أو الطائفية أو العنصرية، أو ما من شأنه تهديد وحدة النسيج الوطني، أو الإساءة إلى مؤسسات الدولة أو الإضرار بمصالحها العامة، أو إثارة الجماهير، أو إهانة الرأي الآخر، أو نقل معلومات من مواقع التواصل الاجتماعي دون التحقق من صحتها، مخالفةً تقتضي توقيع أحد الجزاءات الآتية أو بعضها، بحسب ما يقدره المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام:
1- أداء مبلغ مالي لا يزيد مقداره على مائتين وخمسين ألف جنيه مصري، أو ما يعادل هذه القيمة بالعملة الأجنبية.
2- منع نشر أو بث أو حجب الصفحة أو الباب أو البرنامج أو الموقع الإلكتروني لفترة محددة أو بصفة دائمة”.
ثالثًا: النصوص الدستورية موضوع المخالفة
خالفت النصوص القانونية المطعون بعدم دستوريتها نصوص المواد أرقام (57 و65 و70 و71 و92 و94 و101 و211) من دستور جمهورية مصر العربية الساري، المنشور بالجريدة الرسمية العدد 3 مكرر (أ)، بتاريخ 18 يناير سنة 2014، والمعدل بموجب قرار الهيئة العليا للانتخابات رقم 38 لسنة 2019، المنشور بالجريدة الرسمية العدد 16 مكرر (و)، بتاريخ 23 إبريل 2019، والآتي بيانها:
- المادة (65): “حرية الفكر والرأي مكفولة. ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه بالقول، أو بالكتابة، أو بالتصوير، أو غير ذلك من وسائل التعبير والنشر”.
- المادة (70): “حرية الصحافة والطباعة والنشر الورقي والمرئي والمسموع والإلكتروني مكفولة، وللمصريين من أشخاص طبيعية أو اعتبارية، عامة أو خاصة، حق ملكية وإصدار الصحف وإنشاء وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، ووسائط الإعلام الرقمي. وتصدر الصحف بمجرد الإخطار على النحو الذي ينظمه القانون. وينظم القانون إجراءات إنشاء وتملك محطات البث الإذاعي والمرئي والصحف الإلكترونية”.
- المادة (71): “يحظر بأي وجه فرض رقابة على الصحف ووسائل الإعلام المصرية أو مصادرتها أو وقفها أو إغلاقها. ويجوز إستثناء فرض رقابة محددة عليها في زمن الحرب أو التعبئة العامة. ولا توقع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التى ترتكب بطريق النشر أو العلانية، أما الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو بالتمييز بين المواطنين أو بالطعن في أعراض الأفراد، فيحدد عقوبتها القانون”.
- الفقرة الأخيرة من المادة (57): “كما تلتزم الدولة بحماية حق المواطنين في استخدام وسائل الاتصال العامة بكافة أشكالها , ولا يجوز تعطيلها أو وقفها أو حرمان المواطنين منها، بشكل تعسفى، وينظم القانون ذلك”
- المادة (92): “الحقوق والحريات اللصيقة بشخص المواطن لا تقبل تعطيلاً ولا إنتقاصًا. ولا يجوز لأي قانون ينظم ممارسة الحقوق والحريات أن يقيدها بما يمس أصلها وجوهرها”.
- المادة (94): “سيادة القانون أساس الحكم في الدولة. وتخضع الدولة للقانون، واستقلال القضاء، وحصانته، وحيدته، ضمانات أساسية لحماية الحقوق والحريات”.
- المادة (101): “يتولى مجلس النواب سلطة التشريع، وإقرار السياسة العامة للدولة، والخطة العامة للتنمية الاقتصادية، والاجتماعية، والموازنة العامة للدولة، ويمارس الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية، وذلك كله على النحو المبين في الدستور”.
- المادة (211): “المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام هيئة مستقلة تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال الفني والمالي والإداري، وموازنتها مستقلة. ويختص المجلس بتنظيم شئون الإعلام المسموع والمرئي، وتنظيم الصحافة المطبوعة، والرقمية، وغيرها. ويكون المجلس مسئولًا عن ضمان وحماية حرية الصحافة والإعلام المقررة بالدستور، والحفاظ على استقلالها وحيادها وتعدديتها وتنوعها، ومنع الممارسات الاحتكارية، ومراقبة سلامة مصادر تمويل المؤسسات الصحفية والإعلامية، ووضع الضوابط والمعايير اللازمة لضمان التزام الصحافة ووسائل الإعلام بأصول المهنة وأخلاقياتها، ومقتضيات الأمن القومي، وذلك على الوجه المبين في القانون. يحدد القانون تشكيل المجلس، ونظام عمله، والأوضاع الوظيفية للعاملين فيه. ويُؤخذ رأي المجلس في مشروعات القوانين، واللوائح المتعلقة بمجال عمله.”
ولما كان ما تقدم، وكانت المحكمة الدستورية العليا هي المختصة بالفصل في الطعن بعدم دستورية النص القانوني محل الطعن، وقد تحققت المصلحة الشخصية المباشرة للمدعي في هذه الدعوى، وكان الفصل في مدى دستورية هذا النص القانوني له أثر مباشر على مركزه في الدعوى؛ فمن ثم يكون الدفع بعدم دستورية نص الفقرة الثالثة من المادة (19) من قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018، والبند رقم (3) من الفقرة الثالثة من نص المادة رقم (94) من ذات القانون، ونص المادة (17) من قرار رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم 16 لسنة 2019 بشأن إصدار لائحة الجزاءات والتدابير التي يجوز توقيعها على الجهات الخاضعة لأحكام قانون تنظيم الصحافة والإعلام، مقبولًا من الناحية الشكلية.
ومن الناحية الموضوعية:
الوجه الأول: فرض الرقابة على الصحف ووسائل الإعلام بالمخالفة للدستور
تضمنت الفقرة الثالثة من المادة (19) من القانون منح المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام سلطة إصدار قرار إداري بحجب المواقع الإلكترونية التي يرى مخالفتها لأحكام الفقرة الأولى من ذات المادة. كما تضمن البند رقم (3) من الفقرة الثالثة من نص المادة رقم (94) من ذات القانون منح المجلس الأعلى للإعلام سلطة تقرير جزاء إداري بمنع نشر أو بث المادة الإعلامية لفترة محددة أو بصفة دائمة، ضمن السلطات المخولة له في لائحة الجزاءات والتدابير الإدارية والمالية التي يجوز توقيعها على المؤسسات الصحفية، والمؤسسات الصحفية القومية، والمؤسسات الإعلامية، والمؤسسات الإعلامية العامة حال مخالفة أحكام هذا القانون. كما تضمنت المادة (17) من لائحة الجزاءات والتدابير، في البند (2) منها، منح المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام سلطة إصدار قرار إداري بحجب المواقع الإلكترونية، ومنحه أيضًا سلطة مطلقة في تحديد مدة الحجب، سواء لفترة مؤقتة أو بصفة دائمة.
وحيث إن المشرع الدستوري نص، في الفقرتين الأولى والثانية من المادة (71) من الدستور، على أن:
“يحظر بأي وجه فرض رقابة على الصحف ووسائل الإعلام المصرية أو مصادرتها أو وقفها أو إغلاقها. ويجوز استثناء فرض رقابة محددة عليها في زمن الحرب أو التعبئة العامة”.
وفي هذا السياق، فقد أكد المشرع العادي أيضًا ذات ما نص عليه المشرع الدستوري، وذلك في المادة (3) من قانون تنظيم الصحافة والإعلام، مرددًا فيها ذات ما نص عليه الدستور، بل وأضاف إليها تنظيمًا قانونيًا للإجراءات التنفيذية للرقابة المحددة على الصحافة حال توافر زمن الحرب أو التعبئة العامة، وتضمن هذا التنظيم القانوني عدة شروط إضافية؛ إذ تنص هذه المادة على أن:
“يحظر، بأي وجه، فرض رقابة على الصحف ووسائل الإعلام المصرية، ويحظر مصادرتها أو وقفها أو إغلاقها. ويجوز استثناء فرض رقابة محددة عليها في زمن الحرب أو التعبئة العامة. وفي هذه الحالة للمجلس الأعلى أن يصدر قرارًا بضبط نسخ الصحيفة الورقية، أو حذف أو حجب المادة المخالفة لتعليمات الرقابة في حالة نشرها في صحيفة إلكترونية أو موقع إلكتروني، أو وقف إعادة بثها في الوسيلة الإعلامية، ولذوي الشأن الطعن على القرار الصادر بذلك أمام محكمة القضاء الإداري”.
ومن ثم أصبحت سلطة الرقابة على الصحافة، في زمن الحرب أو التعبئة العامة، مقيدة بعدة شروط دستورية وقانونية يلزم توافرها مجتمعة، كما حدد المشرع العادي صور هذه الرقابة على الصحافة على سبيل الحصر، وذلك على النحو الآتي:
- الشرط الأول: توافر زمن الحرب أو زمن التعبئة العامة، على سبيل الحصر، دون أن يمتد ذلك إلى أي ظرف أو حالة استثنائية أخرى، كالطوارئ أو الإرهاب أو غيرها، التي ربما يتصور البعض أنها تجيز فرض الرقابة على الصحافة والنشر.
- الشرط الثاني: أن تكون هذه الرقابة محددة، وليست مطلقة دون قيود على الجهة المخول لها الرقابة في زمن الحرب أو زمن التعبئة العامة، فيلزم أن تكون التعليمات الصادرة عن جهة الرقابة محددة للنطاق الزمني للرقابة، والموضوعات محل الرقابة.
- الشرط الثالث: إصدار جهة الرقابة تعليماتها أو قراراتها بشأن فرض الرقابة المحددة على الصحافة، وتحديدها النطاق الزمني والمكاني والموضوعي لهذه الرقابة.
- الشرط الرابع: إصدار المجلس الأعلى للإعلام قرارًا إداريًا بضبط نسخ الصحيفة الورقية، أو حذف أو حجب المادة المخالفة لتعليمات الرقابة في حالة نشرها في صحيفة إلكترونية أو موقع إلكتروني، أو وقف إعادة بثها في الوسيلة الإعلامية.
واستنادًا إلى ما تقدم، أصبح الحجب أحد صور الرقابة على الصحافة في زمن الحرب أو التعبئة العامة، وإن كانت نصوص القانون ولوائحه قد خلت من تعريف مباشر لسلوك الحجب، إلا أنه يمكن تعريف الحجب على شبكة الإنترنت بأنه مجموعة الإجراءات التي تُتخذ من قبل الجهات المسئولة عن إدارة وتشغيل الاتصالات ومقدمي خدمات الإنترنت لحظر الوصول إلى محتوى محدد على شبكة الإنترنت، باستخدام تقنيات معلوماتية متعددة، سواء كان هذا المحتوى موقعًا إلكترونيًا، أو مدونة شخصية، أو حسابًا أو صفحة على إحدى المنصات، أو رابطًا لمحتوى محدد داخل أحد هذه المواقع أو المدونات أو الحسابات، أو خدمة تقنية متاحة على أي منها.3
وحيث إن الحجب على شبكة الإنترنت، وفقًا للصورة التي حددها نص المادة (3) من القانون، قد اقتصر على المحتوى المخالف لتعليمات الرقابة فقط، دون أن يمتد إلى محتوى آخر على الموقع الإلكتروني لم يثبت مخالفته لتعليمات الرقابة، وبطبيعة الحال دون أن يمتد إلى حجب الموقع الإلكتروني ذاته بجميع محتواه وحظر الوصول إليه.
وحيث إن ما تقدم بيانه من ضوابط دستورية وقانونية لتنظيم الحجب، باعتباره أحد صور الرقابة على الصحافة، التي هي بطبيعة الحال حالة استثنائية مؤقتة يجب تضييق تفسيرها، يقتضي الالتزام بها دون أي تحريف أو مسخ أو تأويل يوسع من نطاقها. وتلتزم بذلك السلطة التشريعية حال تشريعها للقوانين، كما تلتزم به السلطة التنفيذية والهيئات المستقلة وغيرها من الجهات الإدارية فيما تصدره من لوائح أو قرارات إدارية، احترامًا والتزامًا بمبدأ سمو التشريع الأعلى على التشريع الأدنى. وأي تجاوز لتلك الضوابط والشروط يُعد تجاوزًا للحدود التي رسمها الدستور للقيود الواردة على الحقوق والحريات، واعتداءً على هذه الحقوق والحريات، وبطبيعة الحال اعتداءً على سمو الدستور وسيادة القانون.
أولًا: فرض الرقابة استنادًا إلى نصوص قانون تنظيم الصحافة والإعلام
رغم التزام السلطة التشريعية بهذه الضوابط الدستورية في صياغة المادة (3) من قانون تنظيم الصحافة والإعلام، إلا أنها انتهجت مسلكًا مشوبًا بمخالفة تلك الضوابط في صياغة المادتين رقمي (19) و(94) من ذات القانون؛ ففي الفقرة الثالثة من المادة (19)، منح المشرع المجلس الأعلى للإعلام سلطة إصدار قرار إداري بحجب المواقع الإلكترونية التي يرى مخالفتها لأحكام الفقرة الأولى من ذات المادة. ولم يقف عند هذا الحد، بل وسَّع من نطاق تلك السلطة الممنوحة له، فجعل سلطة المجلس في توقيع الحجب كجزاء إداري تمتد إلى المدونات والحسابات والمواقع الإلكترونية الشخصية، دون اقتصارها على المواقع الإلكترونية التي تقدم محتوى إخباريًا أو إعلاميًا أو إعلانيًا.
وفي المادة رقم (94)، منح المشرع المجلس الحق في وضع لائحة بالجزاءات والتدابير الإدارية والمالية التي يجوز توقيعها على المؤسسات الصحفية، والمؤسسات الصحفية القومية، والمؤسسات الإعلامية، والمؤسسات الإعلامية العامة حال مخالفة أحكام هذا القانون، وإجراءات التظلم منها. كما أجاز بموجبها للمجلس توقيع جزاءات وتدابير متعددة، من بينها منع نشر أو بث المادة الإعلامية لفترة محددة أو بصفة دائمة.
ومن ثم، فقد منح المشرع المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، بموجب هاتين المادتين، سلطات استثنائية في استعمال الحجب كجزاء إداري، وهو ما حظره الدستور صراحة، وقيده بضوابط محددة في المادة (71) – على النحو المتقدم بيانه – فصارت سلطة حجب المواقع الإلكترونية، باعتبارها أحد صور الرقابة على الصحافة، سلطة دائمة للمجلس، على الرغم من أنها لا تُمنح له إلا استثناءً في زمن الحرب أو التعبئة العامة دون غيرهما. كما أصبحت سلطة مطلقة بيد المجلس دون قيود أو شروط، على الرغم من أنها ليست سلطة مطلقة له أو لغيره.
فحتى وإن تحقق الظرف الاستثنائي المشار إليه، وهو زمن الحرب أو التعبئة العامة، فإن سلطة المجلس في الرقابة على الصحافة، التي من بين صورها حجب المواقع الإلكترونية الإخبارية أو الإعلامية أو الإعلانية، يتوقف استعمالها على صدور تعليمات من الجهة المنوط بها الرقابة في زمن الحرب أو التعبئة العامة بشأن فرض الرقابة المحددة على الصحافة، وأن تحدد تلك التعليمات النطاق الزمني والمكاني والموضوعي للرقابة، ثم يُتاح للمجلس – من بعد ذلك – الحق في إصدار قرار إداري بضبط نسخ الصحيفة الورقية، أو حذف أو حجب المادة المخالفة لهذه التعليمات في حالة نشرها في صحيفة إلكترونية أو موقع إلكتروني، أو وقف إعادة بثها في الوسيلة الإعلامية.
واستنادًا إلى ما تقدم، يكون المشرع، في المادتين (19) و(94) من القانون، قد تجاوز جميع الضوابط والحدود التي كفلها الدستور لحرية الصحافة في الفقرة الأولى من المادة (71). كما خالف ما أقره هو ذاته في المادة (3) من ذات القانون، التي نظمت ما أقره هذا النص الدستوري، وكذلك اعتدى على غيرها من الحريات والحقوق الدستورية، كحرية التعبير عن الرأي بطريق النشر الإلكتروني، وحرية استعمال وسائل الاتصالات، وجعل من المجلس الأعلى للإعلام جهة تسلط وقهر للصحافة، بالمخالفة لنص المادة (211) من الدستور، التي حددت اختصاصاته، والتي يأتي على رأسها ضمان وحماية حرية الصحافة والإعلام المقررة بالدستور؛ فصار ما نص عليه المشرع في هاتين المادتين من القانون محض تعطيل وانتقاص لهذه الحقوق والحريات الدستورية من خلال تقييدها والمساس بأصلها وجوهرها.
ثانيًا: فرض الرقابة استنادًا إلى لائحة الجزاءات
استكمالًا للمسلك الذي انطوت عليه نصوص القانون من شبهة مخالفة للدستور، خطا المجلس الأعلى للإعلام خطوات أوسع في مخالفة تلك الضوابط الدستورية، وكذلك الضوابط القانونية المنصوص عليها في المادة (3) من قانون تنظيم الصحافة والإعلام، رغم كونه جهة إدارية؛ إذ أصدر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام لائحة الجزاءات والتدابير التي يجوز توقيعها على الجهات الخاضعة لأحكام قانون تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، بموجب قرار رئيس المجلس رقم 16 لسنة 2019. ولم يكتفِ المجلس بما انطوت عليه المادتان (19) و(94) من القانون من شبهة مخالفة للدستور – على النحو المتقدم بيانه – بل تجاوز ذلك؛ فجاء القسم الثاني من هذه اللائحة تحت عنوان “المخالفات والجزاءات والتدابير الإدارية والمالية”، متضمنًا أربعة عشر مادة، تحددت فيها الجزاءات والتدابير التي شرعها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام لنفسه، باعتباره جهة إصدار اللائحة، وفي الوقت ذاته الجهة المخولة بتطبيق نصوصها.
وجاء من بين هذه المواد ست مواد تنص جميعها على الحجب كجزاء إداري يوقعه المجلس، سواء لفترة محددة أو بصفة دائمة، وسواء وقع الحجب على محتوى محدد أو على الموقع الإلكتروني بأكمله، وهذه المواد هي أرقام (14) و(15) و(16) و(17) و(23) و(26).
ومن ثم، أفرد المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام لنفسه، في هذه اللائحة، سلطات أكثر تنوعًا وتعددًا في شأن الرقابة على الصحافة عبر سلطات الحجب والمنع المطلقة، وجعل منها لائحة تسلط وقهر للصحافة؛ فأصبحت الرقابة على الصحافة ووسائل الإعلام مرهونة بهوى القائمين على المجلس، وامتدت لتتجاوز الصحافة، وبسطت سلطتها على الحسابات والمدونات والمواقع الإلكترونية الشخصية، وهو ما لم يسمح به المشرع الدستوري حتى مع توافر زمن الحرب أو التعبئة العامة.
ثالثًا: الأثر المترتب على مخالفة القانون واللائحة للدستور
تأسيسًا على ما تقدم بيانه، فإن منح المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام سلطة إصدار قرار إداري بحجب المواقع الإلكترونية، سواء لفترة مؤقتة أو بصفة دائمة، يُعد مخالفة للحظر الدستوري الصريح لمصادرة أو وقف أو إغلاق الصحف ووسائل الإعلام المصرية بأي وجه، أو فرض الرقابة عليها في غير زمن الحرب أو التعبئة العامة. أما في شأن المصادرة والوقف والإغلاق، فقد جاء هذا الحظر مطلقًا من أي قيد أو استثناء، بحيث لا يجوز توقيعه كجزاء إداري في جميع الأحوال، سواء في الظروف الطبيعية أو في زمن الحرب أو التعبئة العامة أو غيرها.
لذلك، فإن منح المجلس هذه السلطة الإدارية يُعد اعتداءً على حرية الصحافة والنشر الإلكتروني، وهي بطبيعة الحال إحدى صور حرية الرأي وحق التعبير عنه بأي من وسائل التعبير والنشر، كما يُعد اعتداءً على الحق في استخدام وسائل الاتصال، وهي من الحقوق والحريات التي كفلها الدستور في المواد (57) و(65) و(70) و(71) و(92). كما يُعد ذلك تجاوزًا للاختصاصات الدستورية المخولة لهذا المجلس، والمقررة بنص المادة (211) من الدستور، والتي يأتي على رأسها ضمان وحماية حرية الصحافة والإعلام.
وإضافة إلى تلك النصوص الدستورية، فقد انتهت مناقشات لجنة الخمسين لإعداد الدستور الساري، وعلى نحو خاص في اجتماعها الخامس عشر المؤرخ 31-10-2013 بشأن إعداد نص المادة (71) من الدستور، إلى اتفاق جميع الأعضاء على مبدأ حظر فرض رقابة على الصحف ووسائل الإعلام المصرية أو مصادرتها أو وقفها أو إغلاقها بأي وجه. واقتصرت مناقشاتهم فقط على الاستثناء الوحيد المتعلق بفرض الرقابة، دون غيرها، في حالتي الحرب أو التعبئة العامة، ونطاق كل منهما.
ولما كان المقرر في قضاء المحكمة الدستورية العليا، الذي أكدته مرارًا وتكرارًا في أحكامها بشأن حماية حرية الصحافة استنادًا إلى تلك النصوص الدستورية سالفة البيان، أن الدستور كفل، بموجب المادة (65)، حرية الرأي والحق في التعبير، كما صان، بمقتضى نص المادتين (70) و(71)، حرية الصحافة، وحظر رقابتها إلا استثناءً في زمن الحرب أو التعبئة العامة، كما حظر مصادرتها أو وقفها أو إغلاقها، بما يحول كأصل عام دون التدخل في شئونها أو إرهاقها بقيود ترد رسالتها على أعقابها، أو إضعافها من خلال تقليص دورها في بناء مجتمعها وتطويره.
وقد استهدف الدستور من ذلك تكريس قيم جوهرية، يتصدرها أن يكون الحوار بديلًا عن القهر والتسلط، وأن تكون الصحافة نافذة يطل منها المواطنون على الحقائق التي لا يجوز حجبها عنهم، ومدخلًا لتعميق معلوماتهم، فلا يجوز طمسها أو تلوينها، بل يكون تقييمها عملًا موضوعيًا تحدده كل سلطة في حدود مضمون الحق وفقًا للدستور، بحيث لا تكون ممارسة هذه السلطة إلا تأكيدًا لصفة الدولة التمثيلية، وطريقًا إلى حرية أوسع تتعدد مظاهرها وتتنوع توجهاتها.
بل إن الصحافة تكفل للمواطن دورًا فاعلًا، وعلى الأخص من خلال الفرص التي تتيحها للتعبير عن الآراء التي يؤمن بها (individual self-expression)، ويحقق بها تكامل شخصيته (self-realization). بيد أن هذا الحق وتلك الحرية، وهما من نسيج واحد، لا يتأبيان على التنظيم التشريعي.4
كما أن قضاء المحكمة الدستورية العليا قد أرسى العديد من المبادئ في هذا الشأن في ظل الدساتير السابقة، وأخصها دستور 1971، إذ قررت بعض أحكامها أن:
“الدستور، بعد أن أرسى القاعدة العامة التي تقوم عليها حرية التعبير بنص المادة 47، حرص على أن يزاوجها ويكملها بإحدى صورها الأكثر أهمية والأبلغ أثرًا، فكفل للصحافة حريتها كأصل عام، ليحول دون التدخل في شئونها من خلال القيود التي ترهق رسالتها أو تعطل خدماتها في بناء مجتمعاتها وتطويرها، وليؤمن من خلالها أفضل الفرص التي تكفل تدفق الأنباء والآراء والأفكار ونقلها إلى القطاع الأعرض من الجماهير، وبوجه خاص بنشر كل مطبوع يكون من أدواتها (A Vehicle of Information)”.5
كما قررت أن:
“الدستور كفل للصحافة حريتها بما يحول – كأصل عام – دون التدخل في شئونها أو إرهاقها بقيود تؤثر في رسالتها أو إضعافها من خلال تقليص دورها في بناء مجتمعاتها وتطويرها، متوخيًا دومًا أن يؤمن بها أفضل الفرص التي تكفل تدفق الآراء والأنباء والأفكار ونقلها إلى القطاع الأعرض من المواطنين (a vehicle of information and opinion)، ليكون النفاذ إليها حقًا لا يجوز أن يُعاق”.6
وفي هذا السياق، قررت محكمة القضاء الإداري أن:
“الدساتير المصرية المتعاقبة، بدءًا من دستور 1971، الذي صدر القرار المطعون فيه في ظل العمل بأحكامه، ومرورًا بالإعلانات الدستورية التي أعقبت ثورتي 25 يناير 2011 و30 يونيه 2013، والدستور الحالي وتعديلاته، قد أعلت من شأن حرية التعبير وما يتفرع عنها من حريات، ومنها حرية الصحافة. فبعد أن أرسى الدستور القاعدة العامة التي تقوم عليها حرية الفكر والرأي، وأعطى كل إنسان الحق في التعبير عن رأيه بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك من وسائل النشر والتعبير، وذلك بنص المادة (65) منه، حرص على أن يزاوجها ويكملها بإحدى صورها الأكثر أهمية والأبلغ أثرًا، فكفل للصحافة حريتها كأصل عام، ليحول دون التدخل في شئونها من خلال القيود التي ترهق رسالتها أو تحد – بغير ضرورة – من فرص إصدارها، أو إضعافها بتقليص دورها في بناء المجتمع وتطويره، وليؤمن من خلالها أفضل الفرص التي تكفل تدفق الآراء والأنباء والأفكار ونقلها إلى القطاع الأكبر من المواطنين.
ومتوخيًا دومًا أن يكرس، من خلال الصحافة، قيمًا جوهرية، أبرزها أن يكون النقاش العام الذي يدور فوق منابرها بديلًا عن الانغلاق والقمع والتسلط، وأن تكون نافذة يطل منها المواطنون على الحقائق التي لا يجوز حجبها عنهم، خاصة في عصر أذن فيه احتكار المعلومة بالغروب، واستحال الحجر عليها بعد أن تنوعت مصادرها، وباتت المعرفة مطلبًا ضروريًا لكل الناس، وغدت حرية الأفراد في التعبير والقول أمرًا لازمًا لتكفل للمواطن نهرًا فياضًا من الآراء والمعلومات، ودورًا فاعلًا – من خلال الفرص التي تتيحها – في التعبير عن تلك الآراء التي يؤمن بها ويحقق بها تكامل شخصيته.
ولتؤتي هذه الحرية ثمارها في بناء قيم الفرد والجماعة، وتنمية الروافد الديمقراطية، وتأكيد الهوية المصرية الأصلية، والتأليف بين منابع التراث وتيارات الحداثة والمعاصرة، وتكريس حرية الصحافة – التي كفل الدستور ممارستها بكل الوسائل – أطلق الدستور قدراتها في مجال التعبير ليظل عطاؤها متدفقًا، وتتصل روافده دون انقطاع، فلا تكون القيود الجائرة عليها إلا عدوانًا على رسالتها، يهيئ لانفراط عقدها، ومدخلًا للتسلط والهيمنة عليها، وإيذانًا بانتكاسها. وقد تضمن الدستور الحالي نصًا لم يتضمنه أي من الدساتير السابقة عليه، إذ لم يُجز، في المادة (71) منه، فرض أي رقابة على الصحف ووسائل الإعلام المصرية إلا في زمن الحرب أو التعبئة العامة، بحيث تكون هذه الرقابة موقوتة زمنيًا ومحددة غائيًا”.7
ويتبين من النصوص الدستورية سالفة البيان، وما انتهت إليه مناقشات لجنة الخمسين لإعداد الدستور، وما قررته المحكمة الدستورية العليا من مبادئ تطبيقًا لتلك النصوص، وما استقر عليه قضاء مجلس الدولة، أن المشرع الدستوري قد أكد أن الأصل الدستوري العام هو حق الأفراد في التعبير عن آرائهم بأي وسيلة من وسائل التعبير والنشر، سواء كان علنيًا أو غير علني، وأن هذا الأصل يمثل القاعدة العامة المنظمة للتعبير والنشر بجميع صورهما، والتي أضفى عليها الدستور الحماية الدستورية.
كما يتبين أن ما يرد خلاف ذلك من قواعد دستورية أخرى في ذات الدستور لا يعدو أن يكون استثناءً في حدود ضيقة لا يجوز التوسع فيها. ولمزيد من الحماية الدستورية لتلك الحريات، أضفى الدستور الحماية على الحق في استخدام وسائل الاتصال العامة بكافة أشكالها، وحظر التعسف في حرمان المواطنين من استخدامها، أخذًا في الاعتبار أن وسائل الاتصال العامة، التقليدية منها والمستحدثة، بكافة أشكالها وصورها، قد أصبحت الوسيلة الأهم للتعبير عن الرأي بالإذاعة أو النشر أو القول أو الكتابة أو التصوير. وأكد الدستور ذلك مرة أخرى من خلال كفالته وضمانه للحريات المتفرعة عن هذا الحق، ومنها حرية الإبداع الفني والأدبي، وحرية الصحافة والطباعة والنشر الورقي والمرئي والمسموع والإلكتروني، وحظر التعدي عليها بأي صورة من الصور.
ولإضفاء المزيد من الحماية على حرية الصحافة، باعتبارها إحدى الحريات المتفرعة عن الحق في التعبير، وضع المشرع الدستوري قيدًا على سلطة التشريع، يضمن من خلاله الحماية الدستورية لحرية الصحافة والنشر؛ فحظر على المشرع العادي سن أي نص قانوني ينطوي على تقرير مصادرة أو وقف أو إغلاق أو فرض رقابة على الصحف ووسائل الإعلام المصرية بأي وجه وبأي صورة، ولم يستثنِ من ذلك سوى حالة واحدة، هي فرض الرقابة عليها في حالتين استثنائيتين وردتا على سبيل الحصر، هما زمن الحرب أو التعبئة العامة.
أما في شأن المصادرة والوقف والإغلاق، فقد جاء هذا الحظر مطلقًا من أي قيد أو استثناء، بحيث لا يجوز توقيعه كجزاء إداري في جميع الأحوال، سواء في الظروف الطبيعية أو في زمن الحرب أو التعبئة العامة أو غيرها، وذلك حمايةً للأفراد المخاطبين بأحكام الدستور من أي استبداد أو طغيان أو ترهيب أو تهديد لحرياتهم الشخصية قد يتعرضون له من جانب السلطة التنفيذية أو التشريعية، نتيجة التعبير عن آرائهم أو نتيجة استعمال حقهم الدستوري في استخدام وسائل الاتصال بجميع صورها، وكذلك حمايةً لحرية الصحافة من القهر والتسلط، باعتبارها إحدى الحريات المتفرعة عن الحق في التعبير.
وفي سياق التشريعات القانونية، نجد أن قانون تنظيم الصحافة والإعلام ذاته قد نص، في المادة (3) منه، على حظر مصادرة أو وقف أو إغلاق الصحف ووسائل الإعلام المصرية بأي وجه، مرددًا بذلك ذات ما نص عليه المشرع الدستوري في المادة (71) من الدستور.
ولما كان من المقرر في قضاء المحكمة الدستورية العليا أن: “الدستور ليس مجرد تنظيم إجرائي يحدد لكل سلطة تخوم ولايتها وقواعد الفصل بينها وبين غيرها من السلطات، وإنما يبلور الدستور أصلًا قيمًا وحقوقًا لها مضامين موضوعية، كفل حمايتها وحرص على أن يرد عنها كل عدوان حتى لا تفقد قيمتها أو تنحدر أهميتها، ولا تنفصل هذه القيم وتلك الحقوق عن الديمقراطية في أشكالها الأكثر تطورًا، بل تقارنها وتقيم أسسها وتكفل إنفاذ مفاهيمها”.8 وأنه “ولا يجوز، في إطار هذه المفاهيم، مصادرة الحقوق أو تهميشها أو الانتقاص من أطرافها أو الهبوط بمستوياتها إلى حدود لا تقبلها الدول الديمقراطية”.9
ومن المقرر أيضًا في قضائها أن:
“الدستور هو القانون الأساسي الأعلى الذي يرسي القواعد والأصول التي يقوم عليها نظام الحكم، ويحدد السلطات العامة، ويرسم لها وظائفها، ويضع الحدود والقواعد الضابطة لنشاطها، ويقرر الحريات والحقوق العامة، ويرتب الضمانات الأساسية لحمايتها. ومن ثم، فقد تميز الدستور بطبيعة خاصة تضفي عليه السيادة والسمو، باعتباره كفيل الحريات وموئلها وعماد الحياة الدستورية وأساس نظامها، وحق لقواعده أن تستوي على قمة البناء القانوني للدولة، وتتبوأ مقام الصدارة بين قواعد النظام العام، باعتبارها أسمى القواعد الآمرة التي يتعين على الدولة الالتزام بها في تشريعاتها، وفي قضائها، وفيما تمارسه من سلطات تنفيذية، دون أي تفرقة أو تمييز في مجال الالتزام بها بين السلطات العامة الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية”.
وإذ كان خضوع الدولة بجميع سلطاتها لمبدأ سيادة الدستور أصلًا مقررًا وحكمًا لازمًا لكل نظام ديمقراطي سليم، فإنه يتعين على كل سلطة عامة، أيًا كان شأنها، وأيًا كانت وظيفتها وطبيعة الاختصاصات المسندة إليها، أن تنزل على قواعد الدستور ومبادئه، وأن تلتزم حدوده وقيوده، فإن هي خالفتها أو تجاوزتها شاب عملها عيب مخالفة الدستور، وخضع – متى انصبت المخالفة على قانون أو لائحة – للرقابة القضائية التي عهد بها الدستور إلى المحكمة الدستورية العليا، بوصفها الهيئة القضائية العليا التي اختصها دون غيرها بالفصل في دستورية القوانين واللوائح، بغية الحفاظ على أحكام الدستور وصونها وحمايتها من الخروج عليها.
وقد حرصت الدساتير المصرية المتعاقبة جميعها – منذ دستور 1923 – على تقرير الحريات والحقوق العامة في صلبها، قصدًا من المشرع الدستوري إلى أن يكون النص عليها في الدستور قيدًا على المشرع العادي فيما يسنه من قواعد وأحكام، وفي حدود ما أراده الدستور لكل منها من حيث إطلاقها أو جواز تنظيمها تشريعيًا. فإذا خرج المشرع، فيما يقرره من تشريعات، على هذا الضمان الدستوري، بأن قيد حرية أو حقًا ورد في الدستور مطلقًا، أو أهدر أو انتقص من أيهما تحت ستار التنظيم الجائز دستوريًا، وقع عمله التشريعي مخالفًا للدستور.10
ومن المقرر أيضًا في قضائها أن:
“الأصل في سلطة المشرع في مجال تنظيم الحقوق أنها سلطة تقديرية، ما لم يقيد الدستور ممارستها بضوابط تحد من إطلاقها، وتكون تخومًا لا يجوز اقتحامها أو تخطيها. وكان الدستور، إذ يعهد إلى السلطة التشريعية بتنظيم موضوع معين، فإن ما تقرره من القواعد القانونية في شأن هذا الموضوع لا يجوز أن ينال من الحقوق التي كفل الدستور أصلها، سواء بنقضها أو بانتقاصها من أطرافها؛ ذلك أن إهدار هذه الحقوق أو تهميشها عدوان على مجالاتها الحيوية التي لا تتنفس إلا من خلالها، ولا يجوز – من ثم – أن يكون تنظيم هذه الحقوق اقتحامًا لفحواها، بل يتعين أن يكون منصفًا ومبررًا”.11
وانطلاقًا من ذلك، وجب الحرص عند إعداد التشريعات على أن تراعي أحكامها الحقوق الأساسية للإنسان، دون الاقتصار في شأن هذه الحقوق ورصدها على ما هو منصوص عليه في الدستور فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى ما استقر منها في المواثيق الدولية وفي مفاهيم الدول الديمقراطية. وهي الحقوق التي عبرت عنها المحكمة الدستورية العليا في مصر بأنها من الحقوق الطبيعية التي لا يجوز الإخلال بها أو تقييدها، وخاصة تلك التي تنطلق من إيمان الدول المتحضرة بحرمة الحياة ووطأة القيود التي تنال من الحرية الشخصية. ومن ثم، يجب أن تكون هذه الحقوق، بالمعنى الواسع المشار إليه الذي يستوعب ما ورد منها في الدستور وما استقر في المواثيق الدولية وفي مفاهيم الدول الديمقراطية، بمنأى عن أي انتهاك تشريعي.12
وبناءً على ذلك، فإن منح المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام سلطة إدارية بحجب المواقع الإلكترونية كجزاء إداري، سواء لمدة محددة أو بصفة دائمة يُعد مخالفة صريحة لنصوص الدستور، وعدوانًا على حريات وحقوق الأفراد المخاطبين بأحكامه، وعلى وجه الخصوص حرية الصحافة والنشر المنصوص عليهما في المادتين (70) و(71) من الدستور.
كما يُعد ذلك تجاوزًا للاختصاصات الدستورية المخولة لهذا المجلس، والمقررة بنص المادة (211) من الدستور، والتي يأتي على رأسها ضمان وحماية حرية الصحافة والإعلام، وهو ما يجعل النص المطعون عليه مشوبًا بعدم الدستورية، بما يوجب عرضه على المحكمة الدستورية العليا للفصل في مدى دستوريته، إعمالًا للسلطة المخولة لها وفقًا للدستور والقانون.
الوجه الثاني: إهدار حرية الرأي والحق في التعبير والتعسف في حرمان المواطنين من الحق في استخدام وسائل الاتصالات
حرص الدستور الساري على تكريس الحماية الدستورية للحريات، وعلى رأسها حرية الرأي وحق التعبير عنه بأي من وسائل التعبير والنشر، وذلك في المادة (65)، وهو امتداد لذات الحماية التي سبق أن نصت عليها الدساتير السابقة. ويتبين من ذلك أن الأصل الدستوري العام هو حق الأفراد في التعبير عن آرائهم بأي وسيلة من وسائل التعبير والنشر، سواء كان علنيًا أو غير علني، وأن هذه هي القاعدة العامة المنظمة للتعبير والنشر بجميع صورهما، والتي أُضفيت عليها الحماية الدستورية، وأن ما يرد خلاف ذلك من قواعد دستورية أخرى في ذات الدستور لا يعدو أن يكون استثناءً في حدود ضيقة لا يجوز التوسع فيها.
وقد أكدت المحكمة الدستورية العليا ذلك ورسخته في مبادئها القضائية؛ ففي شأن تعريفها لحرية الرأي، قررت أن:
“حرية الرأي تعتبر بمثابة الحرية الأصل التي يتفرع عنها الكثير من الحريات والحقوق العامة الفكرية والثقافية وغيرها، وتعد المدخل الحقيقي لممارستها ممارسة جدية، كحق النقد، وحرية الصحافة والطباعة والنشر، وحرية البحث العلمي والإبداع الأدبي والفني والثقافي، وحق الاجتماع للتشاور وتبادل الآراء، وحق مخاطبة السلطات العامة”. 13
كما أكدت أيضًا أن:
“حرية الرأي هي من الحريات الأساسية التي تحتمها طبيعة النظام الديمقراطي، وتعد ركيزة لكل حكم ديمقراطي سليم، إذ يقوم هذا النظام في جوهره على مبدأ أن السيادة للشعب وحده، وهو مصدر السلطات، وهو ما أكده الدستور القائم بالنص عليه في المادة (3) منه، وقررت مضمونه الدساتير المصرية السابقة عليه بدءًا من دستور سنة 1923. ذلك أن مبدأ السيادة الشعبية يقتضي أن يكون للشعب – ممثلًا في نوابه أعضاء السلطة التشريعية – الكلمة الحرة فيما يعرض عليه من شئون عامة، وأن يكون للشعب أيضًا، بأحزابه ونقاباته وأفراده، رقابة شعبية فعالة يمارسها بالرأي الحر والنقد البناء لما تجريه السلطة الحاكمة من أعمال وتصرفات”.14
وفي هذا السياق أيضًا، قررت أن:
“حرية التعبير التي كفلها الدستور هي القاعدة في كل تنظيم ديمقراطي، فلا يقوم إلا بها ولا ينهض سويًا إلا عليها، وما الحق في الرقابة الشعبية النابغة من يقظة المواطنين المعنيين بالشئون العامة، الحريصين على متابعة جوانبها وتقرير موقفهم من سلبياتها، إلا فرع من حرية التعبير ونتاج لها، وهي التي ترتد لخلق الله، ومن أجل هذا جعلها الدستور مصونة فلا تمس”.15
وفي شأن الغاية من الضمانة الدستورية لحرية التعبير، قررت أن:
“ضمان الدستور لحرية التعبير عن الآراء، والتمكين من عرضها ونشرها، أيًا كانت وسيلة التعبير، قد تقرر بوصفها الحرية الأصل التي لا يتم الحوار المفتوح إلا في نطاقها، وبدونها تفقد حرية الاجتماع مغزاها، ولا تكون لها من فائدة، وبها يكون الأفراد أحرارًا لا يتهيبون موقفًا، ولا يترددون وجلًا، ولا ينتصفون لغير الحق طريقًا”.16
وفي السياق ذاته، قررت أن:
“ليس حق الفرد في التعبير عن الآراء التي يريد إعلانها معلقًا على صحتها، ولا مرتبطًا بتمشيها مع الاتجاه العام في بيئة بذاتها، ولا بالفائدة العملية التي يمكن أن تنتجها، وإنما أراد الدستور، بضمان حرية التعبير، أن تهيمن مفاهيمها على مظاهر الحياة في أعماق منابعها، بما يحول بين السلطة العامة وفرض وصايتها على العقل العام (Public Mind)، فلا تكون معاييرها مرجعًا لتقييم الآراء التي تتصل بتكوينه، ولا عائقًا دون تدفقها”.17
وفي شأن حماية حرية التعبير من تعسف المشرع في تقييدها، فقد قررت المحكمة الدستورية العليا أن:
“حرية التعبير، وتفاعل الآراء التي تتولد عنها، لا يجوز تقييدها بأغلال تعوق ممارستها، سواء من ناحية فرض قيود مسبقة على نشرها، أو من ناحية العقوبة اللاحقة التي تتوخى قمعها، بل يتعين أن ينقل المواطنون من خلالها – وعلانية – تلك الأفكار التي تجول في عقولهم، لا يتهامسون بها نجياً، بل يطرحونها عزمًا – ولو عارضتها السلطة العامة – إحداثًا من جانبهم، وبالوسائل السلمية، لتغيير قد يكون مطلوبًا؛ فالحقائق لا يجوز إخفاؤها، ومن غير المتصور أن يكون النفاذ إليها ممكنًا في غيبة حرية التعبير.
كذلك فإن الذين يعتصمون بنص المادة (47) من الدستور لا يملكون مجرد الدفاع عن القضايا التي يؤمنون بها، بل يملكون كذلك اختيار الوسائل التي يقدرون مناسبتها وفعاليتها، سواء في مجال عرضها أو نشرها، ولو كان بوسعهم إحلال غيرها من البدائل لترويجها.ولعل أكثر ما يهدد حرية التعبير أن يكون الإيمان بها شكليًا أو سلبيًا، بل يتعين أن يكون الإصرار عليها قبولًا بتبعاتها، وألا يفرض أحد على غيره صمتًا ولو بقوة القانون (Enforced Silence)”.1
1 حكم المحكمة الدستورية العليا، جلسة 15 إبريل 1995، الدعوى رقم 6 لسنة 15 ق، مكتب فني 6 – ج 1 – ق 41 – ص 637.
ومن جماع ما تقدم، فإن القيود التي وضعها المشرع الدستوري على سلطة التشريع، في المادة (71) من الدستور، غايتها ضمان امتداد الحماية الدستورية لحرية الرأي والحق في التعبير إلى الحريات المتفرعة عنها، ومن بينها حرية الصحافة والنشر بجميع صوره؛ فحظر على المشرع العادي سن أي نص قانوني ينطوي على تقرير مصادرة أو وقف أو إغلاق أو فرض رقابة على الصحف ووسائل الإعلام المصرية بأي وجه وبأي صورة، وذلك في غير زمن الحرب أو التعبئة العامة.
ويضاف إلى ذلك أن المشرع الدستوري، في سياق الحماية الدستورية للحق في الخصوصية، وعلى نحو خاص فيما يتعلق بوسائل الاتصالات وحرمتها وسريتها، وعدم جواز مصادرتها أو الاطلاع عليها أو رقابتها إلا بأمر قضائي مسبب ولمدة محددة، حسبما جاء في نص المادة (57) من الدستور، قد أكد أيضًا في الفقرة الأخيرة من ذات المادة عدة حقوق دستورية، تتمثل في التزام الدولة بحماية حق المواطنين في استخدام وسائل الاتصال العامة بكافة أشكالها، وحظر تعطيلها أو وقفها أو حرمان المواطنين منها بشكل تعسفي.
وبما أن وسائل الاتصال بكافة أشكالها وصورها قد أصبحت الوسيلة الأهم للتعبير عن الرأي، سواء بالإذاعة أو النشر أو القول أو الكتابة أو التصوير، وعلى وجه الخصوص وسائل الاتصال الإلكترونية عبر شبكة الإنترنت، والتي من بينها المواقع الإلكترونية والمدونات الشخصية والحسابات والصفحات الشخصية، فقد أصبحت الأداة الأبرز والأهم والأكثر شيوعًا لمباشرة الصحافة والنشر المكتوب أو المسموع أو المرئي.
واستنادًا إلى ما تقدم، يكون منح المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام سلطة إدارية بحجب المواقع الإلكترونية كجزاء إداري، سواء لمدة محددة أو بصفة دائمة – على النحو المتقدم بيانه في الوجه الأول – مخالفة صريحة لنصوص الدستور، وعدوانًا على حريات وحقوق الأفراد المخاطبين بأحكامه، وعلى وجه الخصوص حرية الرأي وحق التعبير عنه بأي من وسائل التعبير والنشر، والحق في استخدام وسائل الاتصال، المنصوص عليهما في المادتين (57) و(65) من الدستور.
كما يُعد ذلك تعطيلًا وانتقاصًا وتقييدًا يمس أصل وجوهر الحقوق اللصيقة بشخص المواطن، المنصوص عليها في المادة (92) من الدستور، وهو ما يجعل النص المطعون عليه مشوبًا بعدم الدستورية، بما يوجب عرضه على المحكمة الدستورية العليا للفصل في مدى دستوريته، إعمالًا للسلطة المخولة لها وفقًا للدستور والقانون.
الوجه الثالث: تجاوز التفويض التشريعي وانتحال الاختصاص المقرر للسلطة التشريعية واغتصاب سلطتها
تضمن البند رقم (3) من الفقرة الثالثة من نص المادة رقم (94) من قانون تنظيم الصحافة والإعلام منح المجلس الأعلى للإعلام سلطة تقرير جزاء إداري بمنع نشر أو بث المادة الإعلامية لفترة محددة أو بصفة دائمة، ضمن السلطات المخولة له في لائحة الجزاءات والتدابير الإدارية والمالية التي يجوز توقيعها على المؤسسات الصحفية، والمؤسسات الصحفية القومية، والمؤسسات الإعلامية، والمؤسسات الإعلامية العامة حال مخالفة أحكام هذا القانون.
وبالفرض الجدلي – وهو فرض غير حقيقي – بمشروعية هذا النص واتساقه مع أحكام الدستور، فإن المجلس الأعلى للإعلام، حينما أصدر لائحة الجزاءات بموجب قرار رئيس المجلس رقم 16 لسنة 2019، تضمن البند (2) من المادة (17) من هذه اللائحة منح المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام سلطة إصدار قرار إداري بحجب المواقع الإلكترونية، ومنحه أيضًا سلطة مطلقة في تحديد مدة الحجب، سواء لفترة مؤقتة أو بصفة دائمة، وذلك على خلاف التفويض الممنوح للمجلس من السلطة التشريعية في شأن إصدار هذه اللائحة، والذي اقتصر، حسبما ورد في المادة (94) من القانون، على سلطة تقرير جزاء إداري بمنع نشر أو بث المادة الإعلامية لفترة محددة أو بصفة دائمة.
كما أن سلطة توقيع جزاء إداري بمنع نشر أو بث مادة إعلامية – بالفرض الجدلي في مشروعيتها وعدم مخالفتها للدستور – يقتصر نطاق تطبيقها على المادة الإعلامية محل المخالفة، بينما سلطة توقيع جزاء إداري بحجب المواقع الإلكترونية تتجاوز نطاق المادة الإعلامية محل المخالفة، وتمتد لتشمل جميع المحتوى المنشور على الموقع الإلكتروني محل توقيع جزاء الحجب.
واستنتاجًا من ذلك، يكون المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قد منح نفسه سلطة توقيع جزاء إداري بالحجب بموجب نص البند (2) من المادة (17) من لائحة الجزاءات، مخالفًا بذلك الحدود التي رسمتها السلطة التشريعية لنطاق التفويض الممنوح إليه بشأن إصدار هذه اللائحة.
وحيث إن سلطة التشريع موكولة للبرلمان وحده بموجب المادة (101) من الدستور، فإنه لا يجوز للسلطة التنفيذية، بما فيها الجهات الإدارية والهيئات المستقلة وغيرها، أن تغاير إرادة المشرع أو تستحدث قواعد عقابية أو تنظيمية جديدة بغير سند تشريعي صريح.
وقد استقر قضاء المحكمة الدستورية العليا على أن لوائح السلطة التنفيذية يجب أن تندرج في إطار القانون الذي تصدر تنفيذًا له، وألا تتجاوز نطاق التفويض الممنوح لها، وإلا اعتُبرت متجاوزة للاختصاص ومخالفة لمبدأ سيادة القانون وفقًا للمادة (94) من الدستور؛ إذ جاء في قضائها أن:
“الدستور هو القانون الأساسي الأعلى الذي يرسي القواعد والأصول التي يقوم عليها نظام الحكم، ويحدد السلطات العامة، ويرسم لها وظائفها، ويضع الحدود والقيود الضابطة لنشاطها، ويقرر الحريات والحقوق العامة، ويرتب الضمانات الأساسية لحمايتها، ومن ثم فقد تميز الدستور بطبيعة خاصة تضفي عليه صفة السيادة والسمو، بحسبانه عماد الحياة الدستورية وأساس نظامها، وحق لقواعده أن تستوي على قمة البناء القانوني للدولة، وتتبوأ مقام الصدارة بين قواعد النظام العام، باعتبارها أسمى القواعد الآمرة التي يتعين على الدولة الالتزام بها في تشريعاتها وفيما تمارسه من سلطات تنفيذية”.19
ومن المقرر في قضائها أيضًا أن:
“الدستور هو القانون الأساسي الأعلى الذي يُرسي القواعد والأصول التي يقوم عليها نظام الحكم، ويحدد السلطات العامة، ويرسم لها وظائفها، ويضع الحدود والقيود الضابطة لنشاطها، ويقرر الحريات والحقوق العامة، ويرتب الضمانات الأساسية لحمايتها؛ ومن ثم فقد تميز الدستور بطبيعة خاصة تُضفي عليه السيادة والسمو، بحسبانه كفيل الحريات وموئلها، وعماد الحريات الدستورية وأساس نظامها، وحق لقواعده أن تستوي على قمة البناء القانوني للدولة، وتتبوأ مقام الصدارة بين قواعد النظام العام باعتبارها أسمى القواعد الآمرة التي يتعين على الدولة الالتزام بها في تشريعاتها، وفي قضائها، وفيما تمارسه من سلطات تنفيذية، دون تفرقة أو تمييز في مجال الالتزام بها بين السلطات العامة الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية”.
وإذ كان خضوع الدولة بجميع سلطاتها لمبدأ سيادة الدستور أصلًا مقررًا وحكمًا لازمًا لكل نظام ديمقراطي سليم، فإنه يتعين على كل سلطة عامة، أيًّا كان نشاطها، وأيًّا كانت وظيفتها وطبيعة الاختصاصات المسندة إليها، أن تنزل على قواعد الدستور ومبادئه، وأن تلتزم حدوده وقيوده، فإن هي خالفتها أو تجاوزتها شاب عملها عيب مخالفة الدستور، وخضعت – متى انصبت المخالفة على قانون أو لائحة – للرقابة القضائية التي عهد بها الدستور إلى المحكمة الدستورية العليا، بوصفها الجهة القضائية العليا التي اختصها دون غيرها بالفصل في دستورية القوانين واللوائح، بغية الحفاظ على أحكام الدستور وصونها وحمايتها من الخروج عليها.
وحيث إن الدساتير المصرية المتعاقبة قد حرصت جميعها – منذ دستور سنة 1923 – على تقرير الحقوق والحريات العامة في صلبها، قصدًا من المشرع الدستوري إلى أن يكون النص عليها في الدستور قيدًا على المشرع العادي فيما يسنه من قواعد وأحكام، وفي حدود ما أورده الدستور لكل منها، فإذا خرج المشرع، فيما يقره من تشريعات، على هذا الضمان الدستوري، وعن الإطار الذي عينه الدستور له، بأن قيد حرية أو حقًّا، أو أهدر أو انتقص من أيهما تحت ستار التنظيم الجائز دستوريًا، وبالمخالفة للضوابط الحاكمة له، وقع عمله التشريعي في حومة مخالفة أحكام الدستور”.20
كما أنه من المقرر في قضاء محكمة النقض أن:
“لا يجوز لسلطة أدنى في مدارج التشريع أن تلغي أو تعدل قاعدة تنظيمية وضعتها سلطة أعلى، أو أن تضيف أحكامًا جديدة إلا بتفويض خاص من هذه السلطة العليا أو من القانون؛ وبالتالي لا يجوز لنص في اللائحة أن يخالف أو يتعارض مع نص في القانون باعتباره أدنى منه في مدارج التشريع”.21
ومن المقرر في قضاء ذات المحكمة أيضًا أن:
“لما كان قضاء المحكمة الدستورية قد جرى على أنه إذا ما أسند الدستور تنظيم حق من الحقوق إلى السلطة التشريعية، فلا يجوز لها أن تتسلب من اختصاصها وتحيل الأمر إلى السلطة التنفيذية دون أن تقيدها في ذلك بضوابط عامة وأسس رئيسية تلتزم بالعمل في إطارها، فإذا ما خرج المشرع على ذلك، وناط بالسلطة التنفيذية تنظيم الحق من أساسه، كان متخليًا عن اختصاصه الأصيل المقرر بالمادة (101) من الدستور، وساقطًا – بالتالي – في حومة المخالفة الدستورية”.22
وبناءً على ما تقدم، وحيث منحت لائحة الجزاءات والتدابير الصادرة عن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام لنفسها سلطات توقيع جزاءات جوهرية غير منصوص عليها في القانون ولا في أحكام الدستور، فتوسعت اللائحة في تعداد الجزاءات لتشمل حجب المواقع الإلكترونية بشكل مطلق أو لمدد مطولة، وهو جزاء لم يرد على هذا النحو المحدد في نص القانون ذاته، وكان فرض عقوبة أو تدبير تقييدي يمس حرية الصحافة والإعلام دون أساس تشريعي واضح يتصادم مع مبادئ سيادة القانون والفصل بين السلطات، وكذلك مع مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، فإنه يشكل اعتداءً من السلطة اللائحية على الاختصاص المخول دستوريًا وقانونيًا للسلطة التشريعية.
وقد أكدت المحكمة الدستورية العليا أن التشريع الجنائي أو التأديبي لا يكون مبررًا إلا إذا جاء لمواجهة ضرورة مجتمعية لها ثقلها، وكان متناسبًا مع خطورة الفعل المحظور؛ فإن جاوز ذلك غدا مفرطًا، مجافيًا للعدالة، ومنفصلًا عن أهدافه المشروعة. فجاء في قضائها أن:
“شرعية الجزاء – جنائيًا كان أم مدنيًا أم تأديبيًا – مناطها أن يكون متناسبًا مع الأفعال التي أثمها المشرع أو حظرها أو قيد مباشرتها؛ فالأصل في العقوبة هو معقوليتها، فكلما كان الجزاء الجنائي بغيضًا أو عاتيًا، أو كان متصلًا بأفعال لا يسوغ تجريمها، أو مجافيًا بصورة ظاهرة للحدود التي يكون معها متناسبًا مع خطورة الأفعال التي أثمها المشرع، فإنه يفقد مبررات وجوده، ويصبح تقييده للحرية الشخصية اعتسافًا”.23
وبالنظر إلى أن الدستور، وخاصة المادة (211)، يتضح أن المشرع الدستوري جعل من ضمان وحماية حرية الصحافة والإعلام الإطار الجوهري لولاية المجلس الأعلى للإعلام، فإن قيام المجلس، عبر لائحته الداخلية، باغتصاب صلاحيات تشريعية وتقرير قيود وعقوبات إضافية على وسائل الإعلام، يُعد تجاوزًا صارخًا للتفويض التشريعي واغتصابًا للاختصاص المقرر دستوريًا للسلطة التشريعية.
وبناءً على ما تقدم، تكون المادة (17) من لائحة الجزاءات، فيما خولته من إجراءات عقابية غير مقررة بالقانون، كالحجب المطلق، مخالفة لمبدأ الشرعية الدستورية ولمواد الدستور ذات الصلة، ومن بينها المواد (70) و(71) و(94) و(95) و(101) و(211)، مما يرجح الحكم بعدم دستوريتها.
وهذا التغول اللائحي على اختصاص البرلمان يوجب وقف تنفيذ تلك النصوص وإحالتها إلى المحكمة الدستورية العليا للبت في مدى دستوريتها، صونًا لمبدأ سيادة الدستور والفصل بين السلطات.
بناءً عليه
مع تمسك الدفاع الحاضر بطلباته وأوجه دفاعه الشكلية والإجرائية والموضوعية، فإنه يلتمس من المحكمة الموقرة، في ضوء ما تقدم بيانه في هذه المذكرة، الآتي:
إحالة أوراق الدعوى إلى المحكمة الدستورية العليا، أو التصريح للدفاع بإقامة دعوى أمام المحكمة الدستورية العليا للفصل في مدى دستورية نص الفقرة الثالثة من المادة (19) من قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018، والبند رقم (3) من الفقرة الثالثة من نص المادة رقم (94) من ذات القانون، والمادة رقم (17) من قرار رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم 16 لسنة 2019 بشأن إصدار لائحة الجزاءات والتدابير التي يجوز توقيعها على الجهات الخاضعة لأحكام قانون تنظيم الصحافة والإعلام، لمخالفتها نصوص المواد أرقام (57 و65 و70 و71 و92 و94 و101 و211) من دستور جمهورية مصر العربية.
وكيل المدعي
………………….
المحامي
الهوامش
1 حكم المحكمة الدستورية العليا، جلسة 6 يونيو 2020، الدعوى رقم 248 لسنة 30 قضائية “دستورية”.
2 حكم المحكمة الدستورية العليا، جلسة 6 يونيو 2020، الدعوى رقم 248 لسنة 30 قضائية “دستورية”.
3 حجب مواقع الوِب في مصر “التكنيكات والقوانين”، موقع مسار مجتمع التقنية والقانون.
4 حكم المحكمة الدستورية العليا، جلسة 13 يناير 2018، الدعوى رقم 139 لسنة 29 قضائية “دستورية”.
5 المحكمة الدستورية العليا – القضية رقم 17 لسنة 14 ق | تاريخ الجلسة 14 / 1 / 1995 – مكتب فني 6 – رقم الجزء 1 – رقم الصفحة 440
6 المحكمة الدستورية العليا – دستورية – القضية رقم 25 لسنة 16 ق | تاريخ الجلسة 3 / 7 / 1995 – مكتب فني 7 – رقم الجزء 1 – رقم الصفحة 45 – القاعدة رقم 2
7 محكمة القضاء الإداري – القضاء الإداري – الدائرة الأولى – الحكم رقم 2693 لسنة 53 ق | تاريخ الجلسة 20 / 1 / 2015
8 حكم المحكمة الدستورية العليا، جلسة 15 نوفمبر 1997، الدعوى رقم 56 لسنة 18 قضائية “دستورية”
9 حكم المحكمة الدستورية العليا، جلسة 3 يناير 1998، الدعوى رقم 132 لسنة 18 قضائية “دستورية”
10 حكم المحكمة الدستورية العليا – دستورية – القضية رقم 25 لسنة 22 ق | تاريخ الجلسة 5 / 5 / 2001 – مكتب فني 9 – رقم الجزء 1 – رقم الصفحة 907 – القاعدة رقم 108.
11 حكم المحكمة الدستورية العليا – دستورية – القضية رقم 2 لسنة 45 ق | تاريخ الجلسة 1 / 6 / 2025 – رقم الصفحة 18
12 القاضي د. سرى محمود صيام، صناعة التشريع، الكتاب الأول، الهيئة العامة المصرية للكتاب، ط 2018، ص 151.
13 المحكمة الدستورية العليا – دستورية – القضية رقم 44 لسنة 7 ق | تاريخ الجلسة 7 / 5 / 1988 – مكتب فني 4 – رقم الجزء 1 – رقم الصفحة 98 – القاعدة رقم 16
14 المحكمة الدستورية العليا – دستورية – القضية رقم 44 لسنة 7 ق | تاريخ الجلسة 7 / 5 / 1988 – مكتب فني 4 – رقم الجزء 1 – رقم الصفحة 98 – القاعدة رقم 16
15 المحكمة الدستورية العليا – دستورية – القضية رقم 25 لسنة 22 ق | تاريخ الجلسة 5 / 5 / 2001 – مكتب فني 9 – رقم الجزء 1 – رقم الصفحة 907 – القاعدة رقم 108
16 حكم المحكمة الدستورية العليا، جلسة 15 إبريل 1995، الدعوى رقم 6 لسنة 15 ق، مكتب فني 6 – ج 1 – ق 41 – ص 637.
17 حكم المحكمة الدستورية العليا، جلسة 15 إبريل 1995، الدعوى رقم 6 لسنة 15 ق، مكتب فني 6 – ج 1 – ق 41 – ص 637.
18 حكم المحكمة الدستورية العليا، جلسة 15 إبريل 1995، الدعوى رقم 6 لسنة 15 ق، مكتب فني 6 – ج 1 – ق 41 – ص 637.
19 حكم المحكمة الدستورية العليا، جلسة 5-10-2024، الدعوى رقم 221 لسنة 26 قضائية دستورية.
20 حكم المحكمة الدستورية العليا، جلسة 1-6-2025، الدعوى رقم 2 لسنة 45 ق.
21 حكم محكمة النقض، الدوائر المدنية، جلسة 2-6-2024، الطعن رقم 4006 لسنة 90 ق.
22 حكم محكمة النقض، الدوائر المدنية، جلسة 2-6-2024، الطعن رقم 4006 لسنة 90 ق.
23 حكم المحكمة الدستورية العليا، جلسة 2-6-2001، الدعوى رقم القضية رقم 114 لسنة 21 قضائية دستورية.