محكمة النقض ترسّخ مبدأ عدم جواز التوسع في تطبيق قواعد حجب المواقع

مقدمة

شهدت البيئة التشريعية والقضائية في مصر تطورًا ملحوظًا في ما يتعلق بتنظيم المحتوى الرقمي، حيث أُعيد تشكيل الأطر القانونية ذات الصلة من خلال أدوات مستحدثة، من أبرزها “الحجب” كآلية قانونية تُستخدم للحد من الوصول إلى بعض المحتويات أو الخدمات. وقد بدأ الحجب كإجراء أمني وقضائي استثنائي، ثم أخذ طابعًا أكثر رسوخًا ليصبح من بين التدابير المنصوص عليها في عدد من التشريعات المصرية الحديثة، سواء كتدبير احترازي أو كعقوبة إدارية أو جنائية. وتثير النصوص التي تجيز حجب المحتوى بعض الإشكاليات القانونية والدستورية، خصوصًا في ضوء القواعد الدستورية التي تحظر المنع المسبق على وسائل الإعلام وفقًا لدستور عام 2014.

وقد لعبت السلطة القضائية، وخاصة قضاء مجلس الدولة، دورًا محوريًا في إرساء القواعد الأولى التي مهدت لاستخدام الحجب كأداة قانونية، وذلك عبر التوسع في تفسير نصوص قانون تنظيم الاتصالات، مستندة إلى مفاهيم فضفاضة مثل “الأمن القومي الاجتماعي”. وكانت أولى تطبيقات هذا التوجه قد ظهرت في قضية الفيلم المسيء للرسول التي نظرتها محكمة القضاء الإداري عام 2012، وانتهت بإقرار حكم يقضي بحجب موقع يوتيوب وعدد من الروابط ذات الصلة، معتمدة على تأويلات موسعة للمواد القانونية ذات الصلة.

ومهّدت هذه الاجتهادات القضائية الطريق أمام المشرّع لترسيخ ممارسات الحجب لاحقًا من خلال تشريعات خاصة، مثل قانون مكافحة الإرهاب الذي أرسى لأول مرة صلاحية قانونية صريحة للحجب ضمن إطار استثنائي، وجاء بعد ذلك قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات وقانون تنظيم الصحافة والإعلام.

وفي إطار هذا التوسع التشريعي، اتخذ الحجب صورًا متعددة، منها ما يتعلق بالأمن القومي، كما في قانون مكافحة الإرهاب، ومنها ما يصنّف كتدبير احترازي أو عقوبة إدارية أو جنائية، كما في قوانين تنظيم الصحافة والإعلام وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات وقانون تنظيم الاتصالات.

وقد تم منح صلاحية الحجب لعدد كبير من الجهات، من بينها النيابة العامة، والجهات الشرطية، والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، مما ساهم في توزيع وتوسيع هذا الاختصاص على نحو غير مسبوق. وبرزت هذه الممارسات بشكل ملحوظ منذ عام 2017، حين بدأت السلطات فعليًا بتنفيذ عمليات حجب واسعة النطاق، غالبًا من دون سند قانوني واضح أو قرارات معلنة، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى دستورية هذه الإجراءات، خصوصًا مع غياب آليات فعالة للطعن أو مراجعة تلك القرارات في بعض الحالات.

كانت محكمة النقض في عام 2022 قد أصدرت حكمًا في الطعن على حكم محكمة استئناف طنطا الاقتصادية، وذلك في سياق نزاع تجاري وتقني بين شركة تمتلك علامة تجارية وأشخاص أنشؤوا مواقع إلكترونية مقلدة لاسمها وعلامتها. وقد مثّل هذا الحكم قراءة جديدة في مواجهة محاولات التوسع في تطبيق قواعد حجب المواقع الإلكترونية، حيث أكدت المحكمة على عدم جواز التوسع في تطبيق هذه القواعد خارج الإطار الذي نص عليه القانون صراحة.

ويكتسب الحكم أهمية خاصة كونه يضع ضوابط واضحة لتحديد الجهات المختصة بإصدار وتنفيذ أوامر حجب المواقع، ويميّز بين دور كل من وزارة الداخلية والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في هذه العملية من ناحية، ومن ناحية أخرى يبرز الحكم بشكل غير مباشر التأكيد على قاعدة مستقرة لدى الفقه القضائي المصري، وهي عدم جواز القياس أو التوسع في قواعد القوانين ذات الطابع الجزائي/الجنائي.

لذا تهدف هذه الورقة إلى استعراض الحكم مع التركيز على النقاط المتعلقة بتحديد الاختصاص في إصدار أوامر الحجب الإلكتروني وتنفيذها. كما سيتم إبراز المبادئ القانونية التي أرستها المحكمة، لا سيما ما يتصل بتفسير المادة (7) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، والتمييز بين اختصاصات وزير الداخلية من جهة والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات من جهة أخرى.

السياق التشريعي لحجب المواقع الإلكترونية في مصر

لتوضيح خلفية الحكم، ينبغي فهم الإطار التشريعي الذي يحكم مسألة حجب المواقع الإلكترونية في القانون المصري. شكّل صدور قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 أول تنظيم قانوني غير استثنائي صريح لإجراءات حجب المواقع على شبكة الإنترنت في مصر.

فقد نصت المادة (7) من هذا القانون على آلية محددة لاستصدار وتنفيذ أوامر حجب المواقع التي تبث محتوى يشكّل جرائم معلوماتية خطيرة كجرائم الأمن القومي أو ما يعرّض أمن البلاد واقتصادها للخطر. وبحسب هذه المادة، يحق لجهة التحقيق المختصة أن تصدر أمرًا بحجب موقع إلكتروني أو أكثر في حالة توفر أدلة على أن المحتوى المنشور عبرها يشكّل جريمة منصوص عليها في القانون ويهدد الأمن القومي أو الاقتصاد. على أن تقوم جهة التحقيق بعرض هذا الأمر على المحكمة الجنائية المختصة خلال 24 ساعة مشفوعًا بمذكرة تبين مبررات الحجب، لتقرر المحكمة إما تأييد الأمر أو رفضه خلال مدة لا تتجاوز 72 ساعة من وقت عرض الأمر عليها.

كذلك وضعت المادة (7) ضوابط خاصة للحالات العاجلة التي تستلزم تحركًا سريعًا قبل صدور قرار قضائي. ففي حالة الاستعجال ووجود خطر حالّ أو ضرر وشيك، أجازت المادة لجهات التحري والضبط المختصة أن تقوم بإبلاغ الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات فورًا. ويتولى الجهاز بدوره إخطار مقدم الخدمة بالحجب المؤقت للموقع أو المحتوى محل البث، ويلتزم مقدم الخدمة بتنفيذ الإخطار فور وروده إليه.

بعد ذلك، تحرر جهة الضبط محضرًا بالإجراءات المتخذة خلال 48 ساعة، وتعرضه على جهة التحقيق. وتتولى جهة التحقيق عرض الأمر على المحكمة لتقرير إما تأييد الحجب المؤقت أو إلغائه خلال أجل محدد.

وإذا لم يتم عرض المحضر في المهلة المحددة، اعتبر الحجب المؤقت كأن لم يكن. كما أجاز القانون لمحكمة الموضوع، أثناء نظر الدعوى الجنائية أو بناءً على طلب جهة التحقيق أو الجهاز أو ذوي الشأن، أن تأمر بإنهاء قرار الحجب أو تعديل نطاقه.

ويسقط أمر الحجب في جميع الأحوال إذا صدر أمر بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية أو صدر حكم بات بالبراءة.

يتبين من قراءة نص المادة (7) أن المشرّع المصري رسم نهجًا لحجب المواقع، فربط إصدار أمر الحجب بوجود تحقيق قضائي و أمر قضائي مسبب، كما جعل تنفيذ الحجب عبر الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات بالتنسيق مع مقدمي خدمات الإنترنت. أي أن القانون لم يترك لأجهزة الضبط أو الجهات الإدارية سلطة حجب منفردة دون إشراف قضائي، إلا في نطاق ضيق من الحالات الطارئة وبصورة مؤقتة ريثما يصدر القرار القضائي.

وقائع الدعوى والحكم المطعون فيه

جاء حكم محكمة النقض في سياق نزاع تجاري تقني يتعلق بممارسات المنافسة غير المشروعة عبر الإنترنت، فقد بدأت الوقائع بقيام شخصين بإنشاء موقعين إلكترونيين على شبكة الإنترنت انتحلا فيهما اسم إحدى الشركات التجارية وعلاماتها التجارية، مما أدى إلى خداع جمهور المستهلكين للإيهام بأن هذين الموقعين تابعان للشركة الأصلية.

قامت الشركة صاحبة الاسم والعلامة التجارية الأصليين برفع دعوى أمام المحكمة الاقتصادية المختصة – محكمة طنطا الاقتصادية- ضد كل من القائمين على الموقعين المزيفين وضد بعض الجهات الرسمية، مطالبة بعدة طلبات:

أولًا: إلزام المدعى عليهم بحجب الموقعين الإلكترونيين محل النزاع وعدم اصطناع أية مواقع أخرى تستغل علاماتها التجارية بدون وجه حق.

ثانيًا: وإلزامهم متضامنين بدفع تعويض مادي وأدبي قدره مليون جنيه عن الأضرار اللاحقة بالشركة.

ثالثًا: نشر ملخص الحكم في إحدى الصحف اليومية على نفقتهما.

رابعًا: إلزام الجهات الإدارية المعنية بتسجيل رقمَي هاتف مستخدمَين في النشاط غير المشروع باسم الشركة الأصلية لمنع استخدامهما المخالف.

وقامت الشركة أثناء نظر الدعوى بإدخال خصوم جدد ذوي صفات رسمية (منهم وزير الداخلية بصفته، ومدير الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات بوزارة الداخلية، ورئيس الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات وغيرهم) بطلب إلزامهم بتنفيذ حكم المحكمة فيما يخص حجب المواقع المقلِّدة وتنفيذ الإجراءات اللازمة لمنع هذا التعدي.

بعد سلسلة من الإجراءات أمام المحكمة الاقتصادية، بما في ذلك ندب خبير تقني أثبت واقعة التشابه والتعدي على علامة الشركة وخلص إلى وجود منافسة غير مشروعة من الموقعين المزيفين، أصدرت محكمة استئناف طنطا الاقتصادية حكمها في الموضوع بتاريخ 14 مارس 2021 وقضى الحكم بإلزام الطاعن الأول بصفته وزير الداخلية أن يقوم بحجب الموقعين الإلكترونيين المصطنعين المبينين بتقرير الخبير من على شبكة الإنترنت، ورفضت ماعدا ذلك من طلبات.

وبذلك لم تُلبِّ المحكمة الابتدائية سوى الشق المتعلق بالحجب الإلكتروني وألقت بعبئه على عاتق وزارة الداخلية ممثلة في وزيرها، ورفضت طلبات التعويض والنشر وغيرها.

هذا القضاء أثار تساؤلًا قانونيًا جوهريًا حول مدى صحة تكليف وزير الداخلية بتنفيذ حجب مواقع إلكترونية، في ضوء أن قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات أسند تلك المهمة صراحة إلى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات. بعد ذلك أقام وزير الداخلية (بصفته) ومدير الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات بالطعن على هذا الحكم بطريق النقض أمام محكمة النقض.

وقد دفعت جهة النيابة العامة – بوصفها خصمًا منضمًا – بعدم صحة اختصام مدير إدارة تكنولوجيا المعلومات في الطعن لانتفاء صفته المستقلة (إذ أن وزير الداخلية هو الممثل القانوني للوزارة وجميع إداراتها بحكم القانون)، وهو ما أقرّته محكمة النقض بعدم قبول طعن الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات لرفعه من غير ذي صفة، باعتبار أن الشخصية الاعتبارية والصفة القانونية في التقاضي تتركز في الوزير نفسه عن جميع إدارات وزارته.

أما سبب الطعن الموضوعي الأساسي فقد انصب على مخالفة الحكم للقانون والخطأ في تطبيقه. فقد قضى الحكم بإلزام وزير الداخلية بحجب الموقعين محل النزاع، رغم انتفاء صفته القانونية في تنفيذ إجراءات الحجب، وانعقاد الاختصاص قانونًا للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات.

دفع وزير الداخلية بأن جميع شركات تقديم خدمة الإنترنت تخضع لإشراف الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات وفق قانون إنشائه. وبموجب المادة (7) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، فإن المختص بإخطار مقدمي الخدمة بحجب المواقع هو الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، وليس أجهزة وزارة الداخلية.

وأكد الطاعن أن مسألة الصفة في تنفيذ الحجب من النظام العام، ويجوز إثارتها في أي مرحلة من مراحل الدعوى. ورأى أن حكم المحكمة الاقتصادية أخطأ حين تجاهل الدفع بانتفاء صفة وزير الداخلية في هذا الشأن.

وتجدر الإشارة إلى أن النيابة العامة أيدت هذا الرأي القانوني، وقدمت مذكرة في الطعن أوصت فيها بنقض الحكم المطعون فيه لمخالفته صحيح القانون.

تحديد الجهات المختصة بإصدار وتنفيذ أوامر الحجب الإلكتروني

وقد ركزت محكمة النقض في حكمها على تحديد واضح للاختصاص القانوني فيما يتعلق بإصدار أوامر الحجب وتنفيذها، وفقًا لنصوص القانون 175 لسنة 2018 وقانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003. ومن خلال منطوق الحكم وأسبابه يتبين الآتي:

  • جهة إصدار أمر الحجب: إن السلطة المخولة قانونًا بإصدار الأمر الابتدائي بحجب موقع إلكتروني هي جهة التحقيق المختصة -النيابة العامة أو قاضي التحقيق على حسب الأحوال- متى توافرت الأدلة على ارتكاب جريمة عبر الموقع تشكّل تهديدًا للأمن القومي أو اقتصاد البلاد. وهذا الأمر التحقيقي يظل مؤقتًا ومرهونًا بعرضه على المحكمة الجنائية المختصة خلال 24 ساعة لتأييده أو إلغائه.
  • جهة اعتماد وتنفيذ الحجب: المحكمة الجنائية المختصة (منعقدة في غرفة المشورة) هي التي تمنح الموافقة القضائية النهائية على استمرار حجب الموقع من عدمه خلال 72 ساعة من عرض الأمر عليها. وفي حالة الموافقة القضائية، يتم توجيه القرار إلى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات الذي يتولى تنفيذ أمر الحجب تقنيًا من خلال إبلاغه لمقدمي خدمات الإنترنت لتنفيذه فورًا. وبعبارة أخرى، فإن الجهاز القومي هو حلقة الوصل التنفيذية التي تمر من خلالها أوامر الحجب الصادرة عن القضاء إلى الشركات المزودة للخدمة، نظرًا لكون الجهاز هو الجهة التي تمنح تراخيص تشغيل شبكات الاتصالات في مصر والمخوّلة بمراقبة التزام الشركات المرخّصة بشروط الترخيص. وقد أوضحت محكمة النقض هذا الدور بقولها إن المشرّع اعتبر الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات “بمثابة وسيطًا بين جهتي التحقيق والقضاء من ناحية ومقدمي خدمات تقنية المعلومات من ناحية أخرى” بحكم إلمامه ببيانات مقدمي الخدمة وقدرته على إبلاغهم السريع بما يصدر بحقهم من قرارات حجب.
  • دور أجهزة وزارة الداخلية (التحري والضبط): ينحصر دور أجهزة وزارة الداخلية المعنية بمكافحة الجرائم المعلوماتية – مثل الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات- في جمع الاستدلالات والضبط، ولا يمتد ليشمل تنفيذ قرارات حجب للمواقع. وقد شددت محكمة النقض على أن اختصاص وزارة الداخلية ينحسر عن مهمة تنفيذ الحجب الإلكتروني، فهي ليست الجهة المنوط بها إخطار شركات الإنترنت أو قطع الخدمة، وإنما واجبها يقتصر على تتبع الجريمة وجمع الأدلة ضد من أنشأ الموقع غير المشروع. وما يؤكد ذلك أيضًا أن القانون رقم 10 لسنة 2003 بشأن تنظيم الاتصالات أسند تلك المهام حصريًا للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات.
  • إجراء الحجب في حالات الاستعجال: حتى في الحالات الاستثنائية التي يسمح فيها القانون لأجهزة الضبط بالتدخل العاجل (الفقرة الثانية من المادة 7)، فإن دور تلك الأجهزة يقتصر على إبلاغ الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات لاتخاذ إجراء فوري مؤقت، ولا يخولها ذلك سلطة مستقلة في تنفيذ الحجب بذاتها. فقد أكدت محكمة النقض أن ما ورد في الفقرة الثانية من المادة (7) من جواز قيام أجهزة التحري والضبط بإبلاغ الجهاز لحجب الموقع في حالة الاستعجال لا يغيّر من كون عمل هذه الأجهزة ينحصر في أصله في جمع الاستدلالات وضبط الجرائم كجهات ضبط قضائي، أي أن حتى الحجب العاجل يتم عبر الجهاز القومي تقنيًا.

استنادًا إلى ما سبق، حسمت محكمة النقض الخلاف حول الجهة المختصة بتنفيذ أمر الحجب لصالح الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات وحده، ونزعت أي صفة أو اختصاص عن وزارة الداخلية في هذا الشأن. ويتضح ذلك جليًا في حكمها بأن إلزام وزير الداخلية بحجب موقع إلكتروني يعدّ مخالفًا للقانون وخطأ في تطبيقه طالما أن اختصاص الحجب يخرج عن سلطته القانونية. وهذا التحديد الدقيق للاختصاص يضمن عدم تجاوز أي جهة لدورها المحدد في القانون، ويحافظ على التسلسل المنطقي: تحقيق قضائي، ثم قرار قضائي، ثم تنفيذ فني عبر الجهاز المختص.

المبادئ القانونية التي أرستها محكمة النقض

وفي هذا السياق، فقد أرست محكمة النقض عبر هذا الحكم عددًا من المبادئ القانونية المهمة التي تُوجّه فهم وتطبيق نصوص قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات مستقبلاً، ويمكن تلخيص أبرز هذه المبادئ على النحو التالي:

1- حصرية اختصاص تنفيذ الحجب بالجهاز القومي لتنظيم الاتصالات وانتفاء الدور التقني لوزارة الداخلية في تنفيذ أوامر الحجب

قررت المحكمة بشكل قاطع أن تنفيذ أوامر حجب المواقع الإلكترونية هو اختصاص حصري للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات بموجب القوانين المنظمة (قانون تنظيم الاتصالات 10 لسنة 2003 وقانون جرائم تقنية المعلومات 175 لسنة 2018).

فالجهاز هو صاحب الخبرة الفنية والرابط القانوني مع شركات الإنترنت، ويتمتع بالشخصية المستقلة التي تؤهله لتنفيذ قرارات الحجب وإخطار مقدمي الخدمات بها. وبذلك لا يجوز لأي جهة إدارية أخرى التدخل مباشرة في حجب موقع إلكتروني دون المرور عبر الجهاز.

أيضًا تأكيد المحكمة انتفاء صفة وزير الداخلية وأجهزة وزارته في إصدار أو تنفيذ أوامر حجب المواقع، إلا في حدود ما أجازه القانون من دور تحري واستدلال. وقد أوضحت المحكمة أن وزارة الداخلية لا تمتلك سندًا قانونيًا يخولها مخاطبة مقدمي خدمة الإنترنت أو حجب موقع بشكل مباشر، فليس لها شخصية اعتبارية في هذا المضمار، وإنما تابعة في الإجراءات التحقيقية للنيابة العامة. وبالتالي، أي حكم قضائي يلزم وزير الداخلية بحجب موقع يكون معيبًا قانونًا لانطوائه على تكليف جهة غير مختصة.

2- عدم جواز التوسع في تفسير المادة 7 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات

كرّست محكمة النقض منهجًا مستقر عليه في تفسير المادة (7) من قانون 175 لسنة 2018، حيث التزمت التفسير الحرفي الضيق للنصوص العقابية والإجرائية دون توسع. فالمادة 7 حدّدت بوضوح من هي “الجهة المختصة” بإصدار أمر الحجب (جهة التحقيق بإذن القضاء) ومن هو المسؤول عن تنفيذه (الجهاز القومي للاتصالات)، فلا يجوز إضافة فئات أخرى إلى ما أورده النص.

هذا يتسق مع الأصل العام في تفسير القوانين الجنائية والإجرائية بأن أي صلاحية استثنائية تمس الحقوق (كحجب موقع إلكتروني يمس حرية التواصل والإعلام) يجب أن تُفسَّر في أضيق نطاق ممكن ووفق ما ورد صراحة في التشريع. وقد تجلّى هذا المبدأ في رفض المحكمة لإضفاء أي دور إضافي لوزارة الداخلية في عملية الحجب، رغم أن البعض ربما يجادل بأن وزارة الداخلية بحكم مسؤوليتها الأمنية يمكن أن تكون معنيّة بذلك. المحكمة رفضت هذا التوسع وتمسكت بحدود النص القانوني.

وقد شدد الحكم ضمنًا على أولوية سيادة حكم القانون وخضوع الجميع لرقابة القضاء في مسألة حجب المحتوى على الإنترنت. فحتى الجهات المكلفة بإنفاذ القانون، مثل الجهات الشرطية، عندما تبادر في حالة الاستعجال إلى إجراء حجب مؤقت عبر الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، فإنها تظل تحت رقابة صارمة من النيابة العامة والمحكمة خلال آجال زمنية قصيرة جدًا. ويعكس ذلك فهم المحكمة لأهمية ضمان ألا تتحول إجراءات الحجب إلى أداة تعسفية بيد السلطة التنفيذية، بل تبقى دائمًا في إطار الشرعية الإجرائية.

كما أكدت المحكمة أن الدفع بعدم الاختصاص أو انتفاء الصفة في مثل هذه الأمور يُعد من النظام العام، ويجوز إثارته في أي مرحلة من مراحل الدعوى، بما في ذلك لأول مرة أمام محكمة النقض. ويأتي ذلك حمايةً لمبدأ المشروعية وضمان التزام جميع الجهات بحدود اختصاصاتها القانونية.

3- حماية حقوق الملكية الفكرية والمنافسة المشروعة دون تجاوزات إجرائية

بالرغم أن النزاع الأصلي كان حول منافسة غير مشروعة وتعدٍ على علامة تجارية عبر موقع وهمي، حرصت محكمة النقض على التوفيق بين حماية الحقوق الاقتصادية والمدنية وبين صيانة الضوابط الإجرائية. فالمحكمة أقرت بأن اصطناع موقع إلكتروني ينتحل صفة شركة مسجلة يشكل جريمة تستوجب الحجب والمنع لحماية صاحب الحق، لكنها في الوقت نفسه رفضت تحقيق هذه الحماية عبر إجراء مخالف للقانون (تكليف جهة غير مختصة بالحجب).

المخاوف المتعلقة بإجراءات الحجب وتأثير حكم محكمة النقض عليها

يمثل حكم محكمة النقض الأخير محطة مهمة في إعادة فتح النقاش حول حدود التفسير المسموح به في القوانين الجنائية والإجرائية، خاصة فيما يتعلق بإجراءات حجب المواقع الإلكترونية. فالمحكمة أكدت على قاعدة فقهية مستقرة في النظامين القانوني والفقهي المصري، وهي عدم جواز التوسع أو القياس في تفسير النصوص ذات الطبيعة الجزائية، إذ أن هذه القواعد وُضعت لضبط الإجراءات التي تمس الحقوق والحريات الأساسية، ومن ثم فهي تُفسر في أضيق نطاق ممكن.

ويكتسب هذا المبدأ أهمية خاصة في مجال حجب المواقع الإلكترونية، نظرًا لما ينطوي عليه من مساس بحرية التعبير وتداول المعلومات، وهي حقوق يحميها الدستور ولا يجوز تقييدها إلا وفقًا لضوابط صارمة. ومن هنا، جاء حكم النقض ليغلق الباب أمام محاولات إضفاء صلاحيات لم يرد النص عليها صراحة في القانون، سواء لجهات تنفيذية أو إدارية.

ويدعم الرأي الذي انتهت إليه المحكمة ما أستقر عليه قضاء محكمة النقض المصرية على إجازة القياس لصالح المتهم، ومن ناحية أخرى فيجوز القياس في قانون الإجراءات الجنائية بالنسبة إلى القواعد التي تكفل الحرية الفردية، استصحابا على أن الأصل في الفرد هو التمتع بالحرية ، لأن الأصل في المتهم البراءة، وهو ما يقتضي تأكيد كافة ضمانات حريته الفردية. هذا بخلاف القواعد الإجرائية الماسة بالحرية، فقد وردت على سبيل الاستثناء.1

خاتمة

لا يمكن التعامل مع حكم محكمة النقض محل البحث باعتباره الحل النهائي لكل الإشكاليات المرتبطة بحجب المواقع الإلكترونية أو بتنظيم التدخل في الفضاء الرقمي. فهو، في جوهره، خطوة قضائية مهمة تعيد التأكيد على مبادئ أساسية في توزيع الاختصاصات وضبط الإجراءات، وتذكير بأن حماية الحقوق والحريات لا تتحقق إلا عبر احترام النصوص القانونية وتفسيرها في أضيق الحدود الممكنة عندما يتعلق الأمر بقيود على هذه الحقوق.

أهمية هذا الحكم تكمن في أنه يضع علامة واضحة في مسار التفاعل بين القانون والمجال الرقمي في مصر. فهو يحدّ من التفسيرات الواسعة التي قد تمنح صلاحيات لم تُنص عليها القوانين صراحة، ويعيد التذكير بأن أي تدخل في هذا المجال يجب أن يتم من خلال الجهات المختصة، وبالإجراءات التي حددها المشرّع، وتحت رقابة القضاء. لكن في الوقت نفسه، يظل الحكم جزءًا من مشهد أوسع، ما زال يشهد تحولات سريعة بفعل التطور التكنولوجي وتزايد التداخل بين الأبعاد الأمنية والاقتصادية والسياسية للإنترنت.

من هذا المنطلق، يُعد الحكم نقطة انطلاق يمكن البناء عليها لتطوير فهم قضائي وتشريعي أكثر انسجامًا مع حماية الحقوق الرقمية. ومع ذلك، يبقى على المشرّع مسؤولية مراجعة الأطر القانونية القائمة لضمان وضوح أكبر وتماسك أشمل في إلغاء أو الحد من صلاحيات الحجب، بما يعكس الموقف الرافض لهذه الممارسة. كما تتحمل السلطة التنفيذية واجب الالتزام بممارسة هذه الصلاحيات في أضيق الحدود الممكنة، مع توفير آليات شفافة وفعّالة للطعن والمراجعة.

إن القيمة الحقيقية لهذا الحكم تنبع من كونه يفتح مساحة أوسع لمراجعة السياسات والممارسات المتعلقة بإدارة الفضاء الرقمي، ويسهم في ترسيخ فكرة أن حماية الأمن والمصلحة العامة لا ينبغي أن تأتي على حساب الحقوق والحريات الأساسية، بل يجب أن تتم في إطار قانوني يوازن بين هذه المصالح المتشابكة ويخضع لرقابة مستمرة.


1 مؤلف للدكتور فتحي سرور ” الحماية الدستورية للحقوق والحريات” طبعة دار الشروق سنة 2000، صفحة 455 وما بعدها.