الدعوى رقم 24105 لسنة 73ق قضاء إداري
باسم الشعب
محكمة القضاء الإداري
الدائرة الثانية
بالجلسة المنعقدة علناً في يوم الأحد الموافق ۲۰۱۹/۲/۳
برئاسة السيد الأستاذ المستشار/ فتحي ابراهيم محمد توفيق نائب رئيس مجلس الدولة ورئيس المحكمة
وعضوية السيد الأستاذ المستشار/ شريف حلمي عبد المعطي أبو الخير نائب رئيس مجلس الدولة
وعضوية السيد الأستاذ المستشار/ أحمد جلال زكي عبد الله نائب رئيس مجلس الدولة
وحضور السيد الأستاذ المستشار/ أحمد الذكير المتولي مفوض الدولة
أصدرت المحكمة الحكم الآتي
في الدعوى رقم ٢٤١٠٥ لسنة 73 ق
المقامة من :
………….
ضد
……………
الوقائع
أقام المدعي دعواه الماثلة بموجب صحيفة أودعت قلم كتاب المحكمة بتاريخ ۲۰۱۹/۱/۱۹ وطلب في ختامها الحكم بقبول الدعوى شكلا وبصفة مستعجلة بوقف تنفيذ القرار رقم (۳) لسنة ۲۰۱۹ الصادر من رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بتاريخ ۲۰۱۹/۱/۱٥ والمتضمن منع استضافته في جميع وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والإلكترونية والصحف لمدة شهرين، وما ترتب على هذا القرار من آثار وفي الموضوع بإلغاء القرار المطعون عليه، وما ترتب على ذلك من آثار، مع إلزام المدعى عليه المصروفات ومقابل أتعاب المحاماة.
وذكر المدعي شرحاً لدعواه أن المدعى عليه بصفته أصدر قراره الطعين رقم (۳) لسنة ۲۰۱۹ بتاريخ ۲۰۱۹/۱/۱۵ متضمنا في مادته الأولى منع استضافة المدعي في جميع وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والالكترونية والصحف لمدة شهرين باستثناء ما يكون متعلقا بصفته النيابية أو بمناسبة الأعمال البرلمانية التي يجربها مجلس النواب، وفي مادته الثانية: منع بث برنامج (ملعب الزمالك) المعروض على قناة الحدث اليوم الفضائية لمدة شهرين وإحالة مقدم البرنامج المشار إليه إلى النقابة
المختصة للمساءلة التأديبية
ونعى المدعي على القرار المطعون عليه بأنه جاء مخالفاً للدستور والقانون، ومشوبا بعيبي إساءة استعمال السلطة وعدم المشروعة، إذ أنه خالف الدستور في مادته رقم (٦٥) والتي تكفل حرية الفكر والرأي وحق التعبير، وفي مادته رقم (۷۱) والتي تحظر فرض رقابة على الصحف ووسائل الإعلام المصرية أو مصادرتها أو وقفها أو إغلاقها، وكذا خالف القرار المذكور نص المادة (1) من القانون رقم (۱۸۰) لسنة ۲۰۱۸ الصادر بشأن تنظيم الإعلام، ومفادها سريان أحكام هذا القانون على الكيانات والمؤسسات والوسائل الصحفية والإعلامية والمواقع الالكترونية دونا عن الأشخاص. فضلاً عن أن القرار المطعون عليه خالف نص المادة (٣٦٠) من اللائحة الداخلية لمجلس النواب، والتي أكدت على الحصانة الإجرائية لعضو مجلس النواب، وأنه لا يجوز التحقيق معه أو توقيع ثمة عقوبة عليه دون استئذان المجلس.
واستطرد المدعي وقال أن منعه المطلق من الظهور على أي قناة تليفزيونية رسمية كانت أو خاصة، حالياً ومستقبلاً، دون علم بما سيتحدث به يتعارض مع أبسط حقوقه في عرض أفكاره في بلد سبقت من خلال دساتيرها المتعاقبة التأكيد على حرية الرأي والتعبير، ويمثل مصادرة لما لا يمكن مصادرته ورجما بالغيب وإن كان أي من الأفراد قد تضرر مما يُقال في حقه في
وسائل الإعلام فله اللجوء إلى القضاء الجنائي أو المدني.
وأفاد المدعي أن طلب وقف تنفيذ القرار المطعون عليه قد توافر في شأنه ركن الجدية، وكذا ركن الاستعجال بحسبانه يترتب على تنفيذه نتائج يتعذر تداركها. وذكر المدعي أنه قد تظلم من القرار الطعين ولكن دون جدوى، وهو مما حدا به إلى إقامة دعواه الماثلة، مختتماً إياها بطلباته سالفة البيان.
وقد حددت المحكمة لنظر الشق العاجل من الدعوى جلسة ۲۰۱۹/۱/۲۷، وبها مثل المدعي بشخصة وقدم ثلاث حوافظ مستندات طويت احداهما ضمن ما طويت عليه على صورة ضوئية من القرار المطعون عليه، وكذا صورة ضوئية من التظلم
المقدم من المدعي إلى المدعى عليه بصفته بشأن هذا القرار وحضر ناتب الدولة وكيلاً عن المدعى عليه بصفته، وقدم حافظة
مستندات طويت على تقويض صادر من رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام لصالح هيئة قضايا الدولة في الدفاع عن المجلس بشأن الدعوى المائلة وتفريع لمحتوى ثلاثة أقراص إلكترونية مدمجة تضمنت مداخلات للمدعي في برنامج الزمالك اليوم المذاع على قناة الحدث الفضائية، وكذا اشتملت الحافظة على تفريغ لمحتوى قرص إلكتروني مدمج تضمن وقائع مؤتمر صحفي عقده المدعي وتكلم فيه وصورة رسمية من كل من القرار الطعين والمذكرة التي صدر بناء عليها والتظلم المقدم من المدعي بشأنه. وقدم الحاضر عن الدولة أيضاً مذكرة دفاع انتهى في ختامها إلى طلب الحكم برفض الدعوى بشقيها العاجل والموضوعي، مع إلزام المدعي المصروفات. كما قدم مذكرة دفاع مذيلة بتوقيع مدير عام الشئون القانونية بالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام تم اختتامها بطلب الحكم أولا برفض طلب وقف التنفيذ وإحالة الدعوى لهيئة مفوضي الدولة لإعداد تقرير بالرأي القانوني فيها. وثانيا برفض الدعوى، وإلزام المدعي المصروفات
وبذات الجلسة قررت المحكمة حجز الدعوى للحكم بجلسة اليوم، وبها صدر الحكم وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه لدى النطق به
المحكمة
بعد الإطلاع على الأوراق، وسماع الإيضاحات، وبعد المداولة قانوناً
وحيث إن المدعي يطلب الحكم بقبول الدعوى شكلاً، وبوقف تنفيذ ثم إلغاء القرار الصادر من المدعى عليه بصفته بتاريخ ۲۰۱۹/۱/۱۵ برقم (۳) لسنة ۲۰۱۹ ، فيما تضمنه في مادته الأولى من منع استضافته في جميع وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والإلكترونية والصحف لمدة شهرين باستثناء ما يكون متعلقاً بصفته النيابية أو بمناسبة الأعمال البرلمانية التي يجريها مجلس النواب، مع ما يترتب على ذلك من آثار، وإلزام المدعى عليه بصفته المصروفات
وحيث إنه عن شكل الدعوى، وإذ صدر القرار المطعون عليه بتاريخ ۲۰۱۹/۱/۱۵، وتظلم منه المدعي في ۲۰۱۹/۱/۱۷، ثم أقام دعواه الماثلة بتاريخ ۲۰۱۹/۱/۱۹، فإن الدعوى الماثلة تكون قد أقيمت خلال المواعيد ووفقاً للإجراءات التي قررها القانون، وإذ استوفت الدعوى سائر أوضاعها الشكلية الأخرى المقررة قانوناً، فمن ثم فهي تعدو مقبولة شكلاً.
وحيث إنه عن طلب وقف تنفيذ القرار المطعون عليه، ولما كان من المستقر عليه في قضاء مجلس الدولة، أنه يُشترط للقضاء بوقف تنفيذ القرار الإداري، وفقاً لحكم المادة رقم (٤٩) من القانون رقم ٤٧ لسنة ۱۹۷۲ الصادر بشأن مجلس الدولة توافر ركنين مجتمعين، ألا وهما ركن الجدية بأن يكون القرار المطعون عليه بحسب الظاهر من الأوراق مرجح الإلغاء، وركن
الاستعجال: بأن يترتب على تنفيذ هذا القرار نتائج يتعذر تداركها فيما لو قُضي بإلغائه.
وحيث إنه عن ركن الجدية، ولما كانت المادة (٦٥) من الدستور المصري المعدل والصادر في يناير ٢٠١٤ تنص على أن حرية الرأي والفكر مكفولة. ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه بالقول، أو الكتابة، أو التصوير، أو غير ذلك من وسائل التعبير والنشر
وتنص المادة (۷۰) من الدستور على أن حرية الصحافة والطباعة والنشر الورقي والمرئي والمسموع والإلكتروني مكفولة …..
وتنص المادة (۷۱) من الدستور على أن يحظر” بأي وجه فرض رقابة على الصحف ووسائل الإعلام المصرية أو مصادرتها أو وقفها أو إغلاقها ويجوز استثناء فرض رقابة محددة عليها في زمن الحرب أو التعبئة العامة.
وتنص المادة (۹۳) من الدستور على أن تلتزم الدولة بالاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي تصدق عليها مصر، وتصبح لها قوة القانون بعد نشرها وفقاً للأوضاع المقررة
وتنص المادة (۲۱۱) من الدستور على أن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام هيئة مستقلة تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال
. الفني والمالي والإداري، وموازنتها مستقلة
ويختص المجلس بتنظيم شئون الإعلام المسموع والمرئي، وتنظيم الصحافة المطبوعة، والرقمية، وغيرها
ويكون المجلس مسئولاً عن ضمان وحماية حرية الصحافة والإعلام المقررة بالدستور، والحفاظ على استقلالها وحيادها وتعدديتها وتنوعها ومنع الممارسات الاحتكارية، ومراقبة سلامة مصادر تمويل المؤسسات الصحفية والإعلامية، ووضع الضوابط والمعايير اللازمة لضمان التزام الصحافة ووسائل الإعلام بأصول المهنة وأخلاقياتها، ومقتضيات الأمن القومي
وذلك على الوجه المبين في القانون.
وتنص المادة (۱۹) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية الصادر من الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ ١٩٦٦/١٢/١٦ ، والذى انضمت إليه مصر في ١٩٦٧/٨/٤، وتم التصديق عليه بموجب القرار الجمهوري رقم ٥٣٦ لسنة ۱۹۸۱، على أنه “. لكل إنسان حق في حرية التعبير. ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى آخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو
بأية وسيلة أخرى يختارها – تستتبع ممارسة الحقوق المنصوص عليها في الفقرة ٢. من هذه المادة واجبات ومسئوليات خاصة. وعلى ذلك يجوز إخضاعها لبعض القيود ولكن شريطة أن تكون محددة بنص القانون وأن تكون ضرورية (أ) الاحترام حقوق
” الآخرين أو سمعتهم، (ب) لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة
ونفاذا لنص المادة (۲۱۱) من الدستور سالفة البيان فقد أصدر المشرع القانون رقم۱۸۰ لسنة ۲۰۱۸ بشأن تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، ونصت المادة الأولى من مواد إصداره على سريان أحكامه على جميع الكيانات
” والمؤسسات والوسائل الصحفية والإعلامية والمواقع الإلكترونية
ورددت المواد (۲) و (۳) و (٦٨) من هذا القانون ذات مضمون نصوص المواد (۷۰) و (۷۱) و (۲۱۱) على الترتيب من
. الدستور
ونصت المادة (٤) من ذات القانون على أنه يُحظر على المؤسسة الصحفية والوسيلة الإعلامية والموقع الإلكتروني نشر أو بث أي مادة أو إعلان يتعارض محتواه مع أحكام الدستور، أو تدعو إلى مخالفة القانون، أو تخالف الإلتزامات الواردة في ميثاق الشرف المهني، أو يخالف النظام العام أو الآداب العامة، أو يحض على التمييز أو العنف أو العنصرية أو الكراهية
وللمجلس الأعلى للاعتبارات التي يقتضيها الأمن القومي أن يمنع مطبوعات أو صحفاً أو مواد إعلامية أو إعلانية صدرت أو جرى بثها من الخارج من الدخول إلى مصر أو التداول أو العرض
وعلى المجلس أن يمنع تداول المطبوعات أو المواد الإباحية أو التي تتعرض للأديان والمذاهب الدينية تعرضاً من شأنه تكدير السلم العام، أو التي تحض على التمييز أو العنف أو العنصرية أو الكراهية.
ولكل ذي شأن الطعن في هذا القرار أمام محكمة القضاء الإداري
ونصت المادة (۱۹) من ذات القانون على أنه يحظر” على الصحيفة أو الوسيلة الإعلامية أو الموقع الإلكتروني نشر أو بث أخبار كاذبة، أو ما يدعو أو يحرض على مخالفة القانون أو إلى العنف أو الكراهية، أو ينطوي على تمييز بين المواطنين، أو يدعو إلى العنصرية أو يتضمن طعنا في أعراض الأفراد أو سباً أو قذفاً لهم أو امتهاناً للأديان السماوية أو للعقائد
“الدينية
ومع عدم الإخلال بالمسئولية القانونية المترتبة على مخالفة أحكام هذه المادة، يجب على المجلس اتخاذ الإجراء المناسب
“… حيال المخالفة
ونصت المادة (۷۰) من ذات القانون على أن يباشر المجلس اختصاصاته بما يحقق أهدافه على الوجه المبين في هذا القانون، وله على الأخص ما يأتي
تلقي وفحص شكاوى ذوي الشأن عما ينشر بالصحف أو بوسائل الإعلام ويكون منطوياً على مساس بسمعة الأفراد أو تعرض لحياتهم الخاصة، وله اتخاذ الإجراءات المناسبة تجاه الصحيفة أو الوسيلة الإعلامية في حال مخالفتها للقانون أو لمواثيق الشرف، وله إحالة الصحفي أو الإعلامي إلى النقابة المعنية لمساءلته في حال توافر الدلائل الكافية على صحة ما
جاء في الشكوى المقدمة ضده
ونصت المادة (۹۱) من ذات القانون على أن قرارات المجلس الأعلى ولوائحة واجبة النفاذ وملزمة لكل من المؤسسات الصحفية والمؤسسات الصحفية القومية والمؤسسات الإعلامية والمؤسسات الإعلامية العامة والوسائل الإعلامية والوسائل الإعلامية العامة والإلكترونية.
ولا يترتب على الطعن على قراراته وقف تنفيذها إلا إذا أمر المجلس أو قضت المحكمة المختصة بذلك
ونصت المادة (٩٤) من ذات القانون على أن يضع المجلس الأعلى لائحة بالجزاءات والتدابير الإدارية والمالية التي يجوز توقيعها على المؤسسات الصحفية والمؤسسات الصحفية القومية والمؤسسات الإعلامية والمؤسسات الإعلامية العامة حال مخالفة أحكام هذا القانون،وإجراءات التظلم منها
وتعتبر هذه اللوائح جزء لا يتجزأ من التراخيص أو الموافقات الصادرة أو غيرها من التصرفات والإجراءات والأعمال بين المجلس الأعلى وتلك الجهات
ويجوز أن تتضمن اللائحة ما يأتي
١- الزام المؤسسة أو الوسيلة بإزالة أسباب المخالفة خلال مدة محددة أو إزالتها على نفقتها
٢- توقيع الجزاءات المالية المنصوص عليها في حالة عدم الإلتزام بشروط الترخيص
منع نشر أو بث المادة الإعلامية لفترة محددة أو بصفة دائمة
وفي جميع الأحوال، لا يجوز توقيع أي من تلك الجزاءات أو التدابير إلا في حالة انتهاك أي مؤسسة صحفية أو إعلامية للقواعد أو المعايير المهنية أو الأعراف المكتوبة (الأكواد)، وبعد إجراء الفحص اللازم من المجلس الأعلى، ويكون توقيع الجزاء بقرار
. مسبب
ولذوي الشأن الطعن على هذه الجزاءات أو التدابير أمام محكمة القضاء الإداري، ولا يُقبل لطعن إلا بعد تقديم التظلم منه إلى المجلس الأعلى
وحيث إن مفاد ما تقدم، أن الدستور المعدل والصادر في يناير ٢٠١٤ قد كفل حرية التعبير وخؤل كل مواطن مصري حقه في التعبير عن رأيه بمختلف الوسائل، وكذا كفل حرية الصحافة والطباعة والنشر الورقي والمرئي والمسموع والإلكتروني، وحظر على نحو قاطع أن يفرض رقابة على الصحف ووسائل الإعلام المصرية، أو أن تصادر أو يتم وقفها أو إغلاقها، واستثنى من ذلك أحوال الحروب والتعبئة العامة، على أن تكون الرقابة المفروضة عندئذ محددة بشكل واضح. وإمعاناً من الشارع الدستوري في حماية الحقوق والحريات بصفة عامة، فقد ألزم الدولة بما تصدق عليه من اتفاقيات ومواثيق دولية متعلقة بحقوق الإنسان، وأسبغ عليها قوة القانون بعد أن يتم نشرها. وفي هذا السياق، كفل العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية هو الآخر حرية التعبير، وحدد تخومها وعرفها بأنها حق كل إنسان في أن يتلقى مختلف المعلومات والأفكار وأن يعبر بدوره عنها وينقلها إلى الآخرين بالوسيلة التي يرتنيها، سواء في ذلك أن تكون تلك الوسيلة مكتوبة أو مطبوعة أو أن تتخذ طابعاً فنياً، وأجاز فرض قيوداً عليها بشرط أن تكون محددة بنص القانون. ورغبة من الشارع الدستوري في حماية حرية الصحافة والإعلام والحفاظ على استقلالها وضبط الأداء الإعلامي بما يحافظ على الأصول والأخلاقيات المتعارف عليها وكذا مقتضيات الأمن القومي، فقد أنشأ المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام وأولاه شخصية اعتبارية مستقلة، واختصه بتنظيم شئون الإعلام المسموع والمرني والصحافة المطبوعة، وذلك على النحو الذي ينظمه القانون ونفاذاً لذلك، فقد صدر القانون رقم ۱۸۰ لسنة ۲۰۱٨ بشأن
تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، ووجه خطابه إلى الكيانات والمؤسسات والوسائل الصحفية والإعلامية والمواقع الإلكترونية وفرض أحكامه عليها، وردد ذات مضمون الأحكام الدستورية الخاصة بحرية الصحافة والطباعة والنشر والحظر التام على فرض رقابة على الصحف ووسائل الإعلام المصرية أو مصادرتها أو وقفها أو إغلاقها، وحظر
على المؤسسات الصحفية والوسائل الإعلامية والمواقع الإلكترونية نشر أو بث ما يتعارض. أحكام الدستور أو يدعو إلى مخالفة القانون أو النظام العام أو يحض على التمييز أو العنف او العنصرية أو الكراهية أو يتضمن طعنا في أعراض الأفراد، أو سبأ أو قذفاً لهم، وأناط بالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام اتخاذ ما يراه مناسباً من إجراءات حيال ذلك ومنها منع تداول المادة
المخالفة، وأجاز القانون الطعن على القرار الصادر في هذا الشأن أمام محكمة القضاء الإداري. وعدد القانون الاختصاصات التي للمجلس أن يتوسد إليها تحقيقاً لأهدافه، والتي منها تلقي وفحص الشكاوى المتعلقة بما ينشر بالصحف أو بوسائل الإعلام ويكون من شأنه الطعن في سمعة الأفراد أو التعرض لحياتهم الخاصة، وأوكل القانون إلى المجلس حال ذلك اتخاذ ما يراه
مناسباً من إجراءات تجاه الصحيفة أو الوسيلة الإعلامية المخالفة، وأجاز له إحالة الصحفي أو الإعلامي إلى النقابة المعنية لمساءلته تأديبياً. وقد أناط القانون بالمجلس وضع لائحة بالجزاءات والتدابير الإدارية والمالية التي يجوز توقيعها على الصحف ووسائل الإعلام حال مخالفتها لأي من أحكامه وكذا إجراءات التظلم منها. وأورد القانون بعض الجزاءات التي يجوز أن تتضمنها
تلك اللائحة وأوجب القانون أن يكون قرار الجزاء مسبباً وبعد أن يجري المجلس فحصاً وافياً للموضوع، على أن يكون لذوي الشأن الطعن على قرارات الجزاء أو التدابير المعنية أمام محكمة القضاء الإداري بعد التظلم منها. وختاماً، فقد أورد القانون حكماً مفاده أن قرارات المجلس ولوائحة ملزمة ونافذة في مواجهة كافة المؤسسات الصحفية والإعلامية وكذا جميع الوسائل
الإعلامية والإلكترونية، ولا يترتب على قرارات المجلس وقف تنفيذها إلا إذا قرر المجلس ذلك أو قضت المحكمة المختصة به
وحيث إنه من المعلوم بالضرورة أن حرية التعبير تنبع من فيض الكرامة الإنسانية التي أنعم بها المولى عز وجل على البشرية جمعاء، وهي تعد أحد الأعمدة الرئيسية في بنيان الحقوق والحريات الذي أنشأه النظام القانوني المصري، بحسبانها الأصل الذي يتفرع عنه العديد من الحريات الأخرى الاجتماعية والثقافية والفكرية، كحرية العقيدة وحرية الإبداع والنشر والصحافة وحرية البحث العلمي، وتعتبر حرية التعبير أحد أهم الوسائل الذي يتمكن من خلالها الفرد من تحقيق ذاته والمشاركة بفاعلية في مجتمعه، وهي بهذه المثابة ترتبط بعلاقة وثيقة بقيمة الانتماء والمفاهيم الخاصة بنمو المجتمعات وتقدمها
وقد قضت المحكمة الدستورية العليا في هذا الخصوص بأن حرية التعبير تمثل “في ذاتها قيمة عليا لا تنفصل الديموقراطية عنها، وتؤسس الدول على ضوئها مجتمعاتها صوناً لتفاعل مواطنيها معها، بما يكفل تطوير بنيانها وتعميق حرياتها، وإن جاز القول بأن لحرية التعبير أهدافها التي يتصدرها بناء دائرة للحوار العام لا تنحصر ،آفاقها، ولا أدواتها تذني الحقائق إليها،
فلا يكون التعبير عن الآراء حائلا دون مقابلتها ببعض وتقييمها ولا مناهضتها لآراء قبلها آخرون، مؤدياً إلى تهميشها، ولا تلقيها عن غيرهم مانعاً من ترويجها أو مقصوراً على بعض جوانبها، ولا تدفقها من مصادر نزدريها مستوجباً إعاقتها أو تقييدها، كذلك فإن إنمائها للشخصية الفردية وضمان تحقيقها لذاتها، إنما يدعم إسهامها في أشكال من الحياة تتعدد ملامحها
بما يكفل حيويتها وترابطها.”
(حكم المحكمة الدستورية العليا في الدعوى رقم ۷۷ لسنة ۱۹ قضائية دستورية، بجلسة (۱۹۹۸/۲/۷
وكذا قضت المحكمة الإدارية العليا بأن الوثاق الدستورية قد أجمعت على أن حرية التعبير وإبداء الرأى هى من الحقوق الأساسية التى يتمتع بها المواطن فحق المواطن فيها مرده إلى أصل عام هو إنسانيته، وكونه جزءاً من جماعة الوطن لا يقيد من حقوقه الأساسية التي ينبغي أن يتمتع بها، بل تمتعه بهذه الحقوق يشد وثاقه بالوطن فيغدو أكثر ارتباطا وأعمق إنتماء
(حكم المحكمة الإدارية العليا في الطنين رقمي ٢٥٤٧٨ و ٢٦٨٥١ لسنة ٥٩ قضائية عليا بجلسة (۲۰۱۳/۱۱/۱۷
وحيث إنه برغم ما لحرية التعبير من مرتبة عليا في مدارج النظام العام المصري، فإنها ليس لها من ذاتها ما يعصمها من التقييد، فهي ليست من الحريات المطلقة، ذلك أن أثرها لا يقتصر على صاحب الرأي وحده، بل يتخطاه إلى غيره، وقد يشمل المجتمع بأسره، ومن ثم فإنه يجوز تقييدها درناً لغمط حقوق الآخرين أو حال وجود مصالح أخرى ترجحها، إلا أنه من
الشروط التي يتعين أن تتوافر في القيود المفروضة على الحق في حرية التعبير كما ذكرت المحكمة أنفا- أن يتم النص عليها صراحة في القانون
وفي ذلك ذهبت اللجنة المعنية بالتعليق على نصوص العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والمنشأة بموجب نص المادة (۲۸) منه إلى أن ممارسة الحق في حرية التعبير تستتبع واجبات ومسئوليات خاصة. ولهذا السبب يسمح بمجالين حصريين من القيود المفروضة على الحق يتعلقان إما باحترام حقوق الآخرين أو سمعتهم، أو حماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة. وأفادت اللجنة أيضاً أنه لا يجوز فرض قيود على حرية التعبير إلا وفقا للشروط الواردة بالفقرة (۳) من المادة (۱۹) من العهد الدولي، والتي منها أن تكون تلك القيود محددة بنص القانون
التعليق العام رقم (٣٤) بخصوص المادة (۱۹) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، الدورة الثانية بعد المائة، يوليو ۲۰۱۱، فقرة رقم (۲۱،۲۲)
وحيث إنه على هدي ما تقدم جميعه، ولما كان الثابت من الأوراق، وبالقدر اللازم للفصل في طلب وقف تنفيذ القرار المطعون عليه أنه بناء على عدة شكاوى وردت إلى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ضد المدعي، بشأن تجاوزه حدود اللياقة وأدب الحوار خلال إدلائه بحديث عبر الهاتف إلى برنامج الزمالك اليوم المذاع على قناة الحدث الفضائية
و ۲۰۱۹/۱/۹، بأن أسند اتهامات مرسلة ودون دليل تطعن في شرف وذمة رئيس وأعضاء مجلس إدارة نادي منافس، وبناءً على توصية لجنة ضبط أداء الإعلام الرياضي بالمجلس المدعى عليه، وحفاظاً على مقتضيات الأمن القومي بعدم التحريض على إثارة الجماهير الرياضية المصرية والتطاول عليها والتحقير من شأنها ومن شأن رموز الرياضة المصرية، فقد أصدر المجلس المدعى عليه قراره الطعين بتاريخ ۲۰۱۹/۱/۱۵، متضمنا في مادته الأولى منع استضافة المدعي في جميع وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والإلكترونية والصحف لمدة شهرين باستثناء ما يكون متعلقاً بصفته النيابية أو بمناسبة الأعمال البرلمانية التي يجريها مجلس النواب
وحيث إنه ولما كان القانون رقم ۱۸۰ لسنة ۲۰۱۸ المذكور، قد أوكل السلطات والاختصاصات السالف ذكرها إلى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام وذلك في مواجهة الكيانات والمؤسسات والوسائل الصحفية والإعلامية والمواقع الإلكترونية، بحسبانها المسئولة عما تقدمه من مواد صحفية وإعلامية، فإنه لا يجوز للمجلس أن يجنح عن ذلك وأن يباشر أي من تلك السلطات أو الاختصاصات في مواجهة المواطنين، وهذا هو مؤدى الإجراء الوارد بالقرار الطعين، وما انطوى عليه عملاً، بما أفضى إليه من حرمان المدعي من الظهور الإعلامي للفترة المذكورة ، وإن كان ظاهر هذا القرار أنه يخاطب وسائل الإعلام والصحف.
وحيث إنه وإذ أناط الدستور بالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام مسئولية وضع الضوابط والمعايير اللازمة لضمان التزام الصحافة ووسائل الإعلام بأصول المهنة وأخلاقياتها والحفاظ على مقتضيات الأمن القومي، وأوجب عليه القانون اتخاذ الإجراءات المناسبة اللازمة لبلوغ تلك الغايات، وخوله من الاختصاصات والسلطات وأتاح له استخدام العديد من التدابير وتوقيع ما يراه ملائماً من الجزاءات المعينة له في هذا المقام، إلا أن التنظيم القانوني لصلاحيات المجلس والسالف بيانه تفصيلاً – قد جاء خلواً مما يجيز للمجلس سلطة منع استضافة المواطنين في وسائل الإعلام والصحف، على نحو ما ورد بالقرار الطعين ومن ثم فإنه لا يحق للمجلس إصدار مثل هذا القرار، ولا مجال للاستنباط أو القياس في هذا المقام، إذ أن القيود المتعلقة
بحرية التعبير لا بد وأن يتم النص عليها صراحة في القانون، وفقاً لما ذكرته المحكمة أنفاً، ولا غرو في ذلك بحسبان حرية التعبير من الحريات الأصيلة التي كفلها الدستور وأكدت عليها المواثيق الدولية، لما لها من أهمية محورية في الدولة الحديثة على نحو ما سلف شرحه، ومن ثم فإنه يتعين أن تخضع القيود المفروضة عليها للإجراءات المتطلبة لصدور القانون، بما يحيط بها من ضمانات، وما تتسم به من تمحيص وتروي، لتخرج في النهاية معبرة عن إرادة المشرع الذي ينزه عن ثمة خطأ أو
. اندفاع
ولا ينال مما تقدم قالة أن القانون رقم ۱۸۰ لسنة ۲۰۱۸ بشأن تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قد فوض المجلس، بموجب نص المادة (٩٤) منه، في وضع لائحة بالجزاءات التي يجوز توقيعها على الصحف ووسائل الإعلام، إذ أن تلك اللائحة لم تصدر حتى تاريخ حجز هذه الدعوى للحكم، كما أن الجزاءات والتدابير التي أجازها القانون لم تشتمل على الإجراء الوارد بالقرار الطعين وكان للمجلس أن يستخدم أي منها ليبلغ ذات الأهداف التي توخاها بإصدار ذاك القرار
ولا يقدح في ذلك أيضاً ما جاء بمذكرة الدفاع المقدمة من نائب الدولة من أن للمجلس المدعى عليه الحق في منع استضافة المدعي في الوسائل الإعلامية، بحسبان القانون رقم ۱۸۰ لسنة ۲۰۱۸ المذكور بموجب نص المادة (٩٤) منه قد أناط به سلطة منع نشر أو بث المادة الإعلامية المخالفة لفترة محددة أو بصفة دائمة، فذلك قياس في غير محله، فمشمول ما
يصدر عن الإنسان أعم وأوسع نطاقاً من أن يتم وصفه بأنه مادة إعلامية، فضلاً عن أن افتراض أن المدعي لن ينطق إلا بما لا يتعين الاستماع إليه خلال مدة منع استضافته إعلامياً ينافي الفطرة الطيبة التي تلازم النفس البشرية منذ خلقها وما تأصل فيها من نزوع دائم إلى الخير، فإن كان المجلس المدعى عليه قد ارتأى أن ما أفصح عنه المدعي من شأنه الإخلال بمقتضيات الأمن القومي، فلا يمكن القول بأن ما سيصدر عنه خلال فترة المنع لن يخرج بحكم اللزوم عن هذا الإطار هذا بالإضافة إلى أن القياس في هذا الخصوص غير جائز قانوناً كما ذكرت المحكمة آنفاً
وحيث إنه وإذ شاب القرار المطعون عليه ما تقدم من مثالب فإنه يكون قد صدر، بحسب الظاهر من الأوراق ودون التوغل في الموضوع بالمخالفة لأحكام الدستور والقانون، وهو مما يجعله مرجح الإلغاء لدى نظر الموضوع، ومن ثم فإن ركن الجدية في طلب وقف تنفيذه يكون متوافراً
وحيث إنه عن ركن الاستعجال فلا معدى عن كونه متوافراً لما يترتب على تنفيذ القرار الطعين من آثار فادحة تتمثل في استمرار الاعتداء على حق دستوري أصيل وحرية من الحريات الأساسية، وقد استقر قضاء مجلس الدولة على أن ثمة لزوماً قانونياً لتقرير توافر الاستعجال حال إهدار أي منهما
وحيث إن طلب وقف تنفيذ القرار الطعين قد استقام وفقا لما تقدم على ركنيه، فإنه يتوافر مناط القضاء به، ومن ثم فإن المحكمة تقضي بوقف تنفيذه فيما تضمنه في مادته الأولى من منع استضافة المدعي في جميع وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والإلكترونية والصحف لمدة شهرين، مع ما يترتب على ذلك من آثار.
وحيث إن المدعى عليه بصفته قد خسر الشق العاجل من الدعوى، الأمر الذي يتعين معه الزامه بمصروفات هذا الشق عملاً
. بحكم المادة (١٨٤) من قانون المرافعات المدنية والتجارية
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة: بقبول الدعوى شكلاً، وبوقف تنفيذ القرار المطعون عليه، فيما تضمنه في مادته الأولى من منع استضافة المدعي في جميع وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والإلكترونية والصحف لمدة شهرين مع ما يترتب على ذلك من آثار، وألزمت المدعى عليه بصفته مصروفات الشق العاجل من الدعوى، وأمرت بإحالة الدعوى إلى هيئة مفوضي الدولة لإعداد
. تقرير بالرأي القانوني في موضوعها