
ملخص تنفيذي
تتناول هذه الورقة المخاطر الحقوقية والإجرائية المترتبة على إعلان النيابة العامة المصرية إدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي في عملها، ضمن ما تُسمّيه “النيابة الذكية”. لا تسعى الورقة إلى رفض التقنية من حيث المبدأ، لكنها تُفكّك الخطاب الرسمي الذي يطرح هذا الإدماج بوصفه تحديثًا محايدًا، وتكشف أنه قد يُعيد تشكيل ميزان القوة الإجرائية لصالح سلطة الاتهام على حساب حق الدفاع وقرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة.
تحلل الورقة خمسة محاور مترابطة، أولها الفراغ التشريعي المصري الذي يغيب فيه أي إطار قانوني ينظم استخدام أدوات آلية في التحقيق واتخاذ القرارات الإجرائية. وثانيها، تصنيف الوظائف المحتملة للذكاء الاصطناعي داخل النيابة وفق درجات خطورتها، بدءًا من وظائف إدارية منخفضة المخاطر وصولًا إلى وظائف تطال الحرية مباشرة. وثالثها ظاهرة “القرار الآلي المقنّع” حيث تتحول التوصية الخوارزمية إلى معيار مؤسسي ضمني يحلّ محل التقدير البشري المستقل. ورابعها مخاطر التحيز البنيوي الكامن في بيانات إنفاذ القانون التي ستتعلم منها هذه الأنظمة. وخامسها، تفكيك المبررات الرسمية الخمس التي يطرحها خطاب “النيابة الذكية”.
وتخلص الورقة إلى أن أي استخدام للذكاء الاصطناعي في مجال تطال فيه السلطة الحرية الشخصية قبل صدور حكم لا تُقاس قيمته بما يَعد به من سرعة ودقة، بل بما يضيفه أو ينتقصه من قدرة المتقاضي على الفحص والمراجعة والاعتراض، وبما يفعله في التوازن بين سلطة الاتهام وحقوق الدفاع. كما تقدّم الورقة إطارًا من الضمانات التشريعية والمؤسسية والإجرائية والرقابية التي يجب أن تسبق أي إدماج فعلي.
مقدمة
في فبراير 2026، أعلنت النيابة العامة المصرية عن مشروع لإدماج أنظمة معززة بتقنيات الذكاء الاصطناعي في منظومة العدالة، ضمن رؤية مصر 2030 واستراتيجية التحول الرقمي. قدّم البيان الرسمي هذا المسار باعتباره انتقالًا نحو “نيابة ذكية” قادرة على تحليل البيانات الضخمة ورفع دقة الإجراءات وسرعتها وتعزيز الشفافية. وجاء ذلك بعد توقيع بروتوكول تعاون بين وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والنيابة العامة يتضمن توسعة الخدمات الرقمية وتكامل قواعد البيانات ورفع كفاءة اتخاذ القرار عبر مستودعات بيانات مشتركة.
غير أن هذه التحركات، في صيغتها العامة الحالية، لا تُنتج ضمانة قانونية، كما أنها تترك مسائل جوهرية من دون تحديد واضح، من بينها الوظائف التي ستؤديها هذه الأنظمة داخل العمل اليومي للنيابة، والمواضع التي ستتدخل فيها ضمن المسار الإجرائي، والحدود الكفيلة بمنع تحوّلها إلى أداة لتوسيع سلطة الاتهام على حساب حق الدفاع والحرية الشخصية، فضلًا عن الإطار القانوني الذي يفترض أن يحكم هذا الاستخدام في ظل صمت التشريع المصري عن تنظيمه.
هذه الورقة لا تعادي التقنية في ذاتها، لكنها ترفض تقديمها بوصفها تحديثًا محايدًا. وتنطلق من أن إدخال تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى عمل النيابة يثير أسئلة إجرائية تتصل بالحق في الدفاع والرقابة على السلطة التقديرية.
فهذه التقنيات ستدخل إلى بنية مؤسسية وُجهت إليها بالفعل انتقادات حقوقية بسبب اتساع صلاحيات النيابة في مرحلة التحقيق والحبس الاحتياطي، وما يترتب على ذلك من تفاوت بين أدوات الاتهام وأدوات الدفاع. ومن ثم، فإن استخدام أدوات السرعة والتحليل والربط، وربما التنبؤ، من جانب سلطة الاتهام وحدها قد يؤدي إلى تعميق الإشكاليات الإجرائية، ما لم تُقرن هذه الأدوات بضمانات مقابلة تكفل الشفافية والمساءلة والحق في الاطلاع على أسباب القرارات والطعن والمواجهة الفعالة لها.
وتعتمد الورقة منهجية تحليل حقوقي-إجرائي تجمع بين ثلاثة مسارات. أولها قراءة نصية للبيان الرسمي وبروتوكول التعاون، وثانيها تحليل الإطار التشريعي المصري والدولي الحاكم، وثالثها الاستفادة من التجارب المقارنة في استخدام الذكاء الاصطناعي بمنظومات العدالة الجنائية حول العالم.
أولًا: السياق القانوني والمؤسسي
الإطار الدستوري والتشريعي المصري
يتضمن الدستور المصري الصادر عام 2014، وفقًا لتعديلاته النافذة، عدة نصوص تتقاطع مباشرة مع مسألة إدخال الذكاء الاصطناعي في عمل النيابة. فالمادة 54 تكفل الحرية الشخصية، وتنص على أنه لا يجوز، عدا حالة التلبس، القبض على أحد أو تفتيشه أو حبسه أو تقييد حريته إلا بأمر قضائي مسبب.
كما تقرر ضمانات إجرائية تتعلق بالإبلاغ، والاتصال بالمحامي، والعرض على سلطة التحقيق خلال 24 ساعة، وحق التظلم، مع ترك تنظيم أحكام الحبس الاحتياطي ومدته وأسبابه للقانون. وتنص المادة 96 على أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية عادلة تكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه.
وتحمي المادة 98 حق الدفاع والتمثيل القانوني. أما المادة 99 فتقرر أن كل اعتداء على الحرية الشخصية أو غيرها من الحقوق والحريات العامة التي يكفلها الدستور والقانون جريمة لا تسقط الدعوى الناشئة عنها بالتقادم.
هذه النصوص الدستورية لم تُصمَّم في سياق يتوقع دخول أدوات آلية إلى صناعة القرار الإجرائي. ومع ذلك، فإن المبادئ التي تحميها، مثل حرمة الحرية الشخصية، وقرينة البراءة، وحق الدفاع الفعّال، ووجوب التسبيب البشري للقرارات الماسة بالحرية، تضع أي إدماج تقني أمام اختبار دستوري صارم. وعليه، فإن إسهام الخوارزمية في تشكيل الاشتباه أو في ترجيح مسار الحبس أو في بناء رواية الاتهام يثير مسألة دستورية تتعلق بمدى بقاء القرار قائمًا على تسبيب بشري مستقل يتيح للدفاع مواجهته والطعن فيه.
وعلى مستوى التشريع، لا يتضمن قانون الإجراءات الجنائية المصري أحكامًا صريحة تنظم استخدام أدوات آلية أو خوارزمية أو نظم ذكاء اصطناعي في مراحل التحقيق أو في تكوين القرارات الإجرائية. فالقانون يسند هذه الإجراءات إلى النيابة العامة وأعضائها والسلطات القضائية المختصة وفق الشروط والأوضاع التي يحددها. ومن ثم يثير هذا الصمت التشريعي إشكالًا يتعلق بالمشروعية، ولا سيما إذا استُخدمت أدوات تحليلية أو تصنيفية أو تنبؤية في قرارات تمس الحرية الشخصية، إذ إن هذا الاستخدام لا يستند إلى تنظيم تشريعي صريح يحدد نطاقه وضماناته وآليات مراجعته والطعن عليه.
أما قانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020 فيمثل خطوة تشريعية مهمة، إلا أنه في ذات الوقت يتضمن استثناءات جوهرية. فالمادة الثالثة، تُخرج من نطاق سريان القانون، ضمن أمور أخرى، البيانات الشخصية المتعلقة بمحاضر الضبط القضائي والتحقيقات والدعاوى القضائية، فضلًا عن البيانات لدى جهات الأمن القومي. وبذلك، قد تبقى معالجة البيانات داخل النيابة، في حدود اتصالها بالتحقيقات والدعاوى، خارج نطاق الحماية المباشرة التي يقررها القانون.
كما أن اللائحة التنفيذية، والتي صدرت في أواخر 2025 بعد تأخر طويل، لا تبدد وحدها الإشكال المتعلق بغياب تنظيم تفصيلي خاص بالبيانات الجنائية واستخدامها التحليلي داخل مرفق العدالة. ومن ثم، يمكن القول إن الإطار التشريعي العام لحماية البيانات في مصر لا يزال يترك فجوة واضحة في ما يتعلق بجمع البيانات الجنائية ومعالجتها وتحليلها داخل منظومة العدالة.
كما لا يمكن تجاهل قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، إذ يتيح لجهات التحقيق، في إطار أوامر مسببّة، الوصول إلى طيف واسع من بيانات المستخدمين والاتصالات الرقمية لدى مقدمي الخدمة، كما يفرض على هؤلاء الاحتفاظ بسجلات وبيانات متعددة لمدة 180 يومًا، ويوفر لجهات الأمن القومي إمكانيات فنية واسعة.
وقد وسّع هذا القانون بالفعل من البنية القانونية المتاحة لإنفاذ القانون في مجال البيانات الرقمية. ومن ثم، فإن دمجه مع أدوات تحليل ذكية قادرة على الربط والتصنيف قد يزيد من المخاطر الواقعة على الخصوصية وحرية التعبير.
ثانيًا: بيان النيابة العامة
النيابة العامة في مصر ليست جهة اتهام فحسب، بل تضطلع قانونًا بوظائف التحقيق وتحريك الدعوى الجنائية ومباشرتها. كما تتولى الإشراف على السجون وغيرها من الأماكن التي تنفذ فيها الأحكام الجنائية، وتعمل في إطار بنية هرمية يتولاها النائب العام. ويجعل هذا الجمع بين الاختصاصات داخل جهة واحدة إدخال أدوات تحليل ذكية أكثر حساسية، خاصة بالمقارنة مع الأنظمة التي تفصل مؤسسيًا بين التحقيق والاتهام.
فعندما تملك المؤسسة نفسها سلطة تقدير الأدلة وتقييمها وتكوين الاتهام، وكذلك اتخاذ بعض القرارات المقيدة للحرية في مرحلة التحقيق، مثل الحبس الاحتياطي، فإن أي أداة ترفع كفاءة هذه العمليات قد تعزز عمليًا قدرة سلطة الاتهام، من دون أن يقابل ذلك بالضرورة تعزيز مماثل لقدرة الدفاع.
واقع الحبس الاحتياطي في مصر يمنح هذا النقاش بُعدًا عمليًا ملحًا. إذ وثّقت تقارير حقوقية مصرية ودولية متعددة أنماطًا ممتدة من التوسع في استخدام الحبس الاحتياطي، بما في ذلك استمرار الاحتجاز عبر “إعادة تدوير” متهمين في قضايا جديدة أو باتهامات مماثلة بعد صدور قرارات بالإفراج عنهم أو بعد بلوغ الحدود القانونية للحبس.
وفي هذا السياق، تثير مسألة الذكاء الاصطناعي مخاوف إضافية، لأن أي نظام قادر على ربط قواعد البيانات وتحليل الأنماط وتقييم الخطورة قد يسهّل هذه الممارسات أو يضفي عليها مظهرًا من الموضوعية التقنية، من دون أن يبدد الإشكالات القانونية والحقوقية الكامنة فيها.
وعندما أعلنت النيابة العامة عن تعزيز بنيتها التقنية بأنظمة ذكاء إصطناعي متطورة في إطار تحديث منظومة العدالة، فقد استخدم بيانها مفردات التحديث التقني مع عدم تحديد تفاصيل الاستخدام عمليًا. كما استخدم البيان ألفاظ عامة مثل تحليل البيانات الضخمة، ورفع دقة الإجراءات وسرعتها، وتعزيز الشفافية وحقوق المتقاضين، والثقة العامة.
غير أن هذه المفردات تُبقي فجوة تعريفية، فلا يُحدّد البيان ما الوظائف التي ستباشرها هذه الأنظمة فعليًا، ولا المواضع التي ستتدخل فيها من المسار الإجرائي، ولا القيود المفروضة عليها.
يضيف أيضًا بروتوكول التعاون مع وزارة الاتصالات بُعدًا آخر، إذ يتضمن تكامل قواعد البيانات وتوسعة الخدمات الرقمية وبناء مستودعات بيانات مشتركة. يعني هذا عمليًا أن المشروع لا يقتصر على تحسين أدوات العمل الداخلي، بل يتضمن بناء بنية تحتية لجمع البيانات وربطها وتحليلها عبر مؤسسات متعددة. والفارق بين الأمرين جوهري، فالأول قد يظل في دائرة التنظيم الإداري، أما الثاني فيطال الخصوصية ويوسّع قدرة الدولة على بناء ملفات شخصية وسلوكية.
ثالثًا: تحليل الوظائف المحتملة ودرجات الخطورة
المدخل العملي الأدق للتعامل مع مشروع “النيابة الذكية” لا يبدأ من التقنية كمفهوم مجرد، بل من الوظائف التي قد تؤديها هذه الأنظمة داخل مسار العمل اليومي للنيابة، ومن تصنيف هذه الوظائف وفق أثرها على الحقوق. فليست كل استخدامات الذكاء الاصطناعي متساوية في الخطورة، والجمع بينها في خطاب واحد يسمح بتقديم المشروع كتحسين إداري بسيط بينما يُفتح الباب لإدراج وظائف تطال صميم الحرية.
1. الاستخدامات الإدارية المنخفضة المخاطر
تشمل هذه الفئة أنظمة إدارة القضايا والوثائق الرقمية، ومحركات البحث الداخلية لاسترجاع السوابق والمذكرات، وأدوات تحسين تدفق العمل وتوزيع الملفات. هذه الوظائف قد تبقى أثرها إداريًا إذا انحصرت في التنظيم. غير أن الحد الفاصل بينها وبين الوظائف الأخطر ليس واضحًا دائمًا.
أداة تلخيص الملفات، مثلًا، تبدو إدارية من حيث العنوان، لكنها في الممارسة تُعيد ترتيب عناصر القضية وتحدّد ما يُعتبر جوهريًا وما يُدفع إلى الهامش. التلخيص انتقاء، والانتقاء يحمل حكمًا ضمنيًا على الوقائع. وحين يصبح الملخص الآلي هو العدسة التي يطالع من خلالها عضو النيابة الملف، فقد تتبدل نقطة ارتكاز القناعة الأولية دون أن يدرك أحد ذلك.
2. البوابات الثلاث للمخاطر الإجرائية العالية
البوابة الأولى: فرز القضايا وترتيب الأولويات
حين تُمنح منظومة ما سلطة ترتيب الملفات وفق أنماط سابقة أو مؤشرات مستخرجة من بيانات متراكمة، فهي تعيد توزيع الانتباه والموارد داخل النيابة. تحديد أي بلاغ يُحقَّق أولًا، وأي ملف يحظى بأولوية، وأي شخص يُصنَّف في فئة تستدعي إجراءات أشد، كل ذلك يتحول عمليًا إلى سياسة جنائية. الفارق أن هذه السياسة لا تمر عبر تشريع ولا تخضع لرقابة برلمانية ولا يمكن الطعن فيها قضائيًا، لأنها مُضمَّنة في خوارزمية لا يعرف أحد خارج المنظومة كيف تعمل.
هذا التحول من السياسة الجنائية المُعلنة إلى الخوارزمية المُضمّنة يُنبّه إليه الميثاق الأخلاقي الأوروبي لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الأنظمة القضائية (CEPEJ) الذي يحذّر من أن انتقال صناعة السياسة الجنائية إلى بنية تقنية داخلية بعيدًا عن الرقابة العامة والنقاش المجتمعي يُقوّض مبادئ الشفافية والمساءلة.
البوابة الثانية: ربط البيانات وتكاملها
بروتوكول التعاون بين وزارة الاتصالات والنيابة العامة يتضمن تكامل قواعد البيانات وبناء مستودعات مشتركة. هذا النوع من التكامل، إذا يقترن بأدوات تحليل وتنبؤ، يُوسّع قدرة الدولة على بناء ملفات شاملة عن الأفراد تجمع بين سجلات جنائية ومالية واتصالية وجغرافية. عند هذا الحد ينتقل الذكاء الاصطناعي من أداة تنظيم إلى بنية ربط ورصد تمس الخصوصية وتُعيد تعريف ما يُعدّ “معلومة ذات صلة” داخل التحقيق.
البوابة الثالثة: التقييم والترجيح
أي نظام يُنتج درجة خطورة أو احتمالية أو توصية نمطية تتصل بمسار إجرائي -الحبس أو الإفراج، التوسع في التحقيق أو حفظه، توجيه الاتهام أو تعديله- يدخل إلى جوهر السلطة الإجرائية. الخطر المركزي لا يتمثل في تفويض القرار للآلة بشكل معلن، فهذا لا يحدث عادة. الخطر في أن التوصية تتحول إلى قرار بحكم الواقع داخل مؤسسة تعمل تحت ضغط الوقت وتقييمات الإنتاجية وتراتبية صارمة.
يؤكد تقرير المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني باستقلال القضاة والمحامين بشأن الذكاء الاصطناعي في الأنظمة القضائية أن إدخال الذكاء الاصطناعي إلى العدالة يتطلب تقييمًا صارمًا للمخاطر وإدارة قائمة على حقوق الإنسان لا على معيار الكفاءة وحده، ويحذّر من أن إدارة هذه الأنظمة بمنطق الوعود التقنية قد تُقوّض ضمانات المحاكمة العادلة واستقلال صنع القرار.
رابعًا: مواطن الخطر الإجرائي
لا يضيف إدماج الذكاء الاصطناعي خطرًا تقنيًا منعزلًا عن بنية العدالة، إذ يمكن أن يُثقل أكثر مناطق الإجراءات حساسية، حيث تتشكل رواية الاتهام قبل أن يملك الدفاع فرصة مواجهة، وتتكون قناعة أولية قد يصعب تفكيكها لاحقًا.
1. تكوين الاشتباه وتوسيع دائرته
ما يُقدَّم تحت عنوان “تحليل البيانات الضخمة” و”ربط قواعد البيانات” قد يتحول عمليًا إلى آلية موسّعة لإنتاج الاشتباه. أنظمة التصنيف والتنميط لا تكتشف الجريمة بشكل محايد، فهي تُعيد توجيه الاشتباه وفق أنماط البيانات المتاحة. وهذا التوسع في الاشتباه قد يُوسّع تلقائيًا دائرة من يمرون عبر إجراءات إنفاذ القانون، بما يحمل أثرًا مباشرًا على الخصوصية وحرية التعبير والحق في التنظيم.
2. القرارات السابقة للحكم
يتضاعف أثر الذكاء الاصطناعي في مرحلة ما قبل الحكم لأن أي تقييم خطورة أو ترجيح احتمال يمكن أن يُترجم مباشرة إلى قرار يقتطع من حرية إنسان لم تثبت إدانته. في السياق المصري، حيث رصدت تقارير حقوقية أنماطًا من التوسع في الحبس الاحتياطي، فإن تسريع إنتاج القرار عبر أنظمة ذكية وتقديمه بواجهة “موضوعية” يرفع احتمال أن يتحول الاستثناء إلى ممارسة أكثر انتظامًا وأشد وطأة.
3. صياغة الاتهام وبناء رواية الوقائع
الأنظمة التي تُلخّص الأوراق أو تُصنّف الوقائع أو تربط البيانات من مصادر متعددة لا تنقل الملف كما هو. كل ملخص يعيد ترتيب عناصر القضية: يُحدّد ما يبدو مركزيًا ويدفع غيره إلى الهامش. قد يُنتج سردًا متسقًا ظاهريًا لكنه يُسقط عناصر قد تكون حاسمة للدفاع. في هذه المرحلة يتضرر حق الدفاع من وجهين، الأول، تضخم الاتهام في صورة تبدو منطقية آليًا، والثاني، انتقال مركز الثقل من الملف الأصلي للقضية إلى مخرجات لا يملك الدفاع أدوات فهمها أو مناقشتها.
4. الطعن والمراجعة
تتعقد عملية الطعن والمراجعة إذا كان الذكاء الاصطناعي يُسهم في تكوين القرار. فجزء من منطق القرار ينتقل إلى طبقة محجوبة بالسرية المؤسسية أو سرية التصميم التجاري أو عجز تقني عن التفسير. والنتيجة أن الطعن يبقى قائمًا من حيث الشكل لكنه يفقد جوهره، لأن الدفاع يواجه نتيجة لا يملك الوصول إلى مقدماتها.
5. القرار الآلي المقنّع
الصيغة الأكثر تداولًا لتبديد المخاوف من الذكاء الاصطناعي في العدالة هي أن “النظام يدعم ولا يقرر” وأن “القرار النهائي يظل بشريًا”. غير أن هذه الصيغة تتجاهل كيف تعمل المؤسسات فعليًا. في أي مؤسسة تعمل تحت ضغط الوقت وفي إطار تراتبية صارمة، تتحول التوصية الآلية تدريجيًا من معلومة إضافية إلى معيار عملي للصواب، ثم إلى مرجعية ضمنية يُحاسَب من يخالفها.
وقد تتضافر عدة عوامل تجعل خطر القرار الآلي المقنّع أشد حدة:
أولًا: ضغط الزمن وعبء الملفات. عندما يُعرض ملخص آلي أو تصنيف أو درجة خطورة، فقد تميل هذه المخرجات، عمليًا، إلى العمل بوصفها اختصارًا للوقت أكثر من كونها مجرد معلومة إضافية. غير أن هذا الاختصار ليس محايدًا بالضرورة، لأنه قد يضيّق مساحة الفحص البشري التي يُفترض أن تشكل إحدى ضمانات حماية حقوق المتهم.
ثانيًا: تبدّل عبء التبرير. يتولد ما يُعرف بـ“انحياز الاعتماد” عندما تُقدَّم المخرجات الآلية باعتبارها أكثر موضوعية أو دقة من التقدير البشري. وفي هذه الحالة، قد تصبح مخالفة التوصية أكثر كلفة من اتباعها، فرفضها يحتاج إلى تبرير إضافي، بينما يمر الالتزام بها باعتباره المسار الأكثر أمانًا مؤسسيًا. وهنا ينقلب عبء التبرير عمليًا، فبدلًا من أن تُثبت المؤسسة أن التوصية صحيحة، يُطلب من الفرد أن يبرر سبب تجاهلها.
خامسًا: الأثر التفاضلي على فئات بعينها
لا تتوزع مخاطر الذكاء الاصطناعي في العدالة بالتساوي على الجميع. بعض الفئات تتحمل العبء الأكبر لأنها ممثّلة بإفراط في بيانات إنفاذ القانون أصلًا، أو لأن طبيعة نشاطها تجعلها أكثر عرضة لتصنيفات خوارزمية تُوسّع الاشتباه بحقها.
- المعارضون السياسيون والنشطاء: في ظل ممارسات إعادة تدوير المتهمين عبر قضايا متتالية بأنماط اتهام متشابهة، فإن نظامًا يربط القضايا ويُحلّل الأنماط قد يُولّد اشتباهات جديدة تلقائيًا بناءً على الملف السابق وشبكة العلاقات. ما كان يحتاج قرارًا بشريًا مقصودًا قد يصبح مخرجًا آليًا يبدو طبيعيًا.
- الصحفيون: في ظل قوانين مكافحة الإرهاب والجرائم الإلكترونية ذات التعريفات الفضفاضة، يمكن لتحليل البيانات أن يُوسّع دائرة الاستهداف ليشمل كل من تواصل مع مصدر مُصنَّف أو نشر محتوى يتقاطع مع “أنماط مشبوهة” استخرجتها الخوارزمية.
- الفقراء والمهمّشون اقتصاديًا: هذه الفئة ممثّلة بإفراط في بيانات إنفاذ القانون في كل مكان. بالتالي، أي نظام يتعلم من هذه البيانات سيعتبرها “أعلى خطورة” لأنها أكثر حضورًا في السجلات، لا لأنها بالضرورة أكثر ارتكابًا للجريمة. يُعد هذا تمييز بنيوي يُعيد إنتاج نفسه.
- النساء في قضايا “الآداب العامة“: قضايا “الاعتداء على قيم الأسرة المصرية” والآداب العامة التي تُستخدم فيها منشورات التواصل الاجتماعي كدليل إدانة ستجد في أنظمة التحليل الآلي أدوات تتبّع وتصنيف أوسع، بما يرفع من احتمالات الملاحقة في قضايا تتصل في جوهرها بحرية التعبير والحق في الخصوصية.
سادسًا: البيانات المنحازة
تتشكل حلقة التحيز كدائرة مغلقة. فحين تُغذّى الخوارزمية ببيانات تاريخية تعكس استهدافًا انتقائيًا لفئات أو مناطق معينة، فإنها تُنتج بدورها تقديرات تعتبر هذه الفئات أو المناطق أعلى خطورة. ويؤدي ذلك إلى توجيه مزيد من الموارد والانتباه إليها، فتزداد كثافة حضورها في السجلات، ثم يعود النظام ليتعلم من هذه الكثافة المصطنعة أنها دليل إضافي على الخطورة. وبهذا لا تكشف الخوارزمية واقعًا موضوعيًا بقدر ما تعيد تدوير أنماط الاستهداف السابقة وتمنحها مظهرًا تقنيًا منضبطًا.
وتؤكد تقارير الأمم المتحدة المتعلقة بالعنصرية والذكاء الاصطناعي أن النماذج التحليلية قد تعيد إنتاج أشكال التمييز السابقة، لأن تحيزات الماضي تنتقل إلى المستقبل عبر البيانات التي تتعلم منها الأنظمة. كما تشير الأدبيات المقارنة الخاصة بأدوات تقييم الخطورة إلى أن هذه الأدوات كثيرًا ما تعتمد على بيانات مشبعة بالانحيازات، في الوقت الذي تميل فيه المؤسسات إلى التعامل مع مخرجاتها بوصفها أكثر دقة وموضوعية مما هي عليه في الواقع.
وتتمثل إحدى أخطر نتائج هذه الحلقة في أنها تغيّر وظيفة العدالة الجنائية نفسها. فبدلًا من مساءلة شخص عن فعل محدد استنادًا إلى أدلة مرتبطة بذلك الفعل، ينتقل التركيز إلى موقعه داخل نمط إحصائي أو تصنيف احتمالي. وعند هذه النقطة، تتآكل قرينة البراءة عمليًا في المرحلة السابقة على الحكم، إذ يصبح الاشتباه ناتجًا عن معالجة البيانات لا مستندًا إلى وقائع فردية محددة.
وهذه الظواهر ليست نظرية، وتكشفها التجارب المقارنة التالية بوضوح:
1. التجربة الأمريكية: COMPAS وقضية Loomis
في الولايات المتحدة، تُستخدم أحيانًا برامج لتقدير احتمال عودة المتهم إلى ارتكاب جريمة مستقبلًا، أو ما يُعرف بتقييم “مخاطر العود”. ومن أشهر هذه البرامج نظام COMPAS، وهو نظام مملوك لشركة خاصة ويعتمد على معالجة بيانات المتهم لإنتاج درجة أو تصنيف للمخاطر. في قضية State v. Loomisالتي نظرتها المحكمة العليا في ولاية ويسكونسن عام 2016، استُخدم هذا النظام ضمن المواد التي اطّلعت عليها المحكمة عند إصدار العقوبة على المتهم.
اعترض المتهم على ذلك لأن النظام لم يكن شفافًا، فهو لم يستطع معرفة الكيفية التي وصل بها البرنامج إلى تقييمه، ولا فحص دقته، ولا الطعن الفعّال في منطقه بسبب طبيعته التجارية السرية. ومع ذلك، قبلت المحكمة استخدامه من حيث المبدأ، لكنها قالت إن ذلك يجب أن يظل مقيدًا بتحذيرات وحدود واضحة، وأكدت أنه لا يجوز التعامل مع مخرجاته باعتبارها العامل الحاسم وحده في تقرير العقوبة أو مدة السجن.
وفي السياق نفسه، خلص تحقيق ProPublica إلى أن النظام يخطئ بطرق غير متكافئة عرقيًا، إذ كان أكثر ميلًا إلى تصنيف متهمين سود غير عائدين إلى الإجرام ضمن فئات خطورة أعلى مقارنة بمتهمين بيض. وتكشف هذه التجربة مخاطر التحيز البنيوي، وصعوبة الطعن الفعال حين يُحجب منطق الأداة، وإمكان تحوّل “الدعم” عمليًا إلى عنصر مؤثر بعمق في القرار القضائي.
2. التجربة الهولندية: SyRI
في فبراير 2020، قضت محكمة لاهاي بعدم توافق الإطار القانوني لنظام SyRI مع المادة 8 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان. وكان النظام يُستخدم لكشف أنماط من الاحتيال، منها الاحتيال في الإعانات والخدمات الاجتماعية، من خلال ربط قواعد بيانات حكومية متعددة وتحليلها.
ورأت المحكمة أن التشريع المنظم للنظام، في صورته القائمة، لم يحقق توازنًا عادلًا بين المصلحة العامة والحق في الحياة الخاصة، وأن متطلبات الشفافية والضمانات لم تكن كافية بالنظر إلى شدة التدخل في الخصوصية. وإذا كان هذا المعيار قد طُبّق في سياق الرعاية الاجتماعية، فإن دلالته تصبح أشد إلحاحًا في سياق إنفاذ القانون، حيث قد تُمس الحرية الشخصية مباشرة.
سابعًا: تفكيك المبررات الرسمية
يتوزع الخطاب الرسمي لـ”النيابة الذكية” على خمس حجج متكررة. كل منها تحمل مظهرًا من المعقولية لكنها تتعثر أمام الاختبار الحقوقي.
1. تعقيد الجرائم يستلزم أدوات ذكية
تبدو هذه الحجة منطقية إذا قُرئت كملاحظة تقنية مجردة. غير أنها تتحول إلى مشكلة حين تُستخدم رخصةً لتوسيع السلطة بلا قيود. ما يقتضيه التعقيد هو رفع جودة التحقيق البشري وتدعيم الخبرة وحماية استقلال القرار، لا إدخال طبقة ترجيح خوارزمية تُنتج اشتباهًا أسرع وتُوسّع الفجوة بين الاتهام والدفاع.
2. حجة العدالة الناجزة
لا أحد يخاصم تقليل التأخير غير المبرر. لكن العدالة الناجزة ليست تقليص الزمن بأي ثمن. السرعة داخل منظومة مختلة في التوازن بين الاتهام والدفاع لا تُنتج إنصافًا أسرع بل تُنتج قدرة أعلى على تقييد الحرية قبل الحكم. والتعليق العام رقم 32 للجنة حقوق الإنسان يؤكد أن المحاكمة العادلة تتطلب وقتًا كافيًا ومرافق ملائمة لإعداد الدفاع، وأن تكافؤ الفرص يشترط مساواة عملية بين الأطراف. إدخال منظومة تسريع لا تمنح الدفاع معرفة مماثلة ولا تمكّنه من الطعن في أثرها يُنتج ظلمًا أكثر كفاءة.
3. حجة الدقة وتقليل الخطأ البشري
تقوم هذه الحجة على مقارنة مضللة بين “بشر يخطئون وآلة أدق”. الدقة القانونية ليست دقة إحصائية فحسب. هي دقة يمكن تعليلها وفهمها والطعن فيها. الخطأ البشري يمكن مواجهته لأن منطقه مفهوم ومساره قابل للتتبع. أما الخطأ الآلي فيصبح أخطر حين يُقدَّم كحقيقة “موضوعية” ويُحجب منطق إنتاجه.
4. حجة الشفافية وتعزيز الثقة
هذه الحجة هي الأكثر تناقضًا مع الواقع. فالبيان نفسه الذي يَعِد بالشفافية لا يُفصح عن الشركات المنفذة ولا مواصفات الأنظمة ولا معايير الحماية. الشفافية الحقيقية تعني تمكين المتقاضي من معرفة أن خوارزمية أسهمت في اتخاذ قرار يخصه ومن الاعتراض على أثرها. بدون ذلك تتحول الشفافية إلى شفافية داخلية بين وحدات الدولة، لا شفافية تجاه صاحب الحق.
5. حجة الريادة والتحول الرقمي
ربط المشروع برؤية مصر 2030 يدفع العدالة إلى مقام الواجهة التنافسية. الريادة التقنية لا تساوي ريادة حقوقية. إدخال أنظمة تحليل وربط بيانات داخل مؤسسة تملك سلطات قسرية دون إعلان قواعد الاستخدام وحدود البيانات وآليات الرقابة يُوسّع القدرة التنفيذية للدولة تحت غطاء التحديث.
ومن المفيد هنا الإشارة إلى أن قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي (AI Act) الصادر عام 2024 صنّف استخدامات الذكاء الاصطناعي في إنفاذ القانون والعدالة الجنائية ضمن الفئة “عالية الخطورة”، بما يتطلب تقييم أثر إلزاميًا وشفافية وقابلية تفسير ورقابة بشرية مشددة. هذا التصنيف يمثل اعترافًا مؤسسيًا دوليًا بأن مجال العدالة الجنائية يتطلب ضمانات استثنائية لا مجرد وعود عامة.
ثامنًا:المسؤولية القانونية والفجوات الاجتماعية
تتمثل إحدى الإشكاليات المركزية في غياب تحديد واضح لجهة المسؤولية عندما يفضي قرار بُني على توصية خوارزمية إلى انتهاك حقوق شخص. فرغم بساطة هذه المسألة من حيث المبدأ، فإن الإطار القانوني المصري الراهن لا يقدّم لها إجابة محددة.
فإذا استند عضو النيابة إلى بيانات منحازة عند اتخاذ قرار بالحبس الاحتياطي، ثم تبيّن لاحقًا أن هذا القرار لم يكن مبررًا، فإن مسألة المسؤولية القانونية تظل موزعة على نحو ملتبس بين عدة أطراف. إذ قد يُنسب القرار إلى عضو النيابة رغم أنه لم يُحط بالمنطق الذي أنتج التصنيف، وقد تُطرح مسؤولية الدولة بوصفها الجهة المشغِّلة للنظام، كما قد تمتد المسؤولية إلى الشركة المطوِّرة بالنظر إلى احتمال وجود عيوب في التصميم أو انحياز في البيانات. وقد يزداد هذا الالتباس في ظل غياب سجل أثر يوثّق دور الخوارزمية ومقدار تأثيرها الفعلي في القرار.
ويؤدي غياب هذا التحديد إلى نشوء فجوة مساءلة خطيرة. فالمتضرر لا يملك في الغالب وسائل إثبات أن الخوارزمية أسهمت في القرار الصادر بحقه، لأنه قد لا يعلم أصلًا باستخدامها. وفي المقابل، قد يستند عضو النيابة إلى التوصية الآلية لتبرير قراره، بينما تتحصن الشركة المطوِّرة بالسرية التجارية، وتتمسك الدولة بأن القرار النهائي ظل قرارًا بشريًا. وبهذا تتوزع المسؤولية على نحو يفضي عمليًا إلى تلاشيها، في حين يبقى المتضرر وحده متحملًا للنتيجة.
ولا يكتمل تحليل المساءلة من دون تناول هوية الجهات المنفذة وطبيعة موقعها في هذه المنظومة. فالمسألة تمتد إلى الشركات التي تتولى تطوير هذه الأنظمة للنيابة المصرية، وإلى ما إذا كانت محلية أو دولية، وإلى سجلها في مجال حقوق الإنسان، وإلى مدى تضمّن العقود المبرمة معها التزامات واضحة بالشفافية وقابلية التدقيق المستقل. كما تمتد إلى أثر حقوق الملكية الفكرية في حجب الخوارزميات عن الفحص، بما قد يحول دون إخضاعها لأي مراجعة فعالة في سياق يمس الحرية والحقوق الأساسية.
كما يُنتج التحول الرقمي في العدالة فجوة جديدة بين من يملك أدوات مواجهة التقنية ومن لا يملكها. إذا أصبح جزء من قرارات النيابة مبنيًا على مخرجات خوارزمية، فإن الطعن الفعّال يتطلب خبرة تقنية متخصصة مثل فهم كيف تعمل الخوارزميات، والقدرة على اكتشاف التحيز في البيانات، والاستعانة بخبراء مستقلين لتقييم المخرجات.
مكاتب المحاماة الكبيرة قد تستطيع توظيف هذه الخبرة. أما المحامون الأفراد في المناطق النائية لن يستطيعوا. هذا يعني أن التحول الرقمي في النيابة قد يُعمّق اللامساواة في الوصول إلى عدالة فعّالة، بما يعني أن المتقاضون الأكثر ثراءً سيملكون أدوات مواجهة أفضل، بينما يظل الفقراء في مواجهة نظام أعقد بأدوات أضعف. ينتهك هذا مبدأ المساواة أمام القانون الذي يكفله الدستور المصري والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية على حد سواء.
التحديث يبدأ بالحقوق
ما كشفته هذه الورقة لا يتعلق بمشروع تقني يمكن تقييمه بمعايير الكفاءة والتحديث، بل بتحوّل في بنية السلطة الإجرائية يجري تمريره تحت غطاء لغة محايدة. وثمة سؤال لم تستطع الورقة الإجابة عنه لأنه يتجاوز نطاقها المنهجي، لكنه يظل حاضرًا في خلفية التحليل كله: هل يمكن لإطار ضمانات، مهما كان متماسكًا نظريًا، أن يعمل فعليًا بشكل لا ينتهك الحقوق ويحافظ على العدالة؟
ولعل من أهم ما يتيحه هذا النقاش هو إعادة النظر في افتراض يتكرر داخل خطاب التحديث، مؤداه أن تحديات العدالة يمكن معالجتها أساسًا على مستوى الأدوات. غير أن التحليل الذي عرضته الورقة يشير إلى أن أثر التقنية لا يتحدد بخصائصها وحدها، بل يتشكل أيضًا بطبيعة المؤسسة التي تستخدمها، وبالإطار القانوني والإجرائي الذي تعمل داخله.
ومن ثم، فإن إدخال أدوات أكثر كفاءة داخل منظومة تعاني أصلًا من إشكالات قد يفاقم بعض الاختلالات القائمة أو يجعلها أقل ظهورًا. ولهذا، يصعب فصل النقاش حول الذكاء الاصطناعي في سياق العدالة عن النقاش الأوسع المتعلق بإصلاح العدالة الجنائية نفسها، كما أن عزل المسألة التقنية عن سياقها المؤسسي والحقوقي قد يفضي إلى قراءة غير مكتملة وإلى توصيات محدودة الفاعلية.
وتفتح الورقة أيضًا أسئلة تحتاج إلى معالجة مستقلة، منها: كيف يتفاعل المحامون المصريون فعليًا مع التحول الرقمي في مرافق العدالة، وما أثر ذلك على قدرتهم في الدفاع؟ وما التفاصيل التقنية للأنظمة التي يجري تطويرها أو اقتناؤها، وهل يمكن إخضاعها لتدقيق مستقل؟ وكيف تتشكل السياسة الجنائية فعليًا حين تنتقل من قرارات بشرية مُعلنة إلى خوارزميات مُضمّنة، وما أدوات الرقابة الممكنة على هذا الانتقال؟ وما الأثر طويل المدى على بنية المهنة القانونية واستقلال أعضاء النيابة أنفسهم حين يصبح جزء من تقديرهم المهني خاضعًا لمعايرة تقنية غير مرئية؟
أخيرًا، هذه الورقة لا تُوجَّه إلى باحثين فحسب بل إلى كل من يملك قرارًا أو تأثيرًا في هذا المسار مثل المشرّعين والنواب والقضاة والمحامين ومنظمات المجتمع المدني. ينبغي أن تتعامل جميع الأطراف مع التقنية على أنها ليست قدرًا لا يُرد، وصمت التشريع لا يعني الموافقة، والتحديث الذي لا يبدأ من الحقوق ينتهي إلى تحديث أدوات السيطرة لا أدوات العدالة.