«حجب يوتيوب».. 8 سنوات من السجال القضائي

فيلم لا يُعرف على وجه الدقة مخرجه ومنتجه وحمل أسماءً متعددة: «براءة المسلمين» و«براءة بن لادن» و«محاربو الصحراء». الفيلم في مُجمله متواضع في صناعته ومحتواه ويدور حول سردية كتابة القرآن من قِبل راهب مسيحي وتصوير النبي محمد كمثلي وزير نساء. في سبتمبر 2012، نُشر المقطع الترويجي للفيلم باللغة الإنجليزية أولًا على موقع يوتيوب، قبل أيام قليلة من ذكرى أحداث 11 سبتمبر، بعدها بأسابيع نُشرت النسخة العربية من المقطع.

على إثر نشره، اندلعت احتجاجات وأعمال عنف في العديد من دول العالم، أكبرها كان الهجوم على السفارة الأمريكية في ليبيا وقتل أربعة دبلوماسيين أمريكيين من بينهم السفير.

في مصر، أقام محامٍ دعوى تطالب الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات ووزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بحجب موقع يوتيوب داخل مصر، وحجب كافة الروابط التي تعرض الفيلم المُسيء للرسول وجميع الروابط التي تعرض مقاطع فيديو مُناهضة للإسلام. وفي 2013، أصدرت محكمة القضاء الإداري حكمها في الشق المستعجل من القضية بحجب موقع يوتيوب لمدة شهر، وحجب جميع الروابط التي تعرض الفيلم. طُعن على الحكم الصادر في الشق المستعجل أمام المحكمة الإدارية العليا، لكنها أيّدت حكم القضاء الإداري.

مؤخرًا، أصدرت محكمة القضاء الإداري في 24 يناير الماضي حكمها في الشق الموضوعي من الدعوى والذي انتهى إلى إلغاء القرار السلبي للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام -والذي ضمه المحامي مُقيم الدعوى لقائمة الخصوم بعد إنشائه- بالامتناع عن حجب الروابط التي تعرض الفيلم المُسيء للرسول على يوتيوب.

ثمان سنوات مرّت على نشر الفيلم على يوتيوب، تداولت خلالها المحاكم المصرية دعوى لحجب الموقع. تعتبر هذه القضية تطبيقًا ومثالًا عمليًا على التطورات التي طرأت على البيئة التشريعية المصرية في الفترة السابقة، التي تزامنت مع فرض السلطة لقيود عديدة على مساحات حرية الرأي والتعبير والإنترنت، خاصة مع استحداث قانوني تنظيم الإعلام والصحافة، وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات.

القضية أيضًا تُعظّم من ثوابت قضائية تُوسّع من المبررات القانونية لاستخدام مصطلحات «حماية الأخلاق» و«القيم الدينية» لتُقيّد حرية التعبير وحرية الإبداع، ولتُعبّر عن نهج لقولبة أفكار محافظة ضد حرية النشر على الإنترنت، تمامًا كما تعاملت السلطات مؤخرًا مع قضية «فتيات تيك توك».

يظهر ذلك في دعوة المحكمة الإدارية العليا التي طالبت أثناء نظر الشق المستعجل من قضية حجب يوتيوب: «وفي هذا المقام، فإن المحكمة تهيب بالدولة ومجلس نوابها سنّ تشريع يمنع ويجرم كل بث أيًّا كانت وسيلته، من شأنه أن ينال من المعتقدات والثوابت الدينية للشعب المصري حفاظًا على السلام الاجتماعي ووحدة النسيج الوطني».

ثمان سنوات مرّت على نشر الفيلم؛ فبات لا يتذكره الناس ولا يتجاوز تأثيره ما يحدث داخل جدران المحاكم، حتى جاء الحكم الأخير ليُذكّر مرة أخرى بالفيلم وملابساته الاجتماعية والقانونية. والأهم أنه تركنا أمام تأثيرات بعيدة المدى وسوابق قضائية راسخة يصعب خلخلتها في المستقبل القريب.

القضاء يقرّ «الوظيفة الحمائية» لـ«الأعلى للإعلام»

أشار الحكم الصادر في يناير الماضي إلى سيل التشريعات التي استحدثت وظائف وأدوار مختلفة للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، بدءًا من سلطة منح التراخيص لوسائل الإعلام المختلفة مصرية كانت أم أجنبية، وحتى سلطة حجب المواقع والحسابات الشخصية وتوقيع الجزاءات على وسائل الإعلام.

ما تزال السيطرة على المنصات الرقمية، خاصة التي تُشغّل من خارج مصر، ممارسة غير قابلة للتنفيذ الكامل عبر التشريعات الوطنية؛ لأسباب تقنية وإجرائية. خضوع هذه المنصات لسلطة «الأعلى لتنظيم الإعلام» يستلزم أن تكون هذه المنصات قد حصلت على ترخيص منه وأن يكون تشغيلها من داخل مصر بحيث يمكن فرض التزامها بقرارات المجلس، وهو ما يختلف تمامًا مع التركيبة التي يعمل بها الإنترنت. وتقتصر السلطة المُتاح تنفيذها على المنصات الرقمية على ممارسة الحجب فقط في غالب الأحيان، وإن كان يمكن للمجلس فرض عقوبات أكثر على الصحفيين الأجانب ووسائل الإعلام الدولية التي تعمل من داخل مصر أو التي تبثّ عبر القمر الصناعي نايل سات.

ظهرت هذه الإشكالية في الحكم الأخير، فأقرّ الحكم بغياب سلطة المجلس على يوتيوب لأن المنصة تُشغّل من خارج مصر، فلا يمكن لـ «الأعلى للإعلام» توقيع جزاءات في حقها. إلاّ أن الحكم قد بحث عن مخرج ملائم يُوسّع من صلاحيات المجلس ويُعيد تفسير النصوص المُتعلّقة بالأمن القومي المنصوص عليها بقانون تنظيم الإعلام وضمان دور حمائي قادر على توفير حماية للأمن القومي المصري. يذكر الحكم أنه «إذا كان من شأن المواد الإعلامية التي تُبث من الخارج الإخلال بُمقتضيات الأمن القومي المصري، فللمجلس الأعلى عندئذ أن يأمر بمنع تداولها أو عرضها داخل البلاد، وإذا كانت المواد إباحية أو تتعرض للأديان والمذاهب الدينية بما من شأنه تكدير السلم العام، أو تحضّ على التمييز أو العنف أو العنصرية أو الكراهية، فقد أوجب المُشرّع على المجلس أن يأمر بمنع تداول أو عرض المادة المُخالفة في مصر، وحري بالبيان أن هذه السلطة ليست من قبيل الجزاء أو العقوبة التي يتم توقيعها على الوسيلة الإعلامية الأجنبية المُخالفة، ولكنها إحدى تجليات الوظيفة الحمائية التي يضطلع بها المجلس الأعلى حفاظًا على الأمن القومي للبلاد والآداب العامة والنظام العام».

استخدام مصطلح حماية الأمن القومي ممارسة دارجة للغاية، تُستَخدم من سنوات عديدة في تقييد حرية التعبير وحرية المعلومات، وهو أيضًا لم يكن مسلكًا جديدًا في مسار نظر الدعوى. انتهت المحكمة الإدارية العُليا عند نظرها الطعن على الحكم الصادر في الشق المستعجل في هذه القضية إلى ذات النتيجة -وإن اختلفت في استخدام النص القانوني- فعَمدت المحكمة إلى استخدام مفهوم الأمن القومي الاجتماعي من خلال التوسّع في تفسير نصوص قانون تنظيم الاتصالات. إلّا أن الحكم الأخير الصادر في الشق الموضوعي يستخدم التطور القانوني الذي طرأ على البيئة التشريعية المصرية ليُفسح مجالًا لتحكُّم المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام من خلال تفسير نصوص قانون تنظيم الإعلام واللوائح المُكمّلة له.

كيف ستنفذ السلطة الحكم؟

مرّت مسألة تنفيذ حكم «حجب يوتيوب» أو الروابط التي تحتوي على الفيلم بالعديد من السجالات أثناء نظر الدعوى. في 2012، طلب مُقيم الدعوى -في الشق المستعجل- حجب موقع يوتيوب بالكامل على أساس أن الفيلم يُعاد نشره تكرارًا، وبالتالي لا يمكن السيطرة على جميع الروابط.

رد الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات وقتها بأنه أنشأ آلية للإبلاغ عن الروابط التي تحوي الفيلم. وبالفعل، أطلق الجهاز -وقتها- موقع «حماية.مصر» يُمكّن المستخدمين من الإبلاغ عن الروابط التي تحوي الفيلم سواء على منصة يوتيوب أو غيرها. وقدم دفاع الجهاز في يناير 2013 للمحكمة مستندات تضمنت رسائل موجهة من الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات إلى مقدمي خدمات الإنترنت في مصر لتنفيذ ما انتهى إليه قرار الجهاز بإلزام هذه الشركات بحجب رابط «الفيلم المُسيء إلى الرسول الكريم» على موقعي جوجل ويوتيوب على شبكة المعلومات الدولية، ومنع الدخول إليه من داخل جمهورية مصر العربية، على أن توافي هذه الشركات الجهاز بتوضيح ما اتُخذ من إجراءات في هذا الشأن وإتمام عملية الحجب، وإخطار الجهاز بما قد يواجه الشركات من صعوبات عند تنفيذ هذا القرار.

لكن المحكمة رأت أنه لا يوجد حل متماسك للتعامل مع روابط الفيلم المُتغيّرة على موقع يوتيوب، فأمرت بحجب موقع يوتيوب كاملًا لمدة شهر، وحظر جميع الروابط التي تعرض الفيلم المسيء لمدة غير محددة، إلاّ أن هذا القرار لم يُنفّذ. لاحقًا قدّمت مؤسسة حرية الفكر والتعبير والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات طعنًا ضد الحكم بحجب يوتيوب لمدة شهر. وفي 2018، رفضت المحكمة هذا الطعن وأيّدت الحكم.

على الجانب الآخر، طلبت الحكومة المصرية من جوجل استفسارات حول الفيلم. تقول جوجل في تقرير الشفافية الذي يُغطّي النصف الثاني من سنة 2012 إنها تلقت طلبًا من أستراليا ومصر والولايات المتحدة لمراجعة الفيديوهات لتحديد مدى انتهاكها لإرشادات المنتدى، ولكنها لم تكن كذلك، في حين طلبت سبعة عشر بلد غيرها إزالة الفيديوهات. وبالفعل، منعت جوجل عرض الفيلم في العديد من البلاد منها مصر. بحسب التقرير، «نظرًا للظروف الصعبة التي تعيشها مصر وليبيا، منعنا عرض الفيديوهات في البلدين بشكل مؤقت».

في النصف الأول من 2013، طلبت الحكومة المصرية مرة أخرى إزالة 105 فيديوهات على يوتيوب تحتوي على أجزاء من الفيلم. من جانبها، قالت جوجل إنها استجابت لهذا الطلب وحظّرت عرض الفيديوهات في مصر.

الحكم الأخير هو الحكم الأول في الشق الموضوعي من القضية، حيث ألغى القرار السلبي للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بالامتناع عن حجب روابط الفيلم على موقع يوتيوب. ويتماشى هذا القرار مع التغيّر في البيئة التشريعية، حيث أصبح للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام سلطة على المحتوى المُنشور على الإنترنت، بما في ذلك حجب المواقع والحسابات الشخصية. ويضمّ تشكيل إدارة المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام عضوًا ممثلًا للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، وعلى ذلك فتكون سلطة اتخاذ القرار بالحجب للمجلس، في حين تكون مسؤولية التنفيذ واقعة على الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات بصفته الجهة المنوط بها إدارة قطاع الاتصالات في مصر.

تقنين الرقابة على الإنترنت

خلال السنوات الماضية، عملت السلطة على فرض سيطرة تامة على المجال العام، خاصة الإعلام والإنترنت، على مستوى الإعلام استُحدثت قوانين للسيطرة التامة على وسائل الإعلام المختلفة، وسيّطرت شركات تابعة لأجهزة أمنية على ملكية وسائل الإعلام. وعلى مستوى الإنترنت، اتخذت السلطة مسارين متوازيين للسيطرة على حرية المعلومات وحرية التعبير على الإنترنت. المسار الأول قانوني، وذلك عبر «مكافحة جرائم تقنية المعلومات» فضلًا عن قانونين آخرين هما تنظيم الإعلام والصحافة، اللذين منحا صلاحيات واسعة للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام وجهات التحقيق وأجهزة إنفاذ القانون لممارسة الرقابة على الإنترنت وحجب المواقع. المسار الثاني هو الممارسات المتعلقة بالملاحقات الأمنية والقضائية للنشطاء والصحفيين على خلفية التعبير عن آرائهم على الإنترنت، وهي ممارسة واسعة الانتشار خلال السنوات الماضية.

وبغض النظر عن الحكم الأخير المُتعلّق بيوتيوب والقوانين والممارسات، فإن النظام الحالي مارس الرقابة على الإنترنت وحجب مواقع الوِب على نطاق واسع دون وجود سند قانوني مُعلن حتى الآن، ليصل عدد المواقع المحجوبة إلى أكثر من 600 موقع منذ بدء موجة الحجب في مايو 2017، وهي الممارسة التي ركّزت بشكل أساسي على المواقع التي تُقدّم محتوى صحفي وإعلامي والمواقع الحقوقية.


هذا النص نُشر أولًا على موقع مدى