الحكومة المفتوحة: تمكين المجتمع من خلال الشفافية والتشاركية

شارك:

Facebook
Twitter

مقدمة

الإصلاح الديموقراطي هو متطلب رئيسي لمستقبل الدول الحريصة على توفير حياة كريمة لمواطنيها. فالحكم الديموقراطي القائم على مبادئ الشفافية والمحاسبة والمشاركة الجماهيرية هو السبيل الوحيد لبناء مجتمعات قادرة على مواجهة تحديات المستقبل في القرن الحادي والعشرين، وهو الضمان الوحيد لتمتع أفراد هذه المجتمعات بحقوقهم وحرياتهم التي تضمن بدورها الحياة الكريمة لهم.

ظهرت الحاجة إلى إصلاح نموذج الحكم الديموقراطي وتطويره في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وفي إطار الجدل حول سبل تحقيق ذلك بدأ استخدام مصطلح الحكومة المفتوحة Open Government لأول مرة.  كما بدأت الدول في تشريع قوانين الحق في المعرفة التي تقر بحق مواطنيها في الاطلاع على البيانات والمعلومات الحكومية منذ ستينيات القرن الماضي. كذلك شهد القرن الحالي ومنذ عقده الأول وحتى اليوم جهودًا متنامية لتطوير مفهوم الحكومة المفتوحة باستغلال الفرص التي أتاحها التطور التكنولوجي الكبير في مجال الاتصالات والمعلومات. وبذلك تم تضمين مفهوم البيانات المفتوحة في تصورات ومبادرات تطبيق مبدأ الحكومة المفتوحة لينتجا معًا فكرة الحكومة الإلكترونية e-Government الذي لم يعد يقتصر على مبدأي الشفافية والمحاسبة وحدهما، ولكنه يفتح الباب أمام إمكانيات غير محدودة لمشاركة المواطنين بشكل مباشر في إدارة حكوماتهم.

على الرغم من أن كثيرًا من دول العالم قد أقرت بالحاجة إلى تطبيق مبدأ الحكومة المفتوحة وشاركت في المبادرات الدولية المتعلقة به، كما أطلقت مبادراتها الوطنية الخاصة بها في هذا الإطار، إلا أن الواقع العملي على الأرض لا يزال بعيدًا بنسب متفاوتة بين البلدان المختلفة عن النموذج النظري، وكذلك عن الإمكانيات المتاحة بالفعل والتي تسمح بتحويل المفهوم النظري للحكومة المفتوحة إلى واقع يومي معاش. ومن أكثر معوقات تطبيق مبدأ الحكومة المفتوحة أهمية هي الثقافة السائدة في المجتمع بصفة عامة وفي الأجهزة البيروقراطية الحكومية بصفة خاصة، ومن ثم فالعمل على تغيير هذه الثقافة هو أولوية ضرورية للعمل على جعل الحكومة المفتوحة واقعًا عمليًا، ولإطلاق الإمكانيات الكبيرة للتقدم والنمو المتضمنة في تطبيق ذلك المفهوم.

تسعى هذه الورقة إلى تقديم تعريف تفصيلي بمفهوم الحكومة المفتوحة والفوائد التي يمكن أن تعود على المجتمع وأفراده ومؤسساته المختلفة في حال تطبيقه، والمعوقات التي تحول دون ذلك والسبل المتاحة لتخطيها. وتقدم الورقة كذلك عرضًا لنماذج المبادرات العملية الرائدة في مجال تطبيق مبدأ الحكومة المفتوحة في كل من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي بغرض استخلاص الدروس المستفادة من هاتين التجربتين. وأخيرًا تتعرض الورقة للواقع المصري ومعوقات تحقيق مبدأ الحكومة المفتوحة في سياقه.

ما هي الحكومة المفتوحة

يشمل مفهوم “الحكومة المفتوحة” (Open Government) عدة مبادئ وممارسات تهدف بصفة عامة إلى زيادة الشفافية ومشاركة المواطنين في العمليات التي تؤديها الحكومات. وهو كما عبر عنه أحد الباحثين يتعلق بكل من “الرؤية”، أي الشفافية التي تمكن المواطنين من رؤية ما يجري داخل الحكومة، “والصوت”، أي المشاركة التي تضمن أن يتوافر للمواطنين إمكانية الوصول إلى ساحات اتخاذ القرار.

ليس ثمة تعريف متفق عليه بين الباحثين والمعنيين من السياسيين وغيرهم للحكومة المفتوحة، ولكن المصطلح يشير بصفة عامة إلى بيئة تتيح للمواطنين  فرص المشاركة في إنتاج ونشر المعلومات والمعرفة بعد أن كانوا تاريخيًا مستبعدين من ذلك. تستخدم الحكومات ومنظمات المجتمع المدني وكذلك مشروعات البرمجيات ذات الصلة والنشطاء مصطلح الحكومة المفتوحة في أدبياتها دون الشعور بالحاجة إلى إضافة مزيد من الإيضاح له، حيث يراه كثيرون كحل لعدد كبير من التحديات ووسيلة لتحسين منهج الحكم وتحفيز النمو الاقتصادي.

تطور مفهوم الحكومة المفتوحة من مجرد الاقتصار على الوصول إلى المعلومات وإجراءات المحاسبة ليشمل مجاًلا واسعًا من الأهداف والوظائف، بما في ذلك المشاركة الجماهيرية والبيانات المفتوحة، وتحسين الخدمات العامة وكفاءة الحكومة. لا زال المصطلح يكتسب المزيد من التوافق على أهميته بين المسؤولين، كما هو واضح من خلال شراكة الحكومة المفتوحة (Open Government Partnership) والتي نمت منذ إنشائها في عام 2011 ليبلغ عدد أعضائها حاليًا 76 دولة و106 حكومة محلية، يمثلون أكثر من ملياري نسمة، إضافة إلى آلاف من منظمات المجتمع المدني. وتلتزم الشراكة وأعضاؤها بدعم إصلاحات الحكومة المفتوحة.

تشير كلمة “مفتوحة” في مصطلح الحكومة المفتوحة إلى مبادئ الانفتاح، التي تعني أن أي أحد يمكنه أن يصل إلى المعلومات الحكومية، ويستخدمها، ويعدلها، ويشاركها مع الآخرين لأي غرض بحرية. يشمل ذلك إتاحة حزم البيانات (Datasets) مجانًا للاطلاع عليها وإعادة استخدامها بهدف تحسين عمليات الحوكمة وتحفيز النمو الاقتصادي الذي تقوده المعرفة.

مفهوم الحكومة المفتوحة على صلة وثيقة بمبدأ الشفافية، والذي يتعلق بجعل عمل الحكومة وصناعة القرار فيها مرئيين ومفهومين للمواطنين. للشفافية أهمية كبيرة لوضع الحكومة في موضع المحاسبة وضمان أنها تعمل لتحقيق مصالح مواطنيها. تسمح الشفافية أيضًا للمواطنين بمراقبة أعمال الحكومة، وكشف الفساد، والانخراط في مناقشات وجدالات قائمة على المعلومات حول السياسات والقرارت ذات الصلة بالشأن العام.

يبرز مفهوم الحكومة المفتوحة أيضًا مشاركة المواطنين، والتي تتعلق بمنح الأفراد فرصة الإسهام في عمليات صنع القرارات التي تؤثر عليهم. كما يعترف مفهوم الحكومة المفتوحة بأن المواطنين ينبغي أن يكون لهم كلمة في كيف تدار حكومتهم وأن أصواتهم ينبغي الاستماع إليها. يمكن لمشاركة المواطنين أن تأخذ صورًا مختلفة مثل المشاورات العامة، والموازنة التشاركية، والعمليات التعاونية لصنع السياسات.

يرتبط مفهوم الحكومة المفتوحة بعديد من الفوائد، فهو يحسن الحكم الديموقراطي بتنمية الشفافية والمحاسبة والمشاركة الجماهيرية، بالإضافة إلى أنه يسمح للمواطنين بأن يحصلوا على فهم وتأثير أكبر على أعمال الحكومة. يؤدي ذلك إلى مزيد من السياسات المبنية على المعرفة والأكثر فعالية. ويدعم مفهوم الحكومة المفتوحة أيضًا الابتكار والنمو الاقتصادي بفتح بيانات ومعلومات الحكومة أمام الجمهور ومجتمع الأعمال ومنظمات المجتمع المدني لإعادة استخدامها.

الحكومة المفتوحة، البيانات المفتوحة والحق في الوصول إلى المعلومات

في حالات كثيرة تُستخدم مصطلحات الحكومة المفتوحة والبيانات المفتوحة وكذلك الحق في الوصول إلى المعلومات بشكل متبادل، ولكن الحقيقة أنها مصطلحات مستقلة عن بعضها البعض وإن كان فيما بينها مساحات واسعة للتقاطع وكذلك علاقات متبادلة وثيقة.

تتعلق الحكومة المفتوحة كمبدأ وممارسة بالشفافية، وهو ما يجعلها قريبة الصلة بالبيانات المفتوحة والحق في الوصول إلى المعلومات. فالشفافية ضرورية لتحقيق الغرض منهما. ولكن الحكومة المفتوحة تتعلق أيضًا بمبادئ المحاسبة والمشاركة الجماهيرية في عمليات اتخاذ القرار في الحكومات ومؤسسات الدولة، وتلك ليست على صلة ضرورية بالبيانات المفتوحة أو الحق في الوصول إلى المعلومات، وإن كانت بالطبع على صلة وثيقة بعدد من الحقوق والحريات الأخرى.

بشكل مماثل تتقاطع البيانات المفتوحة مع مبدأ الحكومة المفتوحة في المساحة التي تشغلها البيانات الحكومية من مجال البيانات بصفة عامة، ولكن البيانات المفتوحة تتعلق بكافة أشكال البيانات التي يمكن أن يكون من مصلحة الجمهور العام الوصول إليها والتي تتعلق بأعمال وأنشطة جهات متعددة بخلاف المؤسسات الحكومية بما في ذلك مؤسسات القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني، ومراكز البحث العلمي وغيرها.

بالنسبة للحق في الوصول إلى المعلومات كأحد حقوق الإنسان الأساسية، والذي تنص عليه المادتان اللتان تحملان رقم 19 في كل من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وكذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية والمدنية، فلا شك أن تحقيق مبادئ الحكومة المفتوحة والبيانات المفتوحة يسهم في تمتع المواطنين بهذا الحق. الحق في الوصول إلى المعلومات في جوهره يتخطى مجال البيانات والمعلومات التي يتعلق بها كل من الحكومة المفتوحة والبيانات المفتوحة، فهو من جانب يرتبط بالحق في حرية الرأي والتعبير في كل متكامل يعبر عن وحدة الحق في المعرفة، بما يشمل إنتاجها وتبادلها والحصول عليها، وبما يحقق للفرد إمكانية تحقيق إمكاناته الكامنة وتطوير قدراته والمشاركة في مسيرة التطور والتنمية للجنس البشري ككل.

في المقابل ثمة علاقة دعم متبادل بين المصطلحات الثلاث، فالحق في الوصول إلى المعلومات كأحد الحقوق الأساسية للإنسان هو أساس أخلاقي ضروري لدعم مشروعية مفهومي الحكومة المفتوحة والبيانات المفتوحة. وكذلك تمثل الفوائد العملية الكبيرة لتطبيق الحكومة المفتوحة دعامة لمدى أهمية الحق في الوصول إلى المعلومات في الواقع العملي، وليس فقط كالتزام أخلاقي. وأخيرًا، يمد مفهوم البيانات المفتوحة مبدأ الحكومة المفتوحة بكثير من أسسه النظرية وكذلك السبل العملية لتطبيقه، خاصة فيما يتعلق بوسائل تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات.

الفوائد التي يعد بها تطبيق مبدأ الحكومة المفتوحة

تنفيذ مبدأ الحكومة المفتوحة يمكن أن يكون له أثر بالغ على حياة المواطنين والأعمال، والمجتمع المدني، والجامعات والبحث العلمي، وكذلك المؤسسات الحكومية بصور مختلفة. فيما يلي تناقش الورقة كيف يمكن للحكومة المفتوحة أن تؤثر على كل فئة من تلك الفئات.

المواطنين

تهدف مبادرات الحكومة المفتوحة إلى زيادة الشفافية والمحاسبة وانخراط المواطنين في العمليات المختلفة التي تقوم بها الحكومة. ويسمح الوصول الحر إلى المعلومات الحكومية للمواطنين بأن يفهموا بشكل أفضل عمليات صنع كل من القرارات والسياسات وكذلك الأنشطة المختلفة للحكومة. هذا التحسن في الشفافية يمكن أن يؤدي إلى تحسن في ثقة المواطنين في حكوماتهم. فعندما يتوفر للمواطنين إمكانية الوصول إلى المعلومات، وتكون لديهم فرصة حقيقية للمشاركة السياسية، يصبح بالإمكان أن يشعروا بتأثيرهم وقدرتهم ومن ثم ينخرطون بنشاط أكبر في العمليات الديموقراطية. فالحكومة المفتوحة تشجع المشاركة الجماهيرية من خلال آليات مثل الاستشارات العامة، والموازنة التشاركية والتعاون في عمليات صنع السياسات. هذا الانخراط في عمليات الحكومة يسمح للمواطنين بأن يكون لهم كلمة في تشكيل السياسات العامة، مما يجعل اتخاذ القرارات في الحكومة أكثر شمولية لهم وأكثر استجابة لاحتياجاتهم. تُحَسِن الحكومة المفتوحة أيضًا مستوى معيشة المواطنين بتسهيل الوصول إلى الخدمات العامة وتمكين تطوير الحلول المبتكرة للتحديات المجتمعية. وإضافة إلى ذلك يمكن للحكومة المفتوحة أن تمكن المواطنين من أن يضعوا الحكومة موضع المسؤولية والمحاسبة وأن تكون اختياراتهم أثناء الانتخابات مبنية على معرفة أكبر.

الأعمال

يمكن أن يكون للحكومة المفتوحة أثار بالغة الأهمية على الأعمال. فيمكن لزيادة الشفافية والوصول إلى البيانات الحكومية أن ينُمي مجالًا أكثر عدالة للمنافسة، مما يمَكِن القائمين على الأعمال من أن اتخاذ قرارات مبنية على البيانات، وأن يحفز الابتكار. تتضمن مبادرات الحكومة المفتوحة دائمًا نشر البيانات المفتوحة، والتي يمكن للأعمال أن تستخدمها لتطوير منتجات وخدمات جديدة. كما يمكن أيضًا للبيانات المفتوحة أن تمُكِن الأعمال من تحديد الفرص المتاحة بالأسواق، وتحسين كفاءة عملياتها، وأن تدفع بذلك النمو الاقتصادي. وبتوفير إمكانية الوصول إلى المعلومات المتعلقة بالقوانين واللوائح المنظمة للأعمال وكذلك بخفض الأعباء الإدارية يمكن للحكومة المفتوحة أن تبسط من عمليات الأعمال وأن تحسن من سهولة القيام بها. وإضافة إلى ذلك يمكن للحكومة المفتوحة أن ترفع من مستوى الثقة بين الأعمال وبين الحكومة مما ينمي بيئة ملائمة للاستثمار والتعاون.

المجتمع المدني

تمكن الحكومة المفتوحة المجتمع المدني عن طريق رفع مستويات الشفافية والمحاسبة والمشاركة الجماهيرية. وتلعب منظمات المجتمع المدني دورًا مهمًا في الرقابة والدعاية للحكم الرشيد. تمد مبادرات الحكومة المفتوحة المجتمع المدني بإمكانية الوصول إلى المعلومات الضرورية لعملهم. ويمكن للحكومة المفتوحة أن توثق أواصر العلاقة بين المجتمع المدني والحكومة بخلق فرص للتعاون والحوار. كما يمكن لمنظمات المجتمع المدني أن تستخدم البيانات والمعلومات لمحاسبة الحكومة على أعمالها، وتقييم أثر السياسات وأن تدعو إلى الإصلاحات المطلوبة. بالإضافة إلى ذلك، تُمكِن الحكومة المفتوحة منظمات المجتمع المدني من أن تنخرط في العمليات التشاركية مثل الاستشارات العامة والتعاون في عمليات صنع القرار، مما يعطيها منصة للتعبير عن مخاوفها وأن تساهم في تطوير السياسات.

الجامعات والبحث العلمي

للحكومة المفتوحة أثر كبير على البحث العلمي بصفة عامة. فالوصول المفتوح إلى البيانات والمعلومات الحكومية يزود الباحثين بموارد قيمة للدراسات العملية والتحليل المبني على الدليل للسياسات. ويمكن للباحثين أن يستخدموا البيانات الحكومية للحصول على معرفة أعمق بالظواهر الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، مما يمكنهم من أن يقوموا بأبحاث موثوقة وأن يسهموا في إنتاج المعرفة. كما تدفع مبادرات الحكومة المفتوحة بالتعاون بين الأكاديميا والحكومة مما ينمي الشراكة في البحث والابتكار وبناء القدرات. وبفتح عمليات الحكومة أمام تدقيق الباحثين يمكن للحكومة المفتوحة أن تحسن من مستوى البحث العلمي وأن تسهم في صنع القرارات بناء على الدليل العلمي. وأكثر من ذلك، يمكن للحكومة المفتوحة أن تقدم فرصًا للطلاب ليتفاعلوا مع البيانات الواقعية وأن يسهموا في التعامل مع التحديات المجتمعية من خلال المشروعات البحثية والتعاون مع المؤسسات الحكومية.

المؤسسات الحكومية

للحكومة المفتوحة آثار بالغة الأهمية على المؤسسات الحكومية نفسها. فمبادرات الحكومة المفتوحة تتطلب من المؤسسات الحكومية أن تتبنى ممارسات أكثر شفافية وقابلية للمحاسبة، مما يضمن أن تكون العمليات والمعلومات الخاصة بها متاحة لاطلاع المواطنين عليها. وباعتناق مبدأ الحكومة المفتوحة، يمكن للمؤسسات الحكومية أن تحسن ثقة الجمهور بها وأن تحسن من شرعيتها. كذلك تشجع الحكومة المفتوحة المؤسسات الحكومية على الاشتباك مع المواطنين ومنظمات المجتمع المدني مما يدفع بالحوكمة التعاونية والتطوير المشترك للسياسات العامة. هذا التعاون يمكن أن يؤدي إلى عمليات صنع للقرار أكثر فعالية وكفاءة، من خلال تضمين وجهات نظر وخبرات مختلفة. إضافة إلى ذلك، يمكن للحكومة المفتوحة أن تدفع الإصلاحات الحكومية الداخلية، مما يشجع نمو ثقافة الشفافية والإبداع والتحسن المستمر داخل المؤسسات الحكومية.

متطلبات ومعوقات تطبيق مبدأ الحكومة المفتوحة وسبل تخطيها

يتطلب تطبيق سياسات الحكومة المفتوحة الانتباه الشديد لعديد من المتطلبات والاعتبارات. في التالي تستعرض الورقة بعضًا من المتطلبات الأساسية والتحديات الناشئة عن الشروع في مبادرات تطبيق مبادئ الحكومة المفتوحة.

  1. السياسات والأطر التشريعية: يتطلب تطبيق الحكومة المفتوحة تأسيس سياسات وأطر تشريعية تدعم الشفافية والمحاسبة وإتاحة المعلومات الحكومية. وينبغي أن تضمن هذه السياسات وصولًا عادلًا إلى المعلومات ولا ينطوي على التمييز ويعرّف شروط إعادة استخدامها. التحديات في هذا الإطار تشمل التعامل مع المقاربات التقليدية والمعوقات القانونية والمشاكل العملية والفنية.
  2. المقاربة المعنية بالمستخدم: ينبغي أن تُصمَم سياسات الحكومة المفتوحة بانتهاج مقاربة معنية أولًا بالمستخدم وتركز على أهمية مشاركة المواطنين. ويتضمن ذلك الاشتباك مع أصحاب المصلحة وفهم مصادر قلقهم ومخاوفهم والصعوبات التي قد يواجهونها في تطبيق السياسات المطلوبة. ومن الضروري أيضًا العمل على خلق ثقافة تنظيمية قائمة على الانفتاح والشفافية.
  3. الوصول إلى البيانات وجودتها: تتطلب الحكومة المفتوحة إمكانية الوصول وإتاحة بيانات عالية الجودة. وتحتاج الحكومات إلى التعامل مع تحديات تتعلق بتوافق البيانات مع الوسائط المختلفة، ووضع معايير قياسية، وجودة البيانات الماورائية (Metadata)  التي يمكن بها تصنيف وتنظيم البيانات، وضمان إتاحة بيانات حقيقية تتضمن كافة المعلومات.
  4. بناء القدرات: التطبيق الناجح لمبدأ وسياسات الحكومة المفتوحة يتطلب جهودًا لبناء القدرات والمهارات بين كل من الموظفين الحكوميين والهيئات الحكومية. ويشمل ذلك برامج للتدريب والدعم لفهم السياسات، والجوانب الفنية لإدارة البيانات والالتزام بالقواعد التنظيمية.
  5. التمويل والموارد: من الضروري توفير تمويل وموارد كافية كما ونوعا لدعم تطبيق سياسات الحكومة المفتوحة. ويشمل ذلك الاستثمار في البنية التكنولوجية التحتية، صيانة نظم تخزين ومشاركة البيانات، وقدرات الموارد البشرية.
  6. تعاون أصحاب المصلحة: التعاون بين أصحاب المصلحة المختلفين، بما في ذلك المؤسسات الحكومية، والأكاديميا، والصناعة، والمجتمع المدني أمر أساسي لنجاح تطبيق مبادرات الحكومة المفتوحة. ويمكن لهذا التعاون أن يساعد في التعامل مع التحديات وينمي الإبداع، ويضمن التوافق مع الاحتياجات ووجهات النظر المختلفة للأطراف ذات الصلة.
  7. الحوكمة والتنسيق: بنى الحوكمة الفعالة وآليات التنسيق ضرورية لتطبيق سياسات الحكومة المفتوحة. وهذا يشمل الأدوار والمسؤوليات الواضحة، وإنشاء المعايير القياسية وأطر التوفيق بين النظم المختلفة المطلوب استخدامها بشكل متسق فيما بينها، وضمان الشفافية والمحاسبة في عمليات اتخاذ القرار.
  8. التوافق مع السياسات الأشمل: ينبغي أن تتوافق سياسات الحكومة المفتوحة مع أهداف وأولويات السياسات الأوسع. وهذا يشمل وضع كل من الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية في الاعتبار، لضمان أن تسهم مبادرات الحكومة المفتوحة في تحقيق أهداف التنمية الشاملة والمستدامة.
  9. تخطي التحديات: يؤدي تطبيق سياسات الحكومة المفتوحة إلى ظهور عدد من التحديات المتنوعة، مثل مقاومة التغيير، الافتقار إلى الوعي، الصعوبات التقنية، والمعوقات القانونية. ويتطلب التعامل مع هذه التحديات جهودًا منسقة ودعاية، وانخراط الأطراف ذات المصلحة لبناء الدعم المطلوب وتخطي العوائق.

التجارب العالمية لتطبيق مبدأ الحكومة المفتوحة

الولايات المتحدة الأمريكية

قامت الولايات المتحدة بعديد من المبادرات المتنوعة كما سنت وطبقت تشريعات عدة لدفع تطبيق مبدأ الحكومة المفتوحة، وتحسين الشفافية، وتشجيع مشاركة المواطنين. هذه الجهود هدفت إلى تحسين الحوكمة، زيادة القابلية للمحاسبة، وتنمية الثقة بين الحكومة والمجتمع.

أهم التشريعات في الولايات المتحدة ذات الصلة بحرية الوصول إلى المعلومات والحكومة المفتوحة هي:

  1. قانون حرية المعلومات (Freedom of Information Act): يمنح هذا القانون أي شخص الحق في طلب الوصول إلى سجلات أو معلومات أية وكالة (مؤسسة حكومية) فيدرالية ، فيما عدا السجلات المحمية بواحد من تسع استثناءات متضمنة في القوانين أو بأي من ثلاثة أعفاءات متعلقة بالسجلات الخاصة بإنفاذ القانون.
  2. توجيه الحكومة المفتوحة (Open Government Directive) هو أحد التطورات الهامة في الولايات المتحدة وأصدره الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما في الثامن من ديسمبر عام 2009. وقد أكد هذا التوجيه على مبادئ الشفافية والمشاركة والتعاون كأسس للحكومة المفتوحة. ودعا التوجيه إلى أن تتخذ الوكالات الفيدرالية خطوات منسقة فيما بينها لتوفير وصول الجمهور إلى المعلومات الحكومية، وإشراك المواطنين في عمليات صنع القرار، واستخدام التكنولوجيا في تحسين الشفافية والقابلية للمحاسبة.
  3. قانون بيانات الحكومة المفتوحة (Open Government Data Act): يفرض هذا القانون على الوكالات الفيدرالية أن تنشر معلوماتها على شبكة الإنترنت كبيانات مفتوحة، وأن تستخدم لذلك صيغ بيانات ذات معايير قياسية، وقابلة للقراءة الآلية، مع تضمين بياناتها الماورائية Metadata، وذلك على موقع مخصص لهذا الغرض هو Data.gov. كما يفرض القانون على كل وكالة أن تطور وتصون سجلا شاملا للبيانات وأن تعين مسؤولا عالي المستوى مختصا بالبيانات.
  4. قانون أسس صنع السياسات المبنية على الدليل (Foundations for Evidence-Based Policymaking Act): يفرض هذا القانون على الوكالات الفيدرالية أن تطور وتصون سجلا بكل الأصول التي تملكها من البيانات، وأن تعين مسؤولا عن إدارة هذه البيانات، وأن تنشيء إطارا لحوكمة البيانات. كما تفرض على الوكالات أن تنشيء بنية تحتية مؤمنة للبيانات وأن تشجع تبادل البيانات بين الوكالات المختلفة.
  5. قانون الشفافية ومحاسبة الحكومة (Transparency and Government Accountability Act): يفرض هذا القانون على الولايات أن تنشئ موقعا على الإنترنت قابلا للبحث فيه ومتاحا لجميع المواطنين ويتيح بشكل كامل كل المعلومات المناسبة. وينبغي أن يستخدم الموقع الرسمي لكل ولاية نطاقا متسقا ويقدم كل المعلومات بلغة إنجليزية بسيطة. كما ينبغي أن يكون للموقع واجهة استخدام سهلة الفهم وأن يكون حسن التنظيم، ويسهل تصفحه وبدون إضافات مزعجة في تنزيلها.

هذه التشريعات تهدف إلى زيادة إتاحة البيانات الفيدرالية، وتنمية المحاسبة والثقة بتزويد الجمهور بالمعلومات حول أنشطة الحكومة ونتائجها، وتحسين الشفافية وتضمين المشاركة والتعاون الجماهيري في أنشطة الحكومة.

توافقا مع توجيه الحكومة المفتوحة، أنشات الولايات المتحدة قاعدة بيانات معدلات تسعير المرافق (United States Utility Rate Database – US URDB) كجزء من منصة معلومات الطاقة المفتوحة (Open Energy Information – Open EI) على الإنترنت. وقد هدفت هذه المبادرة إلى تقديم وصول حر إلى المعلومات المتعلقة بمعدلات تسعير المرافق عبر الولايات المتحدة. وتسهم قاعدة البيانات هذه في الحكومة المفتوحة من خلال دفع الشفافية في البيانات المتعلقة بالطاقة وتمكين المواطنين من أن يتخذوا قرارات مبنية على المعلومات فيما يخص استهلاك الطاقة وتكلفتها.

تمتد الحكومة المفتوحة في الولايات المتحدة أيضا إلى مجال الرعاية الصحية. ويعتبر تطبيق مناهج وأدوات إدارة الجودة أمرا أساسيا للحوكمة الفعالة في منظمات الرعاية الصحية. وتساعد هذه الأدوات منظمات الرعاية الصحية في التعامل مع إشكاليات تعارض المصالح، إساءة الإدارة، نقص القابلية للمحاسبة، الالتزام بالتشريعات، وفعالية عمليات صنع القرار. وبتضمين ممارسات إدارة الجودة، يمكن لمنظمات الرعاية الصحية أن توفق عملياتها مع مبادئ الحكومة المفتوحة وتحسن من الجودة العامة لرعاية المرضى.

إضافة إلى ما سبق، أظهرت الولايات المتحدة التزاما بمبدأ الحكومة المفتوحة بالمشاركة في المبادرات العالمية. فالولايات المتحدة عضو في شراكة الحكومة المفتوحة ، وهي منصة عالمية تدعم الشفافية والمحاسبة، ومشاركة المواطنين. ومن خلال مشاركتها في هذه المنصة تتعاون الولايات المتحدة مع الدول الأخرى لتبادل خبرات الممارسات الفضلى والعمل الجماعي نحو تحقيق أهداف الحكومة المفتوحة.

وقد استخدمت مبادرات الحكومة المفتوحة في الولايات المتحدة أيضا التكنولوجيا لتسهيل وصول أكبر إلى المعلومات ولدعم تمكين المواطنين. فإتاحة البيانات واستخدام التكنولوجيات مثل البيانات الضخمة (Big Data)، والإنترنت ذو المعنى (Semantic Web) وهو معيار قياسي يهدف إلى جعل البيانات على الإنترنت قابلة للفهم والتحليل الآلي، وكذلك منصات التواصل الاجتماعي، وأداوت البيانات المرئية، وأدوات التحليل بصورها المختلفة، قد أتاحت فرصا جديدة لتحسين الشفافية والمحاسبة ومشاركة المواطنين. هذه الابتكارات التكنولوجية تنطوي على إمكانات كبيرة لتحسين الخدمات العامة، وجعل العمليات الحكومية أكثر سلاسة، ودفع التقدم التكنولوجي والتنمية الاقتصادية.

وإضافة إلى المبادرات على مستوى الحكومة الفيدرالية، اعتنقت الحكومات المحلية في الولايات المتحدة أيضا مبادئ الحكومة المفتوحة. وقد أظهرت السياسات المحلية للحكومة المفتوحة مؤشرات مبشرة في تحسين العمليات الإدارية وتقديم الخدمات العامة، وتحسين مستوى معيشة المواطنين، وتنويع مشاركتهم في عمليات الإدارة. ويسمح قرب الحكومات المحلية من المجتمع بتفاعل وتعاون أكبر، مما يمكن المواطنين كدافعين للابتكار والإبداع في تطوير الإدارة المحلية.

الاتحاد الأوروبي

بذل الاتحاد الأوروبي جهودًا كبيرة لوضع مبادئ الحكومة المفتوحة موضع التنفيذ من خلال التشريع والمبادرات والسياسات العملية. تهدف هذه الجهود إلى دفع الشفافية والمحاسبة ومشاركة المواطنين في عمليات الحوكمة وصناعة القرار. هذه المقاربة الشاملة تتضمن مجالات عدة بما في ذلك الأعمال وحقوق الإنسان، الإدارة العامة، الحكومة الإلكترونية، قدرات التنسيق، إدارة الأداء، المشاركة الإلكترونية، وخفض الأعباء الإدارية.

أحد الأدوات المهمة لصنع القرار العابر للدول والتي استخدمها الاتحاد الأوروبي هي المنهج المفتوح للتنسيق (Open Method of Coordination – OMC)، والتي طُبقت في مجال سياسات عدة مثل التوظيف، الحماية الاجتماعية، والتعليم. يشجع المنهج المفتوح للتنسيق التعاون بين الدول الأعضاء ويهدف إلى الحث على تغيير السياسات الوطنية في كل دولة من خلال تنسيق السياسات على المستوى الأوروبي. ويمكن القول أن المنهج المفتوح للتنسيق يمكن أن يسهم في التفاوض حول الانقسام بين القانون المكتوب والقانون غير المكتوب في علاقة الأعمال بحقوق الإنسان بضمان تطبيق أكثر فعالية لمبادئ الأمم المتحدة الاسترشادية حول الأعمال وحقوق الإنسان (UN Guiding Principles on Business and Human Rights – UNGPs) في المجال القانوني الأوروبي. أكثر من ذلك، يمكن للمنهج المفتوح للتنسيق أن يتعامل مع بعض مع مواطن الضعف الإجرائية والمادية الملاحظة حاليا في تطبيق عملية مبادئ الأمم المتحدة الاسترشادية. وتدعو الخبرة الأوروبية في التنسيق المفتوح إلى إعادة تقييم العلاقة بين القانون الدولي والحوكمة العالمية في التعامل مع مشاكل الأعمال وحقوق الإنسان.

في مجال إصلاح الإدارة العامة، طبق الاتحاد الأوروبي مبادرات متعددة لتقوية الشفافية، مثل إصدار تشريعات حول حرية المعلومات، البيانات المفتوحة، وإصلاحات المشتريات الحكومية. وقد ركز الاتحاد الأوروبي أيضا على إصلاح الخدمات العامة بما في ذلك وضع إجراءات لخفض عدد وتكلفة الموظفين الحكوميين، وتحسين عمليات تقييم الأداء، واستحداث مدونات سلوك، وتحسين الحوكمة الإلكترونية. وتهدف هذه الإصلاحات إلى زيادة كفاءة وفعالية الإدارة العامة، وتحجيم الفساد، وتحسين وصول الخدمات إلى المواطنين.

الحكومة الإلكترونية هي مجال آخر حقق الاتحاد الأوروبي تقدما كبيرا في تطبيق مبادئ الحكومة المفتوحة فيه. فقد طور الاتحاد الأوروبي تشريعات ولوائح تنظيمية لتحسين نظم الحكومة الإلكترونية الوطنية في الدول الأعضاء به، ولضمان اتساق هذه النظم مع القوانين الأوروبية. وقد أطلق الاتحاد أيضا خطة عمل للحكومة الإلكترونية تهدف إلى تقديم خدمات حكومة إلكترونية مفتوحة، مرنة وتعاونية للمواطنين والأعمال. ومع ذلك، برغم ازدياد مستويات الجاهزية للحكومة الإلكترونية عبر دول الاتحاد، لا يزال ثمة مجال للتحسن من حيث قدرة الاستيعاب للنظم على الإنترنت ومدى تطورها.

كذلك ركز الاتحاد الأوروبي على تقوية القدرات التنسيقية لدى الحكومات وخفض الأعباء الإدارية الملقاة على عاتق الشركات والمواطنين. هذه الجهود تضمنت دمج الأجهزة الحكومية التي إنشئت خلال فترة الإصلاحات الهيكلية، وكذلك إدارة الأداء وإصلاحات الإنتاجية. وبالعمل على سلاسة العمليات الإدارية وتحجيم المعوقات البيروقراطية، يهدف الاتحاد إلى خلق بيئة أكثر كفاءة وملائمة أكثر للأعمال.

من حيث المبادرات التشريعية، استحدث الاتحاد الأوروبي توجيه خدمات الدفع المعدل (PSD2)، والذي كان له أثر كبير على التحول الرقمي لصناعة البنوك عبر دول الاتحاد. ويفرض التوجيه على البنوك  أن تفتح معلومات عملائها لمنافسيها في السوق المالي، مما يحث على الابتكار والتنظيم الأفضل للأطر القانونية القائمة لخدمات الدفع والخدمات البنكية عبر أوروبا. وتهدف هذه المبادرة إلى دعم التنافسية، والابتكار، وحماية المستهلكين في صناعة البنوك.

ركز الاتحاد الأوروبي أيضا على تشجيع الحكومة المفتوحة من خلال استشارات أصحاب المصلحة وجماعات الضغط. وينظر إلى الاستشارات المفتوحة على أنها وسيلة لإعطاء صوت للمواطنين، وزيادة شرعية المؤسسات الأوروبية، وضمان مشاركة سياسية أوسع وأعمق. وحدات الحكم المحلي والمدن في الاتحاد الأوروبي قد قامت أيضا بجهود ضغط على مستوى الاتحاد بشكل مستقل عن الحكومات الوطنية، مستغلة الفرص التي يتيجها نظام الحوكمة متعدد المستويات وسياسة المفوضية الأوروبية في الانفتاح والمداولة.

وأكد الاتحاد الأوروبي كذلك على أهمية الحكم الرشيد والشفافية للتخلص من الفساد  فمن المتوقع من الدول الأعضاء أن تطبق مبادئ الانفتاح والشفافية في أنشطة حكوماتها. وقد طبقت عديد من الدول مثل الدنمارك قوانين حول شفافية أنشطة الحكومة لضمان الشفافية والمحاسبة.

وقد اولى الاتحاد الأوربي اهتمامه إلى بيانات الحكومة المفتوحة وإمكاناتها في دعم الشفافية والكفاءة والمشاركة الجماهيرية في سياسات الإدارة العامة. وتعتبر إعادة استخدام معلومات القطاع العام حجر الأساس لاستراتيجيات البيانات المفتوحة والحكومة المفتوحة في الاتحاد. وقد دعم الاتحاد سياسات إعادة استخدام المعلومات الحكومية كأساس للاقتصاد الرقمي ورافعة للشفافية الديموقراطية. وبذلت جهود لخلق بنية تحتية للبيانات الفراغية لأغراض سياسات الاتحاد البيئية.

في المحصلة، يعد الاتحاد الأوروبي نموذجا متميزا لسن التشريعات والشروع في المبادرات وتطبيق السياسات العملية لتشجيع مبدأ الحكومة المفتوحة. وتتسع سياسات الاتحاد الخاصة بالحكومة المفتوحة لتشمل عديدا من المجالات وتتميز بالعناية بالتفاصيل. وبصفة خاصة تقدم مقاربات الاتحاد لنشر ثقافة مواتية للحكومة المفتوحة بين الدول الأعضاء فيه نموذجا صالحا للتطبيق على نطاق إقليمي أو عالمي.

معوقات تطبيق الحكومة المفتوحة في السياق المصري

واجه التشريع والتطبيق للحكومة المفتوحة في مصر تحديات وعوائق متعددة. ففي حين أن مصر قد أخذت عدة خطوات نحو تطبيق الحكومة الإلكترونية وأحرزت بعض التقدم في بعض المجالات، فلا يزال ثمة عوائق ضخمة تعوق تطوير الحكومة المفتوحة في البلاد.

أحد العوائق الرئيسية هو الافتقار إلى قانون شامل لحرية المعلومات. لم تمرر مصر بعد قانونًا يضمن الحق في الوصول إلى المعلومات الحكومية ويدعم الشفافية والمحاسبة. غياب مثل هذا القانون يعوق تحقيق الشفافية لأنشطة الحكومة ويحد من قدرة المواطنين على الوصول إلى المعلومات حول أعمال وقرارات حكومتهم.

إضافة إلى ذلك، ثمة معوقات إدارية وتقنية وقانونية وسياسية تعرقل تطبيق الحكومة المفتوحة في مصر. هذه المعوقات تشمل المقاومة المؤسسية، والافتقار إلى الإرادة السياسية، والبيروقراطية التي تعرقل التطبيق الفعال لمبادرات الحكومة الإلكترونية. هذه التحديات هي أقل تقنية بطبيعتها وأكثر تعلقًا بمقاومة التغيير والحاجة إلى تعديل أسلوب التفكير والثقافة السائدين داخل مؤسسات الحكومة.

إضافة إلى ذلك، ثمة تحديات تتعلق بالحوكمة تؤثر على كل من القطاعين الحكومي والخاص في مصر. وذلك بالرغم من أن التطبيق السليم لممارسات الحكم الرشيد ضروري لاجتذاب الاستثمارات الأجنبية، وهو في الوقت نفسه ضمان لتطبيق ممارسات المحاسبة وشفافية البيانات، ودعم التنافسية الصحية بين المؤسسات.

مقاومة التغيير بين الموظفين الحكوميين هي عائق آخر لتطبيق الحكومة المفتوحة في مصر. ثمة نقص في العمل البحثي حول هذا السياق بالتحديد في مصر، ولكن الدراسات في بلدان أخرى قد أظهرت أن مقاومة التغيير يمكن أن يكون لها أثر بالغ على تطبيق نظم الحكومة الإلكترونية. فالعوامل مثل الجندر، والعمل، ومستوى التعليم، والموقع الوظيفي، ومستوى الخبرة يمكن أن يؤثر على استجابة الموظفين لتطبيق نظم جديدة.

يمثل الشمول المالي أيضًا تحديًا لتطبيق الحكومة المفتوحة في مصر. برغم الجهود التي بذلتها وزارة المالية والبنك المركزي المصري لتطبيق آليات للاستخدام المالي الأمثل ولدعم القطاعات المستبعدة ماليًا من السكان، فلا يزال ثمة معوقات تتعلق بالعرض والطلب والتي تحتاج إلى التعامل معاه.

بعض المشاكل المزمنة في السياق المصري والتي تبدو بعيدة عن مجال تطبيق الحكومة المفتوحة لها بخلاف الظاهر أثر على إمكانية تحقيقه. على سبيل المثال إدارة مخلفات أنشطة البناء والهدم هي مشكلة مزمنة رئيسية في البيئة المبنية في مصر، وهي واحدة من المشكلات التي تعوق وجود سيطرة إدارية فعالة على البيئة العمرانية يمكن معها توفر بيانات دقيقة عن نموها وتطورها وأوضاعها. مما يجعل تطبيق سياسات الحكومة المفتوحة على هذه البيئة أكثر صعوبة.

تطبيق وتقييم السياسات العمرانية، بما في ذلك التخطيط الاستراتيجي، هو مجال آخر توجد به معوقات لتطبيق الحكومة المفتوحة في مصر. الاخفاق في إشراك أصحاب المصلحة، سواء من الجهات الحكومية أو غير الحكومية يمثل تحديًا، والافتقار إلى خطط فنية للتنفيذ يسهم في نقص التحسن في الاقتصاديات المحلية والأوضاع البيئية. وينعكس ذلك بصفة عامة في نقص المعلومات والبيانات المسجلة بطريقة يمكن معها إعادة استخدامها، وهو ما يعوق أي مسعى لتطبيق مبادئ الحكومة المفتوحة على هذا القطاع بالغ الأهمية.

الافتقار إلى سياسات عمرانية واضحة في مصر قد فاقم من مشاكل التنمية العمرانية بما في ذلك الفقر في المدن. غياب سياسات واضحة والتحديات التي تواجه تطبيقها تبرز الحاجة إلى فحص وتقييم السياسات العمرانية في مصر لمواجهة الفقر في المدن بشكل فعال. إلى جانب ذلك عدم وضوح السياسات وعشوائيتها يجعل الشفافية بخصوصها مستبعدة، ويحول دون إمكانية تنظيم أية مشاركة فعالة للمواطنين في الرقابة وفي عمليات صنع القرار.

بصفة عامة يسود واقع الممارسات السياسية والبيروقراطية في مصر ميل منهجي مستقر عبر عقود لممارسات التعتيم وحجب المعلومات والحد من إمكانية الوصول إليها وفي حالات كثيرة تزييفها أيضا. كذلك تسود في أوساط السلطة السياسية والبيروقراطية ثقافة رافضة لمبدأ المسؤولية أمام المواطنين ولمبدأ المحاسبة. ويحول ترهل البيروقراطية المصرية وتدني مستويات المهارة والقدرات التقنية لموظفيها دون إمكان تنفيذ أي مبادرات للحكومة المفتوحة تتطلب التعامل مع البيانات وأدوات حفظها ومشاركتها إلا في أضيق الحدود. وإلى جانب النقص في الموارد البشرية التي تتوافر لها القدرات المطلوبة فثمة نقص كبير في الموارد المالية الضرورية لبرامج التدريب اللازمة لتدارك نقص المهارات، وكذلك لتوفير الاحتياجات التقنية.

الثقافة السائدة بالمجتمع أيضا لا تساعد كثيرا على تغيير الواقع السائد بالأوساط السياسية والبيروقراطية. فالثقافة السائدة تستمد ميلا إلى النفور من الشفافية بصفة عامة من الفهم السائد للموروث الديني والاجتماعي. ويعكس المجتمع في تمسكه بالتراتبيات الاجتماعية التقليدية ثقافة أبوية تستبعد إمكانية المحاسبة.

في المحصلة يتطلب أي سعي إلى تطبيق مبادئ الحكومة المفتوحة في إلى مصر بذل جهود متواصلة للعمل على تغيير الثقافة السائدة في كل من المجتمع ككل وفي مؤسساته السياسية والبيروقراطية بصفة خاصة. وقد يكون أحد مداخل هذه الجهود هو إيضاح أن أي تحسن أحدثته التطبيقات المحدودة للحكومة الإلكترونية في مصر حتى الآن له حدود لا يمكن أن يتخطاها بدون إدماج هذه التطبيقات في التطبيق الأوسع للحكومة المفتوحة. كذلك تعد الحاجة الماسة التي يستشعرها مسؤولو الدولة والمواطنين على حد سواء إلى اجتذاب الاستثمارات الأجنبية مدخلا هاما لإيضاح ضرورة التوسع في مبدأ الشفافية للمعلومات الحكومية لتسنى إنجاح الجهود الساعية إلى اجتذاب هذه الاستثمارات.

خاتمة

الحكومة المفتوحة بما تشمله من مبادئ الشفافية والمحاسبة والمشاركة الجماهيرية في صنع القرار هي إحدى ضرورات التقدم نحو مستقبل أفضل للعالم ومجتمعاته. إنجاح مبادرات تطبيق الحكومة المفتوحة حول العالم قد يكون السبيل الوحيد لأن تتعاون مجتمعات العالم في مواجهة التحديات الكبرى لهذا القرن وفي مقدمتها الأخطار الكارثية التي يحملها الاخفاق في السيطرة على تغير المناخ. يمكن لمشاركة أوسع وأكثر فعالية للجماهير في عمليات اتخاذ القرار أن تدفع الحكومات نحو اتخاذ مواقف أكثر حسمًا في التعامل مع مسببات تغير المناخ، وبصفة خاصة يمكن لهذه المشاركة الجماهيرية أن تحدث التوازن المطلوب في الضغط على الحكومات في مواجهة ضغوط القطاع الخاص التي تدفع في عكس اتجاه الحد من الأنشطة الاقتصادية المسؤولة عن انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون المسبب الأهم لعمليات تغير المناخ. الشفافية والمحاسبة والمشاركة الجماهيرية من شأنها أيضًا أن تضع مجتمعات العالم في موضع أكثر قدرة على التعامل مع تحديات متوقعة مثل الأوبئة العالمية بحجم جائحة كوفيد-19، وكذلك تحديات الأخطار التي يمثلها التطور المتسارع لنشر تطبيقات الذكاء الاصطناعي دون ضوابط تحول دون تسببها في إيذاء مستخدميها أو في إلحاق أضرار بفئات اجتماعية مختلفة أو التسبب في رفع معدلات الفقر وعرقة التنمية الاقتصادية في دول الجنوب.

على جانب آخر لا ينبغي إغفال الأصوات المختلفة لباحثين أعربوا عن مخاوف تتعلق بالتوجهات السائدة لتطبيق سياسات الحكومة المفتوحة في عديد من دول العالم. فثمة غياب للتوازن بين مبادرات إتاحة المعلومات المتعلقة بقطاعات مختلفة دون غيرها، كذلك ثمة غياب للتوازن بين جانب إتاحة البيانات وبين إتاحة السبل والأدوات العملية للاستفادة الفعلية بالوصول إليها، وهذا يرتبط بإشكالية ثالثة هي غياب التوازن بين وظيفة إتاحة المعلومات ككل وبين وظائف المحاسبة السياسية والمشاركة الجماهيرية في عمليات الإدارة وصنع القرار. غياب هذه التوازنات من شأنه أن يشوه مسيرة تطبيق مبادئ الحكومة المفتوحة لتتحول على أرض الواقع إلى واجهة قشرية زائفة لإعادة إنتاج الأوضاع السائدة من حيث الجوهر.

في النهاية سعت هذه الورقة إلى تقديم تعريف مفصل بقدر الإمكان بمفهوم الحكومة المفتوحة، وتعرضت باختصار للعلاقة بين هذا المفهوم وبين مفهوم البيانات المفتوحة والحق في الوصول إلى المعلومات. استعرضت الورقة متطلبات وتحديات مبادرات تنفيذ مبادئ الشفافية والمحاسبة والمشاركة الجماهيرية التي تقوم عليها الحكومة المفتوحة، ثم قدمت الورقة عرضا لنموذجي تجربتي الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي في سن التشريعات وإطلاق المبادرات وصنع السياسات لتطبيق مبادئ الحكومة المفتوحة، ثم ناقشت واقع تطبيق هذه المبادئ في السياق المصري والمعوقات التي تحول دون نجاح مبادراته.

شارك:

Facebook
Twitter