الحوسبة السحابية في مصر: تحليل لمسارات النمو وتأثيراتها على الموارد والحقوق

القسم:

تاريخ النشر:

مايو 4, 2026

تاريخ النشر:

مايو 4, 2026

مقدمة

تُعد الحوسبة السحابية اليوم أحد أبرز مظاهر تطور ونمو التكنولوجيات الرقمية عالميًا، إذ تمثل بنية أساسية لعدد من الصناعات سريعة النمو، من بينها الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة وإنترنت الأشياء. وبذلك، تشكل الحوسبة السحابية عنصرًا رئيسيًا في البنية التي يقوم عليها العالم الرقمي في الحاضر، ويُتوقع أن يستمر هذا الدور في المستقبل. ورغم أن مصطلح “الحوسبة السحابية” قد يوحي بكيان غير ملموس، فإنها تعتمد في الواقع على بنية مادية كثيفة، تتمثل في مراكز البيانات الضخمة التي تنتشر اليوم في مناطق مختلفة من العالم.

تُقدَّر الاستثمارات في إنشاء مراكز البيانات حاليًا بمئات المليارات من الدولارات سنويًا، مع توقعات بزيادة هذا الحجم خلال السنوات المقبلة. وفي حين تتركز النسبة الأكبر من هذه الاستثمارات في الدول الصناعية المتقدمة، وخاصة الولايات المتحدة، تشير الاتجاهات إلى احتمال توسعها نحو الدول النامية، مدفوعة بعوامل مثل انخفاض تكاليف الموارد، والإعفاءات الضريبية، كذلك تدني المشاركة الشعبية في عمليات اتخاذ القرار. وفي هذا السياق، تتمتع مصر بموقع جغرافي مميز على مسارات نقل البيانات العالمية، وهو ما يمنحها فرصًا محتملة لجذب جزء من هذه الاستثمارات.

ترتبط توجهات الدولة المصرية نحو التحول الرقمي بطموحات أوسع لتعزيز موقعها كمركز إقليمي للتكنولوجيا في محيطها العربي والإفريقي. وقد انعكس ذلك في اهتمام متزايد بالحوسبة السحابية من جانب مؤسسات الدولة، وهو ما يمثل أحد عوامل جذب الاستثمارات في هذا المجال. وقد شهد القطاع بالفعل بعض التطور في السنوات الأخيرة، إلا أن ذلك لا يلغي وجود تساؤلات تتعلق بالمخاطر والتحديات المرتبطة بنموه في السياق المصري.

تسعى هذه الورقة إلى تقديم عرض شامل ومتوازن لواقع قطاع الحوسبة السحابية في مصر، واستكشاف إمكانيات تطوره المستقبلية، مع مراعاة المخاطر والتحديات المرتبطة به. وتتناول الورقة سوق الحوسبة السحابية في مصر، وأبرز الفاعلين فيه على المستويين المحلي والدولي، كما تستعرض سياسات الدولة والمؤسسات المعنية بهذا المجال وأدوارها.

كما تناقش الورقة الإشكاليات المرتبطة بنمو هذا القطاع، بما في ذلك تأثيره على الموارد الأساسية والبيئة، إضافة إلى انعكاساته على التنمية والعدالة الاجتماعية. وفي الختام، تستعرض الورقة بعض المسارات الممكنة لتوجيه نمو سوق الحوسبة السحابية في مصر بما يدعم تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية أكثر عدالة.

ما هي الحوسبة السحابية وما أهميتها؟

تشير الحوسبة (Computing) إلى مجموعة من العمليات التي تستخدم التكنولوجيا المتاحة لمعالجة البيانات، أو حل المشكلات، أو تنفيذ مهام ذات أهداف محددة. وفي سياق التطور التكنولوجي الحالي، يمكن اعتبار جميع عمليات الحوسبة أشكالًا من معالجة البيانات. كما أن البيانات التي تتعامل معها هذه العمليات تكون في صورة رقمية، وهو ما يعني أن الحوسبة، في هذا السياق، هي بالأساس عمليات لمعالجة البيانات الرقمية. ويشمل مفهوم الحوسبة كلًا من المعدات والمكونات المادية (Hardware) اللازمة لتنفيذ هذه العمليات، وكذلك البرمجيات (Software) التي تتضمن البرامج والتعليمات المستخدمة فيها.

الحوسبة السحابية (Cloud Computing) هي نمط من أنماط الحوسبة يعتمد على ما يُعرف بالسحابة الإلكترونية. وتتكون هذه السحابة من عدد كبير من أجهزة ومعدات الحوسبة الموزعة في مواقع مختلفة حول العالم، وترتبط ببعضها البعض وبالمستخدمين من خلال شبكات اتصالات سلكية ولاسلكية، وعلى رأسها شبكة الإنترنت.

وبوصفها مجالًا للخدمات، تشير الحوسبة السحابية إلى تقديم موارد الحوسبة عند الطلب. والمقصود بموارد الحوسبة هنا هو الموارد التي تحتاجها عمليات المعالجة، مثل قدرات التخزين. فعلى سبيل المثال، يوفر الحاسوب الشخصي موارد مادية، مثل سعة التخزين الدائمة والذاكرة وقدرة معالجة البيانات، كما يوفر موارد برمجية بحسب البرامج التي يختار المستخدم تثبيتها، مثل نظام التشغيل والتطبيقات المختلفة.

تتيح خدمات الحوسبة السحابية الوصول إلى موارد قد تكون أكبر حجمًا أو أكثر تعقيدًا، أو تتطلب تكاليف أعلى لإدارتها وتشغيلها مقارنة بما هو متاح عبر الحواسيب التقليدية أو الإمكانيات المتاحة للأفراد والمؤسسات. كما تتيح هذه الخدمات أنماط استخدام أكثر مرونة وكفاءة، من خلال إتاحة الموارد عبر الإنترنت وفق الحاجة.

توفر الحوسبة السحابية مجموعة واسعة من الخدمات التي يمكن أن يستفيد منها مختلف المستخدمين، بدءًا من الأفراد، مرورًا بالمؤسسات الخاصة بمختلف أحجامها، وصولًا إلى الجهات الحكومية. ويمكن تصنيف هذه الخدمات إلى أربعة نماذج رئيسية:

  • البنية التحتية كخدمة (IaaS): تتيح الوصول إلى موارد البنية التحتية للحوسبة، مثل التخزين وقدرات المعالجة، دون التحكم في كيفية استخدامها.
  • المنصة كخدمة (PaaS): توفر بيئة برمجية تتيح تطوير وتشغيل وتشغيل البرمجيات دون الحاجة إلى إدارة البنية التحتية الأساسية.
  • البرمجيات كخدمة (SaaS): تتيح استخدام تطبيقات برمجية عبر الإنترنت، مثل تطبيقات معالجة النصوص أو الجداول أو تحرير الصور.
  • الوظيفة كخدمة (FaaS): تتيح تنفيذ مهام أو تعليمات برمجية محددة استجابةً لشروط معينة، دون الحاجة لإدارة الخوادم أو البيئة التشغيلية.

سوق الحوسبة السحابية في مصر: الحجم وعوامل ومؤشرات النمو

بلغ حجم سوق خدمات الحوسبة السحابية في مصر نحو 2.82 مليار دولار أمريكي في عام 2024. ومن المتوقع أن ينمو خلال الفترة من 2025 إلى 2031 بمعدل سنوي يبلغ 12.65%، ليصل إلى نحو 6.45 مليار دولار في عام 2031. وعلى المستوى العالمي، قُدّر حجم سوق الحوسبة السحابية بحوالي 781.27 مليار دولار أمريكي في عام 2025، مع توقعات بوصوله إلى نحو 2.9 تريليون دولار بحلول عام 2034، بمعدل نمو سنوي يبلغ 15.7%. ويشير ذلك إلى أنه، رغم توافر عوامل نمو للسوق المصري، فإن معدلات نموه المتوقعة تظل أقل من المتوسط العالمي.

يقدم سوق الحوسبة السحابية في مصر مجموعة متنوعة من الخدمات، تشمل البنية التحتية كخدمة (IaaS)، والمنصة كخدمة (PaaS)، والبرمجيات كخدمة (SaaS)، بالإضافة إلى خدمات التعافي من الكوارث (DRaaS) وخدمات النسخ الاحتياطي (BaaS). وتستحوذ خدمات البرمجيات على الحصة الأكبر من السوق، مدفوعة بزيادة الطلب على الحلول القائمة على الاشتراكات، وكذلك اتجاه الشركات المصرية إلى استخدامها في تشغيل أعمالها الأساسية، وتحسين الكفاءة، وتقليل تكاليف إنشاء وإدارة البنية التحتية التقنية.

لا تزال الشركات العالمية الكبرى تهيمن على سوق الحوسبة السحابية في مصر، وفي مقدمتها أمازون، ومايكروسوفت، وجوجل، وأوراكل، وآي بي إم. وفي المقابل، توجد شركات محلية فاعلة، من أبرزها الشركة المصرية للاتصالات، وشركة راية، إلى جانب شركات الاتصالات مثل أورانج وفودافون واتصالات.

من بين العوامل الرئيسية التي أسهمت في نمو السوق خلال الفترة الماضية الدعم الحكومي، خاصة في إطار توجه الدولة نحو التحول الرقمي، وهو ما جعل احتياجات القطاع الحكومي تمثل نسبة مهمة من الطلب على خدمات الحوسبة السحابية. كما تسعى الحكومة إلى جذب الاستثمارات في إنشاء مراكز البيانات وتقديم الخدمات من داخل مصر.

يُعد الموقع الجغرافي لمصر أحد أبرز عوامل الجذب، نظرًا لمرور عدد كبير من كابلات الاتصالات البحرية، عبر قناة السويس، خاصة التي تربط بين آسيا وأوروبا. يسمح ذلك بربط مراكز البيانات مباشرة بكابلات الاتصالات الرئيسية مما يوفر سعات اتصال عالية. كما يتيح هذا الموقع إمكانية تقديم خدمات الحوسبة السحابية لأسواق في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وجنوب أوروبا.

على المستوى الداخلي، تتوافر في مصر كوادر بشرية بمهارات مناسبة للعمل في هذا القطاع، إلى جانب توفر بعض الموارد الأساسية اللازمة لتشغيل مراكز البيانات، مثل الطاقة الكهربائية والمياه، بتكلفة أقل نسبيًا مقارنة ببعض الأسواق الأخرى. ومع ذلك، تظل استدامة توفير هذه الموارد، خاصة في ظل التوسع المتوقع في إنشاء مراكز البيانات، محل تساؤل.

أهم اللاعبين الدوليين والمحليين في سوق الحوسبة السحابية في مصر

يوجد في مصر حاليًا 13 مركز بيانات، إضافة إلى 7 مراكز مخطط لإنشائها، وتتوزع ملكيتها بين الحكومة المصرية وعدد من الشركات المحلية والعالمية. وتُقدَّر القدرة الإجمالية لهذه المراكز بما يتراوح بين 20 و25 ميجاوات، فيما يبلغ إجمالي الاستثمارات فيها نحو 278 مليون دولار أمريكي. وتشير التقديرات إلى أنه بحلول عام 2030 قد تصل القدرة الإجمالية لمراكز البيانات في مصر إلى 42 ميجاوات، مع استثمارات تُقدَّر بنحو 694 مليون دولار أمريكي.

مؤسسات الدولة والقطاع الحكومي

تعتمد الدولة المصرية في استخدام خدمات الحوسبة السحابية على مسارين رئيسيين: إما توفير هذه الخدمات ذاتيًا، أو الحصول عليها من خلال مقدمي خدمات، خاصة الشركات العالمية الكبرى. ويرتبط الاختيار بين هذين المسارين بدرجة حساسية البيانات، ومدى ارتباطها بجهات سيادية ذات صلة بالأمن القومي.

في إطار المسار الأول، أنشأت الحكومة المصرية مركز البيانات والحوسبة السحابية الحكومي في العاصمة الإدارية الجديدة، والذي افتُتح في 28 أبريل 2024. ويُعد هذا المركز واحدًا من ثلاثة مراكز بيانات حكومية مخطط إنشاؤها في العاصمة، ويقدم خدمات في مجالات معالجة البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي.

وتشير تقارير صحفية إلى أن مساحة المركز تبلغ 23,500 متر مربع، منها 10,000 متر مربع للمنشآت، والباقي مخصص للتوسعات المستقبلية. ولم يُعلَن رسميًا عن القدرة التشغيلية للمركز، إلا أن تقديرات متخصصة تشير إلى أنه قد يكون من الفئة الثالثة أو الرابعة، بما يعني قدرة تتجاوز 5 ميجاوات.

هواوي الصينية

في 21 مايو 2024، أعلنت شركة هواوي عن تدشين مركز إقليمي للحوسبة السحابية في القاهرة، بقدرة يُتوقع أن تتراوح بين 10 و15 ميجاوات. ويُعد هذا المركز الأول من نوعه في شمال إفريقيا، ويهدف إلى تقديم خدمات الحوسبة السحابية داخل مصر وفي دول شمال إفريقيا. يتخصص المركز بشكل أساسي في خدمات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يتضح من إعلان الشركة، بالتزامن مع إطلاق المركز، عن نموذج لغوي باللغة العربية يتضمن خدمة للتعرف على الكلام، ويستهدف نحو 20 دولة ناطقة بالعربية.

المصرية للاتصالات

تعتمد شركة المصرية للاتصالات المملوكة للدولة على موقعها الاحتكاري لإنشاء وتشغيل البنية التحتية للاتصالات في مصر، وكذلك كونها المختصة حصرًا بتمرير خطوط الاتصالات الدولية عبر الأراضي والمياه الإقليمية المصرية. وتمتلك الشركة عددًا من مراكز البيانات بقدرات إجمالية تُقدَّر بين 5 و10 ميجاوات.

وتُعد الشركة من أوائل الجهات التي أنشأت مراكز بيانات في مصر، حيث أعلنت في أكتوبر 2020 عن إنشاء مركز بيانات دولي كبير من الفئة الثالثة، مرتبط بمحطات الإنزال البحرية العشر التابعة لها، والتي تتصل بكابلات الاتصالات البحرية الدولية. كما تخطط الشركة لإنشاء مركز بيانات كبير في الإسكندرية، للاستفادة من موقع المدينة كمحطة إنزال للكابلات البحرية.

مقدمي خدمات الحوسبة السحابية المحليين

تُعد شركة راية لمراكز البيانات، التي تأسست عام 2012، من أبرز الشركات المحلية العاملة في مجال تقديم خدمات الحوسبة السحابية. ووفقًا لبيان صادر عن الشركة، تبلغ القدرة الإجمالية لمشروعاتها نحو 15 ميجاوات، وجميع مراكزها من الفئة الثالثة. كما تقدم شركات الاتصالات العاملة في مصر، مثل أورانج وفودافون واتصالات، خدمات الحوسبة السحابية.


قراءة في استراتيجية وسياسات مؤسسات الدولة للحوسبة السحابية


أهم المؤسسات ذات الصلة وأدوارها

تعتمد المقاربة الاستراتيجية لمؤسسات الدولة في مصر تجاه الحوسبة السحابية على مسارين رئيسيين: الأول يتعلق بدعم التحول الرقمي في مختلف القطاعات الحكومية والخاصة، والثاني يرتبط باستغلال المزايا النسبية للسوق المصري لجذب الاستثمارات في مجال الحوسبة السحابية. وتتوزع المهام المرتبطة بهذين المسارين على عدد من المؤسسات الحكومية، التي يضطلع كل منها بأدوار مختلفة في دعم هذه التوجهات.

تستعرض الورقة فيما يلي أبرز هذه المؤسسات، مع توضيح دور كل منها في إدارة وتنظيم وتوجيه سياسات الحوسبة السحابية في مصر:

المجلس الأعلى للمجتمع الرقمي:

أُنشئ بموجب القرار الجمهوري رقم 511 لسنة 2022، ويُعد الجهة المسؤولة عن وضع الاستراتيجيات والسياسات المرتبطة بالتحول الرقمي في مصر، وفقًا لاختصاصاته. وفيما يتعلق بالحوسبة السحابية، يتولى المجلس وضع هيكل الحوكمة والسياسات العامة والخطط التنفيذية، إلى جانب متابعة تنفيذها وتعديلها عند الحاجة. كما يختص بتحديد أدوار الجهات المعنية الأخرى وتوزيع المسؤوليات بينها.

المكتب التنفيذي للمجلس الأعلى للمجتمع الرقمي:

يرأس هذا المكتب وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات ويتولى مهام تنفيذية من بينها تحديد مواصفات خدمات الحوسبة السحابية وفق احتياجات الجهات الحكومية المختلفة، ومتابعة الالتزام بالقواعد المنظمة، خاصة ما يتعلق بأمن البيانات وحدود الإنفاق، وذلك بالتنسيق مع الجهات الرقابية المالية والإدارية.

وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات:

تُعد الجهة المسؤولة عن سياسات قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات. ووفقًا لوثيقة “الحوسبة السحابية أولًا”، يتركز دور الوزارة على تنظيم استخدام خدمات الحوسبة السحابية، خاصة من قبل الجهات الحكومية. وتشمل مهامها تنفيذ عمليات الشراء الموحد لهذه الخدمات، والتفاوض مع مقدميها نيابة عن الجهات الحكومية، إضافة إلى تنظيم برامج تدريبية لرفع كفاءة العاملين بالجهاز الإداري للدولة في التعامل مع هذه الخدمات. كما تتولى الوزارة التعامل مع طلبات تسجيل مقدمي خدمات الحوسبة السحابية وفق القواعد المنظمة، وتلعب دورًا تنسيقيًا في حوكمة البيئة التنظيمية بالتعاون مع الجهات الحكومية الأخرى.

المجلس الأعلى للأمن السيبراني:

يقوم بتحديد المواصفات الواجب توافرها في خدمات الحوسبة السحابية ذات الصلة بضمانات الأمن السيبراني، ويقوم بنشر الضوابط الواجب مراعاتها في هذا الشأن ومتابعة التزام الجهات المعنية بها.

الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات:

يتولى إعداد ونشر الأطر التنظيمية التنفيذية لقطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات. وقد أصدر الإطار التنظيمي لإنشاء وتشغيل خدمات الحوسبة السحابية، كما يختص بإصدار التراخيص والتصاريح اللازمة لمزاولة الأنشطة المرتبطة بها، وفقًا لهذه الأطر.

شركة المصرية للاتصالات:

هي الشركة المملوكة للدولة والتي تمتلك امتيازات إنشاء وتشغيل البنية التحتية للاتصلات في مصر وإتاحتها لمقدمي الخدمات. كما تتحكم في عمليات تمرير الاتصالات الدولية عبر الأراضي والمياه الإقليمية المصرية، خاصة كابلات الاتصالات البحرية ونقاط الإنزال على السواحل. وتوفر الشركة خدمات الربط المباشر بهذه الكابلات للجهات التي تنشئ مراكز بيانات. إضافة إلى ذلك، تُعد من أبرز الجهات المحلية المالكة لمراكز بيانات عامة، بخلاف مراكز البيانات المملوكة للحكومة المصرية والمختصة حصرًا باحتياجات مؤسسات الدولة.

الحوسبة السحابية أولا وتنظيم التحول الرقمي

أصدر المجلس الأعلى للمجتمع الرقمي في عام 2024 ورقة سياسات بعنوان “الحوسبة السحابية أولًا“، وهي أولى السياسات التي اعتمدها المجلس في 13 مارس 2024. ويعكس عنوان الورقة وتوقيت صدورها الأهمية التي توليها مؤسسات الدولة للحوسبة السحابية، حيث تُقدَّم بوصفها عنصرًا أساسيًا في دعم التحول الرقمي في مصر، والذي يُنظر إليه كمدخل للاندماج في الاقتصاد الرقمي.

تركز ورقة “الحوسبة السحابية أولًا” على مسألة الوصول المحلي إلى خدمات الحوسبة السحابية. وعلى الرغم من الإشارة إلى تشجيع الاستثمارات في هذا المجال، فإن الجزء الأكبر من الورقة يتناول التوجهات الاستراتيجية لاستخدام هذه التكنولوجيا، خاصة في سياق عمل المؤسسات الحكومية، ودورها في دعم التحول الرقمي. في هذا الإطار، تبرز أهمية أمن البيانات بوصفه أحد المحاور الرئيسية في الورقة.

تبدأ الورقة عرض سياساتها تجه الحوسبة السحابية من خلال مناقشة تصنيف البيانات، وهو تصنيف متوافق عليه دوليًا، حيث تُقسَّم البيانات إلى فئات: مفتوحة، ومقيدة، وسرية، وسرية للغاية. وتوضح الورقة أنه يُسمح باستضافة البيانات المفتوحة فقط خارج حدود مصر، أي على خوادم قد تكون موجودة في دول أخرى.

في المقابل، تشترط الورقة استضافة البيانات المصنفة كمقيدة أو سرية أو سرية للغاية داخل مصر. ويترتب على هذا الاشتراط زيادة الحاجة إلى إنشاء مراكز بيانات محلية، خاصة أن نسبة كبيرة من بيانات الجهات الحكومية، وبعض الجهات الخاصة، تقع ضمن هذه الفئات. كما أن توجه الدولة نحو إلزام أو تشجيع الجهات المختلفة على التحول الرقمي من شأنه زيادة الطلب على خدمات الحوسبة السحابية، وبالتالي على مراكز البيانات داخل مصر.

من الأقسام اللافتة أيضًا عرض الجهات المسؤولة عن تنفيذ سياسة الحوسبة السحابية، والتي تشمل المجلس الأعلى للمجتمع الرقمي، ومكتبه التنفيذي برئاسة وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، إلى جانب المجلس الأعلى للأمن السيبراني ووزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات. ويُلاحظ في هذا السياق غياب الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات من قائمة الجهات المعنية، رغم إشارة الورقة إلى الإطار التنظيمي الذي أصدره الجهاز لتنظيم إنشاء وتشغيل خدمات الحوسبة السحابية، وكذلك رغم تداخل اختصاصاته مع هذا المجال. كما يغيب أيضًا البنك المركزي، رغم دوره التنظيمي والرقابي في قطاع الخدمات المالية.

تتناول الورقة كذلك اعتبارات التحول الرقمي في المؤسسات الحكومية، وتحديدًا ما يتعلق بالأمن السيبراني، والجوانب التقنية، والجدوى الاقتصادية، وتعرض الضوابط المرتبطة بهذه العملية.

ورغم تقديم الورقة نفسها بوصفها إطارًا شاملًا لسياسات الحوسبة السحابية، فإنها لا تقدم تفصيلًا كافيًا للسياسات المرتبطة بإنشاء البنية التحتية اللازمة لتقديم هذه الخدمات داخل مصر. ويأتي ذلك رغم تأكيدها على ضرورة توطين البيانات غير المفتوحة، وهو ما يستلزم عمليًا التوسع في إنشاء مراكز بيانات محلية. كما أن الدولة تعلن عن توجهها لتشجيع الاستثمار في هذا المجال، وتشارك بالفعل في إنشاء مراكز بيانات حكومية تُعد من الأكبر في مصر حاليًا، باستثناء المركز الإقليمي لشركة هواوي الصينية.

يؤدي غياب هذا الجانب إلى ترك عدد من الأسئلة دون إجابة، من بينها كيفية توفير الموارد اللازمة لتشغيل مراكز البيانات، والتزامات الجهات المنشئة لها تجاه أي تأثير على تكلفة هذه الموارد نتيجة لاستهلاكها، إضافة إلى الآثار البيئية، خاصة في ما يتعلق بالتزامات مصر الدولية تجاه خفض الانبعاثات المرتبطة بتغير المناخ، في ظل التوسع المتوقع في إنتاج واستهلاك الطاقة.

الإطار التنظيمي لإنشاء وتشغيل خدمات الحوسبة السحابية

أصدر الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات (NTRA) الإطار التنظيمي لإنشاء وتشغيل خدمات الحوسبة السحابية في عام 2021. إلا أنه لم يتوافر النص الكامل لهذا الإطار عند إعداد هذه الورقة، حيث لم يقم الجهاز بنشره على موقعه الإلكتروني، على خلاف بقية الأطر التنظيمية التي أصدرها ونشر نصوصها كاملة. وبدلًا من ذلك، اكتفى الجهاز بنشر وثيقة موجزة بعنوان “أهم ملامح الإطار التنظيمي لإنشاء وتشغيل مراكز البيانات وتقديم خدمات الاستضافة والحوسبة السحابية”.

تستعرض الوثيقة في قسمها الأول متطلبات الترخيص أو التسجيل لإنشاء وتشغيل مراكز البيانات وتقديم خدمات الاستضافة والحوسبة السحابية داخل مصر. وتُميّز في هذا السياق بين ثلاثة أنواع من الخدمات:

الأول: هو إنشاء وتشغيل مراكز بيانات خاصة، وهي المراكز التي تنشئها جهات لاستخدامها الداخلي لتلبية احتياجاتها من خدمات الحوسبة السحابية دون تقديم أو بيع هذه الخدمات للغير. ولا يتطلب إنشاء أو تشغيل هذه المراكز الحصول على ترخيص أو تسجيل.

أما النوع الثاني: فيشمل الجهات التي تنشئ مراكز بيانات عامة وتقدم خدمات استضافة، وهو ما يستلزم الحصول على ترخيص بالإنشاء والتشغيل. ويتمثل النوع الثالث في تقديم خدمات الحوسبة السحابية، وهو ما يتطلب التسجيل كمقدم خدمات حوسبة سحابية داخل مصر.

كما تعرض الوثيقة ملامح الترخيص والتسجيل وفق هذا التصنيف. ويُلاحظ أنه لا يظهر، في حدود التفاصيل المتاحة، اختلاف واضح بين متطلبات الترخيص ومتطلبات التسجيل، رغم الاختلاف القانوني بين المصطلحين. وتشير الوثيقة كذلك إلى التزام مقدمي الخدمات بالشروط المنظمة لتقديم الخدمة، لكنها لا تعرض هذه الشروط، حتى بصورة مختصرة، ولا تقدم تصنيفًا لها.

من ناحية أخرى، تتضمن الوثيقة نصًا يشير إلى التزام مقدمي الخدمات بكافة القوانين واللوائح التنفيذية ذات الصلة. ويمكن من ذلك استنتاج بعض الالتزامات المحتملة، مثل الالتزام بقانون حماية البيانات الشخصية، أو قانون الجريمة الإلكترونية، أو القوانين البيئية المرتبطة بالمنشآت. ومع ذلك، لا تحدد الوثيقة هذه القوانين بشكل صريح.


إشكاليات ومحاذير سوق الحوسبة السحابية في السياق المصري


الأثر على الموارد والبيئة

تُعد البنية التحتية اللازمة لنمو سوق خدمات الحوسبة السحابية من أكثر القطاعات استهلاكًا للموارد الأساسية، وعلى رأسها الطاقة والمياه. فعلى مستوى الطاقة، استهلكت مراكز البيانات عالميًا نحو 415 تيراواط/ساعة من الكهرباء في عام 2024، وهو ما يمثل حوالي 1.5% من إجمالي الاستهلاك العالمي.

ولتوضيح حجم هذا الاستهلاك، يمكن الإشارة إلى أن مراكز البيانات في الولايات المتحدة استهلكت في عام 2023 نحو 176 تيراواط/ساعة، أي ما يعادل حوالي 4.4% من إجمالي استهلاك الكهرباء في البلاد، وهو مقدار يقارب متوسط استهلاك 10 ملايين منزل سنويًا. في المقابل، يبلغ إجمالي استهلاك الكهرباء في مصر حوالي 162 تيراواط/ساعة، بينما يصل إجمالي الإنتاج إلى نحو 209 تيراواط/ساعة.

ومن المتوقع أن ترتفع نسبة استهلاك مراكز البيانات للطاقة عالميًا خلال السنوات المقبلة، نتيجة التوسع في استخدامات الحوسبة السحابية، خاصة مع نمو تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تتطلب قدرات حوسبة كبيرة. ويصاحب ذلك اتجاه نحو إنشاء مراكز بيانات أكبر من حيث السعة، وتعتمد على كثافة أعلى من الخوادم. وتشير التقديرات إلى أن استهلاك مراكز البيانات للكهرباء في الولايات المتحدة قد يتراوح بين 6.7% و12% من إجمالي الاستهلاك، بينما يُتوقع أن يصل الاستهلاك العالمي إلى نحو 945 تيراواط/ساعة بحلول عام 2030.

أما استهلاك المياه، فيرتبط بشكل غير مباشر باستهلاك الطاقة، إذ تتحول نسبة كبيرة من الطاقة المستخدمة في تشغيل المعدات إلى حرارة، ما يستدعي استخدام أنظمة تبريد عالية الكفاءة. وتعتمد أكثر أنظمة التبريد كفاءة من حيث الأداء والتكلفة حاليًا على استخدام المياه. ويبلغ الاستهلاك اليومي لمراكز البيانات الكبيرة نحو 5 ملايين جالون من المياه العذبة، وهو ما يعادل استهلاك مدينة يتراوح عدد سكانها بين 10 آلاف و50 ألف نسمة. كما تختلف معدلات استهلاك المياه بحسب المناخ، حيث تزداد في المناطق الحارة والجافة، مثل مصر.

يرتبط الأثرالبيئي لمراكز البيانات أيضًا باعتماد إنتاج الطاقة، في معظمه، على الوقود الأحفوري، مما يجعله أحد أكبر مصادر لانبعاثات الغازية المرتبطة بتغير المناخ. وتُسهم مراكز البيانات حاليًا بنحو 0.5% منإجمالي انبعاثات ثاني أكسيد الكربون عالميًا. وفي هذا السياق، احتلت مصر في عام 2021 المرتبة 27 عالميًا من حيث حجم الانبعاثات، بنسبة تُقدَّر بنحو 0.68% من الإجمالي العالمي، ويُعد قطاع إنتاج الطاقة المصدر الرئيسي لهذه الانبعاثات، حيث يسهم بنحو 73.9% منها.

في ضوء ذلك، قد يترتب على التوسع في جذب الاستثمارات لإنشاء مراكز البيانات في مصر آثار ملحوظة على استهلاك الطاقة والمياه، وكذلك على مستويات الانبعاثات الغازية الضارة بيئيًا. وتواجه مصر بالفعل تحديات متزايدة في توفير احتياجاتها من الطاقة، في ظل اعتمادها بشكل أساسي على الغاز الطبيعي والحاجة إلى استيراده، إلى جانب تحديات تتعلق بالموارد المائية، مع دخولها مرحلة الشح المائي، وتراجع نصيب الفرد من المياه، والضغوط المرتبطة بمشروعات السدود في دول المنبع، مثل إثيوبيا. ومن ثم، فإن إدارة موارد الطاقة والمياه، وكذلك الانبعاثات، تمثل قضية ذات أهمية مباشرة للحياة اليومية للسكان، ولآفاق التنمية الاقتصادية والاجتماعية في البلاد.

الأثر على التنمية والعدالة الاجتماعية

يُعد الاستثمار في مجال الحوسبة السحابية استثمارًا كثيف من حيث رأس المال، نظرًا للتكاليف المرتفعة المرتبطة بالبنية التحتية والمنشآت والمعدات والأجهزة عالية التقنية. كما أنه كثيف الاستهلاك للموارد، خاصة الطاقة والمياه. وفي المقابل، يظل هذا النوع من الاستثمار محدودًا من حيث قدرته على خلق فرص عمل. ويعني ذلك أن التوسع في هذا المجال قد يؤثر على فرص نمو قطاعات اقتصادية أخرى. وهذه الظاهرة ليست خاصة بمصر، بل تُلاحظ عالميًا، حيث يشهد قطاع الحوسبة السحابية نموًا متسارعًا، وتوجه الشركات الكبرى والحكومات استثمارات كبيرة نحوه.

تحمل الاستثمارات الضخمة في إنشاء مراكز البيانات آثارًا متباينة. فمن جهة، تسهم في دعم النمو الاقتصادي، خاصة في الدول الصناعية الأكثر تقدمًا. على سبيل المثال، شكّل الإنفاق المرتبط بإنشاء مراكز البيانات نحو 80% من نمو الطلب المحلي للقطاع الخاص في الولايات المتحدة خلال النصف الأول من عام 2025.

ومن جهة أخرى، يشير بعض الخبراء الاقتصاديين إلى أن هذا التوسع قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الكهرباء، وهو ما قد يحد من نمو قطاعات اقتصادية أخرى. وبشكل تقريبي، قد يعادل النمو الذي لم يتحقق في هذه القطاعات نسبة معتبرة من النمو الذي تحقق في قطاع مراكز البيانات. وفي مثال عملي، أدى إنشاء مركز بيانات كبير لشركة ميتا في ولاية أيداهو الأمريكية إلى تأخير أو تعطيل عدد من المشروعات الأخرى نتيجة ارتفاع التكاليف، كما لم يتم تنفيذ بعض المشروعات الأصغر حجمًا.

في السياق المصري، يواجه الاقتصاد تحديات تتعلق بندرة الاستثمارات نتيجة عوامل داخلية وخارجية. وفي الوقت نفسه، يحتاج هذا الاقتصاد إلى توجيه الاستثمارات نحو قطاعات متعددة، خاصة القطاعات الصناعية، لتقليل الاعتماد على الاستيراد الذي يمثل عبئًا على موارد العملة الصعبة. كما يحتاج إلى استثمارات كثيفة العمالة لتوفير فرص عمل للأعداد الكبيرة التي تدخل سوق العمل سنويًا، ولدعم الطلب في سوق يعاني من ضغوط تضخمية وتراجع في القدرة الشرائية. وفي هذا الإطار، قد لا يسهم التوسع في الاستثمار في الحوسبة السحابية بشكل مباشر في معالجة هذه التحديات، وإنما قد يضيف ضغوطًا إضافية.

بالمقارنة مع الاستثمارات كثيفة العمالة، لا توفر الاستثمارات كثيفة رأس المال فرصًا كافية لدعم أصحاب الدخول المتوسطة والمنخفضة، إذ تتركز عوائدها بشكل أكبر في أرباح الشركات العاملة في مجالات الإنشاءات والبنية التحتية. وفي هذا السياق، قد لا ينعكس هذا النوع من النمو الاقتصادي بشكل ملموس على مستوى معيشة غالبية المواطنين، وقد تكون له آثار سلبية في بعض الحالات.

تثير الاستثمارات الكبيرة في مراكز البيانات نقاشًا في عدد من الدول. فعلى سبيل المثال، تم توقيع تعهد في الولايات المتحدة برعاية الرئيس دونالد ترامب من قبل عدد من شركات الذكاء الاصطناعي، يقضي بتحمل هذه الشركات تكلفة إمداد مراكز البيانات بالطاقة، بهدف الحد من تأثير ذلك على أسعار الكهرباء التي يتحملها المستهلكون.

كما شهدت مدن في دول مختلفة ضغوطًا على مرافق الكهرباء والمياه نتيجة إنشاء مراكز بيانات كبيرة، حتى في سياقات لا تعاني من نقص في هذه الموارد. وفي المقابل، تواجه مصر بالفعل تحديات في توفير الطاقة والحفاظ على موارد المياه، خاصة في ظل اعتمادها على نهر النيل كمصدر رئيسي للمياه. وخلال السنوات الأخيرة، شهدت أسعار الكهرباء والوقود زيادات متتالية أثرت على مستوى معيشة قطاع واسع من السكان. وفي هذا السياق، قد يؤدي التوسع في إنشاء مراكز البيانات إلى زيادة الضغط على هذه الموارد، وما يرتبط بذلك من مخاطر تتعلق باستقرار الإمدادات وارتفاع تكلفتها على المواطنين.

إمكانيات توجيه نمو سوق الحوسبة السحابية في مصر لتحقيق تنمية عادلة

لا تُعنى الأنشطة الاقتصادية الهادفة للربح، بطبيعتها، بتحقيق تنمية عادلة، بغض النظر عن الخطابات المرتبطة بالمسؤولية الاجتماعية أو الأخلاقية للشركات. ويظل العمل على تحقيق تنمية عادلة مسؤولية أساسية للحكومات، من خلال السياسات والتشريعات التي تضعها السلطة التشريعية، والضمانات التي توفرها السلطة القضائية. كما تضطلع مؤسسات المجتمع المدني بدور مهم في تقديم المعلومات والتوصيات لدعم هذا التوجه. وفي هذا الإطار، يمكن، عند قيام هذه الجهات بأدوارها، توجيه الاستثمارات الخاصة نحو تحقيق قدر من التنمية العادلة، في حدود الإمكانيات المتاحة وفي ظل طبيعة النظام الاقتصادي القائم.

تأتي هذه الإشارة للتأكيد على أهمية دور مؤسسات الدولة في تنظيم أثر أي قطاع اقتصادي على حياة المواطنين وحقوقهم، بما في ذلك الحق في تنمية مستدامة وعادلة. ومن هذا المنطلق يمكن مناقشة كيفية توجيه الاستثمار في خدمات الحوسبة السحابية في مصر.

توجد بالفعل مبادرات مصرية معلنة تهدف إلى الربط بين التحول الرقمي ونمو قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات من جهة، وبين التوسع في استخدام الطاقة النظيفة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري من جهة أخرى. كما أعلنت الحكومة عن عدد من بروتوكولات التعاون مع شركات تكنولوجيا دولية في هذا السياق.

ورغم أهمية هذه المبادرات، لا تزال تفتقر إلى أطر تشريعية وتنظيمية ملزمة تفرض على الشركات العاملة في مجال الحوسبة السحابية الاعتماد على مصادر طاقة متجددة أو منخفضة الانبعاثات. كما أن تنفيذ بعض الالتزامات البيئية التي تعهدت بها مصر لا يزال محدودًا. وعلى سبيل المثال، أعلنت هيئة الرقابة المالية في أغسطس 2024 عن إنشاء سوق طوعية للكربون وفق اتفاقية باريس للمناخ، إلا أن مشروعات الحوسبة السحابية العاملة في مصر، سواء المحلية أو الدولية، لم تشارك في هذا السوق حتى الآن.

إلى جانب ذلك، توجد حلول تقنية متعددة يمكن أن تسهم في خفض استهلاك الطاقة في مراكز البيانات وتحسين كفاءة استخدامها. ويستدعي ذلك أن تتضمن الأطر التشريعية والتنظيمية إلزام الجهات المنشئة لمراكز البيانات بتطبيق هذه الحلول، إلى جانب وضع آليات رقابية لضمان الالتزام، مع إمكانية فرض عقوبات في حال المخالفة، قد تصل إلى إلغاء تصاريح التشغيل.

تمثل مسألة المياه تحديًا أكثر تعقيدًا، في ظل الضغوط القائمة على الموارد المائية في مصر. ولا يوجد حتى الآن تصور واضح ومعلن لسياسات إدارة هذه الموارد في ظل تزايد الطلب، وهو ما يجعل من الصعب تحديد التزامات واضحة على الشركات في هذا الجانب. ومع ذلك، توجد بدائل تقنية لاستخدام المياه العذبة في أنظمة التبريد، مثل استخدام المياه المعالجة أو أنظمة تبريد لا تعتمد على المياه. ومن ثم، يمكن أن تتضمن الأطر التنظيمية إلزام مقدمي خدمات الحوسبة السحابية بالاعتماد على هذه البدائل، بما يقلل من الضغط على الموارد المائية المستخدمة في الأغراض المنزلية والاقتصادية الأخرى.

وتُعد مثل هذه الالتزامات جزءًا من الأطر التنظيمية المعمول بها في بعض الدول، مثل دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. وفي ظل محدودية موارد الطاقة والمياه في مصر، يمكن أن يسهم تبني سياسات مماثلة في الحد من الأعباء التي قد يتحملها المواطنون نتيجة التوسع في هذا النوع من الاستثمارات، خاصة في حال عدم انعكاس عوائد مباشرة على مستوى معيشتهم.